تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

عن الرهانات الخاسرة.. في ذكرى يحيى صبيح

ثائر أبو عون
3 دقيقة قراءة
عن الرهانات الخاسرة.. في ذكرى يحيى صبيح

من المحرر: قُتل الصحفي يحيي صبيح (32 عامًا) في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سوقًا شعبيًا، غربي مدينة غزة في 7 مايو الجاري. كان يحيي يحتفل، مع زوج شقيقته، في وقت باكر من اليوم بميلاد ابنته. أسفرت الغارة التي أودت بحياة يحيى عن مقتل 31 آخرين. ما يلى هو مقال كتبه مراسل «مدى مصر» في غزة، ثائر أبو عون، بعد أن فقد صديقه وأخاه وزميله في المهنة.

***

ليس الأمر وكأنني أعيش في مكان آخر.. أنا أعلم جيدًا أنني قد أكون التالي في حرب الإبادة هذه.. ولكني رغم ذلك لا أمنع نفسي من الحزن والبكاء في بعض الأحيان، حين أفقد صديقًا أو عزيزًا. 

فالموت لا يؤلم الميت بقدر ما يؤلم الأحياء الذين أحبوه.. وفراق يحيى أوجعنا جميعًًا، ونثر ملحًا على جرحنا، ليذكرنا بكل عزيز وصديق فقدناه في هذه الحرب.. بكل ألم ومعاناة عشناها سويًا. 

يحيى لم يكن صديقًا فقط، كان أخًا، ورفيق روح، قبل أن يكون زميلًا.. بالنسبة لي ولكل من عمل معه وعرفه عن قرب. 

بالأمس خسرناه.. أنا وزملائي الصحفيون.. فقدنا يحيى، ذلك الصحفي الجميل، سخي الابتسامة، رقيق المحيا والقلب.

لم أتمكن من وداعه، ولم يسعفني الوقت لأبارك له قدوم مولودته الصغيرة.. تمامًا كما لم يسعفه هو الوقت ليفرح بقدومها، ليحتضنها، قبل أن يستشهد وتصعد روحه إلى بارئها. 

يحيى يا صديقي.. أتذكر لقاءاتنا.. أحاديثنا.. كلمة كلمة.. وكيف أنساها وهي التي كانت تنسيني مرارة القبح الذي نعيشه، ولو للحظات. 

أتذكر حماسك وأنت تتحدث عن لهفتك للقاء ابنتك الصغيرة.. كيف كانت عيناك تلمعان وأنت تتحدث عنها. 

أتذكر حين علمت أنني حزين لبُعدي عن ابني فارس، الذي يعيش في القاهرة الآن، كيف ربت على كتفي يومها وابتسمت قائلًا: «اتذكر إنه هو بأمان.. الدور والباقي عليك أنت».

كم من مرة عملنا فيها معًا ياصديقي، كتفًا بكتف.. كنا ندرك أن الخطر يحيط بنا.. لكني لم أتخيل يومًا أن أفقدك بهذه السرعة. 

أتذكر حين تراهنا على من منا سيستشهد أولًا.. قلت لك وقتها: «سأموت أنا قبلك»، فرددت أنت «ما بدي قلبي يتوجع عليك يا صاحبي.. نموت سوا أحسن».

لقد خسرنا نحن الاثنين هذا الرهان يا صديقي، وكم أتمنى لو فزت أنت به، ورحلنا معًا. 

كنت تردد دائمًا: «مهنة الصحافة لها مذاق خاص.. هي أجمل المهن وأخطرها».

حسنًا.. لم يعد لمهنتنا أي مذاق، ولولا أننا نحمل رسالة نقل الحقيقة لما أكملت فيها من بعدك. 

كم كنت شجاعًا وأنت تواجه الخطر بعدستك.. لم تكن تخشاه، بل كنت تقتحمه.. تعانده، كي تنقل الخبر. 

لكنك اليوم أصبحت أنت الخبر.. الخبر الذي كسرنا وأفجعنا جميعًا. 

سأفتقدك يا يحيى، وأفتقد لحظاتنا معًا.. ضحكاتك، وروحك. 

أوجعت قلوبنا يا يحيى.. فمن ذا الذي يسد فراغًا في القلب تركه من أحببناه.. ومن يضمد جرحًا خلفه عزيزًا قد رحل. 

كنت نعم الأخ.. ونعم الصديق.. ونعم الصحفي. 

عزائي الوحيد يا صديقي أنك في مكان أفضل.. أنك حي في قلوب كل من عرفك. 

لعل لقاءنا يكون قريبًا.. 

إلى صديقي الغالي الشجاع.. يحيى صبيح.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).