تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ألم في الظهر.. هذا ما جناه علينا العمل

آرون نيمان
9 دقيقة قراءة
ألم في الظهر.. هذا ما جناه علينا العمل
إحدى العاملات عام 1943، رسم Knight, Laura تصوير: iwm.org.uk

 نُشر المقال الأصلي بالإنجليزية على موقع The New Inquiry، في نوفمبر 2017، للإطلاع عليه، اضغط هنا.

في مايو الماضي، كشفَ تقرير لصحيفة الجارديان عن الواقع اليومي الأليم لعمال أحد المصانع في مدينة فريمونت التابعة لولاية كاليفورنيا الأمريكية. تحدث موظفو المصنع الخمسة عشر، ممن جرت مقابلتهم، عن المناوبات الطويلة والمرهقة، حيث يشيع فيها وقوع إصابات العمل وتجاهل قواعد السلامة بغرض تلبية حصص الإنتاج المطلوبة. وفي تدوينة نشرت في فبراير [2017]، كتب أحد العمال، لا عن شيوع الآلام الجسدية الناجمة عن العمل الإضافي الإلزامي فحسب، بل أيضًا عن ثقافة الصمت المحيطة بهذه الآلام: «أسوأ ما في الأمر أنني أسمع زملاء لي يقولون بأنهم يتألمون، لكنهم يتخوفون من الإبلاغ عن هذا خشية أن تنظر إليهم الإدارة نظرتها إلى عامل سيئ أو شكَّاء».

أما صاحب المصنع، بعدما راعه تزايد الشكاوى أمام الرأي العام، فقد أجاب بالدفاع عن التزام شركته بالسلامة، وذكر خططًا لاستقدام استشاريّ تحسين بيئة العمل، ولم يفوّت فرصة التأكيد أن المسؤولين ليسوا «مجرد رأسماليين جشعين رأوا التقتير على السلامة ابتغاء مزيد من الأرباح والتوزيعات وما شابه». لكن الأهم من هذا، حرصه على إبراز مفهومه عن التضامن التقشفي مع عماله: فقد اختار لمكتبه موقعًا في «القسم الأكثر إيلامًا من المصنع»، وفي بعض الأحيان اتخذ أرضية المصنع سريرًا له «لجعل الأمر أألم ما يمكن».

ترجع ملكية المصنع موضع الحديث هنا إلى شركة تسلا، ومالكها هو إيلون ماسك. لقد صار ماسك، وهو أكبر المحذرين من أخطار الذكاء الصناعي، المتحدث الأبرز عن مستقبل العمل المؤتمت. فإلى جانب نخب أخرى من وادي السيليكون، ينضم ماسك إلى عددٍ من الشخصيات العامة والباحثين المقتنعين بأن الذكاء الصناعي يمثّل التهديد الوجودي الأكثر إلحاحًا للبشرية. فهو يخشى مستقبلًا قريبًا يواجه فيه البشر خطر بطالة جماعية على يد الإنسان الآلي ذي القدرات المتزايدة. ففي خطاب ألقاه في القمة العالمية للحكومات في دبي عام 2017، تساءل ماسك: «ماذا سنفعل بشأن البطالة الجماعية؟ ستشكِّل هذه المسألة تحديًا اجتماعيًا كبيرًا. ستقل الوظائف التي لا يستطيع الإنسان الآلي فعلها بشكل أفضل [من الإنسان]. هذه أمور لا أتمنى حدوثها، إنما هي أمور أظنها ستحدث على الأرجح».

تُضمِر هذه المخاوف، حسبما يجادل بيتر فراس في صحيفة الجاكوبن، فهمًا عن العمل بأنه واجب أخلاقي، ما يحجب الإمكانات التحررية للأتمتة بما تتيحه من وقت فراغ أكبر واستلزام وظائف أقل. وكما لاحظ هو وآخرون، فمما له دلالته أنه عند مواجهة فكرة طبقة عاملة متحررة من الكدح، يأتي رد الفعل الشعبي مرتعبًا وليس محتفيًا. يدحض رد الفعل هذا غريزة دفاعية راسخة إزاء أكثر جوانب الرأسمالية تزمتًا: الضرورة الأخلاقية للعمل والقيمة المتأصلة في الصناعة. لكن الأمر البالغ الأهمية أن هذا يأتي في وقت أصبحت فيه هذه الجوانب بالذات من صميم تعريف الطبيعة البشرية، والتي يتزايد الاحتجاج بها ضد مستقبلٍ آلي ديستوبي.

بيد أن المسروق من الوقت والأجور لا يرسم لوحة العمل الجسدي كاملةً. فحسبما يُدلي موظفو ماسك، تترتب على الكدح آثار وخيمة تُلحَق بالجسد. فالرأسمالية لا تقتصر على كونها نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، بل تشمل نظامًا طبيًا أيضًا. وليس الأمر أن موظفي تسلا يعانون من الأوجاع الجسدية بينما يبشِّرهم رئيسهم بقرب زوال وظائفهم، بل إن فلسفة العمل المعروفة عن ماسك تكشف عن إيمان مماثل بتزاوج الصناعة والألم. بحسب وجهة نظره، فإحداث الألم في جسد الرأسمالي يجعل منه أقرب أنطولوجيًا إلى العامل، بمعنى أنه يتلَّبَس جسده ويشاركه معاناته.

في الحقيقة، بات ماسك معروفًا بأسلوبه في الإدارة المتمثل بـ«إدارة ومتابعة دقائق التفاصيل بنفسه» والاكتفاء بالحد الأدنى من الأشياء وتركيزه على الاقتصاد والتوفير، بعد عيشه أيام الجامعة على ميزانية طعام مقدارها دولار واحد في اليوم، ليثبت لنفسه أنه قادر على النجاح كرائد أعمال. لكن، بين ثنايا هذا الزهد الشركاتي يكمن الاعتراف بأن بين العمل والألم رباطًا لا تنفصم عراه، وأنه حين يُرهِقُ مَن هم فوق أجسادَهم «تضامنًا» مع مَن هم تحت، ستكون النتيجة استراتيجية إدارية رابحة.

إذن، فالرسالة واضحة: أن تكون عاملًا يعني أن تتألم. هكذا، يكون من الطبيعي أن يتألم المرء حين يمارس عملًا جسديًا بأجر. ينظر الرأسمالي والعامة إلى الألم على أنه قضية فردية يجب على كل عامل التفاوض بشأنها كجزءٍ من استراتيجيته للبقاء اقتصاديًا: صفقة يضحي فيها العامل بجزء من جسده لقاء الحصول على آجر. يترتب على التأثير التراكمي لهذا الأمر أن يصعُبَ على أي فرد -عامل أو غيره- استيعاب حجم هذه المشكلة، والأهم من ذلك، فهمها كمشكلةٍ جماعية.

يمكن أن يُعزا جزء من هذه الصعوبة إلى طبيعة الإصابة في مكان العمل. فغالبًا لا يكمن مصدر المعاناة في أي حادثة أو واقعة منفردة، بل في تراكم إصابات إجهاد تُسفِر عن ألم مزمن (تُعرَف هذه الآلام بإصابات جيليت «Gillette» تيمنًا بقضية جيليت وهارولد التي عُرِضَت على محكمة مينيسوتا العليا في العام 1960، حيث حكمَت فيها بأن الكدمات والصدمات الطفيفة والمتكررة تؤلف إصابات عمل). وجدت إحدى الدراسات على عمال البناء (منشورة في مجلة International Journal of Occupational Safety and Ergonomics) أن نحو ثلاثة أرباع العمال قد اختاروا عدم الإبلاغ عن إصابة العمل، وقالوا إن خيارهم قد استند إلى واقع أن الإصابات كانت «طفيفة» و«من طبيعة العمل». ووجدت دراسة أخرى منشورة في مجلة BMC Musculoskeletal Disorders أن غالبية العمال المصابين بآلام أسفل الظهر قد تعاملوا معها عبر إجراء تعديلات معينة في عملهم، لكنها كانت محدودة بمدى تحكمهم في ساعات عملهم وظروفه.

في الواقع، تلوذ القوة العاملة ككل، شأنها شأن عمال تسلا، بالصمت في مكان العمل غالبًا حيال الألم الناجم عن العمل الجسدي، إما خشية العقوبة أو إيمانًا بفائدة القدرة على التحمّل أو تسليمًا به باعتباره كلفة لا بد منها للمضي في ظل الرأسمالية. مثلما أن إيلام ماسك لنفسه يوضح إيمانه بتزاوج العمل والمعاناة الجسدية، كذلك يوضح الألم المزمن الناجم عن العمل مفهومنا عما يمكن اعتباره وباء.

في العادة تحدث الآلام والأوجاع الناجمة عن الأعمال الجسدية المتكررة في الرسغ والركبة والرقبة. لكن أكثرها شيوعًا هو آلام أسفل الظهر، ويمكننا أخذها مثالًا عن بقية الآلام. فآلام أسفل الظهر هذه تتسبب في إعاقات حول العالم أكثر من أي حالة أخرى، قياسًا على وحدة يدعوها الباحثون سنوات العمر المُعدَّلة بالإعاقة، وهي تنتج في الغالب عن العمل اليدوي، وتحتل المرتبة الثانية عالميًا على سلم الأمراض المزمنة المضنية، من حيث معاناة المرء والكلفة الاقتصادية.

إن البيانات المتعلقة بمعدل انتشار آلام أسفل الظهر وحجمه، صارخة، فمن المدهش رؤية حالة جسدية لا يُنظَر إليها بالعادة على أنها مرض ولا إعاقة تتربع على قمة القائمة في واحدة من الدراسات الوبائية العالمية. الحال أن تصنيف التشوهات الجسدية سواء إلى مرضية أو أزمة صحة عامة أو طبيعية أو مرغوبة ليس من اختصاص البيولوجيا فحسب، بل يتوقف أيضًا على القوة والسلطة. بطبيعة الحال، لا يمكن إنكار أهمية الجسد، لكن المصلحة النفعية الاقتصادية والسياسية هي مَن تحدد أحقية هذه التشوهات في المعالجة وكيفية معالجتها.

لنأخذ مثلًا ما يسمى بـ«وباء السمنة»، وهو الوباء الذي تستهدفه حملة صحة عامة كبيرة، وهو المرض الاجتماعي لعصرنا الذي تصدت له السيدة الأولى السابقة، ميشيل أوباما. فبالرغم من النظر إلى السمنة باعتبارها مجموعة من «الخيارات الشخصية وإثمًا فرديًا»، إلا أن مسئولي الصحة العامة يرونها وباءً: بمعنى أنها ليست مجرد أجساد تتغيّر بطريقة معينة، بل نمطًا جماعيًا، حدثًا. بذلك، لا تعني أزمة الصحة العامة مجرد تخصيص موارد لحل (أو تصفية) مرض معين فحسب، بل تعني أيضًا الارتقاء بظاهرة معينة إلى مستوى مشكلة ذات سبب محدد يستحق الدراسة والمعالجة.

بيد أن الحال مختلف مع آلام أسفل الظهر. لكن لِمَ يصعُب تصور أن تعالج أجهزة الصحة العامة في البلاد هذه المشكلة بوصفها أزمة طبية؟ ثمة سببان، أحدهما ملموس والآخر مجرد. أولهما، أن آلام أسفل الظهر والآلام المزمنة في المفاصل وغيرها من الإصابات أمراض عمل، وإلى حد كبير أمراض الطبقة العاملة. وهذه قطعًا أمراض غير مثيرة واعتيادية ومملة في البحث وفي العلاج. ومن زاوية نفعية من منظور تخفيف الألم مقابل كل دولار، عند مقابلته طبعًا بالتكاليف المرتفعة للبحث عن العلاجات، يبدو الاستثمار في آلام أسفل الظهر استثمارًا في الصحة العامة ولا ريب، غير أن المنطق الطبي خاضع لمنطق السوق.

تشكِّل حملات الصحة العامة إلى حد كبير محركات تدفع التقدم العلمي، وتُنتِج تقنيات أرخص وأسرع، وتوجه الموارد إلى الميدان الطبي المعني. هكذا، فقوى السوق والقوى السياسية الأكبر التي تشكل أولويات البحث تصبح الناظم والمرشد، لكن هذه القوى لا تتقاطع دائمًا مع المشاكل الطبية الأكثر انتشارًا أو إلحاحًا بين السكان، بل غالبًا ما تأخذ حملات الصحة العامة نهجها من التفاعل بين التقدم التكنولوجي وقوة الشركات.

خذ مثلًا الحق في غسيل الكلى الوارد في برنامج الرعاية الصحية Medicare لعام 1971. فكما يلاحظ ريتشارد ريتج، الباحث في السياسات الصحية، فهذا التعديل غير المألوف، والذي يضمن بصورة أساسية لكل الأمريكيين تقريبًا الحصول المجاني على غسيل الكلى، قد أتى في فترة شهدت تغيرًا تكنولوجيًا واقتصاديًا كبيرًا. فقد نمت ميزانية أبحاث الكلى عندما صارت مؤسسة الكلى الوطنية قوة ضغط كبرى في واشنطن، وصار طب الكلى تخصصًا طبيًا متمايزًا، وفوق كل هذا عندما برز غسيل الكلى باعتباره رمزًا للتكنولوجيا المتطورة:

«بحلول هذا الوقت، أضحت آلة غسيل الكلى رمزًا يصوّر قوة تكنولوجيا الإنقاذ الطبي الناشئة، فهذه التكنولوجيا وفرت حياة آمنة بيولوجيًا ومُنتِجة اجتماعيًا. فمثلما كان البنسلين يُمثِّل تقدمَ العلمِ الطبي في مضمار الأدوية عندما ظهر في الأربعينيات، مثَّلَت آلة غسيل الكلى بدورها في السبعينيات قدرة الطب على إبعاد الموت بآلات متطورة يمكنها استبدال الوظائف البيولوجية الحيوية».

يقودنا هذا إلى السبب الثاني لغياب حملة صحة عامة تستهدف آلام أسفل الظهر، وهو سبب نظري بدرجة أكبر. هذا أن التحول من رؤية مجموعة من الأفراد يتألمون نحو مجموعةٍ سكانية ترتبط بيولوجيًا في ما بينها بالألم، يتطلب تغيرًا كبيرًا في التفكير. إذ سيكون على المرء النظرَ إلى أربابِ العمل حول العالم، ممن يدَّعون المعاناة تعاطفًا مع أوجاع عمالهم، نظرته إلى وحوش ومخادعين بدلًا من نبلاء ومتعاطفين.

من ناحية أخرى، ينبغي على أي حالة طبية، لكي تحصل على موارد كاملة من الدولة، رؤيتها كمشكلة أولًا، وثانيًا أن يكون سببها من الأسباب المحبذ اكتشافها، وثالثًا والأهم أن يكون هذا السبب، عند اكتشافه، قابلًا للاستئصال.

تعطب الرأسمالية جسد العامل لمصلحة الدولة ذاتها وصاحب المصنع ذاته، اللذين قد يتدخلان ويسهلان معالجته: فالمهام المسببة لهذه الآلام تُنتِج الثروة التي تسمح للرأسمالي بقضاء وقته في إشباع تخيلاته المتعلقة بالطبقة العاملة، والأجساد الموجوعة والمتعبة ليس لديها ما يكفي من الوقت لإعطاء الأولوية لتحدي دولة أمنية متجبِّرة وإمبراطورية تحتضر.

تعتبر آلام أسفل الظهر المساهم الوبائي الأكبر لا في التعب الجسدي فحسب، بل أيضًا في ما يفقده العامل من أجور والرأسمالي من أرباح بسبب التغيب عن العمل وعدم الكفاءة فيه. تخدم هذه الفكرة سردية رئيسية عند الإنتاج الرأسمالي.. سردية أن هذا الإنتاج يدفع الابتكار سعيًا نحو الكفاءة.

تنطوي تحذيرات ماسك وصحبه على أن الإنسان الآلي خيار، أو قريبًا سيكون خيارًا، أكفأ من خيار العامل ذي العقل المُعرض للخطأ والجسد المُعرض للعطب. توصف إصابات الظهر هذه، وغيرها من الجوانب غير المرغوبة في العمل، بأنها متناقضة مع أهداف الإنتاج الرأسمالي. يترتب على هذا، أن من مصلحة رب العمل معالجة المشكلة عبر تغييرات تجعل بيئة العمل مريحة للعامل أو الأتمتة.

لِمَ إذًا لَمْ نر الكثير من أي منهما؟ كما قال عالم الأنثروبولوجيا، ديفيد جريبر، فالوعد التكنولوجي المتفائل في الستينيات بأربع ساعات عمل يوميًا لم يتحقق. بدلاً من ذلك، قطع التقدم في الأتمتة أشواطه الأكبر في المجالات العسكرية والطبية والحكومية وتقنية المعلومات، أي في قطاعات المجتمع التي تدير الأجساد وتتحكم في السكان، وتعزز قدرات الجهاز البيروقراطي المتنامي، وتوطد سلطة الشركات والدولة. يفيد هذا أن هذه المعاناة، وهذا الكدح، وعطب الجسد هذا وكامل قصوره، لا يتعارض مع رأس المال بأي حال، بل يشكِّل بالأحرى جزءًا مهمًا منه. هكذا، تمتد علاقة حب المجتمع البروتستانتية مع الطحن اليومي إلى ما يتركه من علامات دائمة على اللحم والروح.

وكما قال أحد عمال تسلا: «كل شيء يبدو وكأنه المستقبل ما عدانا».

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
نواف القديمي

الدولة القوية والمجتمع المُنقاد

«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).