تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

تساؤلات حول فيروس الورم الحليمي البشري

سلمى الديب
8 دقيقة قراءة
تساؤلات حول فيروس الورم الحليمي البشري
A woman receives a dose of a vaccine against the coronavirus disease (COVID-19) in Cairo, Egypt March 4, 2021. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany

في بداية عام 2019، قررت الحصول على التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري، سأشرح لك لماذا. 

تعلمت في كلية الطب أن سرطان عنق الرحم يُعد رابع أكثر السرطانات انتشارًا في العالم، ولحسن الحظ يُمكن الوقاية منه عن طريق التطعيم.

لا أتذكر مصدر معرفتي بأن التطعيم موجود في مصر، ويمكن الحصول عليه في مراكز المصل واللُقاح (فاكسيرا)، أظن المصدر كان «منشور فيسبوكي» لكن الذاكرة قد تخونني.

توجهت للفرع الرئيسي للمركز في حي المهندسين، وأخبرتهم مُرادي. وصفوا لي المكان الموجود داخل المبنى الذي يجب أن أشتري منه اللُقاح، وبعدها أتوجه إلى الممرضة لأخذ الحقنة.

عندما طلبت اللقاح من الموظف الأول سألني سؤالين بالتحديد: ما عمرك؟ كنت حينها 25 عامًا. هل أنت متزوجة؟ لا. ثم تمت الإجراءات بعدها، وشرح لي الموظف عدد الجرعات وكتب لي مواعيدها في جدول كي ألتزم بها. 

يسبب فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) عدوى فيروسية تؤدي عادة إلى نمو الجلد أو الأغشية المخاطية «الثآليل»، ويوجد أكثر من 100 نوع من الفيروس، بعضها يمكن أن يسبب أنواعًا مختلفة من السرطان. يصيب الفيروس كلًا من الرجال والنساء، لكنه قد يبقى خاملًا في الجسم لسنوات عدة قبل ظهور أي أعراض للعدوى.

لا تؤدي معظم حالات عدوى (HPV) إلى الإصابة بالسرطان. لكن بعض الأنواع قد تسبب سرطان الجزء السفلي من الرحم المتصل بالمهبل (عنق الرحم). تم ربط أنواع أخرى من السرطانات، بما في ذلك سرطانات الشرج والقضيب والمهبل وظهر الحلق (الفم والبلعوم) بعدوى الفيروس.

غالبًا تنتقل هذه العدوى عن طريق الاتصال الجنسي أو من خلال ملامسة الجلد للجلد. يمكن أن تساعد اللقاحات في الحماية من سلالات فيروس الورم الحليمي البشري التي يُرجح أن تسبب الثآليل التناسلية أو سرطان عنق الرحم.

يُعد انتشار فيروس HPV، وسرطان عنق الرحم، في مصر مشكلة صحية خطيرة، حيث يعاني العديد من النساء في مصر من هذا المرض. طبقًا لدراسة صادرة عن عدة مستشفيات منها مستشفى الجلاء التعليمي عام 2021، تم تشخيص حوالي 514 امرأة بسرطان عنق الرحم، ونتج عن ذلك 299 حالة وفاة بسبب المرض في مصر عام 2010 طبقًا للتقرير. وجاء سرطان عنق الرحم في المركز الثاني بين أنواع السرطان التي تصيب المصريات في عام 2010. وفقًا لمركز فيروس الورم الحليمي البشري، تتعرض جميع النساء في مصر ممن تبلغ أعمارهن 15 عامًا فأكثر -وعددهم حوالي 30.55 مليون امرأة- لخطر الإصابة بسرطان عنق الرحم.

تشير التقديرات الحالية إلى أنه يتم تشخيص 969 إصابة بسرطان عنق الرحم بين 100 ألف امرأة حول العالم كل عام، وتموت 631 امرأة بسبب هذا المرض.

يحتل سرطان عنق الرحم المرتبة الـ14 ضمن أكثر أنواع السرطانات انتشارًا بين النساء في مصر، والسرطان الـ14 الأكثر شيوعًا وسط النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 15 و 44 عامًا بشكل عام طبقًا لنفس التقرير. وينوه التقرير إلى أن البيانات غير متوفرة حتى الآن حول انتشار فيروس الورم الحليمي البشري في عموم السكان في مصر.

في أكتوبر 2014، تم إجراء دراسة رصدية أشارت إلى انتشار فيروس الورم الحليمي البشري بين النساء المصريات في سن 18 عامًا أو أكثر بحوالي 10.4٪، مع معدل  انتشار أعلى للعدوى بين النساء في سن 45-54 سنة.

يكمن عبء الفيروس في الإصابة بسرطان عنق الرحم، تقول م.أ «أنا اتشخصت بسرطان عنق الرحم وأنا عندي 40 سنة، روحت لدكتور نسا عشان كان عندي نزيف وكنت فاكرة إنه ممكن يكون من اللولب يعني أو عادي لخبطة هرمونات، الدكتور وقتها قالي هنعمل حاجة اسمها مسحة عنق الرحم، وعملها وبعتها للمعمل، وسألني لو كان جالي أي أمراض جلدية في الجهاز التناسلي، قولتله أيوه، أنا اتجوزت مرتين، في المرة التانية بعد جوازي على طول جالي زي زيادات جلدية كده، روحت كشفت عند دكتور جلدية قالي دي عدوى فيروسية وجاتلك عن طريق ممارسة الجنس، قولتله أيوه جاتلي منين؟ جوزي الأول مكانش عنده حاجة ولا جوزي التاني شوفت عنده حاجة زي دي، قالي عادي ممكن يكونوا عندهم العدوى بس مظهرش عليهم الأعراض، وقالي عمومًا هو الموضوع هياخد وقت بس هيروح لوحده، الزوايد دي قعدت حوالي 6 شهور وبعدين راحت».

تستطرد م.أ «لما روحت لدكتور النسا قالي انتي عندك ولاد؟ قولتله آه، قالي طيب في تطعيم ضد السرطان ده لو تحبي ولادك ياخدوه، وفعلاً خليت ولادي كلهم ياخدوا التطعيم، بس صعبت عليا نفسي، لو بس كان حد قالي إن فيه تطعيم وأنا قدهم ولا عرفت بأي طريقة مكانش اللي حصلي ده حصل».

يحدث نفس السيناريو مع الكثير من النساء، وتموت الآلاف منهم سنويًا بسبب سرطان عنق الرحم ويمكن الوقاية منه بثلاث حُقن.

يعتبر التوعية بفيروس HPV وسرطان عنق الرحم، والفحص الدوري للمرأة، هما الأسلحة الأساسية لمكافحة هذا المرض في مصر. ومع ذلك، فإن التحدي الرئيسي يتمثل في زيادة الوعي والتوعية بأهمية الكشف المبكر والوقاية من هذا المرض عن طريق التطعيم، لكن يبقى السؤال هنا ما هي الخطة للتوعية؟

تقول فاطمة محمد، طبيبة تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية في محافظة أسيوط، والتي تعمل في إحدى مستشفيات وزارة الصحة، إن «التطعيم موجود في الصيدليات، لكن محدش يعرف عنه حاجة، والنوع الموجود يصلح للأطفال من سن 9 سنين، بس حتى اللي معاه فلوس ميعرفش عنه حاجة فمحدش بياخده، مفيش أي تدريبات تمت حتى للأطباء اللي شغالين في مجال تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، مصدر معلومات الأطباء من الإنترنت وفقط، أنا المعلومات اللي عندي من وقت البكالوريوس، مع أن ده شغلي ولكن مفيش أي حاجة عنه، حتى مسحة عنق الرحم واللي منها نقدر نعرف لو في أي تغيير في خلايا عنق الرحم مش بتتعمل غير في القطاع الخاص، مش عارفة لو في مستشفيات تابعة لوزارة الصحة بتعملها ولا لأ ومستشفيات الجامعة بتعملها ولا لأ»

ما هي أنواع اللقاحات الموجودة في مصر؟

يوجد نوعان من اللقاح، أحدهم موجود في العيادات والمراكز الخاصة وفروع المصل واللقاح الموجودة في أنحاء الجمهورية، ويسمى جارداسيل-9 (Gardasil-9)، وهو النوع الوحيد الذي يمكن أن يحمي كلًا من الذكور والإناث الذين تتراوح أعمارهم بين 9 و45 سنة، وينصح بإعطاء جرعتين بينهما فاصل زمني ستة شهور لكل من الذكور والإناث حتى عمر 14 سنة. أما في حالة الحصول على التطعيم بعد 14 سنة، يجب إعطاء ثلاث جرعات من التطعيم.

والنوع الثاني هو سيرافركس Cervarix. وبحسب كلام الطبيبة فاطمة محمد، هذا التطعيم موجود في الصيدليات وسعره 300 جنيه. يعطى لقاح سيرافركس للفتيات والنساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 9-45 في ثلاث جرعات بواسطة الحقن في الذراع خلال فترة نصف عام، حيث يتم إعطاء الحقنة الثانية بعد شهر من الحقنة الأولى والحقنة الثالثة تعطى بعد ستة أشهر من الحقنة الأولى.

طبقًا للتقرير الصادر من منظمة الصحة العالمية ومركز مكافحة الأمراض والسيطرة عليها للوقاية من سرطان عنق الرحم، كانت الخطة أن يدخل اللقاح الخاص بفيروس الورم الحليمي البشري ضمن جدول التطعيمات القومي في مصر. وبناءً على ذلك، يجب أن يكون 90% من الفتيات اللائي تبلغ أعمارهن 15 عامًا قد تلقوا اللقاح بحلول عام 2030.

لم يحدث أي شيء لتنفيذ تلك الخطة. حتى التوعية بالفيروس والسرطان واللقاح لم تقدم للعاملين داخل مستشفيات وزارة الصحة. وبسؤال أحد العاملين بمنظمة الصحة العالمية، أخبرنا بأن مصر لديها معدل انتشار منخفض لسرطان عنق الرحم، وبالتالي لم يتم تضمين اللقاح في الجدول القومي حتى الآن. كان العبء المنخفض نسبيًا، مقترن بارتفاع سعر اللقاح سببًا رئيسيًا لعدم تضمينه.

في الآونة الأخيرة، بدأ عدد متزايد من البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تقديم اللقاح، وقد يكون هذا مدفوعًا بالانخفاض التدريجي في أسعار اللقاح وانخفاض عدد الجرعات المطلوبة لحماية الفتيات (من اثنين إلى ثلاثة في عام 2014، ومؤخرًا خيار استخدام جرعة واحدة)، مما يجعل اللقاح أكثر فعّالية من حيث التكلفة.

لم نسمع شيئًا في الوقت الحالي عن أي خطة مستقبلية لتضمينه في مصر، مما يعني على الأرجح أنه ليس مخططًا للعامين المقبلين.

هل يمكن أن يكون غياب التوعية مقصودًا؟

ربما تكون الأسباب وراء عدم تضمين التطعيم ضمن جدول التطعيمات القومي اقتصادية، وخاصة في حالة المقارنة بين انتشار المرض وتكلفة التطعيم. ولكن يبقى السؤال هو لماذا لا يوجد توعية حتى بوجود التطعيم؟

بالنظر إلى طبيعة انتشار المرض، قد يكون ذلك سببًا قويًا في غياب التوعية. فالفيروس ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي، وهي الطريقة الوحيدة التي ينتقل بها الفيروس والسبب الوحيد للعدوى.

في مصر، لا يمارس الجنس بشكل تقبله الدولة والمجتمع وقيم الأسرة المصرية إلا داخل إطار الزواج. وبالتالي الأمراض التي تنتقل عن طريق الجنس هي جزء لا يتجزأ من الأمراض التي تظهر بعد الزواج طبقًا لتلك النظرية.

ما يسري على التوعية بالصحة الجنسية والإنجابية في مصر يسري على كل الأمراض التي تنتقل عن طريق الجنس، ومنها بالتأكيد فيروس الورم الحليمي البشري. لكن تكمُن المشكلة هنا في أن الفيروس يؤدي إلى الإصابة بسرطان عنق الرحم. وهنا تأتي أهمية التوعية به، والتوعية بأهمية اللقاح حتى لو لم يتم تضمينه في جدول التطعيمات القومية.

يمكن للجهود المشتركة بين الحكومة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام أن تحقق فارقًا كبيرًا في تطعيم المزيد من الناس والحد من انتشار الفيروس والأمراض التي يسببها في مصر بمجرد بداية التوعية به وسُبل الوقاية منه.

على الرغم من توفر لقاح فعّال للوقاية من الفيروس، إلا أن هناك قصورًا كبيرًا في التوعية الصحية وإتاحة اللقاح للفئات المستهدفة. كما أن غياب المعلومات الدقيقة عن معدلات الإصابة يعيق وضع استراتيجية وطنية فعالة لمكافحة المرض.

قد يفيد إجراء المزيد من الدراسات الوبائية لتحديد عبء المرض الحقيقي، ووضع سياسات شاملة للتطعيم والكشف المبكر وعلاج المصابات، فحياة الآلاف من النساء المصريات مهددة بهذا المرض.

إذا وصلتم إلى هذه الفقرة في المقال، فاحرصوا على التوجه للحصول على اللقاح، أيًا كان عمركم أو جنسكم. إذا لم تصب بالفيروس من قبل فيمكنك الحصول على اللقاح.

*أنجزت الكاتبة هذا المقال بدعم من معهد سابين للتطعيم، بالشراكة مع شبكة إنترنيوز لصحافة العلوم الصحية.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
آية أبو باشا

فلسطين في إطار الطب الإلغائي*

« الطب الإلغائي abolitionist medicine هو ممارسة رؤيوية تحلم بمستقبل أكثر عدلا وتعمل لتحقيق هذه الرؤية»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).