تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

باسم الأم.. الحداثة والميل لتحريم الإجهاض

أحمد سمير سنطاوي
14 دقيقة قراءة
باسم الأم.. الحداثة والميل لتحريم الإجهاض

في مطلع القرن التاسع عشر، جاء إلى مصر الطبيب الفرنسي أنطوان بارتيليمي كلو، الذي سيشتهر بعدها باسم «كلوت بك»، بدعوة من محمد علي باشا، ليشرف على علاج جيشه. توسع كلوت بك، فأسس أول مدرسة طبية حديثة في المنطقة صارت فيما بعد كلية طب القصر العيني. 

كتب كلوت بك كثيرًا عن مصر وعادات المصريين وسلوكياتهم الصحية والاجتماعية، مهاجمًا معتقداتهم الدينية «المُتخلفة» وأخلاقهم «المُنحلة»، وكان بين ما تحدث عنه في مذكراته الإجهاض الذي كان وقتها مجرمًا في بلده فرنسا، وإذا تم فإنه يجري بشكل سري، بينما في مصر «عندما لا ترغب امرأة في الأمومة، تلجأ للقابلات اللاتي يرين إجهاض جنين الحامل أمرًا طبيعيًا، ولا يُحاسبن عليه، لا في نظر المجتمع ولا في نظر الله». 

الشائع اليوم أن الإجهاض حرام، وهو تصور أعتقدتُه أنا نفسي حتى اكتشفت أن هناك مساحة واسعة في الفقه الإسلامي تُبيح الإجهاض حتى الشهر الرابع دون عذر، بل اعتباره قرارًا خاصًا بالمرأة لا يستلزم موافقة الزوج. كانت الآراء الفقهية تبيح الإجهاض بأعذار متنوعة: نفسية واقتصادية واجتماعية، بينما آراء أخرى تحرمه. لم تكن الآراء المُبيحة مجرد تصور نظري، بل كانت ممارسة شائعة ومقبولة دينيًا واجتماعيًا كما يخبرنا كلوت بك. فلماذا صار الإجهاض حرامًا؟ وكيف تغيّر الموقف الفقهي منه؟ وكيف أثّرت الحداثة لا فقط على الأحكام، بل على بنية الفقه وتصورنا للدين نفسه؟

في ثمانينيات القرن الماضي، قدم باحث الأنثروبولوجيا البريطاني المولود في السعودية، طلال أسد، نقدًا للمنظور الأنثروبولوجي التقليدي والمقاربات الاستشراقية التي تتعامل مع الدين كمصطلح موحد ثابت يمكن البحث عنه في كل الثقافات والشعوب. يشير أسد إلى أن مصطلح الدين كما يرد في الدراسات الأنثروبولوجية يحيل إلى تصور محدد، هو في الواقع ليس عالميًا وإنما وليد ثقافة أوروبية بروتستانتية. وفي مقاله «أنثروبولوجيا الإسلام» (1986)، يدعو أسد إلى التعامل مع الإسلام لا ككيان له «جوهر»، بل كمجال خطابي تتشكل فيه الممارسات والتصورات ضمن علاقات اجتماعية وأخلاقية وسياسية، ويتفاعل مع المتغيرات التي تحدث في العالم من حوله.

يبني أسد على النقد الذي وجهه ميشيل فوكو لمفهوم السلطة، وتأكيده على أن السرديات الكبرى (metanarratives) مثل الدين والقانون، ينبغي دراستها في تجلياتها اليومية والممارسة. يوجه هذا التصور لدراسة الدين كظاهرة دنيوية لها أسباب موضوعية يمكن تحليلها وملاحظتها وفهمها، مستخدمًا الجينيالوجيا، أو علم الأنساب، وهو العلم الذي يتتبع أصل الشخص وفصله عبر التاريخ، دون أن يعني ذلك أن الشخص هو أهله أو أسلافه، فهناك علاقة بينهم، لكنه يظل شخصًا مختلفًا ابن بيئته وتاريخه وظروفه هو. يستعير أسد، ومن قبله فوكو، المنهج الجينيالوجي في فهم الأفكار والسلوكيات والمعتقدات الاجتماعية (ومنها الدين)، فيتتبع أصلها ومساراتها عبر التاريخ، باحثًا لا عن جوهر الإسلام، الذي يعطيه اهتمامًا خاصًا، بل عن آليات إنتاج معانيه وطقوسه في سياقات تاريخية مختلفة، مؤكدًا على أن هذه المفاهيم ليست ثابتة، بل نتاج لصراعات معرفية وسلطوية.

يتفق المؤرخ المصري، خالد فهمي، مع هذه المنطلقات، لكنه ينتقد تركيز أسد وتلاميذه في مدرسة دراسات ما بعد الاستعمار مثل صبا محمود، ووائل حلاق، على مفاهيم مجردة مثل «الشريعة» و«السياسة» و«النية» و«التقوى» والاشتباك معها من منظور خطابي ينتج رؤى مثالية. ويركز في كتابه «السعي للعدالة: الطب والفقه والسياسة في مصر الحديثة» على اختبار هذه الخطابات النظرية في الواقع العملي، وتعقيداتها المؤسسية، وكيفية تشكلها في الممارسات اليومية للمسلمين الذين يفترض أن يعبر عنهم هذا الخطاب الفقهي، منطلقًا من الأرشيف باعتباره ينقل لنا صورة حية عن هذه الممارسات.

يصلح الإجهاض مدخلًا عمليًا لاختبار نظرية طلال أسد من الناحية المفاهيمية، حيث يرتبط الإجهاض بمعنى الروح وتعريف الإنسان، والأخلاق، ودور المرأة في المجتمع، والسلطة على الجسد. كما يصلح لاختبار نقد خالد فهمي لمنهج أسد من ناحية الممارسة، حيث يرتبط الإجهاض بفعل مادي جسدي تشتبك فيه المرأة الساعية للإجهاض مع إجراء طبي، ليصبح الإجهاض مدخلًا لتحليل شبكة من العلاقات يلتقي فيها الخطاب الفقهي والقانون الجنائي والعرف الاجتماعي والمؤسسة الطبية والوضع الاقتصادي. 

ما قبل الحداثة.. ابن عابدين نموذجًا

لم يرد في القرآن أو الحديث النبوي نص صريح يُحرّم أو يُجيز الإجهاض، لكن الفقهاء استنبطوا أحكامه من آيات وأحاديث تصف مراحل الخلق في الرحم، مثل الآية الخامسة من سورة الحج: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}، والآيات 12-14 من سورة المؤمنون: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا، فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا، ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)}. 

وفي الحديث عن عبد الله بن مسعود حدثنا رسول الله: (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَعَمَلِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ…) رواه البخاري ومسلم.

اعتمادًا على هذه المصادر، يتجه جمهور الفقهاء القدماء إلى التفريق بين حكم الإجهاض قبل 120 يومًا وهي التي يمر فيها الجنين بالمراحل الثلاث: أولها النطفة وهي مزيج الحيوان المنوي والبويضة، ثم تصبح علقة وهي كتلة دماء معلقة في الرحم، ثم تتحول إلى مضغة وهي قطعة لحم، ثم ينفخ فيه الروح، فحرموا الإجهاض بعد نفخ الروح، واختلفوا في حكمه قبل ذلك: بين الإباحة المطلقة، والكراهة المشروطة بعذر، والتحريم الكامل.

يمكن أن نرى نموذجًا لعملية التأصيل الفقهي عند الفقيه الحنفي ابن عابدين الدمشقي، الذي يمكن أن نعده مثالًا للجيل الأخير من فقهاء ما قبل الحداثة، فقد وُلد عام 1784م ومات 1836م، خلال وجود كلوت بك في مصر. وقتها كان المذهب الحنفي، الذي يطلق عليه مذهب «أهل الرأي» ﻷنهم ركزوا على القياس العقلي كأداة مركزية للاستدلال الفقهي في مقابل «أهل الحديث» الذين تمسكوا بحرفية النصوص، هو المذهب الرسمي لمصر والدول المنضوية تحت الحكم العثماني، وظل معتمَدًا في المحاكم الشرعية في مصر حتى إلغائها عام 1955، وما زال المذهب الحنفي مؤثرًا إلى اليوم في العديد من أحكام الأحوال الشخصية، حيث يتزوج المصريون مثلًا على المذهب الحنفي.

يُعد كتاب ابن عابدين «رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار» المشهور بـ«حاشية ابن عابدين» أهم مصادر الفقه الحنفي المتأخر، وهو حاشية على كتاب الإمام علاء الدين الحصكفي (1616م - 1677م) «الدر المختار»، الذي كتبه شرحًا لكتاب شمس الدين التمرتاشي الغزي الحنفي (1532م - 1596م) «تنوير الأبصار». إلى جانبهما، يتجول ابن عابدين بين طيف واسع من الفقهاء والقضاة والعلماء من مصر والعراق والشام وإيران، ويستشهد بمقاطع من كتبهم مثل كتاب «البحر الرائق» لزين الدين ابن النجيم المصري الذي يشير إليه ابن عابدين بـ«البحر»، و«النهر الفائق» ﻷخيه سراج الدين ابن النجيم الذي يشير إليه بـ«النهر»، و«فتح القدير» للفقيه المصري ابن الهمام «الفتح»، وكتاب «الفتاوى الخانية» للقاضي فخر الدين قاضيخان الحنفي، وحتى كتب من مذاهب أخرى مثل «الذخيرة» للفقيه المصري المالكي شهاب الدين القرافي. 

يناقش ابن عابدين مسألة الإجهاض في مواضع عدة من حاشيته مثل «كتاب الديات»، وبتفصيل أوسع في كتاب «النكاح»، باب نكاح الرقيق، تحت العنوان الفرعي: مطلب في حكم إسقاط الحمل، ينقل ابن عابدين متن الإمام الحصكفي: «وَقَالُوا يُبَاحُ إسْقَاطُ الْوَلَدِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَلَوْ بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ (وَعَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا) بِلَا كَرَاهَةٍ». ثم يبين ابن عابدين المقصود في «وقالوا»: «(قَوْلُهُ وَقَالُوا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: بَقِيَ هَلْ يُبَاحُ الْإِسْقَاطُ بَعْدَ الْحَمْلِ؟ نَعَمْ يُبَاحُ مَا لَمْ يَتَخَلَّقْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالتَّخْلِيقِ نَفْخَ الرُّوحِ وَإِلَّا فَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ التَّخْلِيقَ يَتَحَقَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ، وَإِطْلَاقُهُمْ يُفِيدُ عَدَمَ تَوَقُّفِ جَوَازِ إسْقَاطِهَا قَبْلَ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى إذْنِ الزَّوْجِ». يفرق ابن عابدين بين التخليق أي تكوّن أعضاء للجنين الذي يشير إلى أنه يحدث قبل 120 يومًا، ونفخ الروح الذي يحدث بعد 120 يومًا، كما يشير الحديث الذي ذكرناه سابقًا.

ثم ينقل ابن عابدين عن كتاب «الفتاوى الخانية» للقاضي فخر الدين قاضيخان الحنفي (ت 592 هـ) حكمًا آخر بأن الإجهاض مكروه دون عذر: «وَفِي كَرَاهَةِ الْخَانِيَّةِ: وَلَا أَقُولُ بِالْحِلِّ إذْ الْمُحْرِمُ لَوْ كَسَرَ بَيْضَ الصَّيْدِ ضَمِنَهُ لِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ، فَلَمَّا كَانَ يُؤَاخَذُ بِالْجَزَاءِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَلْحَقَهَا إثْمٌ هُنَا إذَا سَقَطَ بِغَيْرِ عُذْرِهَا»، فيقيس إجهاض الجنين على كسر بيضة الطائر، فالمُحْرِم بالحج أو العمرة يحرم عليه قتل طيور الحرم، ولو كسر بيضة طير من طيور الحرم كان عليه كفارة، فيقيس هذا على إجهاض المرأة للجنين دون عذر.

وينقل عن القاضي ابن وهبان الحنفي (1326م - 1366م) مثالًا لهذه الأعذار: «قَالَ ابْنُ وَهْبَانَ: وَمِنْ الْأَعْذَارِ أَنْ يَنْقَطِعَ لَبَنُهَا بَعْدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ وَلَيْسَ لِأَبِي الصَّبِيِّ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ الظِّئْرَ وَيَخَافُ هَلَاكَهُ». فيستخدم القاضي هنا أسبابًا صحية ونفسية واقتصادية تصلح عذرًا للإجهاض: انقطاع لبن الأم، فقر الأب وعجزه عن توفير مرضعة، الخوف من تضرر الطفل.

ثم ينقل عن كتاب «الذخيرة» للقرافي، الذي يُعد أحد أهم كتب الفقه المالكي، اختلاف الفقهاء في حكم الإجهاض: «لَوْ أَرَادَتْ الْإِلْقَاءَ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ هَلْ يُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ»، ويورد الآراء المختلفة من المذهب الحنفي مثل كراهية الإجهاض ﻷن للجنين حياة محتملة «كَانَ الْفَقِيهُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى [من فقهاء الحنفية المتقدمين في إيران] يَقُولُ: إنَّهُ يُكْرَهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الرَّحِمِ مَآلُهُ الْحَيَاةُ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ كَمَا فِي بَيْضَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ»، أو اشتراط عذر ﻹباحة الإجهاض، لكن حتى في حالة عدم وجود عذر فإن التحريم لا يصل إلى درجة القتل، مستشهدًا بكتاب الفتاوى الظهيرية «فَإِبَاحَةُ الْإِسْقَاطِ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ، أَوْ أَنَّهَا لَا تَأْثَمُ إثْمَ الْقَتْلِ». 

نستخلص من كلام ابن عابدين أن المذهب الحنفي له ثلاثة آراء في الإجهاض قبل أربعة أشهر:

  1. الإباحة دون عذر، ويجوز أن تفعله المرأة حتى دون استئذان الزوج.
  2. الإباحة بشرط وجود عذر للإجهاض، والأعذار التي قدموها صحية ومادية ونفسية.
  3. الكراهة أو التحريم الذي لا يصل إلى درجة تحريم القتل.

تتقاطع بعض المذاهب الفقهية الأخرى مع المذهب الحنفي في إباحة الإجهاض قبل أربعة أشهر مثل المذهب الزيدي وبعض الشافعية مثل الإمام الرملي والإمام القليوبي، وابن عقيل من الحنابلة. وهناك بعض الفقهاء الشافعية والحنابلة واللخمي من المالكية، يبيحون الإجهاض في الـ40 أو الـ80 يومًا الأولى، أي في فترتي النطفة والعلقة. 

وهناك مَن حرمه بالكلية من أول يوم مثل جمهور المالكية، والإمام الغزالي من الشافعية، وينصب منطقهم في التحريم على أن الجنين حياة محتملة، وبالتالي يحرم التعدي عليها من أول يوم، وذهب ابن تيمية إلى أن الإجهاض مثل الوأد: «الذي قال الله فيه: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ، وقد قال: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ»

لا ينبغي أن يؤدي هذا ﻹطلاق تصور عام بأن المذهب الحنفي أكثر «ليبرالية» من المذاهب الأخرى، ففي قانون الأحوال الشخصية المصري، أخذ المشرع بآراء من مذاهب أخرى أكثر مرونة في مسائل الطلاق للضرر من المذهب الحنفي. وفي الإجهاض، لا ينص الفقهاء الأحناف مثلًا على جواز الإجهاض لولد الزنا، رغم أنه قد يفهم جوازه من إطلاقهم جواز الإجهاض في الشهور الأربعة الأولى، لكن ابن النجيم المصري، من فقهاء الأحناف، يرى تحريم إسقاطه: «وَهَذَا الْحَمْلُ مُحْتَرَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُهُ»، بينما نص بعض الشافعية مثل الإمام الرملي على جواز إجهاض ولد الزنا، والشيخ عليش من متأخري المالكية الذي يقيد إباحة الإجهاض بخوف المرأة على نفسها من القتل إذا ظهر حملها من الزنا، ففي هذه الحالة يجوز لها الإجهاض.

يمكن ملاحظة أن الفقهاء التقليديين عمومًا وابن عابدين نموذج لهم، يناقشون الإجهاض في أبواب مثل العزل (وهو إنزال المني خارج فرج المرأة حتى لا تحمل) ونكاح الرقيق، ما يحيلنا إلى عالم مختلف كانت فيه زوجات متعددات وإماء مملوكات يتم بيعهن وشراؤهن. في هذا العالم، كان للولادة معنى مختلف، فالجارية المملوكة إذا أنجبت تكون مستحقة للحرية، والإجهاض مرتبط بتراتبية عائلية مختلفة، فيه زوجة أولى عادة ما تحدد مَن لها حق الإنجاب ومَن تُجبر على الإجهاض، ﻷن ذلك يرتبط بالميراث ومستقبل العائلة و«ممتلكاتها». 

وفي شرحه لحديث عبد الله بن مسعود الذي أوردناه في بداية المقال، يشير الشيخ عبد المحسن العباد «لأن الذين يعزلون حتى لا تحمل المرأة -وذلك غالبًا إنما يكون في الإماء- إنما يريدون أن يستمتعوا بهن، ولكن لا يريدون أن يحملن؛ لأنهن إذا حملن صرن أم ولد، لا يتمكنون من بيعهن والتصرف في ماليتهن؛ ولهذا كانوا يعزلون خشية أن تحمل، فتضيع عليه تلك المالية، فلا يتمكن من بيعها».

الفقهاء المعاصرون… بين متابعة النقاش القديم والتحريم الحداثي

غالبًا ما يكون الرد على الأسئلة الفقهية اليوم بإجابات حاسمة: حلال أو حرام. لكن هذه القَطعِيّة التي تبدو بديهية في حاضرنا، لم تكن دائمًا سِمة من سمات الفقه الإسلامي كما نرى من تعدد الآراء حول المسألة الواحدة داخل نفس المذهب عند ابن عابدين. هذه القطعية هي، جزئيًا، نتاج الحداثة وتأثير القانون الوضعي، وتحديدًا القانون الفرنسي، الذي أعاد تشكيل تصورنا للدين والفتوى عمومًا من خلال منطق النصوص المحددة والمُقنَّنة، وصولًا إلى تأثيره المباشر على تغير الحكم الفقهي للإجهاض إلى التحريم. لم يعد النقاش الفقهي ساحةً للتأويل والاجتهاد، بقدر ما أصبح أقرب إلى الأحكام القطعية للقانون الجنائي.

يستند بعض الفقهاء المعاصرين إلى الآراء التقليدية لتقديم فتاوى مرنة تجاه الإجهاض، فرئيس لجنة الفتوى بالأزهر، الشيخ عطية صقر، في كتابه «فتاوى وأحكام المرأة المسلمة»، يذكر الآراء المختلفة ويترك للسائل حرية الأخذ بأحدها في «أضيق الحدود»، لكن رغم رأيه بإمكان الأخذ بالآراء المُبيحة للإجهاض، فقد حرمه إذا نتج الحمل عن علاقة زنا رضائية، بحجة أن الإباحة قد تُشجع على الفساد. كذلك، مفتي الجمهورية الأسبق علي جمعة يجيز الإجهاض قبل أربعة أشهر على المذهب الشافعي.

وأجاز الفقيه السوري، محمد البوطي، في كتابه عن تحديد النسل، الإجهاض في الأربعين يومًا الأولى دون عذر، وبعدها بعذر، طالما لم يُنفخ الروح. 

واشترط مفتي السعودية ابن باز أعذارًا سهلة للإجهاض مثل أن يكون «عندها أطفال صغار تربيهم ويشق عليها الحمل، أو لأنها مريضة يشق عليها الحمل فلا بأس بإسقاطه في الأربعين الأولى».

أما الشيخ يوسف القرضاوي فيرى تحريمه مع استثناء الأربعين يومًا الأولى إذا وُجد عذر قوي مثل الاغتصاب، بينما أجاز شيخ الأزهر الأسبق، محمد سيد طنطاوي، إجهاض المغتصبة «إذا كانت حسنة السمعة».

في المقابل، يتشدد طيف واسع من الفقهاء المعاصرين في تحريم الإجهاض بحجج متنوعة، بعضها قديمة ومعظمها حداثية تمامًا، مثل الدكتورة سعاد صالح، التي طالبت بتحريم الإجهاض مطلقًا، استنادًا إلى «الرأي الطبي الحديث» الذي يقول إن «النبض يبدأ في اليوم 24 من الحمل، وبالتالي يعتبر الجنين روحًا منذ أيامه الأولى». هذا الرأي يتبنى تصورًا حداثيًا يعتمد على العلم لتعريف «الروح»، متجاوزًا النقاش الشرعي التقليدي حول نفخ الروح، ليعرف الإنسان من خلال النبض. وهو نقاش يفصله الطبيب حاتم الحاج في كتابه «أثر تطور المعارف الطبية على تغير الفتوى والقضاء»، ملاحظًا أن المعاصرين أكثر تشددًا من السابقين في تحريم الإجهاض، ويعزو ذلك إلى تأثرهم بالمعارف الطبية.

استند آخرون إلى حق الأمة ومحدداتها الأخلاقية، فاعتبر الشيخ محمود شلتوت في كتابه «الإسلام عقيدة وشريعة» أن الإجهاض محرَّم لأن للأمة الإسلامية «حقًا» في الإنجاب، وبالتالي لا يعود القرار إلى الأبوين وحدهما. 

أما شيخ الأزهر الحالي، أحمد الطيب، فرأى أن الإجهاض والشذوذ الجنسي جزء من أجندة غربية استعمارية تسعى إلى تقويض الأخلاق الإسلامية وتفكيك الأسرة، وهو موقف سبقه إليه شيخ الأزهر الأسبق، جاد الحق علي جاد الحق، عندما اعترض على بعض البنود الواردة في مسودة إعلان مؤتمر القاهرة الدولى للسكان عام 1994، معتبرًا أنها تناهض الأديان وتعتدي على الكرامة الإنسانية، فبعض بنود المؤتمر «تُبيح الشذوذ الجنسي، والإجهاض، والحمل دون زواج».

فتاوى الشيوخ الذين يظهرون على شاشات التلفزيون وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، تلعب الدور الأهم في صياغة التصور الشعبي عن الإجهاض عندما يجيبون عن السؤال عن حكم الإجهاض بأنه حرام، مثل الشيخ رمضان عبد الرازق، والشيخ محمد أبو بكر الذي صرح في قناة النهار بأن الجنين يكون حيًا بعد 40 يومًا ﻷن عنده نبض، وبالتالي «نفخت فيه الروح فيحرم إجهاضه في جميع المذاهب الفقهية». في برنامج آخر، شدد على التحريم «حتى لا نشجع على الفواحش ونبيح الزنا ويقولك أباحوا الإجهاض»، مشيرًا إلى الاستثناء بأخذ فتوى من دار الإفتاء فقط «مش من أي حد»، محاولين تكريس سلطة «الإفتاء» على حياة الأفراد.

ولا يكتفي هؤلاء بتحريم الإجهاض، بل يذهبون إلى إنكار وجود أي آراء أخرى تبيحه، ففي مقابلة صحفية أكد أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد كريمة، أن «فقهاء الشريعة الإسلامية أجمعوا على تحريم الإجهاض إلا بناء على عذر طبي يقدمه أطباء من أهل الثقة يجعل في استمرار الحمل خطورة على حياة الأم، وعللوا ذلك بأن الحمل له حق الحياة فلا يجوز أن يعتدى عليه»، مكرسًا سلطة شرعية للأطباء على جسد المرأة إلى جانب سلطة الفقهاء.

هذا الإنكار التام لوجود أي آراء شرعية تبيح الإجهاض، كما رأينا عند ابن عابدين وغيره، والتأكيد على حرمة الإجهاض في جميع المذاهب، يرسخ الصورة التي تنتشر لدى الجمهور بأن الإجهاض حرام قطعًا. لذلك يعاني حتى مَن يحصلون على فتاوى فردية تسمح لهم بالإجهاض من صعوبة شديدة في تنفيذها. وكما يظهر من المقابلات التي أجريتها خلال إعداد رسالة الماجستير، هناك تصور جمعي عن الإجهاض بأنه حرام، وقد رد أطباء وصيادلة على نساء ورجال طلبن عمليات إجهاض أو أدوية إجهاض بأنه حرام. في إحدى الحالات، أحضر الزوج فتوى من الأزهر لطبيب الأسرة ليقنعه بإجراء الإجهاض لزوجته، لكنه رفض مصرًا على قناعته بالتحريم. وبين 17 مقابلة، لم يسمع سوى أربعة عن وجود فتاوى تبيح الإجهاض.

يكشف تتبّع تطور حكم الإجهاض في الفقه الإسلامي عن تحوّلٍ في بنية التفكير الديني ذاته، من منظومة فقهية تعتمد على تعدد الآراء والاجتهادات كما نرى عند ابن عابدين، إلى خطاب تحريمي ضبطي متأثر بالعلم والقانون الحديث، يُعيد إنتاج نفسه كقانون أخلاقي. يركز هذا الخطاب على أداء المرأة لـ«مهمتها» الأسرية دون انحراف، ولهذا انتقل موقع الإجهاض داخل النظام الفقهي من أبواب العزل والديات والرق، أي ضمن فقه المعاملات وحقوق المال والقتل، ليدرجه الفقه المعاصر في أبواب الأسرة، والأمومة، وأخلاقيات المرأة المسلمة. تغير محور النقاش من الجنين باعتباره إنسانًا محتملًا، إلى المرأة باعتبارها أمًّا حتمية، مهمتها الأساسية هي الإنجاب. وفي هذا النقاش عن الدور الاجتماعي الذي تحتل الأسرة قاعدته وتلعب الأمومة فيه دورًا مركزيًا، تُنتج أحكام تقيد المرأة بدورها كأم في الأسرة غرضها أن تنجب الأولاد للمجتمع، وتحرم أي فعل يخالف هذا الدور مثل الإجهاض، ليصبح الجنين أداةً لضبط المرأة/الأم وسلوكها ودورها الاجتماعي.

لقراءة مقدمة السلسلة اضغط هنا.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
أحمد سمير سنطاوي

باسم الأم: أفعال الطبقة

«يمكن رؤية الإجهاض بوصفه شبكة تتقاطع فيها بوضوح الذكورية والتمييز الجنسي»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).