تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

فلسطين في إطار الطب الإلغائي*

آية أبو باشا
23 دقيقة قراءة
فلسطين في إطار الطب الإلغائي*
المسعفون الفلسطينيون يُظهرون أنفسهم للقوات الإسرائيلية خلال المسيرة الأسبوعية إلى السياج الإسرائيلي حول غزة للمطالبة بإنهاء الحصار الإسرائيلي لغزة وحق العودة للاجئين، 5 يوليو 2019. تصوير: Active Stills (لقطات ثابتة نشطة) – تصوير: محمد زعنون

في يوم 18 مايو الماضي، دعا الفلسطينيون إلى إضراب عام وسط ما وصفوه بـ«انتفاضة الوحدة». وصاغوا «بيان الكرامة والأمل» للتعبير بقوة عن أهمية قيام الفلسطينيين بتحويل وضعية الشتات التي يعانون منها إلى مقاومة متزامنة في مواقع متعددة.

«قررت الصهيونيّة أن تمزّق مَن بقي في فلسطين. تعزلنا في مناطق جغرافيّة مقطّعة. وتحوّلنا مجتمعات مختلفة متفرّقة، حتى تعيش كل مجموعة في سجن كبِيرٍ منفصل... هكذا حبستنا إسرائيل في سجون معزولة. جزءٌ معزول في 'سجن أوسلو' في الضفّة الغربية، وجزءٌ معزول في 'سجن المواطَنة' في داخل أراضي 1948. وجزءٌ معزول بفعل حصار وحشي وحرب متواصلة على قطاع غزّة. وجزءٌ معزول في نظام تهويد القُدس. وجزءٌ معزول عن فلسطين، مطرود منها في كل أصقاع الأرض. وقد آن لهذه المأساة أن تسقط... عاشت فلسطين واحدة/ عاشت انتفاضة الوحدة».

هذه الوحدة التاريخية تستدعي إلى الذاكرة ثورة 1936-1939، عندما نظم الفلسطينيون إضرابًا شبيهًا، للاحتجاج على الانتداب البريطاني وسماحه بالهجرة الصهيونية كجزء من خطتهم لاستعمار فلسطين وتحويلها إلى دولة قومية يهودية. في عام 1933، عُقد المؤتمر الأول للأطباء العرب في فلسطين في حيفا لمناقشة كيف تزامن احتراف العمل الطبي مع إهمال الانتداب البريطاني للبنية التحتية للرعاية الصحية في فلسطين.[1] بهذه الانتفاضة الموحدة بعد 80 عامًا وعدد وافر من الانقسامات الاستعمارية، أعاد الفلسطينيون موضعة الطريقة التي يجري بها سرد نضالهم على المسرح العالمي. إعادة تشكيلهم لمفهوم الجماعية واختراقهم للتصنيفات المعاصرة ذات الصبغة القانونية كتابعين (في الضفة الغربية أو غزة أو القدس الشرقية) أو كمواطنين (في إسرائيل) أعادت موضعة أنفسهم كشعب محتل موحد يقاوم المستعمر الاستيطاني. خلال تفعيلهم لهذه العودة إلى أشكال من الوجود غير المتقيد بالحدود، انضم الفلسطينيون من أصحاب الجنسية الإسرائيلية (الاستعمارية) من العاملين في مجال الرعاية الصحية إلى الإضراب العام.

في الوقت الذي يشكل الفلسطينيون أصحاب الجنسية الإسرائيلية 21% من سكان الدولة، فإن 50% من الصيادلة في الدولة الإسرائيلية فلسطينيون، وهي النسبة الشبيهة بما يشكله الفلسطينيون في قطاع عمال البناء من جانبيّ الخط الأخضر كليهما (كما يشكل المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل 50% من الموجودين في السجون الجنائية الإسرائيلية).[2] كما أن 25% من الأطباء والعاملين في التمريض في إسرائيل فلسطينيون كذلك. وفي الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بدمجهم داخل الحظيرة الاستعمارية، فإنها تقوم دائمًا بمحورة أسطورتها عن التعايش المشترك حول العاملين الفلسطينيين في قطاع الرعاية الصحية ذوي الجنسية الإسرائيلية على وجه الخصوص. 

وبينما يقوم العاملون الفلسطينيون في الرعاية الصحية بالتنظير لأهمية الانضمام إلى الإضراب العام، فإنهم لا يربطون فقط الوجوه المتباينة، لكن المتشابكة، للاستعمار داخل المؤسسات الطبية عبر فلسطين التاريخية والأراضي المحتلة، لكنهم أيضًا يوضحون كيف تستهدف الآليات الاستعمارية نزع التسييس عن الرعاية الصحية باعتبارها مواقع محايدة، سواء محليًا عن طريق ضبط وتنظيم طبقة احترافية من «الموظفين أبناء البلد» ذوي الجنسية الإسرائيلية، وكذلك خارجيًا من خلال تقليص الأفق السياسي لمقاومة الاحتلال إلى مجرد مساعدات للمنظمات الإنسانية. تمحورت أصوات العاملين الفلسطينيين في الرعاية الصحية في هذا النص حول إعادة تشكيل أطر العمل الطبية الإلغائية المناهضة للإمبريالية والاستعمار، والتي تخلق احتمالات لإعادة التفكير في النظم الصحية المحلية والخارجية باعتبارها سياسية على نحو أصيل، ولإعادة تخيل الصحة كمساحة للاحتمالات والحرية.

نظم الرعاية الصحية الاستعمارية المزدوجة و«الموظف المحلي»

الطبيب الفلسطيني أسامة طنوس يقرأ الخطاب الطبي ذا الصبغة العسكرية للدولة الإسرائيلية التي يعمل بها في مستشفى رامبام
تصوير: أسامة طنوس

صالح دباح، صيدلي وكاتب مهتم بالشؤون الثقافية شارك في الإضراب، شرح لنا في مقابلة شخصية أن العاملين في قطاع الصحة من ذوي الجنسية الإسرائيلية حاولوا القيام بإضراب من قبل، لكنهم لم يحققوا إلا نجاحًا ضئيلًا. أي أن الحراك الأخير للعاملين الفلسطينيين في الرعاية الصحية من ذوي الجنسية الإسرائيلية من أجل الانضمام إلى الإضراب العام علامة على رفض هام لعقود من السياسات الصهيونية المرسومة لمنع المهنيين الطبيين من مقاومة الاستعمار. بالإبقاء على مستويات عالية من انعدام الأمن الاقتصادي وسط الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية، وبالحد من فرصهم في الحراك الاقتصادي إلى مجالات «تقنية» مثل الرعاية الصحية، سعى القادة الصهاينة إلى «نزع التسييس» عن السكان الأصليين الحاملين للجنسية، كما ترى غادة مجادلة، مديرة قسم الأراضي الفلسطينية المحتلة في جمعية (أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل).

ثمة وثيقة سرية كتبها شموئيل توليدانو في 1965، الذي كان وقتها يعمل كمستشار لرئيس الوزراء في الشؤون العربية، تقول «ينبغي بقدر الإمكان منع تبلور طبقة متعلمة عريضة» لمنع الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية من السعي وراء «مناصب قيادية راديكالية». تستمر الوثيقة لتوصي بـ«حلول بطيئة» تضع حدودًا أمام المهن والصناعات ذات التوظيف المضمون للفلسطينيين من حملة الجنسية الإسرائيلية. آدم راز، الذي كتب مقالًا عن الوثيقة، يلخص فحواها بالنسبة لتعليم وتوظيف الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية: «العلوم الطبيعية والطبية – نعم، الإنسانيات والقانون – لا». ثمة وثيقة سرية أخرى تعود إلى 1976، معروفة باسم مذكرة كوينيج، كتبها يزرائيل كوينيج، الذي عمل مفوضًا للمنطقة الشمالية في وزارة الداخلية، تكرر القول إن الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية ينبغي توجيههم إلى «العلوم التقنية والفيزيائية والطبيعية» لأن «هذه الدراسات تسمح بوقت أقل للانشغال بالوطنية ومعدل عدم استكمال الدراسة عالٍ».

لكن، بالنسبة للفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية الداخلين في القطاع، كان مجال الرعاية الصحية جزءًا من نضالهم الأكبر «للبقاء»، لدفع الفواتير ولمقاومة المحو الاستعماري في سياق هم فيه «مستبعَدون وغير مهتمين بالسعي لدخول مجالات عديدة متعلقة بالأمن، بالإضافة إلى مهن أخرى مثل الطيران، إلخ»، كما يقول دباح.

حتى مع السعي وراء الحراك الاقتصادي والأمن، يشير أسامة طنوس، طبيب أطفال مقيم في حيفا، إلى أن الطلاب الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية يواجهون حواجز كثيرة أمام دخولهم إلى مهن الرعاية الصحية، تشمل «نظام تعليم عربي معزول ويواجه نقصًا شديدًا في التمويل» وامتحانات دخول كليات الطب بالعبرية فقط.[3] وبالتالي يضطر فلسطينيون كثيرون من ذوي الجنسية الإسرائيلية إلى السفر للخارج من أجل الدراسة في جامعات ناطقة بالعربية، مثل الأردن، وهي استراتيجية صهيونية أخرى مرسومة بعناية.

يتضح هذا في تقرير كوينيج، والذي أوصى بدفع الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية إلى الدراسة في الخارج، وعند عودتهم، على إسرائيل أن تعوق احتمالات التوظيف كوسيلة للضغط عليهم لمغادرة الدولة (في عملية ترحيل بطيئة غير ظاهرة).

أما بالنسبة لهؤلاء الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية الذين يتمكنون من التغلب على كل هذه العقبات والوصول إلى وظائف في الرعاية الصحية داخل دولة إسرائيل، فإنهم يفعلون ذلك عالمين تمامًا أن إنجازهم لن يحميهم من أشكال مستمرة من التمييز والحواجز أمام التقدم في المسار المهني.[4] 

يكرر دباح هذه النقطة، بينما يشير إلى أن العمل كصيدلي قد أصبح موصومًا بأنه «شغل عرب» في مقابل المهن الأخرى الأعلى أجرًا في المجال مثل إنتاج الأدوية والإدارة، حيث يجري إقصاء الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية منهما بشكل منهجي عبر إجراءات توظيف عنصرية.

هكذا تحاول إسرائيل استيعاب العاملين الفلسطينيين في الرعاية الصحية داخل الجهاز الاستعماري فيما وصفه جوناثان ديريك بـ«الموظفين  المحليين»، وهي العمالة الطبية المستغَلة، التي يستمر نظام الرعاية الصحية في إسرائيل في الاعتماد عليها.[5]

ومع ذلك، فإن العاملين الفلسطينيين في قطاع الرعاية الصحية من ذوي الجنسية الإسرائيلية ليسوا إلا جزءًا من الكتلة الصناعية الاستعمارية الأكبر في قطاع الرعاية الصحية. على عكس مؤتمر الأطباء العرب في فلسطين زمن الانتداب البريطاني، تشكلت شروط عمل الفلسطينيين العاملين في قطاع الرعاية الصحية بطرق من العنف الاستعماري متشابكة، ومع ذلك فريدة. لهذا بالتحديد تبدو مشاركة العاملين الفلسطينيين في قطاع الرعاية الصحية من حملة الجنسية الإسرائيلية شديدة الأهمية؛ فهي تحقق على أرض الواقع التحرر من التقسيمات الصهيونية والعودة ليس إلى الماضي، الذي كان زاخرًا بالحواجز النخبوية في وجه التعليم الطبي،[6] لكن نحو مستقبل يُنظر فيه إلى الصيادلة الفلسطينيين في إسرائيل وعمال البناء الفلسطينيين من جانبيّ الخط الأخضر باعتبارهم كتلة مترابطة في نفس النضال، كما يرى دباح. نحو مستقبل لا تتأسس فيه القدرة على الوصول إلى الصحة والغذاء والماء والتعليم على نموذج استغلال العمل.

يربط دباح وآخرون بين مشاركتهم في الإضراب وبين «الشيخ جراح» وغزة والضفة الغربية، وهم على وعي بأن الاستعمار الاستيطاني يتخذ أوجهًا مختلفة عند الحدود المختلفة، ويحدد طبائع مختلفة للأجساد المستعمَرة. داخل حدود غزة، الأشبه بسجن مفتوح، يُعتبر العاملون في الرعاية الصحية قابلين للتخلص منهم مثلهم مثل بقية السكان الفلسطينيين. داخل حدود الضفة الغربية، يُحرمون من الموارد اللازمة لتقديم رعاية كافية، وكثيرًا ما يجري استهدافهم بشكل مباشر أثناء محاولتهم الاقتراب من المصابين ومعالجتهم أثناء الاحتجاجات. أما داخل القدس الشرقية المحتلة، وسط هجمات شبيهة، يواجه الفلسطينيون أيضًا حواجز لغوية[7] تحول دون الوصول إلى الخدمات المقدمة -عادةً بالعبرية فقط- داخل دولة إسرائيل، بالإضافة إلى الحواجز المادية التي يخلقها جدار الفصل العنصري الزاحف حول مخيمات اللاجئين، مثل قلنديا وكفر عقب وشعفاط، حيث يتقلص تقديم الرعاية الصحية بسبب انعدام التنمية والإهمال المنهجي.

هذه الأشكال من العنف تدل على علاقتين متصلتين، لكن متباينتين، بين الرعاية الصحية واستراتيجية الاستعمار الاستيطاني. من ناحية، تتطلب القوى الاستعمارية مستشفيات ذات أطقم جيدة ورعاية طبية متقدمة لضمان الوجود المستمر لمستوطنين أصحاء بأجساد قوية قادرة، وجنود يدافعون عنهم. ومن ناحية أخرى، يدمر المستعمرون المستوطنون بنشاط نظم تقديم الرعاية الصحية المحلية التي تخدم الفلسطينيين، في فلسطين وغيرها، في استراتيجية للإبادة الجماعية المتطورة.[8]

في غزة، تتضح الاستراتيجية الأخيرة في أوقح تجلياتها من خلال القصف الإسرائيلي بتمويله الأمريكي للمرافق الصحية وقتل الأطباء الذين يعالجون الفلسطينيين.

الفلسطينيون ذوو الجنسية الإسرائيلية يجدون أنفسهم عالقين داخل هذا الهيكل الاستعماري المنقسم للرعاية الصحية. فرغم أن حالتهم كسكان أصليين تجعلهم في النهاية قابلين للتخلص منهم داخل المنظومة الاستعمارية الاستيطانية الأكبر، خصوصًا في هذه الجغرافيا الأقرب لسجن، إلا أنه يجري إدراجهم كمجندين من الدرجة الثانية في قطاع الرعاية الصحية، لهم ضرورة لدعم السكان المستوطنين. ثمة ضرورة لهم سواء كمصدر للعمل الطبي أو كأهداف نهائية للحرمان العنيف المستمر الذي يعاني منه السكان الفلسطينيون.

هذا الوضع المتوتر للعاملين الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية في قطاع الرعاية الصحية، تجلى بشكل أكبر خلال الجهود الإسرائيلية لتطعيم السكان من المستوطنين، رغم رفض إسرائيل توفير لقاحات كوفيد-19 للضفة الغربية وغزة في انتهاك إسرائيلي فاضح، لكن معتاد، لاتفاقية جنيف الرابعة. يشير أسامة طنوس إلى كيف أن وسائل الإعلام الإسرائيلية دعت العاملين الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية في الرعاية الصحية بـ«إخوة السلاح»، وهي اللغة التي تؤكد على عسكرة نظام الرعاية الصحية الاستعماري في إسرائيل تحت دعوى التعايش المشترك.[9] هذا الخطاب، بحسب غادة مجادلة، يراكم على تاريخ طويل من قيام إسرائيل بتمجيد مشاركة الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية في قوة العمل الصحية الدولية باعتبارها ذروة التعايش والمساواة، مجسدة ما يصفه فريد موتن بالدمج الاستخلاصي.

لكن الاعتداء على الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية على يد المستوطنين المحميين بالشرطة الذين يهتفون «الموت للعرب» في الأسابيع الماضية، يفضح ما تحاول حملات التنوع تلك أن تموهه: أن الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية ليسوا في النهاية استثناءً بالنسبة للمبدأ الاستعماري الاستيطاني. بالضبط كما يحاول الاستعمار الاستيطاني الاستيلاء على أكبر قدر من الأرض على حساب نزع ملكية السكان الأصليين، يحاول أيضًا تحقيق أكبر قدر من جودة واستمرار الحياة للمستوطنين على حساب حياة السكان الأصليين.

حتى خلال الاعتداءات، استمرت صناعة الرعاية الصحية الإسرائيلية والجمهور العام في الإصرار على أن العاملين الفلسطينيين من ذوي الجنسية الإسرائيلية في قطاع الرعاية الصحية ينبغي «ألا يدعوا ما يحدث في الخارج يصل إلى المستشفى»، حسبما أضافت غادة مجادلة. أصروا على ذلك حتى مع شعور العاملين الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية بالخوف من تعرضهم للهجوم في طريقهم إلى العمل، حتى عندما سمعنا قصصًا عن «ممرضة فلسطينية خلعت حجابها حتى لا تُستهدف، وعن طبيبة أسرة تلقت تهديدات إلكترونية بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أبدت فيه تعاطفها مع غزة، لكنها لم تتلق أي دعم من رؤسائها في العمل عندما أحست برعب يمنعها من الذهاب إلى العمل»، كما تحكي.

كان رأي دباح أن العاملين الفلسطينيين في قطاع الرعاية الصحية من ذوي الجنسية الإسرائيلية بمشاركتهم في الإضراب العام في 18 مايو «اخترقوا إنكار المواطنين الإسرائيليين».

نفس اللحظة التي كان فيها المجتمع الإسرائيلي يدفع إلى الأمام السردية التي استمرت سنوات طوال بأن قطاع الرعاية الصحية يشكل «مدارًا محايدًا» للتعايش، كانت مؤسسات الرعاية الصحية الإسرائيلية تهدد العاملين الفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية الذين انتووا المشاركة في الإضراب. وفقًا لطبيب فلسطيني مقيم في القدس، قام المجمع الطبي لصحة الإنسان – رامبام، أحد أكبر المستشفيات في حيفا، بتحذير الأطباء والممرضين من المشاركة في الإضراب. بعد ذلك، قام مدير قسم الموارد البشرية في أكبر مستشفى في تل أبيب بإرسال رسالة إلكترونية تطلب من كل من لم يأتِ إلى العمل يوم 18 مايو أن يرسل اسمه ورقم بطاقة هويته، وفقًا لغادة مجادلة، التي أضافت «كان هذا تهديدًا صريحًا رغم محاولاتهم التراجع والزعم بأنهم أرادوا فقط تسجيل الغيابات من أجل جداول التوظيف في المستقبل».

هذه الإشارة، كما أكملت غادة، كانت رمزًا لما يواجهه العاملون الفلسطينيون ذوو الجنسية الإسرائيلية في قطاع الرعاية الصحية من أداء بوليسي مستمر، خشية أن يجلبوا وضعهم كمواطنين خاضعين للاستعمار إلى مسرح عملهم بأي شكل أو صيغة، وهو منهج بوليسي من المهين والمؤلم بشكل خاص المرور به خلال أحداث حرب إسرائيل على غزة، أو الحروب العديدة السابقة في 2012، 2014، 2008. في الأسابيع الأخيرة، بدأت إسرائيل عدوانها المستمر «عملية القانون والنظام» بهدف معلن هو القبض على 500 فلسطيني من حاملي الجنسية الإسرائيلية بعد مشاركتهم في الاحتجاجات خلال الأسابيع الماضية، في مثال آخر على الأداء البوليسي ومعاقبة الفلسطينيين الذين تجرؤوا على الانحراف عن المقاييس المضبوطة لـ«سجن المواطَنة».

في هذا السياق، يمثل الحراك الجماهيري لقوة العمل الفلسطينية في قطاع الرعاية الصحية للانضمام إلى الإضراب العام، استجابة قوية لمحاولاتهم الانفصال سياسيًا عن المنظومة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية. تنظيمهم ذاك لا يحطم فقط أسطورة التعايش المشترك القائمة على أساس «المواطنة المتساوية» لكن الخبرة المعاشة للفلسطينيين ذوي الجنسية الإسرائيلية تثبت أنه لا مجال أبدًا لأن تكون الحرية ممكنة دون الإنهاء التام للاستعمار. علاوة على ذلك، ومن خلال تنسيق الجهود من أجل التنظيم الذاتي في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، أظهر العاملون الفلسطينيون ذوو الجنسية الإسرائيلية في قطاع الرعاية الصحية ممارسة جمعت بين الطب والنضال السياسي. على وجه التحديد، وظف العاملون الفلسطينيون في الرعاية الصحية ممارسة طبية ثابتة في موقف معارض للاستعمار بشكل واضح – ويمكن القول إنها من ممارسات الطب الإلغائي.

بعد أن يتوقف القصف: ما وراء الطب الإنساني

المسعفون الفلسطينيون يُظهرون أنفسهم للقوات الإسرائيلية خلال المسيرة الأسبوعية إلى السياج الإسرائيلي حول غزة للمطالبة بإنهاء الحصار الإسرائيلي لغزة وحق العودة للاجئين، 5 يوليو 2019.
تصوير: Active Stills (لقطات ثابتة نشطة) – تصوير: محمد زعنون

يُدرك العاملون الفلسطينيون في قطاع الرعاية الصحية من ذوي الجنسية الإسرائيلية أن نفس العنف الاستعماري الذي يهدف إلى ضبط ونزع السياسة عنهم من خلال عملهم الذي يتم إضفاء صفة الاحترافية عليه، يعمل أيضًا على نزع السياسة عن العاملين في الرعاية الصحية عالميًا من خلال الصبغة الإنسانوية. أسامة طنوس، طبيب الأطفال المقيم في حيفا، والذي زار غزة مرتين، كتب عن هذين الشكلين من التأديب، موضحًا كيف يتولد فهم يربط الاثنين معًا، من الوعي بأنه لو كان آباء أو أجداد العاملين الفلسطينيين في الرعاية الصحية من ذوي الجنسية الإسرائيلية لجأوا إلى غزة، فلعلهم كانوا سيتعرضون للقتل مثلهم مثل د. معين العلول، واحد من أطباء الأعصاب النفسيين القلائل في قطاع غزة، وأطفاله الخمسة، أو د. أيمن أبو العوف، رئيس قسم الطب الباطني ومقاومة فيروس كورونا في مستشفى الشفاء، وأفراد عائلته. تصادفت جرائم القتل تلك مع قصف الطائرات الحربية -أمريكية الصنع وإسرائيلية القيادة- في مايو «لمرافق طبية مجموعها 24 في غزة» وفقًا لمقابلة شخصية مع غادة مجادلة. ضمت هذه المرافق المقصوفة وزارة الصحة في غزة، والمركز الوحيد لإجراء اختبار كوفيد-19، وعيادة تابعة لمنظمة أطباء بلا حدود، والطرق المؤدية إلى أكبر مركز طبي في قطاع غزة: مستشفى الشفاء. 

سواء كانوا يعملون محليًا أو خارجيًا، فإن العاملين في قطاع الرعاية الصحية يكونون غالبًا في الخطوط الأمامية للأذى الرأسمالي، من الأمراض المزمنة إلى جروح الطلقات النارية ومحاولات الانتحار. ومع ذلك، في الغرب، من الشائع أن يتم تعليم الصحة وإجراء الأبحاث عنها ومناقشتها في المقام الأول من ناحية «المخاطر» أو «المحددات» المجردة لضعف الصحة. تقوم المؤسسات الطبية غالبًا بدور استقصائي سطحي في هذه الموضوعات، لتنتج تصنيفات واسعة النطاق حول «تباينات الصحة» الموجودة في شعوب مختلفة دون نقد النظم المؤذية التي تنتجها. ونتيجة لذلك، يرى العاملون في الرعاية الصحية أنفسهم كشهود[10] على هذا العنف في أحسن الأحوال بدلًا من كونهم فاعلين لعلاجاتهم بُعد سياسي.

في الآونة الأخيرة، وبناءً على جهود باحثين وناشطين سود في الولايات المتحدة الأمريكية، ثمة حوارات تتضمن تحليلًا بنيويًا له بُعد نقدي أكبر بعض الشيء -مثل تعريف العنصرية المنهجية- والتي بدأت تكتسب شعبية، حتى لو كانت محدودة في المدى الذي وصلته. لا تذهب المناهج الطبية ومناهج الأوبئة أبعد من تحديد علامات الهوية العرقية أو السوسيو-اقتصادية كمساهمات في أعباء المرض، بنفس الطريقة التي قد تحدد أنت بها التدخين كمساهم في الإصابة بأمراض الرئة. وعلى النقيض، فإن المصطلحات التي تتطلب رؤية أكثر نقدية والتي تتضمن مؤسسات مثل الاستعمار الاستيطاني أو الرأسمالية أو العسكرة المدفوعة بالربح، غالبًا يتم تجاهلها في الخطاب الطبي، رغم دورها في (إعادة) إنتاج قضايا صحية عالمية مثل الفقر والمجاعة والعنف.

بهذه الطريقة، فإن قضية العاملين الفلسطينيين في قطاع الرعاية الصحية تبين لنا أن «تباينات الصحة» لا يمكن التعامل معها بشكل صحيح دون تحديد وتحدي الأضرار الهيكلية التي تنتجها.

رغم أن العاملين في قطاع الرعاية الصحية والباحثين والنشطاء الفلسطينيين ظلوا يرفضون نزع التسييس عن قطاع الرعاية الصحية طوال عقود[11]، إلا أن شكلًا ثانيًا من نزع التسييس يحدث على مستوى العاملين في قطاع الرعاية الصحية المغروسين في صرح العمل الإنساني عابر الحدود.

يسلط طنوس الضوء على هذا الشكل الأخير بينما يحكي عن زيارتيه لغزة مع وفد من الأطباء: مرة في ديسمبر 2019 ومرة أخرى في يناير 2020. خلال هاتين الرحلتين، شهد طنوس ما يحدث بعد (أو في حالة غزة، وسط) عمليات القصف. بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر لمدة 14 عامًا وانعدام التنمية في غزة، تندر الإمدادات الطبية والأدوية والأطباء أنفسهم.[12] يدعم هذا الواقع الانتشار الهائل للأمراض المزمنة التي تفاقمها وتضاعفها الإصابات والصدمات في وقت الحرب، والتي تؤدي جميعها إلى إعاقات ووفيات لا حصر لها، كان يمكن تجنبها. بدون القدرة على الوصول إلى الخدمات الطبية اللازمة أو التصاريح المضمونة للبحث عن علاج خارج الحصار في الدولة الإسرائيلية، «فإن الشك الدائم يجعل من وضع خطط طبية استراتيجية [في غزة] أمرًا يبدو أشبه برفاهية لا يمكن بلوغها»، كما يكتب طنوس.                

رغم أن طنوس يعبر عن احترامه للعاملين في قطاع الرعاية الصحية الذين يتطوعون بوقتهم لزيارة غزة، إلا أنه ينتقد الأعمال الضمنية للمؤسسات الإنسانية باعتبارها «أبوابًا دوَّارة» يدخل الأطباء من ناحية، ويخرج المرضى من الناحية الأخرى. وتُحسب الأرقام. لكن أعراض المرضى تظل عادة دون علاج. حتى قبل الجولة الأخيرة من القذائف الإسرائيلية التي جرى إطلاقها على مرافق طبية غزاوية لا حصر لها، كان القطاع المحاصر ما زال يتعافى أصلًا من انعدام التنمية البالغ في خدماته الصحية في أعقاب الأسابيع السبعة من القصف الإسرائيلي في عام 2014.  

بدون «التعامل مع الأسئلة الجوهرية الخاصة بالاحتلال والعدالة وحق اللاجئين في العودة» كما يرى طنوس، فإن المؤسسات الإنسانية التي تزعم الحياد هي في الواقع «مشاركة فعالة في (وبأشكال ما، مستفيدة من) الحلقة القاسية والمتكررة من الدمار وإعادة الإعمار».

على غرار التقارير منزوعة التسييس حول محددات الهوية، مثل «المخاطر» الصحية، فإن تقديم المساعدات الإنسانية -خاصة المساعدات الطبية- يظل غالبًا في أمان نسبي من النقد العام أو الصد. حيث يُعتقد أن المساعدات الإنسانية أو الإغاثة الطبية عناصر ضرورية للحرب «الأخلاقية» وبالتالي تُعامَل على أنها حيادية. الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والحصار المستمر لغزة مثال أساسي لهذه الظاهرة. قطاع غزة، سجن مفتوح، مآسيه المرعبة اليومية ما زالت تتكشف على المسرح العالمي، وفي الوقت ذاته واحد من أكبر المتلقين في العالم للمساعدات الإنسانية لكل فرد. منظمات الأطباء وغيرها من المؤسسات الطبية تميل إلى الاستجابة للانتهاكات المستمرة عبر هذه الحيادية المفترضة للمساعدات الطبية المقدمة إلى غزة.

على سبيل المثال، من الشائع بالنسبة لمؤسسات الرعاية الصحية الدولية أن تعترف على الأقل بالأضرار التي تُحدثها إسرائيل في الأحوال الصحية للفلسطينيين في غزة وفي بقائهم على قيد الحياة. لكن الجدير بالملاحظة أن هذا يقف على طرف نقيض من الطرق التي يجري بها إما التقليل من هذه الأضرار أو تجاهلها تمامًا في ميادين أخرى مثل وسائل الإعلام الدولية.

ومع ذلك، فإن هذه البيانات تميل للتركيز فقط على الحاجة إلى التدخل الإنساني، ولا تمضي بعيدًا بما يكفي لاتخاذ موقف من الأسباب الأساسية المعروفة لهذه الأضرار مثل الصهيونية والاستعمار والعسكرة، من بين عوامل أخرى عديدة. علاوة على ذلك، كما يرى آخرون مثل طنوس، فإن تأطير قضايا الاستعمار والعنف العسكري، كمشكلات منحصرة في المساعدات الإنسانية غير الكافية، ربما حتى يديم تأثيراتها الضارة عن طريق التخفيف من القلق العام من خلال الجهود الطبية سهلة الدعاية، لكنها محدودة في النهاية.

تكتب الصيدلانية واختصاصية الأوبئة الفلسطينية، دانية قطو، أنه «بدلًا من تجاهل وإعادة إنتاج عنفها، نحن بحاجة لأن نضع في اعتبارنا تداعيات السكوت عن الاستعمار الاستيطاني المستمر بالنسبة للصحة والبحث الصحي».[13] بهذه الطريقة، أظهرت لنا قوة العمل الفلسطينية أن وصف الأضرار الواقعة على الفلسطينيين ليس كافيًا. وبدلًا من ذلك، هناك حاجة لاستباق الحيادية السياسية والسعي بوضوح وراء طب إلغائي على المستويين المحلي والخارجي.

الصحة كحرية

هناك أمثلة تاريخية ومعاصرة عديدة لطرق التدريس الطبية النقدية.[14] خلال سبعينيات القرن العشرين وطوال الانتفاضة الأولى، ركزت اللجان الصحية الشعبية الفلسطينية (المرتبطة على نحو وثيق بلجان المرأة وكذلك بهيكل الفصائل السياسية) على تبديد الغموض المحيط بالسلطة الطبية وتدريب المتطوعين والقرويين الريفيين على تقديم الرعاية إلى جانب الأطباء الموثوقين في عيادات صحية متنقلة وثابتة.[15]

مثلًا، قام اتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية (UPMRC) الذي أسسه الحزب الشيوعي الفلسطيني بالتأكيد على الوقاية والرعاية الأساسية، وكذلك التدريب على الإسعافات الأولية وتوزيع صناديق الإسعافات الأولية «ما بين 1979-1987... قام اتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية... [بتعليم] 22000 فلسطيني المبادئ الأساسية للإسعافات الأولية... ووزع 19000 صندوق إسعافات أولية».[16] وخلال الانتفاضة الأولى، أسس اتحاد لجان الإغاثة نظامًا محليًا للتبرع بالدم أنقذ مئات الأرواح.[17] جدير بالذكر أن لجانًا مثل اتحاد لجان الإغاثة وغيره من اللجان التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وأخيرًا لفتح كانت نشطة في فلسطين كلها، بما في ذلك غزة.[18]

في الأعوام التي أعقبت الانتفاضة، جفف الفقر واسع النطاق صيغ جمع التبرعات لكثير من هذه العيادات. ومع ذلك، يتقاطع تاريخها مع العاملين الفلسطينيين في قطاع الرعاية الصحية اليوم، والذين يستمرون في تخيل نظم طبية منفصلة عن الإمبريالية والعمل الطبقي الاحترافي نحو أشكال تحريرية من المستقبل. بنفس الطريقة التي يراكم بها العاملون الفلسطينيون في قطاع الرعاية الصحية اليوم على تاريخ ثري من الطب المناهض للاستعمار، فإن الاحتمالات أمام التحركات الصحية الإلغائية العالمية التي ترفض الصرح الإنساني المرتبط بالإمبريالية تمتد من إرث طويل من المقاومة.[19]

خلال الانتداب البريطاني، شارك الأطباء الفلسطينيون في العديد من المؤتمرات الإقليمية والخارجية، ومن ضمنها المؤتمرات الطبية العربية. أصدر مؤتمر القاهرة عام 1945 قرارًا بـ«مقاطعة... شركات الأدوية الصهيونية وتعهد الأطباء بالامتناع عن وصف منتجاتها كعلاج».[20] هذه اللحظات المؤرشفة تذكرنا بأن حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، القائمة على حركة مناهضة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، كانت لها نسخ عديدة سابقة في الماضي وتمتد إلى احتمالات كثيرة في المستقبل.

إن الروابط الملموسة بين النضال من أجل التحرر الفلسطيني وغيره من النضالات العالمية المناهضة للاستعمار مثل حركة «حياة السود مهمة» أصبحت واضحة على نحو متزايد في السنوات القليلة الماضية. وعلى نحو مشابه، فإن ملاءمة اتخاذ موقف مناهض للاستعمار في الممارسة الطبية، كما تتجلى في موقف العاملين الفلسطينيين في قطاع الرعاية الصحية، يمكن ربطها مع حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ونظيرتها الجنوب إفريقية، وكذلك مع السياسات الإلغائية التي شاعت خلال الاحتجاجات من أجل جورج فلويد الصيف الماضي. وسطها، ردد كثير من المنظمين والمفكرين الأسئلة التي طرحتها ماريام كابا والتي تذكرنا بالانتقادات التي طرحها د. تميمي، وهو طبيب فلسطيني ساعد في تأسيس الجمعية الطبية العربية الفلسطينية في أكتوبر 1944، أن «الانتداب [البريطاني] يعرف كيف يبني عشرات الحصون من أجل الشرطة في فلسطين العربية، [لكنه] لا يعرف كيف يبني عيادة واحدة من أجل مرضى السل».[21]

اليوم، يسأل كثير من الإلغائيين: ماذا لو أعدنا توجيه الميزانية الهائلة المخصصة للشرطة والجيوش والسجون، والتي طالما أوقعت ضررًا منهجيًا على المجتمعات خارج أحفاد المستعمرين الاستيطانيين الأوروبيين، بدايةً في الولايات المتحدة ووصولًا إلى فلسطين، إلى الرعاية الصحية والتعليم والإسكان بأسعار معقولة؟ خلال القصف الإسرائيلي الأخير لغزة، تساءل أحد أفراد قبيلة «أوجلالا لاكوتا» من السكان الأصليين لأمريكا «لماذا تعطي [الولايات المتحدة] لإسرائيل [3.8] مليار دولار سنويًا من أجل 'البنية التحتية' بينما تظل إمدادات المياه لمحمية نافاجو غير قابلة للشرب؟» ماذا لو أعيد توجيه هذا المال للسكان الأصليين في الولايات المتحدة على سبيل التعويضات؟ كيف سيبدو الأمر بالنسبة للعاملين في الرعاية الصحية والمرضى حول العالم عندما لا يقومون فقط بالدعوة لتوجيه الموارد نحو الأبحاث المتعلقة بـ«المخاطر الصحية» منعدمة السياق والإغاثة الإنسانية، لكن يدعون إلى سحب التمويل من أنظمة الضرر الإمبريالية التي تنتجها؟ ماذا لو قام العاملون في الرعاية الصحية المنغمسون في شبكات العمل الإنساني العالمية بتفعيل الإمكانات الثورية التي قد تتيحها هذه الروابط العالمية؟

تلك أسئلة يدفعنا لطرحها العاملون الفلسطينيون في الرعاية الصحية في حوارهم مع الحركات الأممية المتضامنة معهم.

* الطب الإلغائي abolitionist medicine هو ممارسة رؤيوية تحلم بمستقبل أكثر عدلًا وتعمل لتحقيق هذه الرؤية. وهي إقرار بأن قسم أبقراط «أولاً، لا تؤذِ» يتطلب من العاملين في مجال الرعاية الصحية أن يحلموا بشكل جذري وأن يتصرفوا بشكل هيكلي. ويستقي الطب الإلغائي إلهامه من المفكرين والمفكرات النسويين السود في الولايات المتحدة الذين يدعون لسحب التمويل من الشرطة وإعادة توجيه الموارد نحو  الحوكمة الذاتية للمجتمع ونظم الرعاية.

هوامش:

1- Liat Kozma and Yoni Furas, “Palestinian Doctors Under the British Mandate,” International Journal of Middle East Studies 52 (2020): 104, doi:10.1017/S0020743819000886.

2- Nimar Sultany, “The Making of an Underclass: The Palestinian Citizens of Israel,” Israel Studies Review 27, no. 2 (April 2012): 190, doi: 10.3167/isr.2012.270210.

3- Osama Tanous, “Palestinian Physicians in Israel’s Healthcare System: Covid-19 Fault Lines,” Journal of Palestine Studies XLIX, no. 4 (Summer 2020): 2, doi: 10.1525/jps.2020.49.4.1.

4- Tanous, “Palestinian Physicians,” 4.

5- يستخدم جوناثان ديريك Jonathan Derrick هذا المصطلح ليصف الدور المزدوج والمبهم للموظفين المحليين (أي من أبناء البلد) في إفريقيا الكولونيالية، والذين رغم كونهم منتقدين معتدلين للدور الكولونيالي، إلا أنهم أسهموا في القمع الأوروبي. انظروا:

 Jonathan Derrick, “The ‘Native Clerk’ in Colonial West Africa,” African Affairs 82, no. 326 (1983): 61–74.

6- Glenn E. Robinson, “The Role of the Professional Middle Class in the Mobilization of Palestinian Society: The Medical and Agricultural Commitees,” International Journal of Middle East Studies 25, no. 2 (May 1993): 301-326.

7- M Karjawlly, N Agbaria, M Nubani Husseini, D Zwas, “Assessment of needs and barriers to healthcare care in Arab Palestinian mothers in East Jerusalem,” European Journal of Public Health 30, no. 5 (September 2020), doi: 10.1093/eurpub/ckaa166.037.

8- استهدف الجيش الإسرائيلي أيضا البنية التحتية الصحية لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال حربه على لبنان في عام 1982. لمزيد من المعلومات عن المرافق الصحية لمنظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت انظروا:

Cheryl A. Rubenberg, “The Civilian Infrastructure of the Palestine Liberation Organization: An analysis of the PLO in Lebanon Until June 1982,” Journal of Palestine Studies 12, no. 3 (Spring 1983): 54-78.

9- Osama Tanous, “Palestinian Physicians in Israel,” 1–11.

10- لقد رأى ديدييه فاسين أن المعاينة الإنسانية وشهود المعاناة، في عالم يتعرض فيه الفلسطينيون إلى نزع إنسانيتهم لدرجة إنكار وضع ضحايا الحرب عليهم، هو فعل سياسي وتحويلي أصيل بمعنى أنه «إشكال أخلاقي للعنف» فوكوي الطابع. أي أن هذا  النص يتعارض مع تصريح   فاسين: "بالأمس استنكرنا الهيمنة الإمبريالية، واليوم نكشف آثارها النفسية" وبدلا من ذلك يمحور السابق كأمر مركزي بالنسبة لأي ممارسة صحية تحويلية بشكل فعلي. انظروا: 

Didier Fassin, “The Humanitarian Politics of Testimony: Subjectification Through Trauma in the Israeli-Palestinian Conflict,” Cultural Anthropology 23, no. 3 (August 2008): 532.

11- على سبيل المثال انظروا: 

Cindy A. Sousa, Susan P. Kemp, and Mona El-Zuhairi, “Place as a Social Determinant of Health: Narratives of Trauma and Homeland among Palestinian Women,” British Journal of Social Work 49, (2019): 963-982. doi: 10.1093/bjsw/bcz049; Danya M. Qato, “Introduction: Public Health and the Promise of Palestine,” Journal of Palestine Studies 49, no. 4 (Summer 2020): 8-26; Reema Hammami, “Human Agency at the Frontiers of Global Inequality: An Ethnography of Hope in Extreme Places,” (paper presented at the Prince Claus Chair, Utrecht University, 2006),

والأخير متاح أونلاين.

12- دخل مصطلح انعدام التنمية de-development إلى حيز الاستخدام على يد الباحثة سارة روي. انظروا:

Sara Roy, “The Gaza Strip: A Case of Economic De-development,” Journal of Palestine Studies 17, no. 1 (Autumn 1987): 56-88.

13- Danya M. Qato, “Introduction: Public Health and the Promise of Palestine,” Journal of Palestine Studies 49, no. 4 (Summer 2020): 8.

14- على سبيل المثال، قام فرانز فانون في البداية بالتنظير للروابط غير القابلة للانفصام بين الاستعمار والصحة  النفسية للخاضعين للاستعمار. وظل عمل فانون مؤثرًا إلى حد كبير على الذراع الطبي العسكري لحركة الفهود السود في الولايات المتحدة، الذي رأى أن المؤسسات الطبية تابعة لنظم العنف التي تتبعها الدولة ضد مجتمعات السود. وقد شجعوا جميع الفروع المحلية على تأسيس (عيادات الفهود الصحية الحرة) في جميع أنحاء البلاد. انظروا:

Alondro Nelson, “Body and Soul: The Black Panther Party and the Fight against Medical Discrimination” (University of Minnesota Press, 2013), 75–77.

الاستمرارية الحالية جهود الرعاية الصحية الإلغائية، ومن ضمنها منظمة أوجيما ميديكس، التي تدرب على نحو مماثل أعضاء المجتمع على معالجة ما حددوها باعتبارها أكثر الأسباب التي يمكن الوقاية منها وراء وفيات السود التي يتسبب فيها الضرر الرأسمالي الإمبريالي: جروح الطلقات النارية ونوبات الربو.

15- Glenn E. Robinson, “The Role of the Professional Middle Class,” 301-326.

16- Robinson, “The Role of the Professional Middle Class,” 304.

17- Robinson, 304.

 18- يناقش روبنسون كيف أدى التنافس بين الفصائل إلى ضعف التنسيق بين اللجان الطبية بما أدى إلى مضاعفة الخدمات في بعض المناطق وتجاهل مناطق أخرى تمامًا.

19- بالإضافة إلى الأمثلة التي جرت مناقشتها أعلاه، على المرء أن يشير على الأقل إلى برنامج (الأمميون الطبيون الكوبيون) الذي يستمر في إرسال العاملين في الرعاية الصحية إلى الجنوب العالمي خلال أوقات الأزمات ويستثمر في التعاونات طويلة المدى التي تستثمر في صحة المجتمع. انظروا:

Robert Huish and John M. Kirk “Cuban Medical Internationalism and the Development of the Latin American Medical School,” Latin American Perspectives 34, no. 6 (November 2007): 77-92.

20- Kozma and Furas, “Palestinian Doctors,” 105.

21- Kozma and Furas, 106.

عن الكتّاب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).