قرار «العدل الدولية» في حرب غزة: ما لها وما عليها
أصدرت محكمة العدل الدولية أمرًا بفرض إجراءات مؤقتة لمنع ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة، وبمجرد التسليم بتوافر شروط إصدار «أمر الإجراءات مؤقتة»، ومن ثم إصداره، يمثل ذلك إقرارًا بالفعل أنه من «المعقول» اعتبار أن ثمة جريمة إبادة جماعية تحدث ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
محتوى القرار ذاته يشير إلى اتساق المحكمة بما أقرته سابقًا، لاسيما في اللغة المستخدمة في الأمر الصادر مؤخرًا في القضية التي تقدَّمت بها جمهورية جامبيا ضد جمهورية اتحاد ميانمار (بورما) متهمة إياها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق شعب الروهينجا، وكذلك في الأمرين الصادرين في عام 1993 ضد جمهورية يوغسلافيا السابقة بشأن الجرائم المرتكبة في البوسنة والهرسك.
من ناحية أخرى، تجاهلت المحكمة طلب جنوب إفريقيا الرئيسي بأن تأمر المحكمة إسرائيل بـ"أن توقف جميع أعمالها العسكرية في وضد غزة بشكل فوري»، ما قوبل بخيبة أمل في فلسطين والدوائر المناصرة للعدالة الدولية ولحقوق شعوب الجنوب العالمي والشعب الفلسطيني خصوصًا، كما بدأ الحديث عما يشوب القانون الدولي ومؤسساته من ازدواجية في المعايير. كما سمح الأمر هذا لمؤيدي إسرائيل بالتفاؤل وتفسير الحكم باعتباره في صالح استمرار أعمالها العسكرية. على سبيل المثال، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الخبر باعتبار أنه قرار بـ«رفض طلب وقف إسرائيل عملياتها العسكرية».
كيف نقرأ هذا القرار إذن؟ ما الجديد في تفاصيله؟ وما هو الجزء المحافظ في شكله؟
المحكمة تتسق مع نفسها
بداية، ليس من اختصاص المحكمة المطالبة بتسوية سياسية بعقد اتفاقات «وقف إطلاق نار» وخلافه، فإن موضوع القضية هو الإبادة الجماعية، أي تستطيع المحكمة مخاطبة الطرف المحتمل إخلاله ببنود اتفاقية الإبادة وأمره بوقف جميع الأعمال التي قد تشكل هذه الجريمة. لذلك، لا تطالب جنوب إفريقيا بوقف إطلاق النار، بل بـ«الوقف الفوري لجميع الأعمال العسكرية الإسرائيلية في وضد غزة».
ومع ذلك، عدم اقرار المحكمة صراحة بوقف إطلاق النار أو «الوقف الفوري لجميع الأعمال العسكرية الإسرائيلية في وضد غزة» كان سبب في خيبة أمل لبعض الفلسطينيين، وخاصة في غزة، كما استقبل بإيجابية من مناصري إسرائيل وحربها الدائرة في غزة.
اتسقت المحكمة مع نفسها في عدم إصدارها قرار بوقف الأعمال العسكرية، لأن الدعوى المقدمة من جمهورية جامبيا ضد ميانمار لم تطلب بالأساس من المحكمة أن تأمر صراحة بوقف جميع الأعمال العسكرية، ربما لعدم وجود سابقة قضائية أمرت فيها المحكمة صراحة بوقف جميع الأعمال العسكرية.
لكن جنوب إفريقيا، ربما لوجود سابقة الأمر الصادر ضد روسيا، طلبت بوضوح صدور أمر بوقف الأعمال العسكرية في وضد غزة فورًا. لكن برغم طلب جنوب إفريقيا، وسابقة روسيا، وضخامة الحدث والتوافر غير المسبوق لأدلة بما في ذلك أدلة تثبت «النية»، وهي الأمر الأساسي في إثبات جريمة الإبادة الجماعية، لم تعتبر المحكمة كل هذا كاف للخروج عن سوابقها. فلم تأخذ المحكمة في الاعتبار خصوصية خطورة الوضع في غزة، وحجم الإجرام والتحريض غير المسبوق في عمليات إسرائيل ضدها، ما يبرر خروج أكبر عن المسلك الذي سلكته المحكمة سابقًا في قضيتي ميانمار ويوغوسلافيا.
ورغم إلزام المحكمة روسيا بوقف عملياتها العسكرية، فإن أوكرانيا لا تتهم روسيا بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بالأساس، وبالتالي القضية لا تمثل سابقة. بالأحرى، يقوم الادعاء الأوكراني على أساس أن مهاجمة روسيا الأراضي الأوكرانية تم تحت ادعاء روسي بارتكاب جرائم إبادة في الأراضي الأوكرانية، فيما برر التدخل الروسي تحت بنود اتفاقية الإبادة باعتباره تدخل إنساني يهدف إلى وقف تلك الجرائم. لذلك، فإن القضية الروسية لا تخص ارتكاب جريمة الإبادة، بل تخص تفسير اتفاقية الإبادة؛ إذ أرادت أوكرانيا محكمة العدل الدولية أن تقر بأن التدخل العسكري الروسي في أراضيها ينبني على أساس تفسير خاطئ لاتفاقية الإبادة، وبالتالي فهو غير مبرر طبقًا لاتفاقية الإبادة، ما يعني أن ما نقف حياله هو استخدام روسي للقوة ضد سيادة دولة أخرى بدون مبرر، ما يشكل عدوانًا على السيادة الأوكرانية. لذلك، وبسبب «معقولية» الادعاء الأوكراني، أمرت المحكمة روسيا بوقف عملياتها العسكرية، باعتبارها عدوان على السيادة الأوكرانية.
إذن تختلف قضية أوكرانيا في موضوعها. ولكنها أيضًا هي القضية الأولى من نوعها من حيث الحجة الأوكرانية، فيما لا تخلو من تفسيرات قانونية جديدة، بل ونوع من الأكروبات القانونية.
إذا كان الأمر كذلك، لماذا لم تحاول المحكمة الاستناد بطريقة ما لقرارها السابق بوقف الأعمال العسكرية الروسية لإصدار قرار مشابه ضد إسرائيل، أو لماذا لم تحاول ممارسة فصل جديد من الأكروبات القانونية، تلك المرة في صالح فلسطين؟
بخلاف الاختلاف التقني في موضوع القضية الروسية كما أوضحنا، إلا أن السبب الأهم يتعلق بانحياز عميق في القانون الدولي ومؤسساته تجاه الدولة السيادية، والدولة الليبرالية الحديثة بشكل خاص، انحياز يفترض حسن نيتها وأن عنفها لا يتسم بالبربرية (إلا إن ثبت العكس). فكيف يجري ذلك؟
لا تتهم أوكرانيا روسيا بارتكاب الإبادة الجماعية، بل بالعدوان على أراضيها بإساءة استخدام نصوص اتفاقية الإبادة. لذلك فعندما تأمر المحكمة روسيا بوقف جميع أعمالها العسكرية، ما يعنيه هذا هو أن جميع أعمال روسيا العسكرية جزء من جريمة عدوان محتملة، ولكنها ليست جريمة إبادة جماعية محتملة، لأن الاتهام الأخير يختلف تمامًا وأخطر كثيرًا. بعبارة أخرى، تستطيع المحكمة أن تأمر روسيا بإيقاف أعمالها العسكرية دون التعرض لمسألة ما إذا كانت السلوك الروسي، بطبيعته ودون الحاجة لتحقيقات طويلة، ينطوي على بشائع وجرائم في حق الأبرياء.
في الحالة الروسية، تستطيع المحكمة أن تصور لنفسها أن الدافع القانوني وراء إلزامها الدولة الروسية بوقف جميع أعمالها العسكرية هو منطق قانوني مؤداه تورُّط روسيا في جريمة العدوان على سيادة دولة أخرى، أي أنه ليس لروسيا الحق في استخدام القوة من الأساس طبقًا للنظام القانوني المتعلق بـ«الحق في استخدام القوة/ jus ad bellum». وبالتالي فإن أي عمل عسكري روسي هو بالأساس يعد جزءًا من عدوان غير قانوني. فمهما التزمت روسيا بالقانون الخاص بـ«كيفية قيام الأطراف المتحاربة بتنفيذ عملياتهم العسكرية/ jus in bello, international humanitarian law»، ولم تلحق أضرارًا عمدية بالمدنيين.. إلخ، فإننا لا نزال نعلم أن مجرد إطلاق طلقة روسية في الإقليم الأوكراني هو بحد ذاته جزء من جريمة عدوان محتملة. كما أنه مهما التزمت روسيا بالقانون فإنه «لا مفر من أن أي عملية عسكرية» ستنتج أضرارا، كما أشارت المحكمة. لذلك تستطيع المحكمة أن تأمر روسيا بوقف جميع الأعمال العسكرية، ولا يعني هذا بالضرورة أن الجيش الروسي يستهدف المدنيين الأوكرانيين ويمارس الإجرام بحقهم.
أما في حالة إسرائيل، وحال أن أمرت المحكمة بوقف جميع الأعمال العسكرية، فإن ذلك يعني الإقرار بأن أي أعمال عسكرية إسرائيلية في غزة هي، بذاتها، بطبيعتها تعد جزءًا من جريمة إبادة جماعية محتملة. هناك بالفعل أدلة كافية على هذا، بل وأدلة تاريخية مل الفلسطينيون تقديمها للعالم على مدار عقود. إلا أن إقرار مثل هذا الأمر سيصطدم بانحيازات عميقة في بنى القانون الدولي تعطي الدولة السيادية دائمًا ميزات واستحقاقات للقيام بالعنف المسلح على نطاقات هائلة، والاستفادة دائمًا من الحق في افتراض حسن النية، ومن ثم الانتظار والتروي حتى نعرف، وذلك مهما كان حجم الضرر.
بالطبع لا تستفيد الجماعات غير النظامية من هذه الميزة. فإن العنف غير النظامي بطبعه وفي ذاته شر مطلق، ويشكل هذا المنطق العامود الفقري لخطاب «الحرب على الإرهاب». ففي حالة عمليات الجماعات الفلسطينية المسلحة في صباح السابع من أكتوبر، اكتمل تكييف قانوني بتشكيلها جرائم دولية بحلول ظهيرة اليوم ذاته. حتى إن محكمة العدل ذاتها اضطرت لأسباب سياسية بحتة، بأن تقر بجرائم السابع من أكتوبر في تأطيرها للأمر الصادر ضد إسرائيل، برغم أن الأمر الصادر ذاته لا يتناول في موضوعه أحداث السابع من أكتوبر ومسؤولية الجماعات الفلسطينية بأي حال. وفي إطارها السياسي هذا، اعتمدت المحكمة أعداد ضحايا السابع من أكتوبر المنسوبة للجماعات الفلسطينية كما هي واعتبرتها جزءًا من جرائم دولية وبشعة. لا تستحق الحركات الفلسطينية تلك إذن أن تستفيد من الحصول على تحقيقات مستقلة، ربما للتمييز بين القتلى المدنيين والعسكريين، أو لاستخراج من قتلهم الجيش الإسرائيلي نفسه، والتمييز بين من قتل بشكل عَرَضي ومن تم استهدافه ومن قتل عن طريق الخطأ.. إلخ.
أما الدولة، فدائمًا تستطيع التبرير وطلب المزيد من الوقت والمعلومات لتفسير ما تراه أعيننا. برغم هذا، فقد شكل القرار الصادر ضد روسيا توسعًا غير مسبوق في تفسير النصوص القانونية. لتبرر سلطتها في إصدار أمر تدابير مؤقتة، اعتبرت المحكمة أن هناك «ضرر لن يمكن إصلاحه من استمرار عمليات روسيا العسكرية وما تنطوي عليه من جريمة العدوان» إذ أنه «لا مفر من أن أي عملية عسكرية» ستنتج أضرارًا. تلك لغة غير مسبوق استخدامها، إذ نرى للمرة الأولى محكمة دولية تقر بأن الحرب التي تشنها الدول هي أيضًا -كما «الإرهاب»- في ذاتها شر مطلق.
لقد تعودنا دائمًا أنه في قلب فلسفة القانوني الدولي الحديث، نظام قانوني يخص «كيفية قيام الأطراف المتحاربة بتنفيذ عملياتهم العسكرية/ jus in bello, international humanitarian law»، وأن النظام هذا مستقل تمامًا عن النظام القانوني الخاص بـ«الحق في استخدام القوة/ jus ad bellum»، وإنه في نظام الـ«jus in bello» هذا أي ضرر على المدنيين والبيئة المدنية جائز تقبله تمامًا وشرعنته بشكل كلي طالما كان غير مقصود أو ناتج بشكل عَرَضي. لذلك، فدائمًا، ودائمًا، ودائمًا، علينا الانتظار والتروي عند تنفيذ دولة حديثة هجوم عسكري، لنرى ما إذا كان هناك خطأ أو هدف عسكري مشروع للهجوم يبرر الخسائر العَرَضية الناتجة في حق المدنيين، وذلك كله مهما كان حجم الموت والدمار.
لكن في الحالة الروسية، أقرت محكمة دولية بحقيقة أن الحرب بذاتها عنف غير مقبول. لذلك٬ إذا كان «لا مفر من أن أي عملية عسكرية» ستنتج أضرار، ألا ينطبق هذا على غزة؟ حتى ولو سلَّمنا بسعي إسرائيل للالتزام بالقوانين وبأن أي ضرر هو في الحقيقة خطأ أو غير مقصود أو أثر عَرَضي وخلافه، ألا تستوجب حقيقة الشر المتأصل في الحرب تلك صدور قرار مباشر وواضح وصريح بوقف الأعمال العسكرية، أسوة بالحالة الروسية؟
الإجابة هي أن حالة روسيا هي الاستثناء المنطوي على توسُّع في التأويل وربما ازدواجية في المعايير. بالتأكيد ليست محض صدفة أن تكون المرة الأولى التي تقر فيها محكمة دولية بالعنف المتأصل في فكرة «الحرب» ذاتها و«العدوان» ذاته، دون الحاجة إلى النظر في مسائل احترام القانون الدولي الإنساني من عدمه، هي في وصفها لسلوك دولة وصمت بأنها غير ديمقراطية، غير ليبرالية.. إلخ.
تتعاظم استحقاقات وميزات الدولة السيادية إذا كانت دولة ديمقراطية ليبرالية حديثة. لذلك نرى الخطاب الديبلوماسي الإسرائيلي، بل ودفاع تل أبيب أمام محكمة العدل الدولية، مرتكزًا على فكرة أنها دولة ديمقراطية ليبرالية حديثة، ذات مؤسسات مستقلة وكود أخلاقيات عسكرية متحضر (قام بإعداده الفيلسوف المرموق آسا كَشِر). لا يهم تاريخ إسرائيل وجيشها ومؤسساتها القضائية، ولا تهم الممارسات على الأرض والصور والأرقام، فإسرائيل دولة ديمقراطية. لذلك، يرفض مسؤول بريطاني رفيع كديفيد كاميرون مجرد فكرة رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية باعتبارها «محض سخافة». لماذا؟ لأن «إسرائيل دولة ديمقراطية حديثة». هكذا يجيب كاميرون. فلا قيمة للأدلة، للمقاطع المصورة، للشهادات، لتصريحات القيادة الإسرائيلية.
إن النتيجة الأساسية لهذا الوضع هي أن العنف الذي تقوم به الجيوش الحديثة التابعة للدول السيادية والسردية الرسمية له دائمًا، تتمثل بالحق في افتراض حسن النية وفي الاستماع بصبر شديد، قد يستمر سنين وعقود. وهي انحيازات غير مكتوبة في القانون بالضرورة، بل إنها من بقايا العلاقة التاريخية بين القانون الدولي والمشروع الاستعماري الأوروبي منذ القرن السادس عشر، كما يظهر أنتوني آنجي في كتابه الرائد عن «الإمبريالية ومبدأ السيادة وعمليات صنع القانون الدولي».
لذلك فإن أكثر ما تستطيع محكمة العدل القيام به، دون الإخلال بانحيازاتها الإمبريالية والباقية منذ عصور الاستعمار، هو أن تأمر بوقف الأعمال المنطوية على الجريمة، لا اعتبار أي أعمال عسكرية إسرائيلية، بذاتها، إجرامية.
أما عن تفسير مؤيدي إسرائيل بأن القرار في صالحها أو في صالح استمرار الأعمال العسكرية، فهو ببساطة تفسير خاطئ، لأنه بمجرد أن تصدر محكمة العدل الدولية «أمر إجراءات مؤقتة أي ادعاء، فإننا بالفعل نعرف أن الادعاء هذا معقول»، وذلك كشرط أساسي لتمكًّن المحكمة من إصدار «أمر إجراءات مؤقتة. أي أننا نعرف الآن بشكل قاطع أن إسرائيل بالفعل قد تكون بصدد ارتكاب الجريمة الأخطر والأكثر جسامة في النظام القانوني العالمي»، أو «جريمة كل الجرائم/ The Crime of All Crimes» كما يطلق عليها. أما عن بنود القرار، فكلها تسمى أفعال الإبادة الجماعية وتأمر إسرائيل بضمان عدم ارتكابها ومنعها ومعاقبتها، وفي متنه يرفض القرار السردية الإسرائيلية برمتها.
لذا يمكننا اعتبار أن قرار المحكمة له القيمة الفعلية لوقف إطلاق النار، كما أشارت مجموعة «Law4 Palestine». فمطالبات وقف أعمال الإبادة الجماعية من شأنها إيقاف العمليات العسكرية، كما أن من شأنها إعطاء الحق لدول أخرى لاستخدام ما لديها من آليات لوقف هذه العمليات من فرض عقوبات دبلوماسية أو اقتصادية خاصة بإمداد الأسلحة. ولذا طالبت السلطات الجزائرية بالفعل باجتماع في مجلس الأمن لبحث سبل تنفيذ قرارات المحكمة.
ربما لهذا أيضًا لاقت قرارت المحكمة قبول حركة المقاومة الإسلامية حماس، وطالبت المجتمع الدولي إلزام إسرائيل بتنفيذها.
تمييز غزة بشكل محدود
إذن يتسق القرار وبنوده مع ما سبق وأقرته المحكمة في الحالات المشابهة، حتى اللغة المستخدمة تكاد تكون متطابقة تمامًا. لم تأمر المحكمة لا ميانمار ولا يوغوسلافيا بوقف الأعمال العسكرية، بل تحدثت فقط، كما في حالة القرار الصادر ضد إسرائيل، عن تسمية الأفعال المشكلة لجريمة الإبادة الجماعية، ثم أمرت بضمان وقفها وعدم ارتكابها ومنعها ومعاقبة مرتكبيها. كما اتسق القرار مع عقيدة المحكمة المنحازة للدولة السيادية، خاصة إن كانت ديمقراطية وليبرالية.
ولكن ثلاثة عناصر ميزت القرار الصادر في طلب جنوب إفريقيا عن القضايا السابقة المشابهة، وذلك بهدف التعامل مع الوضع الكارثي والاستثنائي الذي خلقته إسرائيل في غزة.
المسألة الأولى تخص «التحريض» على ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة. رغم التضييق والحجب الحكومي وغير الحكومي المهول، يبدو أن رؤية المحكمة للواقع تأثرت بفعل أنشطة التضامن العالمية غير المسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الأرض بهدف نشر وفضح الخطاب العام وحالة الهستيريا الجمعية في الإعلام والشارع وثكنات العسكر الإسرائيلية. فدعونا نُسلِّم بأنه في بورما ويوغوسلافيا أيضًا اتسم الفضاء العام بخطابات تحريضية على نطاق واسع ومخيف، إلا أن أوامر الإجراءات المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية في كل من الحالتين اكتفت بمطالبة الحكومتين بـ«ضمان عدم قيام (أي أشخاص خاضعين لسيطرتهما) بارتكاب أي أفعال تنطوي على التحريض العام على ارتكاب الإبادة الجماعية(...)». أما في حالة غزة، فقد أمرت المحكمة إسرائيل باتخاذ جميع التدابير والإجراءات الممكنة «لمنع ومعاقبة التحريض المباشر والعام لارتكاب جريمة الإبادة الجماعية (ضد الفلسطينيين في غزة)». في لغة الأمر الصادر ضد إسرائيل حزم ومطالبة واضحة بالمنع والمعاقبة، لا مجرد «ضمان عدم قيام» الأفراد الخاضعين للدولة بتلك الجرائم.
المسألة الثانية تخص تمكين المساعدات الإنسانية من الدخول إلى القطاع، فقد تحدثت جنوب إفريقيا عن الوضع الإنساني في غزة واتهمت إسرائيل بمنع دخول المعونة الغذائية والطبية وغير ذلك من احتياجات فلسطينيي غزة الأساسية. أنكر ممثل الدفاع الإسرائيلي وجود أزمة إنسانية في غزة، كما دفع بعدم إخلال محدودية دخول المساعدات من الجانب الحدودي الإسرائيلي بالقانون الدولي، مشيرًا إلى دور مصر كدولة سيادية لها حدود مع القطاع تمكنها من إدخال ما تريد إدخاله من مساعدات. استجابت المحكمة لطلب جنوب إفريقيا، وأمرت إسرائيل بتمكين دخول المساعدات الإنسانية والاحتياجات الأساسية بشكل فوري وفعال، واستعانت بتقارير أممية حول كارثية الوضع في غزة، وبذلك رفضت الرواية الإسرائيلية.
كما أضافت المحكمة نقطة ثالثة وهي إلزام إسرائيل بتقديم تقرير بخصوص الإجراءات التي تم اتخاذها وصولًا إلى تنفيذ بنود أمر الإجراءات المؤقتة، وذلك خلال شهر من تاريخ صدور القرار. في قضية البوسنة والهرسك لم تلزم المحكمة يوغوسلافيا ببند مشابه، وفي قضية الروهينجا ألزمت المحكمة حكومة بورما بتقديم تقرير خلال أربعة أشهر. قد يعتبر البعض هذا الاستعجال، بالإضافة إلى النقطتين السابقتين، بمثابة قرارات ميزت فيها المحكمة حقوق الفلسطينيين عن الروهينجا والبوسنة والهرسك، حتى إن كانت أقل ما يمكن صدوره عن المحكمة في ضوء الوتيرة العالية للعنف والحصار وحجم الإجرام والتحريض المتفرِّد في الحالة الإسرائيلية.
إذن، الأمر الصادر عن المحكمة هو بمثابة كارثة لإسرائيل وماكينتها الدبلوماسية. فلو كان السؤال: هل أصدرت قرارًا ثوريًا يزحزح البنى الإمبريالية التي تحكم النظام الدولي وتميز عنف الدولة (لاسيما الليبرالية الحديثة) وتشرعن إخضاع شعوب الجنوب العالمي من قبل حكوماتهم والحكومات ذات الطموح الإمبريالي شمالًا وشرقًا؟ فالإجابة: لا. وإن كان السؤال: هل أصدرت المحكمة قرارًا تاريخيًا في غاية الأهمية ضد إسرائيل؟ الإجابة: نعم.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد