كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (1-3)
في مقالتها الطويلة هذه، تحاول إيلا شوحط، أستاذة الدراسات الثقافية في «جامعة نيويورك»، تسليط الضوء على شكلين من أشكال التفكير الهوياتية، في الملكة المصرية القديمة كليوباترا. الأول يجري فيه التفكير في العالم، داخل ثنائيات البياض/السواد، أوروبا/إفريقيا/، المركزية الأوروبية/المركزية الأفريقية، والتي تشكل، كما تحاجج الكاتبة، امتدادًا لتأثير الخطابات الاستعمارية الأوروبية العنصرية في قراءتنا للعالم والتاريخ، من خلال منطق المعرفة المركزية الأوروبية. فيما يحاول الشكل الثاني التفكير بالتاريخ، وبالعصور القديمة، داخل منطقها المعرفي الخاص، الذي لم يشكل السواد أو البياض جزءًا هوياتيًا حاسمًا فيه، أو في تشكيله الثقافي الذي امتاز، خاصّة في حوض البحر المتوسط القديم كما تدّعي الكاتبة، بتعدّده الثقافي والهوياتي.
هنا تأتي أهمية ترجمة هذه المقالة، في ظل تصاعد النقاشات والجدل حول كليوباترا بعد أن أنتجت شبكة نتفليكس المسلسل الوثائقي «كليوباترا» (2023)، والذي تؤدي فيه الممثلة الأمريكية الإفريقية آديل جيمس* دور الملكة القديمة.
ينشر «مدى مصر» ترجمة المقال على ثلاث حلقات، هذا هو الجزء الأول منها.
يحفِز اسم «كليوباترا» على الشغف بكل أنواعه. أحدها، وهو شغفٌ ليس ثانويًا، يتعلق بشكلها، وذلك يتضمن مسألة أصلها وهويتها. كيف بَدَتْ الملكة القديمة؟ هل كان جمالها أخّاذًا؟ هل كان أسلافها مقدونيين يونانيين أم مصريين؟، قد توحي الإجابات القاطعة والمؤكدة على هذه الأسئلة بغطرسة علميّة، تفترض أصلًا إمكانية امتلاك «حقيقة تاريخيّة» بشكل عامّ، وبشكل أخصّ افتراض وجود تمكّن إدراكيّ كامل بما يتعلّق بكليوباترا وعالمها. بغضّ النظر عن سعي العلم الدؤوب من أجل الموضوعيّة، إلا أن التاريخ، كما اتضح لنا، لا يتضمن الحقائق فقط ولكن السرديات أيضًا، والخطابات والرؤى حول العالم. على العكس من بعض الاتجاهات ما بعد الحداثية، لا يدّعي هذا المقال عدمية استحالة الوصول إلى «حقيقة» (truth) أو واقِعة (fact). خلال عملي، حاولت التحقق من كيفية نشوء الحقائق وتموضعها إلى جانب حقائق أخرى تُروى بوصفها جزءًا من سردية أكبر. على المعرفة العلمية، المجزأة والمُمَوضعة، أن تعتمد جزئيًا على التأويل وعلى «القراءة» للوقائع. أي نظرة إلى الماضي داخل هذا السياق يجب أن ترتبط بوجهات النظر العالمية والخطابات المشتركة بين قراء التاريخ.
هنا، سأحاول فحص الكتابات المعاصرة، التي سعت لفك السحر عن أصول كليوباترا وشكلها. يتطلَب التفكير في كليوباترا التعامل بالضرورة مع مسألة صنع الصورة والتمثيل البصري. لآلاف السنين؛ شغلت قصة حبها وموتها، سلطتها وجنسانيتها، هيمنتها وسطوتها، والجولات الإمبريالية بين الحضارات الرومانية واليونانية والمصرية، المخيلة العامة، مستثيرة آراءًا قوية حول هويتها. كان الخيالي والتاريخي يغذيان بعضهما بشكل متبادل، وفي الأثناء، سمح عدم اليقين إزاء شكلها لكل جيل، بتشكيل صورتها في الهيئة التي يرغب بها. يمكن القول إن لكل زمن كليوباترا الخاصة به، إلى درجة أنه يمكن للمرء دراسة أفكار وخطابات حقبة معينة، من خلال تخيلاتها عن كليوباترا. وبالتالي، تشكل الملكة القديمة أكثر من مجرد شخصية تاريخية يمكن إحالتها إلى حقلي علم الآثار والمصريات، إذ أنها تشكل مجازًا محملًا بقضايا الجنسانية، الجندر، العِرق، والأمة، وبقضايا تتجاوز فضاء عصرها الجيو-ثقافي. سأركز بشكل كبير هنا على تمثيلات كليوباترا خلال القرن المنصرم، إذ تشابكت هذه التمثيلاتِ بذروة الإمبريالية وكذلك بالظهور اللاحق لأمم ما بعد الاستعمار وشتاتها. تحديد موقع الصراع حول شكلها وأصولها داخل سياقات الهيمنة الاستعمارية، والنضالات ضد الاستعمار، والتوترات العرقية ما بعد الاستعمارية، بما يضيف، كما سأحاول أن أثبت، بعدًا جديدًا لمحاولة فهم الاستثمار في هوية كليوباترا.
للاشتباك مع الجدالات المعاصرة حول كليوباترا بعمق، يجب علينا أن نأخذ تمثيلاتها في الثقافة الشعبية على محمل الجد. داخل إطار الدراسات الثقافية، تؤكد هذه المقالة على أهمية «قراءة» كليوباترا داخل سياق الحداثة، وبالتحديد في سياق تكنولوجيا الإعلام الجماهيري. ظهرت كليوباترا منذ أواخر القرن التاسع في الإعلام بوصفها شخصيّة جماهيرية؛ فقد جُسِدَت بصريًا، واستُدعِيَت أو أُلْمِحَ إليها في العديد من الصور، بطاقات البريد، الأفلام، الإعلانات التجارية، المسلسلات التلفزيونية، مجلات الموضة، المواقع الإلكترونية. مؤخرًا، ظهرت كليوباترا في مسلسل الخيال المستقبلي «2525»، والذي تستيقظ فيه راقصة غرائبية اسمها كليوباترا، بعد أن ظلت مجمّدة لخمسة قرون منذ عام 2001، لتخوض معركة شجاعة لاستعادة سطح الأرض من المخلوقات الشريرة التي تُدعى «بايليز» وإعادة الأرض للبشرية. لم يُنقِص ظهور العديد من الوسائط التكنولوجية –الفيلم، المسلسل، الفيديو والرقمي– من الشغف بالملكة القديمة على الإطلاق، فقد حققت صناعة صورة كليوباترا انتشارًا عالميًا مذهلًا، إلى درجة أن صورتها تسربت إلى الكثير من المنازل، في العديد من الجغرافيات المتنوعة ثقافيًا.
كليوباترا بين المركزية الأوروبية والمركزية الأفريقية
«كانت أم كليوباترا جارية محظية، وهويتها ليست معروفة بشكل وثيق. وبالنظر إلى كل اللا يقين المحيط بأصلها، قدّر أحد الباحثين أن يكون دمها يتشكل من نسبة 32% دم يوناني، 27٪ مقدوني، 5٪ فارسي. هذا التخمين معقول. لو كانت سوداء، لم يذكر أحد هذا»[2].
خلال العقود الأخيرة، شكلت كليوباترا قلب جدال خطابي، حول الدم والعرق والنسب. وبالرغم من أن العديد من الكتابات تقر باستحالة المعرفة اليقينية بأصولها، إلا أن العديد من المؤلفين، راحوا بالرغم من ذلك يقدمون إثباتاتهم القاطعة. الاستثمار العلمي والفني في صورة معينة لكليوباترا يشير إلى أن شخصيتها أصبحت موقعًا مجازيًا للمعارك العرقيّة المعاصرة، خاصة في «الغرب» ما بعد الاستعماري. الانقسامات المرهقة في حدود الجغرافيا المتخيّلة للحداثة، ومنها الغربُ/الشرق، أفريقيا/أوروبا، أسود/أبيض، تستمر في التأثير في الطريقة الثنائية التي تُبنى بها الحضارات القديمة. ترسيخ سوادها، أفريقيّتها، أو مصريّتها من جهة، أو بياضها، يونانيّتها المقدونية، أوروبيتها، من جهة أخرى، يُنظر إليه بوصفه انتصارًا لجانب على آخر في «الحروب الثقافية». غالبًا ما تشتبك هذه النقاشات المشحونة، والتي تظهر في وسائل الإعلام الجماهيرية، بالصراع المتعلق بظهور المركزية الأفريقية (Afrocentrisim) بوصفها حقلًا بحثيًا. مثلًا، خصصت مجلة «Newsweek»، عام 1991، عدة صفحاتٍ لسؤال ما إن كانت كليوباترا سوداء، كجزءٍ من مراجعتها لإضاءات المركزية الأفريقية على الإنجازات الحضارية الأفريقية. أعاد مشروع المركزية الإفريقية مصر القديمة إلى دائرة الحضارة الأفريقية، مجادلًا بأن مصر قد «سُرقَتْ» من إفريقيا وموضَعَها باحثو القرن التاسع عشر في الشرق الأدنى، الذين منعتهم عنصريتهم من منح الفضل للأفارقة في إنجازات حضاريّة ضخمة مثل بناء الأهرامات. أشارت «نيوزويك» إلى تجاهل، أو إنكار، الباحثين الغربيين لادعاءات المركزية الأفريقية، وبالأخص التي تدعي أن الحضارة الأوروبية كانت في الواقع مشتقة من أفريقيا. كذلك ضمت المجلة قسم سؤال وجواب لمناقشة سؤال ما إن كان المصريين سودًا، وتجيب بأن مصر كانت موطنًا للسود، الآسيويين، والساميين، لكن كليوباترا نفسها، «كانت على الأغلب بيضاء»[3]. وفي حين قبلت «نيوزويك» بالسواد الجزئي لمصر، إلا أنها بدت وكأنها، بمركزية أوروبية، تشير إلى أن الحضارة اليونانية لا تشتمل على السواد، أو حتى أن «الإغريقي» يعني بالضرورة «البياض».
ترتبط النقاشات الإعلامية، حول لون بشرة كليوباترا بالتحديات الثقافية المتعددة في ما يتعلق بالمناهج، والتعليم، وبعلم التأريخ. الأمر الذي يضعه النقاش حول كليوباترا على المحك، هو ما إن كان يمكن إعادة فحص ومراجعة تدريس التاريخ، أو معايرته داخل إطار «عمل كالمعتاد». لذلك، لا يمكن فحص جدل كليوباترا السوداء/البيضاء فقط داخل عالم العصور القديمة، بل يجب أن يُرى كذلك داخل السياق الاستعمار وإرثه. الاستثمار المعاصر في سواد كليوباترا، مصريتها، وإفريقيتها، يوجد في علاقة جدلية مع الإصرار الأسبق على بياضها، إغريقيتها، وأوروبيتها. على مدى عدة قرون ماضية، افترض عدد لا نهائي من الأعمال الفنية، التمثيلات العمومية، والقراءات التاريخية، بياضها، أو حتى أكد على هذا. وفقًا لمؤلفين أمثال جاك ليندزاي Jack Lindsay، يعود أصل كليوباترا إلى البطالمة في مصر[4]. دمها، وفقًا لليندزاي، يتشكل بالدرجة الأولى من «دم مقدوني»، بالرغم من اعترافه بأن بعض الشكوك تظل قائمة حول عرق جدتها. في الوقت نفسه، ينفي ليندزاي أي فرضية تقول بأن جدة كليوباترا قد تكون من أصل مصري، عندما يكتب: «من المؤكد أن دمها لم يحتوي على دمٍ مصري». تستند حجته إلى فرضية تقول إن بطلميًا واحدًا فقط امتلك عشيقة مصرية، لكن الغالب على عشيقات البطالمة أنهن كن إغريقيات. علاوة على ذلك، يضيف ليندزاي، أننا لسنا متأكدين من هوية أم كليوباترا، لكنه يعارض في الوقت نفسه الفرضية القائلة بأن كليوباترا كانت ابنة من «عشيقة غير معروفة». وبالنظر إلى أن كليوباترا لم «تعنّف» لكونها ابنة جارية، حتى خلال «حملات البروباجاندا المشحونة ضدها والإهانات التي وجهت إليها خلال سنواتها الأخيرة»، يستنتج ليندزاي أن أمها لابد كانت في «زواج شرعي» مع والدها، بطليموس الثاني عشر.
يعتقد مؤلف آخر لسيرة كليوباترا، هو مايكل جرانت، أنه، وبالرغم من أن كليوباترا عاشت في مصر وحكَمَتها، إلا أنها لم تمتلك «نقطة دم مصرية واحدة في عروقها»[5]. بوصفها بطلمية، ترعرعت ورُبيت كإغريقية، وكانت «إلى مدى كبير ذات دم إغريقي». كذلك يثير غرانت قضية هوية والدة كليوباترا، مستنتجًا أنها لا بد كانت «تريفاينا»، كليوباترا الخامسة، زوجة والد كليوباترا الأولى. يرفض غرانت إمكانية أن تكون والدة كليوباترا عشيقة على نفس الأساس الذي يستند إليه ليندزاي، فمن غير المرجح أن تكون كليوباترا طفلة غير شرعية لأن البروباجاندا الرومانية السلبية لم تذكر ذلك على الإطلاق. وبالرغم من إصراره العنيد على خلو كليوباترا من أي «دم مصري»، يقترح غرانت أنها كانت متعددة الأعراق وداكنة البشرة، وهي حقيقة يعزوها لأسلافها المقدونيين الذين كانوا ذوي «أعراقٍ شديدة الاختلاط». ويستنتج، بشكل بارز، أنه وبالرغم من أن «المكونات العرقية» لهوية كليوباترا المقدونية قد تكون مختلطة، لكنها ثقافيًا كانت إغريقية بالمطلق. لكن، في كتابه «من الإسكندر إلى كليوباترا»، يستعرض غرانت بعض القراءات لعاداتٍ قد يمكن الاستنتاج منها أن الرجال الإغريق، عادة ما اتخذوا من النساء المصريات عشيقات لهم. كتب: «عادة ما كان الرجال الإغريق، الذين يقطعون البحار بوصفهم مستعمِرين ومستوطنين، يتركون زوجاتهم وعائلاتهم وراءهم»[6]. ويشير، إضافة إلى ذلك، إلى أنه مع أن العلاقات خارج الزواج كانت مستبعدة بالنسبة للنساء، إلا أن «الخيانات العابرة كانت مسموحة للأزواج، خاصّة مع العبيد والعاهرات». ورغم أن جرانت نفسه لا يطرح هذا الاستنتاج، لكن قراءته تلك تشير إلى أن «الاختلاط العرقي» لم يكن وارد الحدوث فقط في مقدونيا، بل في مصر أيضًا، وتلك حقيقة لها تبعات كبيرة فيما يتعلق بالخطابات حول تشكيل كليوباترا العرقي والإثني.
لكن، ثمّة القليل من النصوص التي رجحت احتمالية كون أصول كليوباترا مختلطة. على سبيل المثال، سارة ب. بوميروي، تصف كليوباترا بأنها كانت مختلفة بين الرومان لأنها لم تكن تقع بشكل كاملٍ تحت أي تصنيف[7]. فرق المجتمع الروماني بشكل واضح بين النساء على نفس مستوى الرجل، واللاتي يمكنه الزواج منهن، وبين الرفيقات/ العشيقات. لكنهم، ولأن كليوباترا كانت «مثل رفيقة أتت من الشرق الهيليني»، أطلقوا عليها، في تناقض لفظي، «ملكة البغايا regina meretrix». كما تشير بوميروي إلى أن رجال البطالمة كانوا يتخذون من النساء المصريّات عشيقات، الأمر الّذي ينكره في العموم كتّاب أمثال جرانت وليندزاي. تصف بوميروي الحالة الّتي يكون فيها «الرجل الإغريقي في مصر دون أصدقاء أو أقارب، وكيف سيطور بشكل طبيعي روابط مع جاريته وأولاده منها». في العموم، لم يكن الرجال الإغريق قادرون على إيجاد زوجات إغريقيّات في مصر، وبالتالي «تزوّجوا نساءً من مصريات الأصل أو اتّخذوا جواري من العبيد». بكلمات أخرى، لا بد أن تمازج الأجناس الإغريقي-المصري قد حدث في مصر، طالما كان ملاك العبيد يحظون أحيانًا بأطفال من جارياتهم المصريات. في الاتجاه ذاته، يروي آلان كاميرون قصة رفيقة سوداء، تدعى دِدْيامي، وقد كانت عشيقة ملكية ذات أصول أثيوبية، والّتي مُدِحَ جمالها في قصيدة لأسكليبياديس[8]. وبالرغم من أن الزواج المختلط بين الإغريق والمصريين لم يكن مقبولًا اجتماعيًا، كما تظهر حالة دِدْيامي، إلا أن روابطًا بين السكان الأصليين والإغريق قد تشكَّلت، حتى في أعلى المستويات الاجتماعية. فوفقًا لكاميرون، ثمة حالة أغفِلَت من الذكر والتي فيها يتخذ أحد ملوك البطالمة، بطليموس الثاني، عشيقة «أصلية» – أي مصرية. وبالرغم من وجود بعض القراءات البحثيّة التي تدرس المجتمع المصري بوصفه مجتمعًا يتغلغل فيه الاختلاط العرقي والإثني، يستمر الشغف بكليوباترا البيضاء. على سبيل المثال، يستضيف وثائقي «عالم كليوباترا» الأخير (History Channel, 2001)، مؤلفة «مذكرات كليوباترا»، مارجريت جورج، والتي تؤكد بشكل قاطع أن «كليوباترا لم تملك دمًا مصريًا، وبالتالي، لا يمكن أن تكون سوداء».
يتقاطع الجدل حول بشرة كليوباترا، كما هو متوقع، مع الجدل الذي أثاره كتاب مارتن بيرنال «أثينا السوداء»، حول اختراع حدث في عصر التنوير، صَبَغَ اليونان القديمة بصبغة «أوروبية» خالصة. وبالرغم من عدم تطرق عمل بيرنال لكليوباترا، إلا أن الضجيج الإعلامي استدعى كليوباترا لتقديم شهادتها. ففي مقالة صدرت عام 1992 في مجلة «The New Republic»، حاولت ماري ليفكوفيتز نقد فرضيات بيرنال من خلال ربطها بالعديد من ادعاءات المركزية الأفريقية، والّتي افترضت إحداها سواد كليوباترا. لدعم نقدها، تحكي ليفكوفيتز عن شعور أحد الطلاب بالإهانة خلال عرض «كليوباترا» ضمن سلسلة أفلام التاريخ القديم، بسبب تأدية ممثلة بيضاء لدور كليوباترا –إليزابيت تايلور– رغم أنها -كليوبترا- بحسب قناعة الطالب كانت سوداء. في تعقيبها على تلك الحادثة، تكتب ليفكوفيتز، بأسلوب فوقي:
«فعلنا ما بوسعنا لإقناع الطالب أنه، وبناءً على أصول كليوباترا (واسمها)، فإنها كانت تنتمي إلى السلالة المقدونية الإغريقية التي فرضت حكمها على مصر، وأنها رغم براعتها في اللغة المصرية، إلا أن أسلوب ملابسها، رفاهية بلاطها، كان في الأصل إغريقي»[9].
تبدو ليفكوفيتز، هنا، عازمة على النفي القاطع لأي احتمال، ولو جزئي، لوجود أصل مصري أو أسود لكليوباترا، يمكن تتبعه ليس فقط إلى مصر بل حتى إلى اليونان/مقدونيا. يتجاهل رفضها هذا الأدلة الأدبية والأثرية على تداخل الأفارقة السود مع العديد من المجتمعات في العالم الروماني-الإغريقي[10]. حتى أولئك الذين يٌصرون على إغريقية كليوباترا المقدونية بالكامل، يعترفون أيضًا بنوعٍ معين من التمازج العرقي في مقدونيا. وعليه، حتى إن افترض أحدهم أن كليوباترا لم تملك «نقطة دم مصرية واحدة»، فسيكون من الصعب الجزم برفض أي أثرٍ لأي تمازجٍ في خط نسلها، و هنا تأتي أهمية مساهمات معينة لدراسات المركزية الأفريقية.
في الوقت نفسه، المدهش في هذا الجدال –سواءً في خطاب المركزية الأوروبية أو الإفريقية – هي الطريقة التي غالبًا ما تتشابك فيها تصنيفات العرق بوصفه محددًا بيولوجيًا بتصنيفات الإثنية والقومية كأعراضٍ للانتماءات الثقافية، والجغرافية، والاجتماعية. إذن، فإن كلا الادعائين، وبطرقٍ مختلفة –أن كليوباترا كانت مصرية وبالتالي سوداء، وأنها كانت إغريقية وبالتالي بيضاء– هما إشكاليان بالدرجة ذاتها؛ فكلاهما يعادِلانِ ببساطة المصرية بالسواد، والإغريقية بالبياض، ويضفيان طابعًا جوهريًا على جغرافيات ثقافية.
الاعتراف ببياض كليوباترا، يعني تجاهل ما يعترف به حتى مؤلفون أمثال غرانت، الذي يصر على إغريقية كليوباترا: أي حقيقة أن المقدونيين كانوا متمازجين عرقيًا إلى حد كبير. كلا الادعاءان، وبشكل مشابه، يبدو أنهما يرفضان التمازج العرقي في الطرف الآخر، أي بين المصريين؛ فاستثمار المركزية الأوروبية في بياض كليوباترا النقي وإصرار المركزية الأفريقية على سوادها النقي يتشابهان بشكل غريب. مؤخرًا، استُدعي سؤال التمازج العرقي أيضًا في الجدال المتجدد حول عمل بيرنال. ففي ملحق «تايمز» الأدبي لعام 2001، وضع بيرنال نفسه بعيدًا وقريبًا من بعض ادعاءات المركزية الأفريقية. في رده على ليفكوفيتز، كتب: «تركز ليفكوفيتز بشكل كبير على ما تراه تقاربًا مني مع المركزيّة الأفريقية، ومن الصحيح أنني أكن احترامًا لتعلق المركزية الأفريقية لقرابة مئتي عام بنسختهم الخاصة من العالم القديم، ولإصرارهم على سواد المصريين القدماء، في وجه استخفاف ليس المؤسسة الأكاديمية فحسب، بل أيضًا استخفاف السود الذين تكيفوا معها. لكن ذلك لا يعني قبولي ببعض الرؤى الرئيسية التي يعتنقها عدد منهم، ومنها أن كليوباترا كانت سوداء أو أن الميلانين ضروري للإبداع!!»[11].
وبعد إشارته مرة واحدة إلى كليوباترا في هذا النقاش، يذهب بيرنال في اتجاه الإشارة إلى التمازج العرقي في كل من مصر واليونان. إذ يشير إلى أن فرضيات ليفكوفيتز، في بعض جوانبها، أقرب إلى المركزية الأفريقية من فرضياته. إذ تتقاطع ليفكوفيتز مع رؤية معظم المركزيين الأفارقة المتمثّلة في «أفريقية مصر»، بما أن كلاهما يعترضان على فكرة الاختلاط الثقافي من أكثر من قارة: «ما اعتبرته ماري ليفكوفيتز مرفوضًا في 'Black Athena'، هو الادعاء أن المجد الّذي حازته اليونان كان نتاج تداخل ثقافي قاري».
يفترض الجدل المتعلق بهيئة كليوباترا، كما رأينا، أن البياض والسواد قطبان لا يمكنُ تقاطعهما أو التدرج بينهما، في الوقت الذي فيه يعرضِ كلًا من مصر واليونان بوصفهما فضاءان نقيان عرقيًا. وعليه، يمكن الإجابة على عبارة مايكل فوس المدهشة: «لو كانت كليوباترا سوداء، لذكر أحدهم الأمر»، بالقول: «لو كانت كليوباترا بيضاء، لذكر أحدهم الأمر» أيضًا. عادة ما يستند «الدليل» على بياض كليوباترا إلى انعدام الإشارة لسوادها في الحملة الرومانية الإعلامية المضللة ضدها. ومثل هذه الحجة تفترض ببساطة حقيقة مفادها أن السواد كان يشكل صفة سلبية في الخطابات الرومانية. لكن، ومثلما أوضح بعض المؤلفين، لم يكن العالم الروماني-الإغريقي مبتلى بآفة التمييز اللوني، الّتي تفشت في العالم الحديث[12]. كذلك هناك بعض الإشكاليات الفرضيّة في استدعاء البروباجاندا الرومانية ضد كليوباترا بوصفها دليلًا على بياضها النقي، ومنها افتراض أن الرومان كانوا يعرفون كل شيء يحتاجون إلى معرفته عن الممارسات الجنسانية لجميع المقدونيين، قبل وصولهم إلى مصر، وعن كل عضو من أعضاء سلالة البطالمة في مصر، خلال القرون الثلاثة التي فصلت بين غزو الإسكندر لمصر ومولد كليوباترا، وأن أي معرفة كتلك، خاصة إذا كانت تصنف بـ«التاريخ الرسمي»، يمكن أن تشكل مصدرًا لمعرفة ليس فقط نقاء كليوباترا العرقي، ولكن أيضًا لأي فردٍ آخر؛ وأن مفاهيم السواد والبياض في عصر كليوباترا، قد حملت دلالات مشابهة، سلبية وإيجابية، لخطابات أوروبا العرقية التي ظهرت في أعقاب استعمار الأمريكيتين وأفريقيا وآسيا، وأن تعريف البياض أو السواد كمؤشرات هوياتية في حوض البحر المتوسط القديم، أثر بعمقٍ في الانتماء الثقافي والمكانة الاجتماعية، إلى الدرجة التي استدعت تعريف الأفراد إما سودًا أو بيضًا، وأن معنى ومحتوى البياض والسواد في حوض البحر المتوسط القديم، يمكن ببساطة بناؤهما داخل انقسامات عرقية صارمة، وأن للسواد أو البياض معنى ثابتًا عبر آلاف السنين، وأن تعريف المصري في عصر كليوباترا، قد يعني أن تكون أسودًا، وأن تعريف الإغريقي قد يعني أن تكون أبيضًا.
يستدعي رفض المركزية الأوروبية لإمكانية سواد كليوباترا عددًا من الأسئلة المشابهة في طبيعتها، لتلك التي يمكن طرحها على إصرار المركزية الأفريقية، على سواد كليوباترا: أي نماذج يمكنها تعريف السواد والبياض كتصنيفان بيولوجيان عرقيان؟ هل هي مجرد مسألة مظهر.. أي، درجة البشرة، ملامح الوجه، خصوصيّة الشعر، وخصوصيّات جسمانية أخرى؟ أم هي مسألة طبيعة الدم؟، حتى في غياب أي سمات واضحة (سوداء أو بيضاء) يمكن رؤيتها بالعين المجردة،. سيتطلب تبني هذا النوع من الأطر الخطابية عددًا من الإجراءات العلميّة: تحديد الكم اللازم من الميلانين لتعيين الحد العرقي بين السواد والبياض، وتحديد تمثيلات علمية لملامح عدة –مثل الأنف، الشفاه، الشعر– التي ستشير إلى السواد والبياض، وتوفير نظام قياس لنسبة «الدم» الأسود والأبيض، والأعضاء الأخرى الأقل وضوحًا –مثل الدماغ– في الشخص لتحديد مكوناته العرقية في الحالات التي يعجز فيها العلماء عن رؤية «الحقيقة العرقية»، وقياس وترتيب الأحياء والأموات، لإنتاج خريطة عالمية يمكنها تعيين الفروقات الجينيالوجية بين الأعراق. بكلماتٍ أكثر وضوحًا، ستعيدنا محاولة خلق كليوباترا سوداء أو بيضاء، لا إلى العصور القديمة، بل في الأغلب إلى خطابات القرن التاسع عشر العنصرية التي أَسقَطَت ادعاءاتها بوجود جوهرية بيولوجية على العصور القديمة. اكتسبت عنصرية المركزية الأوروبية، خلال القرن التاسع عشر، الهالة المرتبطة بالعلم بوصفها معرفة «موضوعية» خالية من لوثة الشَرطي والذاتي. وشَهِدَ العصر ذاته ولادة العنصرية البيولوجية، وبذلك مُنِحَت التمييزات العنصيّة القديمة طابعًا علميًا. إذ جادلت الحتمية البيولوجية أن الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين الأعراق والطبقات والجنسين، كانت نتاج موروثات جينية؛ وبذلك أصبح الاجتماعي عرضًا ثانويًا للبيولوجي. وأصبح الانحطاط يُعزى إلى الاختلاط العرقي، وتحول الـ«ميستيزو mestizo» [وصف يُطلق على ذوي الأعراق المختلطة في أمريكا اللاتينية، خاصة مَن ينحدر من عرق إسباني وأصل أمريكي لاتيني - المترجم]، إلى تجسيد لجدلية التحرر والإمبراطورية، وفزّاعة العنصريين الذين صوروه وحشًا وهجينًا عقيمًا. هكذا شكَّل الدم وعلم الوراثة الثقافة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، وحَرَسا حدود الهوية ضد سيولة الاختلاط الجنسي العرقي الفوضوية.
إذن، تعيد النقاشات المنقسمة المعاصرة حول هوية كليوباترا إنتاج العنصرية العلمية والتصنيفات القانونية التي شكَّلت أبغض سمات الخطاب الاستعماري. فتصنيف إرث كليوباترا العرقي وفقًا لكم الميلانين الظاهر للعين المجردة يعني أن هوية كليوباترا كان يجب أن تعيَّن وفقًا لكميات الدم: كم من الدم الأسود كان ليكون كافيًا لتعيين سوادها – ثُمن، أو قطرة واحدة فقط؟ هل يمكننا الآن استحضار تصنيفات دمٍ مثل هذه لتحديد المكوّنات العرقية لمجموعةٍ سكانية في حوض المتوسط القديم الذي عُرِف لآلاف السنين باختلاط شعوبه وثقافاته الآتية من قارات آسيا، أفريقيا، أوروبا، وذلك في مكانٍ كان فيه الاختلاط سابقًا على وخلال وقبل عصر كليوباترا؟ كما أن الرفض القاطع ليس فقط لأي سوادٍ في بشرة كليوباترا، بل أيضًا لإمكانية أي أثرٍ لسوادٍ في «دمها» –سواء من مقدونيا أو مصر أو من كلاهما– يستدعي مزيدًا من الأسئلة المتعلقة بالعلاقة بين الحداثة والعصور القديمة. ولذا، يشكل مشروع تعيين عرق كليوباترا بشكل قاطع، بحسب رأيي، مشروعًا يخص الحداثة، لا العصور القديمة.
* تصحيح: ذكرنا بالخطأ في نسخة سابقة من المقال أن جادا بنكيت هي من أدت دور كليوباترا في وثائقي نتفليكس، والصحيح أن بنكيت هي منتجة العمل، والممثلة التي قامت بدور الملكة هي آديل جيمس [تم في الثلاثاء 30 مايو 2023، الساعة 7 مساءً]
هوامش:
انظر: Ella Shohat and Robert Stam, Unthinking Eurocentrism: Multiculturalism and the Media (London and New York: Routledge, 1994). تستخدم هذه المقالة مفهوم «المركزية الأوروبية» كما هو وارد في هذا الكتاب.
2 Michael Foss, The Search for Cleopatra (New York: Arcade Publishing, 1997).
3 “Was Cleopatra Black?” Newsweek, 23 September 1991, esp. 42, 44.
4 Jack Lindsay, Cleopatra (London: Constable, 1971), 2-4.
5 Michael Grant, Cleopatra: A Biography (Sheflield: Phoenix Press, 2000), esp. xiii, 4, 5.
6 Michael Grant, From Alexander to Cleopatra: The Hellenistic World (New York: Scribner, 1982).
7 Sarah B. Pomeroy, Women in Hellenistic Egypt: From Alexander to Cleopatra (Detroit: Wayne State University Press, 1990), 27 (regina meretrix), 55 (Didyme), 132 (Greek attachment to concubines), 137 (intermarriage).
8 Alan Cameron, “Two Mistresses of Ptolemy Philadelphus,” Greek, Roman and Byzantine Studies 31 (fall 1990), 288 (skin color), 289 (Didyrne).
كتب أسكليبيادس هذه القصيدة خصيصًا لديديم: «إن كانت سوداء، إذن ماذا؟ كذلك الفحم، الذي عندما ندفئه، يلمح مثل براعم الورود».
9 Mary letkowitz, “Not out of Africa,” New Republic 22.0 (1992), 30.
10 See I'rank M. Snowden Jr., Blacks in Antiquity: Ethiopians in the Greco-Roman Experience (Cambridge, Mass.: Belknap Press of Harvard University Press, 1970), 2.
11 Martin Bernal, “Black Athena is the Ancient Model,” Times Literary Supplement, May 11, 2001, 10.
12 وفقًا لسنودن (1970)، ص 169، لاحظ العديد من الكلاسيكيّين وعلماء الإنسان غياب التمييز على أساس اللون في العالم الإغريقي–الروماني. إذ ادّعى ج. برايس، أننا نسمع القليل في الإمبراطورية الرومانية، إن كان هناك أيّ شيء من هذ أصلًا، عن الاشمئزاز من الأفارقة ذوي البشرة الداكنة. في حين جادل ي. بارينغ، أن كراهية اللون لم تشكل عائقًا أمام التفاعل الاجتماعي في العصور القديمة. وبالنسبة إلى ي. سايكس، كان القدماء على ما يبدو متحررين تمامًا من كراهية الألوان، ورأى أ. زيمين، أن الإغرق لم يكن لديهم أي تمييز على أساس اللون، ما يتفق مع ما يقوله إل ويسترمان عن خلو المجتمع الإغريقي من أي خط لوني رئيسي، وهو ما لاحظه ت. ج. هارهوفت في إيطاليا أيضًا التي خلت من أي تمييز لوني أيضًا. وبالنسبة لكلوكهولن، لم يقع الإغريق في خطأ العنصرية البيولوجية، لم يكن اللون وصمة عار، ولم يُصنف الرجال بيضًا أو سودًا، ولكن أحرارًا أو خدمًا. في ما اعتقد ه. س. بالدري أن الإغريق قد نجوا من لعنة التمييز اللوني الحديثة.
آراء أخرى
كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (3-3)
«الحلقة الثالثة من كليوباترا»
كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (2-3)
«الحلقة الثانية من "كليوباترا المربكة"»
ما وراء الاهتمام الأوروبي بالهيدروجين الأخضر في شمال إفريقيا
«محاولة جديدة للاستيلاء الاستعماري»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد