كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (2-3)
في مقالتها الطويلة هذه، تحاول إيلا شوحط، أستاذة الدراسات الثقافية في «جامعة نيويورك»، تسليط الضوء على شكلين من أشكال التفكير الهوياتية، في الملكة المصرية القديمة كليوباترا. الأول يجري فيه التفكير في العالم، داخل ثنائيات البياض/السواد، أوروبا/إفريقيا/، المركزية الأوروبية/المركزية الأفريقية، والتي تشكل، كما تحاجج الكاتبة، امتدادًا لتأثير الخطابات الاستعمارية الأوروبية العنصرية في قراءتنا للعالم والتاريخ، من خلال منطق المعرفة المركزية الأوروبية. فيما يحاول الشكل الثاني التفكير بالتاريخ، وبالعصور القديمة، داخل منطقها المعرفي الخاص، الذي لم يشكّل السواد أو البياض جزءًا هوياتيًا حاسمًا فيه، أو في تشكيله الثقافي الذي امتاز، خاصّة في حوض البحر المتوسّط القديم كما تدّعي الكاتبة، بتعدّده الثقافي والهوياتي.
هنا تأتي أهمية ترجمة هذه المقالة، في ظل تصاعد النقاشات والجدل حول كليوباترا بعد أن أنتجت شبكة نتفليكس المسلسل الوثائقي «كليوباترا» (2023)، والذي تؤدي فيه الممثلة الأمريكية الإفريقية أديل جيمس، دور الملكة القديمة.
ينشر «مدى مصر» ترجمة المقال على ثلاث حلقات، هذا هو الجزء الثاني منها. ويمكنكم قراءة الجزء الأول هنا:
لعبت المجازات، والاستعارات، والموتيفات الرمزية، دورًا تكوينيًا في صناعة صورة التفوق الأوروبي، داخل الخطاب الاستعماري. هذا إلى جانب دورها الحاسم، إن لم يكن المتناقض، في تكوين هرمية المركزية الأوروبية. وبالرغم من أن المجازات قد تكون قمعية.. آلية دفاعية ضد المعنى الحرفي، لكنها أيضًا تشكل مساحة للنزاع: كل منها معرض للتخليد، أو الرفض، أو التحريف. مجاز النور/الظلام، مثلًا، يؤكد على المثال التنويري للوضوح العقلاني، ويتصور العوالم غير الأوروبية بوصفها أقل تنورًا، ومن هنا جائت فكرة أفريقيا «القارة المظلمة»، وفكرة الآسيويين بوصفهم «شعوب الغسق».
تحولت المعتقدات المانوية القديمة عن الخير والشر، إلى ثنائية فلسفية تتألف من العقل والنور، مقابل اللاعقلانية والظلام. وفي حين أن الرؤية والبصيرة تنسبان لأوروبا، نُظِر إلى من هم خارج القارة وكأنهم يعيشون في عمى عن المنطق والأخلاق والمعرفة. في اللون، البشرة، وحتى في التسلسل المناخي، يظهر تفضيل النهار والنور على الظلام والليل، تفضيل البشرة الفاتحة على الداكنة، وكذلك درجات الحرارة المعتدلة على المناخات الاستوائية[13]. يمكن النظر إلى فكرة العرق لا بوصفها واقعًا، بقدر ما هي مجاز؛ مجاز للاختلاف[14]. وبعيدًا عن ارتباط «العرق» بمجازات تربية وأنساب الخيول، يمثل «العرق» أيضًا مجازًا للتمثيلات المتطرفة. فالناس ليسوا سودًا، أو حمرًا، أو بيضًا، أو صفرًا، بالمعنى الحرفي، بل هم يعرضون طيفًا واسعًا من الدرجات الدقيقة. وبشكل مثير للاهتمام، جسدت «هوليوود» بعض هذه المجازات بحرفية، عبر طلاء الممثلين والممثلات بالمكياج الأحمر، الأسود، البني، أو الأصفر، في حين لم يحتج الأبيض مكياجًا، مكرسة بذلك لـ«البياض» باعتباره المعيار. إضافة إلى ما سبق، فإن فكرة التمييز الواضح بين الألوان هي نفسها مجاز من نوع معين. في الواقع، بعض «السود» لديهم بشرة فاتحة أكثر من بعض «البيض». هناك كذلك مجاز مماثل، كما رأينا في الخطابات حول كليوباترا، وهو فكرة «الدم» العرقي، والذي استُخدم تاريخيًا لتحديد الطبقة (الدم الأزرق)، أو العرق (الدم الأسود)، أو الانتماء الديني (الدم اليهودي). ومع ذلك، لم تمنع الطبيعة المجازية لـ«الدم» الولايات المتحدة الأمريكية، حتى الحرب العالمية الثانية، من أن تفصل حرفيًا بلازما الدم «الأسود» عن بلازما الدم «الأبيض». المخاوف حول الأنواع الأخرى من الاختلاط، اختلاط السوائل والألوان، أُسقطت على دمٍ ظل على الدوام أحمرًا. وبالرغم من طبيعتها شبه الخيالية، إلا أن المجازات العرقية في ذلك الوقت مارست تأثيرًا حقيقيًا على العالم.
تمثيل هيئة كليوباترا وتأكيد هويتها، مثلما رأينا، يتضمن بناءً معينًا للعرق داخل فضائها الجغرافي الثقافي. الخطاب الثنائي حول هويتها العرقية، يعتمد على الطرق التي يجري فيها تصور كل من اليونان ومصر. وجدت هوية كليوباترا نفسها عالقة وسط النزاع حول «الأصول الحقيقية» لـ«التاريخ» و«الحضارة»، بين ادعاء مركزي أوروبي، يرى في اليونان نقطة أصل، وآخر مركزي أفريقي يرى تلك النقطة في مصر. لكن الافتراض أن «بداية» التاريخ كانت في مصر أو اليونان –أي في موقع واحد بعينه– هو في حد ذاته إشكالي، بالنظر إلى أن تاريخ العالم ليس له نقطة أصل واحدة وحيدة[15]. حتى في الحقبة الكلاسيكية، كان التاريخ يتشكل حول العالم؛ في الصين، ووادي السند، وبلاد الرافدين، وأفريقيا، وما نصفه اليوم بالأمريكيتين، وفي الواقع أينما وُجِد البشر. بدلًا من أن نقول «العصر» القديم، يجب أن نتحدث عن «العصور» القديمة[16]. بهذا المعنى، يصبح افتراض وجود نسخة ذات مركزية أفريقية للتاريخ بمثابة إعادة إنتاج لمنطق التاريخ المركزي، ولكن بشكل معكوس من جهة، لكن، من جهة أخرى، وبالنظر إلى تاريخ التفرقة العنصرية ضد الأفارقة، فإنه يعيد التأكيد من ناحية الأنساب على وجود ماضٍ مزدهر. الأقل أهمية من «أصول» الحضارة هنا هو «بداية» الوعي السياسي، بما أن النقاشات حول اليونان ومصر أصبحت معارك بالوكالة من أجل الهيبة الثقافية. وتشابكت أزمات الأصل مع علوم «الأنساب السياسية» لهوية الشتات.
بمصطلحاتٍ تاريخية وخطابية، ألهم ظهور الاستعمار، الكتابات الإسقاطية للتاريخ الأفريقي، وعلاقته بالحضارة الإغريقية الكلاسيكية. أُرغِمَ التاريخ على التوافق مع معايير الاستعمار، باسم «غرب» أبديٌ متفرد، منذ لحظة ظهوره الأولى، وتحولت قارات بأكملها إلى «قارات عبيد» أبدية. يصف بيرنال العملية فيما يتعلق بإفريقيا في «Black Athena»:
«لو كان قد أُثبِت علميًا، أن السود كانوا عاجزين بيولوجيًا عن صناعة حضارة، كيف يمكن تفسير مصر القديمة، والتي قد كانت، وبشكل مزعجٍ، جزءًا من القارة الأفريقية؟ كان هناك حلان، أو بالأحرى، ثلاثة حلول. الأول تمثل في إنكار أن المصريين القدماء كانوا سودًا. الثاني إنكار أن المصريين القدماء قد خلقوا حضارة. الثالث قطع الشك باليقين وإنكار الأمران معًا. هذا الخيار الأخير كان مفضلًا من معظم مؤرخي القرنين التاسع عشر والعشرين»[17].
يميز بيرنال، بين «النموذج القديم» الذي يفترض ببساطة، أن الحضارة الإغريقية الكلاسيكية مدينة لكل من الحضارتين الأفريقية (المصريين والإثيوبيين) والسامية (العبرانيين والفينيقيين)، وبين «النموذج الآري» الذي تطور في أعقاب الاستعمار والعبودية. كان على النموذج الآري أن يؤدي بعض الحيل البارعة لـ«تنقية» اليونان الكلاسيكية من كل «اللوثات» الأفريقية والآسيوية. وكذلك توجب عليه أن يفسر، على سبيل المثال، الإجلال اليوناني الكبير في الأدب الكلاسيكي للثقافات الآسيويّة-الأفريقيّة، مثل وصف هومر «الإثيوبيين الصالحين»، وزواج موسى من ابنة كوش، والإشارات المتكرّرة لـ«كالوس كاغاثوس kalos kagathos»، أي الأفارقة «الوسيمين الطيبين»[18].
يشكّل الاشمئزاز من فكرة إمكانية سواد كليوباترا جزءًا لا يتجزأ من خطاب مركزية أوروبية، عَمِلَ بمنهجية على الحط من شأن أفريقيا، بوصفها عاجزة وفقًا لمعايير أوروبا الاعتباطية الخاصة (مثل وجود معالم هندسية ضخمة، وثقافة أدبية)، وتسلسلاتها الهرمية (مثل تفوق اللحن على الإيقاع، وأفضلية الطوب على القش، والملابس على تزيين الجسد). لكن، حتى بمعايير مشكوك بها كهذه، كانت أفريقيا قارة ذات ثقافة ثرية ومتنوعة ما قبل الاستعمار، إذ شكلت موقعًا لإنجازات مادية عالية (مثل آثار زيمبابوي)، وتبادلات تجارية واسعة النطاق، ومعتقدات وأنظمة دينية واجتماعية معقدة، ومختلف أنواع الكتابات (مثل الرموز الصورية، الرموز الفكرية، والكتابات المصورة مثل الأليلي Alele) ونجومبو Ngombo). كذلك أثبت الباحثون أيضًا مدى تعقيد المعرفة الفلكية للـ«دوجون Dogon» (إحدى قبائل الغرب الإفريقي في مالي): اكتُشف أن طقس الـ«سيجوي sigui»، الذي كان يمارسه الجد الأكبر الأسطوري للدوجون، ديونجو سيرو، يمثل، ويعكس دورة مدار النجم «سيريوس ب.»[19]. وفي وصفه لبلاط ملك تمبوكتو، كتب الإسباني المغربي ليو أفريكانوس، في مطلع القرن السادس عشر أنه «بلاط مذهل ومؤثث جيدًا»، وأن «المكان المليء بالأطباء، والقضاة، والكهنة ورجال متعلمون آخرون، مرعي بكرم، على نفقة الملك»[20].
فكرة أن أوروبا هي أوروبا، وإفريقيا هي إفريقيا، ولن يلتقيا أبدًا، أسطورية. كان هناك اتصال وثيق بين القارتين على مدار القرون، وكانت حالة التقدم النسبية لكلتا القارتين، حتى عام 1492، شبه متقاربة. كان لإفريقيا اقتصاد منتج ومتنوع ضم صناعات نسيجية ومعدنية قوية، وطور الأفارقة التقنية للعمل بالحديد والأفران عالية الحرارة حتى قبل عام 600 قبل الميلاد، وبذلك كانوا قد سبقوا أوروبا إلى تقنيات لم تستخدمها حتى القرن التاسع عشر[21]. وماثلت الصادرات النسيجية من شرق الكونغو، في بدايات القرن السابع عشر، مثيلاتها في مراكز الصناعة الأوروبية مثل مدينة لايدن في هولندا. والواقع أن أوروبا، في الأعوام الأولى للتجارة عبر المحيط الأطلسي، لم يكن لديها الكثير لتبيعه لإفريقيا ولم تكن إفريقيا تنتجه[22]. بذلك تكون «دونية» إفريقيا والإفريقيين اختراعا أيديولوجيًا دفع، كما يعتقد سيدريك روبنسون، نحو:
«المحو الكامل، داخل الوعي الغربي التاريخي، لأهمية النوبة في تشكيل مصر، وأهمية مصر في تطور الحضارة الإغريقية، وأفريقيا للإمبراطورية الرومانية، وبشكل أكثر وضوحًا تأثير الإسلام في تاريخ أوروبا الاقتصادي، والسياسي، والثقافي»[23].
ليست الفكرة من الإتيان على هذه النماذج من الحضارة الأفريقية «إرضاء» معايير المركزية الأوروبية لمعنى «الحضارة»، لكن بالأحرى، تسليط الضوء على الطبيعة المُختلقة للفجوة غير القابلة للردم المزعومة بين إفريقيا وأوروبا. بكلماتٍ أخرى، يجب فهم إنكار التنوع العرقي والإثني في العصور القديمة داخل الإطار الأوسع لنهوض الاستعمار، وظهور نظرية معرفة، ذات نزعة مركزية أوروبية جديدة عَمِلت على إنكار التعايش الثقافي وأصرت على وجود صراعٍ جوهري بين الثقافات. وبالرغم من أن سردية المركزية الأوروبية تبني جدار فصل متخيل بين الثقافات الأوروبية وغير الأوروبية، إلا أن أوروبا نفسها هي توليفة من عدة ثقافاتٍ غربية وغير غربية. فكرة أوروبا «النقية» التي ظهرت في اليونان الكلاسيكية تعتمد على استبعادات صارمة، من التأثيرات الأفريقية الآسيوية التي شكلت اليونان الكلاسيكية نفسها، إلى الثقافة الإسلامية-اليهودية-السفادرية التوسعية التي أدت دورًا حاسمًا في ما يُسمى بالعصور المظلمة –وهو تصنيف يستند إلى مركزية إثنية في زمن نهوض شرقي– والعصور الوسطى، وعصر النهضة. كل «المحطات» المحتفى بها في تاريخ التقدم الأوروبي –مثل اليونان، وروما، والمسيحية، والنهضة، والتنوير– كانت لحظات اندماج ثقافي. بذلك يصبح «الغرب» نفسه موروثًا جمعيًّا، مزيج نهم من الثقافات. لم تستوعب التأثيرات غير الأوروبية فحسب، وإنما تشكلت عبرها[25].
لكن، وفي منظور المركزية الأوروبية، بُنِيَت اليونان أوروبية خالصة، وبذلك فهي بيضاء، في حين أن مصر، بالنسبة للمركزيين الأفريقيين، إفريقية، وبالضرورة سوداء. لكن كلا هذين المنطقَينِ التمييزِيين يتجاهلان سؤال الاندماج الثقافي، خاصة في فضاء البحر المتوسط. حتى إن أردنا التأكيد على سواد أو بياض كليوباترا الخالص، ما الذي سنقوله عن ثقافتها؟ فمثلما أن محاولة الدفع بفكرة «الدم النقي» في أي سياقٍ هو تأريخ مشكوك فيه، كذلك الأمر مع فكرة الثقافة النقية. مثل معظم العوالم الثقافية، كان عالم كليوباترا معقدًا. سمحت المسام الثقافية الحدودية بين الحضارتين المصرية والإغريقية بالتصادم والحوار والاستعارة، وفي النهاية، التحول المتبادل. إن افتراض أن ثلاثمئة عامٍ من الوجود الإغريقي المقدوني في مصر لم ينتج خليطًا ثقافيًا كافيًا ليجعل من شخصية كليوباترا نِتاجًا لهذا الخليط، هو افتراض مشكوك فيه. وفي موضع آخر، يحاجج بعض الكتاب أنه، وبالرغم من أن كليوباترا تكلمت المصرية، لكنها كانت إغريقية. ولو افترضنا أن أصولها كانت بالفعل «إغريقية مقدونية خالصة»، فإن خطابًا مثل هذا يفترض أن التعايش لعدة أجيالٍ في مكانٍ واحدٍ، وكذلك إتقان اللغة الأصلية والثقافة، كل ذلك غير مهم في تشكيل هوية المرء، لأن الهوية، وفقًا لهذا الافتراض، تحددها الأصول البيولوجية والجغرافية. كما هو الحال في النقاش حول لون كليوباترا، هنا أيضًا تؤثر خطابات القرن التاسع عشر الأنثروبولوجية –التي تتوافق فقط مع الأنساب الإثنو-ثقافية وخرائط المفاهيم الثابتة والجوهرية للهوية– وتحجِّر تشكيل انتماء كليوباترا الثقافي.
سيستفيد الجدل، حول هوية كليوباترا بشكل كبير من خطابٍ أكثر تعقيدًا، يحيط بانتماءاتها الثقافية المتعددة. مثل مدينتها، الإسكندرية، يمكن القول إن كليوباترا انتمت على الأقل لثقافتين، احتوت كل منهُما على ثقافات متنوعة. فالترحال، والتجارة، والتعلم، والترجمة، والغزو، إلى جانب الزواج، كلها أفعال نشأت عنها روابط جديدة واندماج شعوب وثقافات. وعليه، لا يمكن إسقاط ثنائية الشرق/الغرب على عالم كليوباترا أو على تاريخ من آلاف السنين من التمازج الثقافي. وعلينا، لنتمكن من تعيين هوية كليوباترا، تجاوز النزوع نحو إنشاء سرديات شمولية وذات نزعة جوهرانية. والنظر إلى مصر واليونان داخل إطار رؤية أكثر تأريخية، سيضع كليوباترا داخل مفهوم ديناميكي، حواري، انسيابي، للهوية الثقافية.
جماليات التنوير وثقافته البصرية
عبر إنكارها لأي إمكانية لوجود أي أسلافٍ أفارقة لكليوباترا، كما رأينا، تكشف النقاشات المعاصرة عن استثمارٍ في بياضها. ثمة استنباط غير منطوق يتواجد هنا: امتلكت كليوباترا شكلًا جذابًا، والشكل الجذاب أبيض، وعليه فلا بد أن كليوباترا كانت بيضاء. وهنا، يتحول الجدل حول كليوباترا في النهاية، بهذا المعنى، إلى صراع رؤى متنافسة للجمال، كلٌ منها يتسلح بتعريفاتها المعيارية. أعتقد أنه من الممكن تتبع الشغف بكليوباترا البيضاء، تاريخيًا، إلى جماليات التنوير وخطابات القرن التاسع عشر العلمية العنصرية[26]. تركت عنصرية جندرية بصماتها على جماليات التنوير المليئة بامتداح البياض المثالي. وجرى الربط بين معايير العلوم الجديدة وتصنيفاتها التمييزية وبين الأحكام القيمية الجمالية المشتقة من قراءة أبولونيّة لليونان الخالية من ديونيسيوس. قام الآريّون، أمثال كارل غوستاف كيروس، بقياس الإلهي في الإنساني عبر التشابات مع التماثيل الإغريقية. وفي الوقت نفسه، تعبَد كذلك دين الفن الجذاب في ضريح البياض، ضمن نظرة معيارية حطت بشكل منهجي من الجماليات والمظاهر غير الأوروبية[27]. وبالنسبة لكومتي دي غوبينياو، «احتكر العرق الأبيض في الأصل الجمال والذكاء والقوة»[28]، وبالنسبة لجورج لويس ليكليرك دي بافون، «عمل الطبيعة الأعظم كان أنها خلقت الرجال البيض»[29]، في حين وصف فريديرك بلومباخ الأوروبيين البيض بـ«القوقازيين» لإيمانه بأن جبال القوقاز كانت موطنًا لأجمل الأجناس البشرية[30]. الجراح البريطاني تشارلز وايت بشكل بلاغي تساءل أين يمكن للمرء أن يجد، سوى وسط القوقازيين، «ذلك الرأس المقوس بشكل نبيل، والمليء بكل هذا العقل... في أي مربع آخر من الكرة الأرضية تجد ذلك الاحمرار المتوهج الذي يفرط في السمات الناعمة للنساء في أوروبا؟»[31]. وبالرغم من أن أوصاف وايت الفخمة تضع دماغ الذكر، في مكانة أعلى من جمال الأنثى، لكنها في النهاية تضم إليها النساء البيض لعضويتهم الجينية في عائلة الرجال (البيض).
ونتيجة لصعود مفاهيم التطوّر البيولوجي للأجناس، وكذلك علوم التصنيف والقياس، أُخضِعَت ملامح كليوباترا لتشريح تدقيق. على سبيل المثال، تقاطعت النقاشات المحمومة حول أنف كليوباترا مع ظهور تصورات عرقية للجمال. «كل ما يستطيع الشعر أن يفعله»، يكتب ويليام ماغين، «قام بفعله، لينسينا عيوب كليوباترا، والتفكير في أن عالمًا قد ضاع من أجل ذلك الأنف الصغير»[32]. تضمنت عمليات التمثيل البصري لكليوباترا أحيانًا عملية تطهيرٍ شملت التخلص من الملامح الموصوفة بغير الأوروبية في الملكة القديمة، مثل الأنف المعقوف، بالطريقة التي توازي عملية إعادة خلق بصرية للمسيح تكسبه هيئة آرية أكثر ملاءمة لكونه كينونة خارقة. في رواية لورد بيرنير «رومانسية الأنف» سردية تعويضية لأنف كليوباترا، إذ يصف كليوباترا بالمرأة الأجمل والأذكى في العالم: «لكن، وا حسرتاه، لولا ذلك الأنف!». من أجل إصلاح أنفها الوحشي، تطلب من أبولو أن يجري لها عملية تجميلية. يستعرض أبولو موكبًا من ثلاثين جارية أمام كليوباترا لمساعدتها في اختيار أنفها المستقبلي، لكنها تختار لنموذجها تمثيلًا فنيًا مثاليًا: نسخة من تمثال نصفي لامرأة سورية. لدى رؤيتها لأنفها الجديد، تخلع كليوباترا ملابسها وتبدأ بأداء حركة «الكارت ويل». كُتاب آخرون يرون في أنف كليوباترا الكبير نوعًا من التشوه حاولوا التعويض عن ملامحها سيئة الحظ بأوصافٍ مشددة لعظمتها. تكتب أناتولي فرانس أن الميداليات التي تحمل صورة كليوباترا «تصورها جميعها بملامح كبيرة وقاسية، وأنف طويل بشكل غير اعتيادي... إن كنا سنصدق الميداليات، فإن هذا الأنف لم يكن ملائمًا على الإطلاق، لكننا لن نصدقهم، كلا، ولو وضعوا أمامنا كل الميداليات عند المكتبة الوطنية، والمتحف البريطاني، وخزانة فيينا... لا يمكن تصديق أن الملامح التي أنست قيصر إمبراطوريّة العالم كانت مشوهة بأنفٍ سخيفٍ كهذا»[34].
لم تعتبر جميع الثقافات الأنف المعقوف قبيحًا بالضرورة. شهِدَت العصور المختلفة والفضاءات الجيو-ثقافية المتنوعة، مثلما نعرف، قيمًا جمالية متنوعة لا تنفصل عن أيديولوجيات الجسد والجنسانية. حقيقة أن العصور القديمة طورت نظرة نسبية للجمال تردُ ضمنيًا في إشارة «سيكستوس إمبيريكوس Sextus Empiricus» إلى أن الإثيوبيين كانوا يفضلون الأكثر سوادًا والأنف الأكثر تسطيحًا، في حين فضل الفرس الأكثر بياضًا والأنف الأكثر انعقافًا[35]. لكن الكتاب المعاصرون، حتى عندما ألمحوا إلى صعوبة تعريف الجمال حقًا، لا يتورعون عن التعبير عن قناعاتهم القوية حول جمال أو قُبح كليوباترا. التمثيلات الوحيدة الحقيقية الموثوقة لكليوباترا، وفقًا للوسي هيوز-هاليت، محفوظة على العملات المعدنية، ومنها قطع صكتها كليوباترا نفسها. وبالرغم من أن هذه القطع التي عنيت بالإطراء عليها، إلا أنها مع ذلك تظهرها «بأنفٍ معقوف ضخم، وذقنٍ أشبه بذقن ساحرة يتقوس ليلاقي الأنف، ولا يمكن حقًا وصفها بالجذابة وفقًا لأي معايير»[36]. وعبر إشارتها لإمكانية وجود معايير جمالية متعددة، تعترف هيوز-هاليت بالنسبية، لكنها في اللحظة نفسها تتبنى قيم الجمال التي شكلتها التقاليد الإغريقية-الرومانية-الآرية، تحديدًا فكرة الأنف المستقيم أو المرتفع كنموذج للجمال. وكي لا ننسى، فقد جرى تصوير الساحرات بنفس تلك الملامح «القبيحة» –الأنف المعقوف المتقوس لملاقاة الذقن– مثل اليهود في الخطاب الميثولوجي المتأثر بمعاداة السامية والتمييز الجنسي. إن كان لكليوباترا أنف معقوف، أو ذقن مقوس، أو بشرة داكنة، فتلك أمور لن نعرفها بالتأكيد من ثقافة الوسائط الجماهيرية التي نشرت عالميًا صورًا ذات نزعة مركزية أوروبية للجمال، إلى درجة أنه حتى الاعتراف بنسبية الجمال لا يزال يشكل تأكيدًا على منظور ضمني مهيمن للجمال. حينها، لا يكون السؤال ببساطة عما إن اعتُبِرَت كليوباترا جميلة في عصرها أم لا، ولكن كيف تُشكِّل نقاشات المظاهر المجندرة والعنصرية رموزًا للثقافة المركزية الأوروبية البصرية.
منذ بداياتها المبكرة، كان لدى السينما هوسها بالحضارات القديمة. تمكنت السينما، وهي نفسها نتاج الاكتشافات العلمية الغربية، من تحويل السردية الرئيسية لتقدم الحضارة الغربية إلى شيء ملموس للجمهور، غالبًا من خلال رواية السير الذاتية للمستشكفين والمخترعين والعلماء. وباعتبارها منتجًا تلقائيًا للبراعة العلمية، رأت السينما نفسها تجسيدًا لنوعٍ جديد من العلم العابر للتخصصات الذي يمكنه جعل العوالم «الأخرى» قابلة للفهم. يمكنها رسم خريطة للعالم مثل رسّام خرائط. يمكنها روي الأحداث عبر تسلسل زمني مثل مؤرخ. يمكنها «الحفر» في الماضي البعيد مثل عالم آثار. ويمكنها تشريح عادات الشعوب «الغريبة» مثل متخصص في علم الإنسان. في دورها التربوي، قدّمت السينما المهيمنة وعدًا للجمهور الغربيّ لتعريفه بالثقافات المجهولة، يصورها كما عاشت، وفقًا لهيجل، «خارج التاريخ». هكذا، أصبحت السينما وسيطًا معرفيًا بين فضاء المتفرج الغربي الثقافي وفضاء الثقافات الممثلة على الشاشة، وبذلك ربطت بين فضاءات منفصلة وأزمنة منفصلة مجازًا في لحظة انكشاف منفردة.
أدت السينما، بهذا المعنى، دور أمينِ أرشيف الشرائط. ونَتَجَ عن ربط فن جديد ومبتدئ بالعصور القديمة والأماكن «البعيدة» إعادة إحياء الحضارات المنسية، سواء على الشاشة أو من خلال التصميمات المعمارية لقصور الأفلام المصرية الزائفة. وفي الوقت الذي تزامنت صناعتها مع بداية حركة الشعوب المستعمَرة لانتزاع هوية مضادة لمستعمِريهم، عَمِلت هذه الأفلام على قمع الصراعات المعاصرة لصالح رومانسية ونوستالجية البحث عن الأصول الشرقية الضائعة للغرب. هذه الصفة السياقية الخاصّة بتمثيلات هوليوود لمصر، أو بابل، أو الأرض المقدسة (التوراتية)، قد توضح في المقابل غياب الجغرافيات العربية المستعمَرة في الوقت الراهن وكفاحاتها القومية عن الشاشة.
تعرّف الأفلام الشرق بوصفه قديمًا غامضًا، مختزلًا في أيقونات ورق البردى وأبو الهول والمومياءات، التي يعتمد إحيائها ووجودها على «نظرة» و«قراءة» الغربيين. بكلمات أخرى، يقوم الإنقاذ المزعوم للماضي بقمع الحاضر، ليشرعن بذلك بالضرورة استباحية الفضاء الشرقي للمغامرات الغربية الجيوسياسية. باختصار، أدت سينما الحضارات القديمة «المحنطة» دورًا فاعلًا في إعادة توليد النظرة الإمبراطورية.
لم يكن لدى السينما، بوصفها وسيطًا بصريًا، خيار ألا تتطرق لملامح كليوباترا وبشرتها. يفرض التبني البصري للسرديات المكتوبة أو الشفوية، وحتى للشخصيات التاريخية، على الفنان أو المصور أن يتخذوا موقفًا. كما أن طبيعة السينما تتطلب اختيار الممثلين وعملية توزيع أدوارٍ لا محالة ستموقع الأجساد والوجوه وفقًا لمفاهيم عرقية. أكملت السينما، داخل تقليد الثقافة الشعبية الغربية، عملية صناعة صورة كليوباترا البيضاء. وبالنظر إلى أيديولوجيا النجومية في هوليوود، لم يكن ممكنًا أن تفكر سياسات هوليوود في توزيع الأدوار حتى في احتمالية كليوباترا غير بيضاء. فعظمة شخصية تاريخية أكبر من الحياة يجب أن تنعكس مجازيًا في نجمة ساحرة أكبر من الحياة، وهو موقع كان، حتى وقت قريب، قد استبعد غير البيض من النساء. لم يكن ممكنًا تخيل الملكة المهيبة أو النجمة المعبودة أو تصويرهما غير أبيضان، الأمر الذي كان من المحتمل أن يجعلها «أصغر من الحياة». كذلك فرض الفصل العنصري على الشاشة تحريمًا للعلاقات الرومانسية المختلطة عرقيا. نصّ قانون الإنتاج الخاص بمنتجي وموزعي الصور المتحركة في الولايات المتحدة، بين عامي 1930-1934، صراحة على «منع جنس الأعراق (العلاقات الجنسية بين العرقين الأبيض والأسود)». عَكَسَ القانون قوانين الفصل العنصري الذي افترضت وجود تصنيفات متخيلة لدم «أبيض» و«أسود»، وعرّفت الجنس بينهما على أنه «جريمة دم». وحتى نهايات ستينات القرن الماضي، كان التفاعل الجنسي (الغيري) الإيروتيكي على الشاشة مقيدًا بشدة بقوانين الفصل العنصري العرقية. هكذا، ارتبط تجريم الرباط الرمانسي بين «البيض» و«الأعراق» الأخرى بممارسة اجتماعية إقصائية أوسع عَمِلَت على زراعة تعريف العرق البيولوجي في مفهوم العرق السياسي والتسلسل الهرمي الجندري للحضارات.
ظهرت جماليات «الأبيضُ هو الأجمل» المهيمنة، والموروثة من الخطابات الاستعمارية، في عدد لا يحصى من روايات وأفلام المغامرة الاستعمارية. على سبيل المثال، «Trader Horn - 1930» و«King Kong - 1933»، يظهران «الأصليين» في حالة هيام مفضوح بصنم الجمال الأبيض. كذلك خضعت أيديولوجيا هوليوود في اختيار الممثلين/ات لمثاليات الجماليات الآرية. فلو أن كليوباترا التاريخية قد امتلكت بالفعل ملامح «سلبية»، فإن معايير الجمال في هوليوود لم تكن لتسمح بـ«تشويه» كهذا لملكة/نجمة. يترجم منطق حكايات هوليوود الخيالية الطيبة الأخلاقية أو الروح الانتصارية للنجمة أو النجم فيما يفترض أنه تفوق بصري. في سياق الروايات الإمبريالية، كان لا بد من أن تثير سمات كليوباترا الجسمانية جدلًا حول تمثيلها البصري. هل فكرة أن كليوباترا لم تكن سوداء تعني أنها بدَتْ مثل الممثلات ثيدا بارا، كلاوديت كولبرت، فيفان لايف، إليزابيث تايلور، اللواتي أدّين جميعًا دورها؟ حتى لو قبلنا إغريقيتها، وبالتالي بياضها المفترض، فبأي شكل مُثِّلَ بياضها؟ هل تجسد هؤلاء الممثلات مفاهيم الجمال الرومانية، أو المصرية، أو الإغريقية؟ من الواضح أن توزيع الأدوار داخل نظام نجومية تضمن معايير جمالية دفعت في اتجاه نسخة معينة من الجمال. في حقبة السينما الصامتة، قدمت ممثلات نحيفات وشاحباتٍ مثل ليليان غيش، وماري بيكفورد نسخًا أيقونية للأنثى البيضاء العذراء، والتي ظهرت في مفارقة مع صورة العبدة السوداء المتمردة. كذلك ظهرت البطلة الشاحبة المحبوبة بالتناقض مع صورة المغوية داكنة البشرة، وارتبطت بممثلات مثل ثيدا بارا، نيتا نالدي، وآليا نازيموفا، وبشكل عام بين «الإثنيات البيض» من ذوي البشرة الداكنة. وقد أسس هذا الشكل -المميز بالمكياج الثقيل، بينما جُعلَت العيون والشفاه لتبدو في غاية الإغواء والخطورة، كأنها لمصاصي دماء– للمسة من الظلمة داخل مملكة الشبقية البيضاء.
لكن تمثيل السواد بوصفهِ مرغوبًا ظل محرمًا، خارج الحدود إن جاز القول، «سقوط» خارج حدود الغريب. في ظل غيابهن عن الضوء بوصفهن «مُنتِجات» للرغبة، حضرت النساء الملونات بوصفهن مستهلكاتٍ للرغبة. عَمِلت صناعة التجميل، منذ أواخر القرن التاسع عشر، على استهداف مجتمع الأمريكيين الأفارقة لتوسعة أسواقها[37]، مُوظِفة صور النقاء والقبول الاجتماعي المتوازية مع البياض كجزءٍ من استراتيجيات تسويقية معينة لبيع مساحيق التجميل للنساء السود[38]. على سبيل المثال، تغذت إعلانات مبيضات البشرة على خيال العبور والحرية من قيود التاريخ واللون الأسودين. استدعت الإعلانات التي استهدفت نساء الطبقة الوسطى البيض: فضاء متخيل من الآخر، من جغرافيات مغوية، من الترحال والمغامرة والاكتشاف. وبالنسبة لنساء يقضين معظم أوقاتهن في حدود مساحاتهن المنزلية، ساعد إغراء الغريب على خلق صورة للمرأة الأرستقراطية الّتي تتسع آفاقها مع تجوالها الحر في عالم القوى الإمبراطورية المتوسع[39]. سوقت إعلانات مستحضرات التجميل لأخريات غريبة معينة – أورينتالية أو من جزر المحيط الهادئ – في الوقت الذي حافظت فيه على جوهر المعيارية البيضاء. على سبيل المثال، في بدايات ثلاثينات القرن الماضي، طورت هوليوود بالشراكة مع «Max Factor» المتخصصة في إنتاج المكياج خطوط مكياج غريبة نَتجَت عن احتفائهما بالنجمات ذوات الشعر الأسود الغامق أمثال هيدي لامارت، ودولوريس ديل ريو، ودوروثي لامور، وريتا هايورث، عوضًا عن المظهر الأبيض الأحادي لصبغات التبييض الشقراء البلاتينية[40]. حولت المبادرة نحو قيم جمالية أخرى ممكنة الاختلاف إلى سلعة، ولكن إلى حد معين. فصورة كليوباترا، التي صُنِعَت لجذب نساء من إثنيات متنوعة، كانت أغمق بقليلٍ فقط من بشرة الأنثى الشاحبة الاعتيادية الّتي تزين العديد من الإعلانات، لكنها لم تكن داكنة جدًا أبدًا، وبالتأكيد لم تصل إلى حد الملامح «غير البيضاء»، مثل الأنف العريض أو المعقوف. خلقت محاكاة هوليوود الإثنية مشهدًا من الاختلاف بينما أقصت عددًا كبير من «الآخرين» من السردية. وكما الحال مع اختيار العارضات في صناعة مستحضرات التجميل، عَمِلَت سياسات اختيار الممثلين/ات في هوليوود وبفعالية على إبعاد التعددية الثقافية في القلب من مركز تشكيل القومية الأمريكية، مقدمة بدلًا من ذلك تراتبية عرقية مصورة.
وعليه، يشير الجدل حول مظهر كليوباترا إلى العلاقات الكثيفة بين العرق والجندر والجنسانية. بعد كل شيء، لم تحاول الخطابات المتعلقة بروما القديمة بالطريقة نفسها تشريح صور لأجزاء من جسد قيصر أو مارك أنتوني. كما أن مفهوم «الجمال المميت» لا يمتد ليشمل بالدرجة نفسها الذكورية. في السنوات الأخيرة، حاولت القراءات النسوية التركيز على إنجازات كليوباترا بوصفها مثقفة وقائدة وُهِبَت بمجموعة مبهرة من المواهب، ومنها إتقان عدة لغاتٍ دون الحاجة للاعتماد على المترجمين. على سبيل المثال، تسلط هيوز-هاليت الضوء على قوة كليوباترا المعرفية، موجهة نقدًا للتركيز غير المضبوط على مظهرها. تقف القراءات النسويّة لكليوباترا في تضاد مع نظرة فيتيشية، ركزت في معظمها على جمال كليوباترا المُشَهْوَنْ[41]. خَدَمَ جسد كليوباترا، في العديد من تمثيلاته، بوصفه استعارة لمصر الأنثوية القديمة. ففي فيلم «كليوباترا» (1934) لسيسل ب. دي مايلز، يخاطب يوليوس قيصر كليوباترا بينما يأمرها: «مصر، اجلِسي!». وقريبًا من نهاية الفيلم، يهوي أنتوني على سيفه، ويهمس مصدقًا أن كليوباترا قد خانته: «أنا أموت، يا مِصرْ، أموت». تمسح الكاميرا جسدها بطريقة تلصصية عندما يخاطبها رجالها الرومان، أو بينما تحضر نفسها لموتها. تجلس على العرش في رداء أسود بفتحة صدر واسعة، تخرج أفعى بطول قدمٍ من سلة وتضعها فوق صدرها. وبغض النظر عن الحقائق التاريخية المتعلقة بالزواحف والصدر، يفرض تخيل أفعى قضيبية على صدر كليوباترا تمثيلًا ذكوريًا للتاريخ ولانتصار الإمبراطورية الرومانية. في تمثيلات كهذه، تكمن قوة كليوباترا –وقوة مصر– بشكل كبير في جنسانيتها. بموتها، يختفي عالم بأكمله.
أسقطت تمثيلات القرن التاسع عشر الأوروبية للحضارات القديمة، والمحفزة بالاكتشافات الأثرية، الواقع الإمبريالي على صدامات الشرق والغرب في الماضي من خلال مجازات جندرية. كما في تصور القرن التاسع عشر الرومانسي لبلاد الرافدين القديمة ومصر الشرقيتين، والمعاد إنتاجه في فيلم غريفيث «Intolerance - 1916» و«كليوباترا - 1934» لدي مايلز، والذي عرض «الشرق» بوصفه مؤنثًا. في فيلم دي مايلز «كليوباترا»، يقول مواطني سيزار له أن «المرأة قد جعلت منك مصريًا»، ويصر بروتوس على أن «روما لا يمكنها أن تصبح شرقًا آخر» – وذلك كله في سياق يقرن روما بالذكورة ومصر بالأنوثة. كما يحمل إخضاع كليوباترا ومصر في أفلام كليوباترا إيحاءاتٍ استعمارية معاصرة: يظهر البلاط الروماني متألفًا من رجال إنجليز أرستقراطيين، يسخرون باستهزاء من فكرة أن كليوباترا المحتمل سوادها يمكن لها أبدًا أن تحكم روما. ذلك بالرغم من حقيقة أن أعراف جماليات هوليوود، كما سبق وأشرنا، قد صورت كليوباترا في هيئة مرأة أوروبية بيضاء، بالطريقة نفسها التي نُزِعَت بها سامية المسيح عنه تدريجيًّا في الإيقنوجرافيا الغربية.
يثير اختيار نجمة قوية لأداء دور كليوباترا توترًا بين الجندر والأيديولوجيات العرقية. في فيلم جوزيف ليو مانكيفيتش «كليوباترا»، تبدو النجمة المعاصرة والملكة القديمة وكأنهما وهِبِتا قوة التحديق. من خلف الجدار، تتجسّس كليوباترا (إليزابيث تايلور) على محادثة يتناقش فيها يوليوس قيصر حول الملكة التي التقاها لتوّه، وبذلك تجعل المشاهد عالمًا بما لا يعرفه قيصر. في داخل البناء السينمائي لهذه الفجوة المعرفية بين الشخصية والمشاهد، يلتحم المشاهد مع وجهة نظر كليوباترا. تدقق عيناها النظر عبر فتحتين صغيرتين في الجدار، غير مرئيتين لأنهما كانتا خلف جدارية للوحة مصرية لوجه أنثوي أسطوري. صُنِعَت اللوحة لتشابه الرسومات المصرية القديمة، وقد منحت عينا تايلور وهما تنظرات عبر عينيّ شخصية الجدارية «بعدًا ثالثًا» للوحة ذات البعدين في اللقطة التي تطابقت فيها عيني تايلور مع عيني شخصية الجدارية في الشكل واللون، مسلِّطة الضوء على عينيّ النجمة الشهيرة الزرقاوتين البنفسجيتين. وبينما يحدق المشاهد في «العينين الزرقاوتين» المتجسستين، تندمج النجمة البيضاء المعاصرة مع الملكة المصرية القديمة، ويخبرنا حديث يوليوس قيصر أن كليوباترا ذات أصول مقدونية وأنها لا تملك «نقطة من دم مصري». في لحظة التصوير شبه الآرية هذه لكليوباترا، تكتسب شخصيتها سلطة مؤقتة للتحديق، من النوع الذي يرتبط عادة بالذكورة. ومع ذلك، وبشكل أكثر اعتيادًا، تسمح أفلام هوليوود بالتحديق الذكوري التلصصي على المساحة الخاصة المغلقة (مثلًا، قصر الحريم البانوبتيكي في فيلم عام 1955 «kismet»). وينبع منح تايلور/كليوباترا قوة المراقبة عن الخيال الحريمي الهوليوودي ليوتوبيا ذكوريّة غيريّة يحظى فيها الذكورة بالقدرة الجنسية المطلقة. ومع ذلك، تُنزع قوة تحديق كليوباترا اللحظية بمجرد توقفها عن تمثيل البياض المتطرف، وبعد ذلك، تُدفع إلى اتخاذ الوضع التقليدي للنجمة الأنثوية، أي التي تتعرض للتحديق، كما كانت من قبل. يُخْضَعُ جسم النجمة/الملكة خلال فيلم «كليوباترا» لفرجة شبقية النظر، كما في حالة خلع تايلور/كليوباترا لملابسها وزينتها في حمامها، بينما تقف المياه الزرقاء عند مستوى مرتفع قليلًا جدًا عن صدرها. (بعد ثلاثة عقود، استُخْدِمَتْ صورة تايلور هذه في دور كليوباترا في إعلان لعطر تايلور الخاصّ «Passion»). يصبح جسد تايلور، مثل كليوباترا، موقعًا لوجهتي نظر متناقضتين. ففي مرة يستمد قوته من اقتصاديات جنسانيته (البيضاء)، ومرّة تسلبها منه ثقافة المراقبة التشييئية الذكورية.
فقط على خلفية تاريخ التمجيد الطويل هذا للبياض والحط من قيمة السواد، يمكن للمرء أن يقدر القوة العاطفية للتعبير المضاد: «الأسود جميل»، والتحدي الاستفزازي لمجرد فكرة كليوباترا سوداء. نفَتْ معايير المركزية الأوروبية الجمالية النساء الملونات من أجسادهن الخاصة. فحتى نهاية ستينات القرن الماضي، كانت الأغلبية العظمى من مجلات الموضة الأنجلو-أمريكية، الأفلام، المسلسلات التلفزيونية، الإعلان، قد روجت لفكرة أساسية عن الجمال فيها تشكل النساء البيض –وبدرجة أقل الرجال البيض– مواضيع الرغبة المشروعة الوحيدة. وبفعلها ذلك، مددت وسائل الإعلام من التثمين الفلسفي طويل الأمد للبياض. وفي القرن الذي وصلت فيه الثقافة الشعبية درجة غير مسبوقة من التعميم الجماهيري، يتعين مناقشة تمثيل كليوباترا ليس فقط في إطار الجهود التاريخية لإعادة بناء تصور عن كيف بدَتْ فعلًا، ولكن أيضًا ضمن مفهوم القدرة في حد ذاتها على صناعة وعرض صورتها للعالم الاستهلاكي. لمثل هذه التمثيلات، كما حاولت أن أوضح، عواقب وأصداء حقيقية في العالم، وهنا، أيضًا، يجب أن نرى كليوباترا لا بوصفها شخصية من العصور القديمة، بل بوصفها مجازًا للحداثة.
هوامش:
13 على نحو متناقض إلى حدّ ما، ليس البحر الأبيض المتوسّط بسمائه الصافية، بل الشمال البارد الملبّد بالغيوم الّذي يشكّل مركز العقلانيّة والأخلاق، في ما يُنظَرُ إلى الغابة والبرّيّة بوصفهما موقعا التقاءٍ للنزعات العنيفة والشهوات الفوضويّة. كلّ هذه الثنائيّات – الّتي تعكسُ «الهويّة مقابل الأنا العليا» على مستوى الحضارات – جرى فرضها على الآخرين: عاقل/ مجنون، نقيّ/ نجس، الهستيريّ على مستوى معقول، أو الصحي/ المريض.
14 See also Henry Louis Gates Jx., Figures in Black (New York: Oxford University Press, 1988).
15 بعض علماء الأنثروبولجيا الفيزيائيّة، وعلى نحو مثير للاهتمام، يعتقدون أنّ الإنسان الأوّل كان إفريقيًّا وكان امرأة، انظر: Donald C. Johnson and Maitland A. Edey, Lucy, the Beginnings of Humankind (New York: Simon and Schuster, 1981). انتقد معلِّقون إثيوبيّون من المنطقة الّتي «اكتُشِفَتْ» فيها «لوسي»، اختيار اسمٍ أوروبّيّ (نسبة لأغنية الـ «Beatles»: "لوسي في السماء"). تشير صانعة الأفلام الأمريكيّة الأفريقيّة أليس شارون لاركين إلى أنّها لو صنَعَت فيلمًا وثائقيًّا عن «لوسي»، فستسمّيها بما يسمّيها الأطفال الإثيوبيّون: "رائعة – wonderful"، وكانت استضافت نساءً إثيوبيّات للحديث عن لوسي انظر: Larkin, “Black Women Filmmakers Defining Ourselves: Feminism in our own Voice,” in Deidre Pribram, ed., Female Spectators: Looking at Film and Television (London: Verso, 1988), 16.
16 See Samir Amin, Eurocentrism (New York: Monthly Review Press, 1989).
إضافة إلى ذلك، تنتشر في الأمريكيّتين الكثير من الأطلال الأثريّة، بما يشمل الأهرامات وبناء الأكروبول في أمريكا الوسطى و«جزيرة السلاحف»، لكنّ التعليم ذو النزعة المركزيّة الأوروبّيّة نادرًا ما يُشير إليها. مَنْ يقول إنّ العمارة البيروفيّة الضخمة كانت موجودة قبل آثار ستونهنج الإنجليزيّة؟ أو أنّه في الوقت الّذي كانت فيه اليونان تخضع للهيمنة الرومانيّة، كانت ثقافة آدِنا الأمريكيّة الأصليّة تعيش ازدهارًا يمتدّ قرابة الألف عام؟
See David E. Stannard, American Holocaust: Columbus and the Conquest of the New World (New York: Oxord University Press, 1992), 41.
17 Martin Bernal, Black Athena (New Brunswick, N.J.: Rutgers University Press, 1987), 241.
18 Frank Snowden, Before Color Prejudice: The Ancient View of Blacks (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1983) .
يوثّق الكتاب التواصل ما بين أفارقة الكوش والمصريّين، السوريّين، الإغريق، والرومان بداية من الألفيّة الثالثة قبل الميلاد.
19 jean Rouch filmed the ritual in 1967 in the La caverne de Bongo (1969). V. Y. Mudimbe sums up some of the debates about the Dogon in The Invention of Africa: Gnosis, Philosophy, and the Order of Knowledge (Bloomington: Indiana University Press, 1988).
20 Leo Africanus, History and Description of Africa, quoted in David Killingray, A Plague of Europeans (Middlesex, 1973), 12-13.
21 John Thornton, Africa and Africans in the Making of the Atlantic World, 1400— 1680 (Cambridge: Cambridge University Press, 1992), 46.
22 Ibid, 43-71.
23 Cedric]. Robinson, Black Marxism: The Making of the Black Radical Tradition (London: Zed Press, 1983, distributed in the United States by Biblio Distribution Center; Totowa, N.J.), 4.
24 افترض باتريك بوكانان وجود هذه الفجوة عندما صرّح بتعليقه سيّء السمعة أنّه "سيكون من الأسهل استيعاب الإنجليز على استيعاب مهاجرين الزولو إلى فيرجينيا". وفي الثامن من (آذار) مارس 1992، أشار ستيفن كارتر إلى أنّ العديد من الزولو في جنوب أفريقيا ثنائيّة اللغة يتحدّثون الإنجليزيّة بشكل أفضل من الأوروبّيّين الّذين يعشقهم بوكانان. وفي رسالة لاحقة إلى المحرّر بتاريخ 9 آذار 1992، ذكرت لورنا هان أنّ ثمّة أحفادًا للزولو في ولاية فيرجينيا الحاليّة ممّن لا يشاركون فقط بنشاط في الحياة العامّة، لكنّهم "أصبحوا حتّى جمهوريّين محافظين". كما يجب أيضًا مساءلة استدعاء المحافظين للزولو لأغراضهم البلاغيّة، كما يرد في ملاحظة سول بيلوز سيّئة السمعة حول عدم وجود بروست زوليّ – نسبة إلى مارسيل بروست. هل يعود تفضيل كلمة «زولو» لكونها تحتوي على نغمات تجدها أذن المركزيّة البيضاء كوميديّة، أم لأنّها تشتمل، صوتيًّا، على كلمة «zoo»، أي حديقة الحيوان؟
25 إذن، فقد كان الفنّ الغربيّ دائمًا مدينًا للفنّ غير الغربيّ ومتأثّرًا به. في حالة الحداثة تحديدًا، تحرّكت الأفكار الجماليّة على الأقلّ في اتّجاهين، ومن هنا يأتي التأثير المغاربيّ على شعر حبّ القصور، والتأثير الأفريقيّ على الرسم الحداثيّ، وتأثير الأشكال الآسيويّة (كابوكي، نو دراما، مسرح بالي، الكتابة الإيديوغرافيّة) على المسرح والسينما الأوروبّيّة، وتأثير الأساليب الأفريقيّة ليس فقط على أفلام هوليوود الموسيقيّة، ولكن أيضًا على مصمّمي الرقصات مثل مارثا جرهام وجورج بلانشين.
See also Pieterse Jan Nederveen, Empire and Emancipation: Power and Liberation on a World Scale (London: Pluto, 1989).
26 يستند نقاشي لجماليّات التنور هنا على: Shohat and Stam 1994.
27 See also Cornel West, Prophesy Deliverance: An Afro-Americun Revolutionary Christianity (Philadlephia: Westminster Press, 1982); Clyde Taylor, “Black Cinema in the Post-Aesthetic Era,” in Jim Pines and Paul Willemen, eds., Questions of Third Cinema (London: B¥1, 1989); Bell Hooks, Black Looks: Race and Representation (Boston: South End Press, 1992).
28 Quoted in Brian V. Street, The Savuge in Literature: Representations of “Primitive” Society in English Fiction, 1858-1920 (London and Boston: Routledge, 1975), 99.
29 George-Louis Leclerc de Buffon, The History of Man and Quadrupeds, trans. by William Smellie (London, 1812), 422.
30 George L. Mosse, Toward the Final Solution: A History of European Racism (New York: H. Fertig, 1978), 44.
31 Charles White, Account of the Regular Gradation in Man, quoted in Stephen Jay Gould, The Mismeasure of Mon (New York: Norton, 1981), 42.
32 William Maginn and Shelton R. Mackenzie, “Lady Macbeth,” from The Shakespeare Papers of the Late William Moginn (New York: Redfield, 1856), 184.
33 John Bourchier, Lord Berners, The Romance of u Nose (London, 1941).
34 Anatole France, from the preface to Theophile Gautier, Cleopatra (Paris, 1899).
35 Snowden 1970, 7, 178.
36 An interview with Hughes-Hallett 199o for the documentary Intimate Portrait-~ Cleopatra, Roce and Beauty, broadcast on Lifetime 1v, 1997.
37 Kathy Lee Peiss, “Making Faces: The Cosmetics Industry and the Cultural Construction of Gender, 1890-1930,” Genders 7 (1990), 143-69, 158-59.
38 أعيد تدوير صورة كليوباترا من خلال الإعلانات المتنوّعة، وقد أصبحت الآن جزءًا من الفضاء الرقميّ، مثلًا: "قصّة سرّ كليوباترا"، وهو موقع صمّمته امرأة مصريّة لتبيع من خلاله مستحضرات إزالة الشعر: www.cleosecret.com.
39 ظهرت على مدار العقد الماضي العديد من الكتب حول موضوع النساء الرحّالة، لنقاش أوسع، انظر:
Shohat and Stam 1994; Caren Kaplan, Questions of Travel: Postmodern Discourses of Displacement (Durham, N.C.: Duke University Press, 19906); Inderpal Grewal, Home and Harem: Nation, Gender, Empire, and the Cultures of Travel (Durham, N.C.: Duke University Press, 19906).
40 Sarah Berry, Screen Style: Consumer Fashion and Feminity in 1930s Hollywood
آراء أخرى
كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (3-3)
«الحلقة الثالثة من كليوباترا»
كليوباترا المُربكة: مجاز حديث للهوية (1-3)
«للاشتباك مع الجدالات حول كليوباترا، يجب أن نأخذ تمثيلاتها في الثقافة الشعبية على محمل الجد»
العنصرية الأمريكية كفكرة مؤسِسِة: تاريخ الرأسمالية العنصرية (2-2)
«جذور العنصرية الهيكلية كفكرة موجودة في تاريخ الرأسمالية الأمريكية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد