كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (3-3)
في مقالتها الطويلة هذه، تحاول إيلا شوحط، أستاذة الدراسات الثقافية في «جامعة نيويورك»، تسليط الضوء على شكلين من أشكال التفكير الهوياتية، في الملكة المصرية القديمة كليوباترا. الأول يجري فيه التفكير في العالم، داخل ثنائيات البياض/السواد، أوروبا/إفريقيا/، المركزية الأوروبية/المركزية الأفريقية، والتي تشكل، كما تحاجج الكاتبة، امتدادًا لتأثير الخطابات الاستعمارية الأوروبية العنصرية في قراءتنا للعالم والتاريخ، من خلال منطق المعرفة المركزية الأوروبية. فيما يحاول الشكل الثاني التفكير بالتاريخ، وبالعصور القديمة، داخل منطقها المعرفي الخاص، الذي لم يشكّل السواد أو البياض جزءًا هوياتيًا حاسمًا فيه، أو في تشكيله الثقافي الذي امتاز، خاصّة في حوض البحر المتوسّط القديم كما تدّعي الكاتبة، بتعدّده الثقافي والهوياتي.
هنا تأتي أهمية ترجمة هذه المقالة، في ظل تصاعد النقاشات والجدل حول كليوباترا بعد أن أنتجت شبكة نتفليكس المسلسل الوثائقي «كليوباترا» (2023)، والذي تؤدي فيه الممثلة الأمريكية الإفريقية أديل جيمس، دور الملكة القديمة.
ينشر «مدى مصر» ترجمة المقال على ثلاث حلقات، هذا هو الجزء الثالث منها. ويمكنكم قراءة الجزء الأول هنا، والجزء الثاني هنا:
إن ادعاء أمة أو عرقٍ معين لكليوباترا دائمًا ما يكون فعلًا نسبيًا، يحدث بالتضاد مقابل ادعاءات بديلة. دائمًا ما اعتمد تعيين هوية قومية بقوة على اللغة الرمزية للأصول والانتماءات، لكن كتابة الماضي غالبًا ما تتحول إلى صراعٍ مع تخيلات قومية أخرى. الطريقة التي يُطرح بها سؤال هوية كليوباترا، في حد ذاتها تكشف عن عمق بناء الفكر الثنائي: هل كانت سوداء أم بيضاء، إفريقية أم أوروبية، مصرية أم يونانية، مقدونية أم يونانية؟ ترسم المشاعر الواضحة وراء أي هوية واحدة فريدة لكليوباترا، حدودًا إقليمية وثقافية معينة. وبرأيي أن التمثيلات المعاصرة لكليوباترا مسكونة بثنائيات كهذه، الأمر الذي يمكن أن يُفهم إما بوصفه فرضًا أو مقاومة لممارسات إقصائية مهيمنة. وبهذا المعنى، يمكن فهم نزاعات كليوباترا، بوصفها استعارات لعمليات إعادة تشكيل هويات قومية، ومكانها على الخريطة العالميّة.
خلال الأعوام نفسها، التي شَهِدَت صناعة أفلام كليوباترا الرئيسية، لم تكن قوانين الولايات المتحدة العنصرية، تسمح للسود إلا بأداء أدوار ثانوية. في العام نفسه الذي أدت فيه كلاوديت كولبرت دور كليوباترا، أدت كذلك دور الأم في فيلم «Imitation of life»، تخدمها امرأة سوداء، لديها ابنة اسمها بيولا قد ينخدع البعض أنها بيضاء. وفي هذه الأثناء، مُنِحَ السود أدوارًا أكثر وضوحًا في فيلم الستينات «Cleopatra»، في مشاهد استعراضية مذهلة أدوا خلالها رقصات غريبة وعَمِلوا خدمًا وعبيدًا، كما لو أن المتوسط القديم قد جرى تنظيمه أيضًا وفقًا للتسلسل الهرمي العرقي الحديث والنموذجي في الأطلسي الاستعماري الأسود. فقط حتى عام 1970، عندما استوعبت الثقافة الشعبية ومنحت صوتًا لشخصيات من «Black Power» ولرموز المركزية الأفريقية، ظهرت كليوباترا سوداء، إلى حد ما، على الشاشة. ومع ذلك، فقد أعيد العمل على تمثيلها ليتلائم مع الشكل الساخر لما يعرف بنوع «استغلال السود» (Blaxploitation)، والذي غالبًا ما يكون نطاقًا للذكورة (الغيرية) السوداء، لكنها هذه المرة تستضيف ملكة معاصرة ذات بشرة داكنة.
في فيلم «Cleopatra Jones» والجزء الثاني منه «Cleopatra Jones and the Casino of Gold»، تؤدي عارضة الأزياء تمارا دوبسون دور عميلة للمخابرات الأمريكية، تقاتل مهربي المخدرات والعالم السفلي. وفي حين أن معظم أفلام نوع «استغلال السود» ركزت على شجاعة الرجال السود، هنا كانت العميلة الخاصة كليوباترا جونز تهزم بأعجوبة إمبراطوريات الشر بالكونج فو.. بالركلات القوية، والتفكير السريع. تقلب هذه الأفلام أنظمة هوليوود المتعلقة بالبشرة، فتسخر من الميل إلى ربط الشخصيات البيضاء بالخير والسوداء بالشر. في هذه الأفلام، تؤدي الممثلات البيض أدوار الإناث المعاديات للشخصية الرئيسية واللواتي يترأسنَ العصابات الإجرامية، سواء كانت شيلي وينترز في دور مثلية بيضاء ترتدي الجلد الأسود في فيلم «Cleopatra Jones»، أو ستيلا ستيفنز في دور سيدة التنين الشقراء الملقبة بـ«سنو وايت» في «Cleopatra Jones and the Casino of Gold». كما أن ثمة بعض المشاهد التي تشير باستهزاء إلى الإنتاج الهائل لفيلم مانكيفيتش «Cleopatra»، فعندما تغمز كليوباترا السوداء للأطفال في الشارع، شعرها معقود ومكياج عيناها يذّكر المشاهد بمكياج إليزابيث تايلور، تظهر إشارة إلى المشهد الذي قَدِمَت فيه كليوباترا إلى روما حيث ينتهي بكليوباترا/تايلور وهي تغمز ليوليوس قيصر – وكذلك المشاهد. في حين أن فيلم «Cleopatra Jones and the Casino of Gold» يجعل البطلة السوداء تقتل الشريرة الشقراء، وهي داخل حمّام سباحتها الفيروزي الفاخر، وفي هذا إشارة إلى لقطة تايلور الشهيرة في فيلم مانكيفيتش. وفي حين أن مشهد الحمّام في إنتاج الستينات الضخم صُمَمَ ليكون نصبًا لجمال وشهوانية كليوباترا/تايلور، يُمَسْرِحُ مشهد الحمّام في «Cleopatra Jones» زوال القوة البيضاء، وفي النهاية يسخر من استثمار المشاهد الشهواني في معايير الجمال المركزية الأوروبية.
تقدم ثقافة الشتات الأفريقي الشعبية نوعًا من التخريب الساخر لمصنع أحلام هوليوود العنصري، ولعملية أسطرة بياضها التي تجري من خلال تعظيم النجوم البيض بشكل عام، وطوطمية بياض كليوباترا بشكل خاص[42]. أما البطلة الأمريكية الأفريقية في أفلام «Cleopatra Jones»، فترتبط بصريًا برموز حركة «Black Power» ومنها تسريحة الشعر الأفريقية، القبضة المشدودة، وملابس «داشيكي». كما أن اختيار الممثلة تمارا دوبسون الطويلة بشعرها الأفريقي، والذي يستدعي حضورها البصري الصور الشهيرة للمناضلة السوداء أنجيلا ديفيس، يساهمُ في خلق حس بمحاكاة ساخرة لإزالة الغموض عن كل من الملكة البيضاء والنجمة البيضاء. لكن، وفي سياق الروح القومية الأمريكية الطاغية في الفيلم، تظهر «أنجيلا ديفيس» وقد رُوّضت، دُجِّنَتْ، جُدِّدَتْ، لتتوافق مع النظام الاجتماعي القائم، هنا تعمل لصالح الاستخبارات الأمريكية تتجسد في البطريركي الأبيض الأكبر، رئيسها في العمل الذي يمكن كليوباترا جونز المثيرة والقوية لتنقذ «مصر» خاصتها – أي المجتمع الأسود. تُستَوعَب الصراعات العرقية والنضال الأسود بوصفها قصة أمريكية عائلية، تمامًا مثلما صُنِعَ المسلسل التلفزيوني «Roots» بوصفه قصة أمريكية عائلية. لكن، في المقابل، قرأت النصوص النسوية السوداء كليوباترا بوصفها أختًا، في دلالة على الذاتية السوداء، إما من خلال استعادة الرغبة كما في قصائد باربارا ريهود «كليوباترا» و«أنثوني»، أو من خلال استلهام التمكين، كما في قراءة شيلي ب. هيلي لكليوباترا بوصفها نسوية سوداء ترد على القهر والاستغلال[43].
لم يقتصر ادعاء الحق في كليوباترا على القوميين السود في الشتات، ولكن أيضًا امتد ليشمل عدة خطابات قومية أخرى[44]. قدمت اليونان ومقدونيا ادعاءات متنافسة بشأن الإسكندر الأكبر، الذي امتدت مملكته القديمة في القرن الرابع قبل الميلاد من وراء البلقان إلى إفريقيا وآسيا، والذي يجسد ماضيًا رمزيًا قوميًا مجيدًا. يشكل الجدل حول كليوباترا اليونانية أو المقدونية الخالصة –وهي سليلة الإسكندر– جزءًا لا يتجزأ، من يوميات منطقة البلقان الممزقة بالصراعات الإثنو-قومية. تقعُ معركة البلقان حول الهوية الإثنو-قومية، في القلب من شبكة معقدة من الذهنيات الإقصائية المتنوعة. إذ ثمة ثنائية معينة بين الشرق والغرب تساوي المسيحية بأوروبا والغرب، ما يجعل من المسلمين شرقيين «خارج» الهوية الأوروبية. كما أن تأسيس مقدونيا الدولة-الأمة ارتكز على تعزيز الهوية الانفصالية عن اليونان. تمثل شخصية الإسكندر الأكبر نَسَبًا محددًا للأمة المقدونية، إذ تستثمر في تذكر الأصول الحضارية القديمة السابقة على الهيمنة العثمانية على المنطقة. داخل هذا السياق، لا تزال الآثار غير المرغوبة لذلك التاريخ تُميزُ البلقان؛ آثار جُعِلَتْ «مرئية» في سكانها «الأجانب» من المسلمين. وأخيرًا، داخل هذا المنطق الإقصائي، تعود أصول إنجازات الثقافة الغربية المظفرة إلى اليونان القديمة، والتي أدت فيها مقدونيا دورًا حاسمًا. تعتمد الرغبة البلقانية بهوية «غربية» في حد ذاتها على إعادة اختراع عصر التنوير لليونان بوصفها فضاءً أوروبيًا خالصًا، وقد طُهِّر من العناصر الأفريقية، والسامية، والفينيقية وغيرها من العناصر «الشرقية» الأخرى. يساعد الاندماج مع أوروبا الغربية البلقان على انتزاع شرقيته. كما أن الوجود المقدوني/اليوناني القديم في مصر، بالمثل، يُقْرأ بوصفه تاريخًا «أوروبيًا» خالصًا. ولذلك، فإن حياة كليوباترا في مصر هي بالكاد معلومة هامشية، ذلك أنها تُرى إما مقدونية أو يونانية خالصة، أي أوروبية. في حين يمثّل خط النسل من الإسكندر الأكبر وحتى كليوباترا شفرة في هوية قومية متخيلة تحرر البلقان فيها نفسها من أغلال الشرق من خلال «غربنة» (Occidentalizing) نفسها. وبالتالي، وبالرغم من أن ألفية تفصل بين الشخصيتين التاريخيتين كليوباترا والإسكندر الأكبر وبين الحكم العثماني الإسلامي للبلقان، إلا أن قراءة الشبكة الثقافية المعقدة في حوض المتوسط، وبالتحديد تلك الخاصة باليونان ومصر القديمتَين، لا تزال متورطة في الصراعات القومية الحديثة. وبالرغم من أن أرض مصر قد شَهِدَتْ ملكاتٍ قويات أخريات، إلا أن الشغف الخاص بكليوباترا يمكن تعيين أسبابه جزئيًا في التقاطع بين ما أصبَحَ يُعتبر الشرق، أي مصر، والغرب، أي روما. ومع ذلك، فإن الافتنان الذي يشابه افتنان طائفة دينية والذي حظيت به كليوباترا لم يتجاوز حدود الغرب، حتى في مصر موطنها. في عام 1933، العام نفسه الذي قدم فيه سيسل ديمييل تمثيلًا ذو نزعة مركزية أوروبية لكليوباترا وللصدام بين مصر وروما، صاغ الكاتب المصري الشهير طه حسين فهمًا أكثر تعقيدًا للقاء الحضارات في مصر: «ثمة ثلاثة عناصر شكلت الروح الأدبية لمصر منذ تعريبها؛ الأول العنصر المصري الخاص، والذي ورثناه عن المصريين القدماء... الثاني، العنصر العربي، والذي وصلنا عبر اللغة والحضارة والدين، إنها لغتنا، وأقرب إلينا بألف مرة من لغة المصريين القدماء.. العنصر الثالث هو العنصر الأجنبي الذي دائمًا ما أثر في الحياة المصرية، وسيستمر في فعل ذلك. إنه نتيجة تواصل مصر مع الشعوب المتحضرة في الغرب والشرق.. من اليونانين، الرومان، اليهود، الفينيقيين في العصور القديمة، العرب، الأتراك، والصليبيين في العصور الوسطى، أوروبا، أمريكا في العصر الحديث.. وأنا أود رؤية تعليم مصري مبني بشكل راسخ على التناغم ما بين هذه العناصر الثلاثة»[46].
حاول مثقفون مصريون مثل طه حسين، والذين ارتبطوا بصعود القومية والحداثة، أن يقدموا رؤية توفيقية نسبية للهوية المصرية. وبالرغم من أنهم، وتماشيًا مع الفكر القومي، افترضوا وجود «جوهر» مصري مقابل العناصر «الأجنبية»، إلا أنهم لم يطرحوا ببساطة ثنائية تقابل فيها الثقافة المصرية اليونانية، متجنبين الوقوع في فكرة التاريخ، أو الحضارة، أو الثقافة النقية. يمزج الأدب العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر بين أنواع وأشكال أدبية قديمة داخل مشروع ثقافي يسعى لفهم الحداثة والقومية. ومنح ظهور شعر وأدب عربيين جديدين تعبيرًا عن الوعي الجديد بالعروبة في العالم الحديث. ففي الوقت نفسه، كان مثقفون أمثال طه حسين وأحمد شوقي منخرطين في مقاومة الاستعمار وتشكيل قومية بطريقة تقاطعت جزئيًا مع خطابات الحداثة البريطانية والفرنسية المعاصرة. وفي هذا السياق، تقاطعت مصر القديمة مع رومانسية الخطابات القومية المنهمكة في بحث غائيّ عن الأصول والأنساب. وأيضًا، كما يشير إلى ذلك ألبرت حوراني، ومنذ ثورتها على الحاضر وكذلك على الماضي القريب، أصبحت الحركات القومية العربية قادرة على استدعاء ذاكرة أعمق غورًا في الماضي ما قبل الإسلامي[47]. إضافة إلى ذلك، كشفت الحفريات الأثرية للعيان الدليل على طبقات متعددة من تاريخ أصبح ممكنًا ادعاء الحق فيه لا فقط من قبل الأوروبيين المختصين في المصريات، بل أيضًا المثقفين المصريين الذين يجب القول إن قوميتهم لم تنفصل عن الرؤية التنويرية للتقدم.
توجه المثقفون المصريون العرب، في حقبة الاستعمار والاستعمار الجديد، إلى استعادة مصر القديمة، التي غالبًا ما فصلها علماء المصريات عن مصر المعاصرة، كما لو أن المصريين المعاصرين تصادف فقط أنهم يعيشون فوق حضارة عظيمة. كان لروايات الإنقاذ الأثرية لمصر القديمة عَرَض جانبي تمثل بالاحتفاء بحيازة فضاءٍ مستعمَرْ. في هذه الأثناء، أدّت الكاميرا نفسها دورًا هامًا في الكشف للعالم عن عملية نبش الحضارات، مُشبِعة كل معلَمٍ بعين الماكينة الجديدة الواسعة والحيوية. لكن، نادرًا ما يُسائِلُ رواد العلم الجديد والأشرطة المصورة علاقات القوة القائمة التي سمحت لهم بتمثيل الثقافات والأراضي الأخرى. على سبيل المثال، لا أحد يتساءل إن كان ممكنًا أو كيف يمكن أن يجري تمثيل الأرض المصرية، أو التاريخ والثقافة المصريتين، أو ما إن كان لدى الشعب المصري ما يقوله في هذا الشأن. إن مصورين مثل جورج بريدج، لويس دو كليرك، ماكسيم دو كامب، وصناع أفلام أمثال توماس إيدسون والأخوين لوميي، لم يوثقوا مناطقًا أخرى فحسب، بل وثقوا أيضًا حمولاتهم الثقافية الّتي أخذوها معهم. تأويلاتهم البصرية متضمنة عميقًا في خطابات إمبراطورياتهم الأوروبية. لم يرسم المصورون الرحالة خرائط للمناطق لأغراض عسكرية أو حكومية فقط، ذلك أن صورهم قد وثقت تقدم النشاطات العلمية، خاصة الحفريات الأثرية. اختلط الولع بالنُصُب الأثرية القديمة مع الإعجاب بقدرة الكاميرا على منح شعورٍ حي بالأماكن والأزمان البعيدة. في صورة دو كامب التي وردت في ألبومه «مصر، النوبة، فلسطين وسوريا» (1852)، حملت عنوان: «أقصى غرب معبد رع، أبو سمبل، 1850»، يظهر مساعد المصور وهو يجلس فوق تاج رمسيس الثاني، لتوضح الصورة كلًا من العُلُو النسبي وكذلك لحظةً من الإتقان والامتلاك.
تقاطع شعور الفخر القومي المصري الذي امتزج بمشاعر معادية للاستعمار مع النبش الحرفي لآثار مصر القديمة. كان في اكتشاف العوالم المصرية القديمة، مثل اكتشاف قبر توت عنخ آمون عام 1922، مصدر إلهامٍ كبير للكتّاب المصريين الذين أدوا دورًا مركزيًا في صياغة القومية المصرية. إذ سعى أحمد شوقي للإضاءة على استمرارية الحياة المصرية من الفراعنة وحتى الزمن الحاضر؛ إذ يكتب في واحدة في من قصائده الّتي كُتِبَتْ لمناسبة افتتاح نصبٍ في حديقة عامة في القاهرة، مستحضرًا نظرة أبو الهول الثابتة في التاريخ المصري: «فحدِّثْ، فقد يُهتَدَى بالحديث... ألم تَبْلُ فِرعَونَ في عزِّه/ إلى الشمس معتزيًا والقمَرْ؟ ... وشاهدت قيصر، كيف استبدّ، وكيف أذلّ بمصر القَصَرْ؟ وكيف تجبّر أعوانُه، وساقوا الخلائق سوق الحُمُرْ؟ وكيف ابتُلوا بقليل العديدِ من الفاتحين كريم النفَرْ؟»[48].
وبالرغم من تأثر كُتاب الحداثة العرب منذ نهايات القرن التاسع عشر بالشعر الرومانسي الفرنسي والإنجليزي، إلا أن «قراءتهم» لمصر القديمة اختلفت عن قراءة الرومانسيين الأوروبيين لها. فإن كانت قصيدة بيرسي بيش شيلي «أوزيمانديس» تتحدث عن بقايا العظمة المطلقة المفقودة بوصفها استعارة لمصير الإنسان وحساسية الشاعر المرحة، فقد نبش الكتاب المصريون أحجار مصر القديمة بوصفها شهادة حية على نهوض الأمة المصرية المعاصرة. وعليه، يمكن القول إنه حتى بعض رَمْنَسَةِ كليوباترا في الثقافة الشعبية المصرية خلال القرن العشرين، تعود أكثر إلى علاقة أوروبا بمصر من كونها جزءًا من تاريخ مصري معزول، إما من خلال الاستعارات الحوارية أو المعارضة الديالكتيكية للهيمنتين الفرنسية والإنجليزية.
تشبع معنى كليوباترا الاستعاري بكثافة أكبر، مع وصول الغزو الإمبريالي الفرنسي والبريطاني إلى مصر. فكليوباترا لم تدخل الثقافة المصرية الشعبية خلال القرن العشرين فقط بوصفها ملكة مصرية قديمة، بل شخصية رمزية مصرية لنضال معاصر ضد الإمبراطورية. في مسرحية أحمد شوقي «مصرع كليوباترا» (1929)، تبدو الملكة القديمة أبعد ما تكون عن مغوية الشاشة الصامتة التي جسّدها قبل عقدٍ من الزمان ثيدا بارا عام 1917، بل هي بطلة قومية تدافع عن بلادها ضد العدوان الأوروبي الإمبريالي. من خلال إعادة كتابة مسرحية شيكسبير، يجعل أحمد شوقي من كليوباترا قائدة محنكة تملك رؤية استراتيجية عسكرية، والتي هَدفت عبر فرارها من أكتيوم إلى دفع القوتين الرومانيتين إلى المعركة التي ستخرج منها مصر منتصرة، بينما يخضع البحر المتوسّط لتصرّفها. مؤخرًا، أشار ولي سوينكا إلى أن مسرحية شيكسبير أظهرت بالفعل الوطنية المصرية وبالتالي لم تكن بحاجة لإعادة كتابة نقدية[49]. وللأدب العربي ولع خاص بشكسبير، حيث أحاطت بهويته تخيلات شاعرية بأنه قد كان بالفعل عربيًا، يدعى الشيخ الزبير، وذلك بسبب براعته في التقاط النغمات، والروائح، والمذاق والأنسجة الغريبة عن أوروبا الشتوية، إضافة إلى معرفته بطرق استحضار التضرع الخاصة بـ«كتاب الموتى» في مشاهد تظهر تأملات كليوباترا في الموت[50]. في المقابل، ولكتابتها في سياق النضال ضد الاستعمار، وضعت مسرحية شوقي تركيزًا كبيرًا على مقاومة روما بوصفها استعارة لكفاح مصر من أجل الاستقلال القومي. في الوقت نفسه، لم تتجاهل المسرحية قصة الحب التي جمعت بين كليوباترا (منيرة المهديّة) وأنثوني، الّذي أدّى دوره محمّد عبد الوهاب الشاب، الذي سيصبح لاحقًا المغنّي والملحن والنجم السينمائي المصري الأبرز. غنّى عبد الوهاب في دور أنثوني الأوبرا الناجحة: «أنا أنطونيو» (51)، وقد رافقته موسيقى زامنت ربع ألحانٍ عربية مع الآلات الموسيقية الغربية. وفي حين أن «مصرع كليوباترا» قد أضاءت على الروح القوميّة المصريّة، كشف التأليف الموسيقي عن الانصهار الشعبي بين التقاليد الموسيقية العربية والأوروبية، وكان في النهاية قائمًا على رؤية إدماجية للثقافة المصرية.
ختامًا، تبدو كليوباترا التاريخية وكأنها لم تُصِبْ عشاقها بالذهول والإرباك فحسب، لكنها أيضًا أذهلَتْ وأربكت علماء الآثار، المختصين بالمصريّات، والمؤرخين، والفنانين، والكتاب وصناع الأفلام. كل عصر وكل ثقافة تبدو وكأنها تُسقِطُ على الشخصية كليوباترا الخاصة بها، مصورة إياها بطريقتها الخاصة. وعليه، فإن فعل النظر إلى تاريخ تمثيلات كليوباترا غني بالمعلومات التي تبين كيف «عُرِضَتْ» صورتها من خلال شبكاتٍ وخطاباتٍ مختلفة. حقيقة أن حركاتٍ متنوعة ادعت حقها في كليوباترا لا تؤشر فقط إلى تأثير الملكة التاريخية الكبير في التاريخ، ولكن أيضًا الطرق المتعددة التي يُعاد بها فلترة التاريخ ويُقرأ مجازيًا من خلال مشاغل قرائه. وفي حين أنه من الضروري البحث عن سجل تاريخي حقيقي لكليوباترا، من المهم أيضًا تتبع الطرق التي مُثِّلَت وتركبت بها هي وعالمها بمرور الزمن. ثَبَتَ أن الرغبة في تثبيت كليوباترا في بشرة واحدة، أو أمة واحدة، أو عرقٍ واحد، أو بكلمةٍ أخرى هوية واحدة، هي رغبة عديمة الجدوى، لا فقط في إطار ما يتعلق بكليوباترا التاريخية، ولكن أيضًا لمشروع تخيل وقراءة الفضاء المعقد متعدد الثقافات الذي شكلت جزءًا منه منذ البداية. تكشف القراءات المتنوعة لكليوباترا، كما حاولت أن أُظْهِر، الطريقة الغريبة التي تعمل بها الشبكات الخطابية في لحظات تاريخية معينة وفي جغرافيات معينة. كل «قول» في كليوباترا يكشف لا عن وجه من وجوهها، بل أيضًا عن وجه من وجوه ممثليها، وأكثر أهمية من ذلك، يكشف ماهية المنظورات التي تُرى وتتُخيَّل كليوباترا من خلالها.
هوامش:
41 See, for example, Mary Hamer, “Disowning Cleopatra,” in Susan Walker and Sally-Ann Ashton, eds., Cleopatra Reassessed. The British Museum Occasional Papers #103 (London: British Museum, 2003).
42 يوجه فيلم جاي روتش الساخر والذي صدر عام 2002 بعنوان: «Goldmember»، تحية لثقافة السبعينات الشعبية، بما يشمل أفلام «استغلال السود". في الفيلم ينضم بطل الفيلم، أوستن باوز (مايك مايرز)، إلى البطلة فوكسي كليوباترا (بيونسيه نولز) في قتالها للدكتور إيفل ومهرجه.
43 Barbara Chase-Riboud«s poems “Cleopatra” and “Anthony,” in Erotique Noire, Black Erotics, edited by Miriam Decosta-Willis, Reginald Martin, and Rose ann P. Bell (New York: Anchor Books, 1969). Shelley P. Haley, “Black Feminist Thought and Classics: Re-membering, Re-claiming, Re-empowering,” in Feminist Theory and the Classics, edited by Nancy Sorkin Rabinowitz and Amy Richlin (New York: Routledge, 1993), 28-30.
44 كتب الشاعر العراقي – الإسرائيلي روني سوميتش، قصيدة عن كليوباترا، وبالتعاون مع المؤلف الموسيقي والمغني يائير دلال، قدم تعبيرًا لوجودي منفوي آخر فيه تحرم الثقافة العربية على اليهود العرب (والذين يُعرَفون بـ «السود» أيضًا) من قبل «إسرائيل الأوروبية».
45 للمزيد من النقاش عن غربنَةِ البلقانِ الذاتية، انظر:
Busan I. Bjelic, ed. Balkan as Metaphor: Between Globalization and Fragmentation (Cambridge, Mass: MIT Press, 2002).
46 Albert Hourani, A History of the Arab Peoples (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1991), 341-42.
47 1bid., 342-43.
48 Ibid, 342.
49 Wole Soyinka, “Shakespeare and the Living Dramatist,” in idem., Art, Dialogue, and Outrage: Essays on Literature and Culture (New York: Pantheon Books, 1993), 207-11.
ينظر سوينكا أيضًا في نظريّات أخرى تمنح شيكسبير أبوّة عربيّة، مع التركيز على المحتوى الأدبيّ. "كان يمكن لعربيّ فقط أن يتمكّن من فهم وتصوير اليهوديّ بهذه الطريقة المقنعة"، يزعم الافتراض، كما فعل شيكسبير في «تاجر البندقيّة». وبالمثل، يجري التركيز في بعض الأحيان على عُطيل: فقد جرى النظر إلى شعور الموريّين بكرامتهم حتّى في الحماقة، دليلًا مقنعًا على أنّه لم يكن ممكنًا لأيّ أوروبّيّ أن يجسّد حالة الغير النفسيّة المعقّدة والناتجة عن انعدام الأمن العرقيّ، إلّا أن يكون رجلًا عربيًّا، من تحت الجلد على أقلّ تقدير (Soyinkia, 1993, 151)، كما يجدر القول إنّ القذافي كان من أبرز المدافعين عن فكرة أنّ شيكسبير كان عربيًّا.
51 كان سعيد درويش، الّذي مات خلال العمل على المسرحيّة، أوّل مَنْ ألّف الموسيقى، وقد طُلِبَ من عبد الوهاب الشابّ أن يكمل العمل، وفي عام 1973، كتب أغنية أخرى لكليوباترا.
آراء أخرى
كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (2-3)
«الحلقة الثانية من "كليوباترا المربكة"»
كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (1-3)
«للاشتباك مع الجدالات حول كليوباترا، يجب أن نأخذ تمثيلاتها في الثقافة الشعبية على محمل الجد»
العنصرية الأمريكية كفكرة مؤسِسِة: تاريخ الرأسمالية العنصرية (2-2)
«جذور العنصرية الهيكلية كفكرة موجودة في تاريخ الرأسمالية الأمريكية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد