قراءة في سياسات التلقيح ضد «كورونا»
يأتي هذا النص في إطار سلسلة من الجلسات تحت عنوان «الحماية الاجتماعية بعد التباعد الاجتماعي» والتي ينظمها الملتقى العربي للحماية الاجتماعية من «كوفيد 19». وتطرقت الجلسة الثانية لما نعرفه عن الوصول للقاحات في العالم العربي.
يفرض علينا الحديث عن سياسات الدول العربية في تلقيح المواطنين ضد كوفيد-19 التعرض إلى ثلاثة أقسام من تلك الدول. إذ تنفرد الدول النفطية والغنية بسياسة التعاقد الثنائي مع الشركات الخاصة والشراء المباشر منها، فيما تنتظر أغلب الدول العربية الشراء عبر مبادرة «كوفاكس»، وتقدم دول أخرى نماذج خاصة من التعامل مع الشركات المنتجة.
يعد التحالف الدولي للأمصال واللقاحات (جافي) هو اللاعب الرئيسي في مبادرة «كوفاكس»، التي تستهدف توفير ملياري جرعة من اللقاح تغطي حوالي 20% من احتياجات الدول النامية والفقيرة بحلول نهاية العام الحالي، وقد تأسس التحالف عام 2000، ويضم اليونيسيف والبنك الدولي ومنظمات مجتمع مدني وشركات من القطاع الخاص.
وفيما تتسابق الشركات المصنعة من أجل إنتاج ما تعاقدت عليه بشكل مباشر أو من أجل توفير احتياجات «كوفاكس» في ظل محدودية قدرتها الإنتاجية أصلًا، تبنت الهند وجنوب إفريقيا اتجاهًا مغايرًا، إذ طالبا بتعليق مؤقت لاتفاقية التربس (خاصة بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية)، وهو ما قد يساهم إلى حد بعيد في تسريع إنتاج اللقاحات، ويوفر فرصًا حقيقية وبدايات فعالة للتضامن الدولي من أجل مواجهة الجائحة العابرة للدول وللطبقات الاجتماعية. وفي حين أيد هذا الاتجاه الاتحاد الإفريقي ومصر، كما أيدته الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا مؤخرًا، لا تزال ترفضه الشركات المصنعة ودول من الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا، وحتى الآن لم يتم البت فيه.
بالطبع، ينعكس كل هذا في صورة فجوة في عدالة التوزيع، ففي الوقت نفسه الذي تسارع فيه الدول الغنية للشراء المباشر من الشركات الخاصة، خاصة وأن التنسيق مع «كوفاكس» ليس إلزاميًا، فإن أغلب الدول العربية تصارع انتشار الوباء في انتظار وصول نصيبها من «كوفاكس»، وهو أمر ليس مضمونًا بسبب الفجوات المالية التي تعاني منها تلك الأخيرة.
لا يمكن الحديث عن سياسات التلقيح في الدول العربية بشكل موحد. هناك دول نفطية وغنية مثل الإمارات التي لقّحت عشرة ملايين مواطن، ودول متوسطة مثل مصر، وأخرى تعاني من مشكلات كبيرة وحروب مثل اليمن وليبيا. بعض تلك الدول لا تحتاج إلى انتظار «كوفاكس»، وأقدمت على الشراء المباشر من الشركات الخاصة بحسب آليات العرض والطلب، وفي بعض الأحيان تصارعت بالدفع المسبق. وهناك دول عربية تعتمد على «كوفاكس» بشكل كلي أو جزئي مثل مصر، ودول أخرى تعتمد بشكل أساسي على التعاقد على شراء اللقاح الصيني في وقت مبكر، مثل المغرب التي لقحت 14 مليونًا من إجمالي 37 مليون مواطن.
بالنسبة لمصر، فإنه يجب علينا رسم الإطار العام الذي تتحرك الأمور داخله. نحن في بلد متوسط الدخل في الحد الأدنى وفق البنك الدولي، ناتجه الإجمالي 330 مليار دولار، ويواجه مخاطر سياسية واقتصادية كبيرة، ويعاني من فجوة عدالة اجتماعية لا يمكن تجاهلها بين الريف والحضر، الشمال والجنوب، الشرائح الأغنى والشرائح الأفقر، كما لديه نسبة كبيرة من العمالة غير المنتظمة نصيبها من الناتج الإجمالي قد يكون بين 40 و50%. وفي سياق المنظومة الصحية المصرية وبحسب مؤشرات الإتاحة والجودة وعدم التمييز، وفي إطار تشريع دستوري يقول إن الصحة حق، وفي ظل وجود قانون شامل للتأمين الصحي تم إنجازه وبدأ تطبيقه بشكل تجريبي، وكذلك في إطار حملة قومية (100 مليون صحة) استمرت سنتين وحققت نجاحات ملموسة، وحملة أخرى لمواجهة الأمراض غير المعدية، فإن أداء الحكومة منذ بداية الأزمة اتسم بمحاولة التوازن بين الاقتصاد والصحة، لذلك لم تلجأ الحكومة إلى الإغلاق الكلي أو الجزئي إلا في فترات محدودة جدًا، وجاء هذا الأداء كرد الفعل بطيء أكثر من كونه أداءً مخططًا.
كما تضاربت تصريحات المسؤولين حول اللقاحات والكميات المتعاقد عليها. انعكس ذلك على فقدان ثقة المواطنين وانصرافهم عن تلقي اللقاحات. طُرحت فكرة تقديم اللقاحات وفق نظام أولويات، وهي سياسة عالمية محترمة تبدأ بالأطقم الطبية وأصحاب الأمراض المزمنة ثم كبار السن، لكن، اتسم توزيع اللقاحات بالتخبط ولم تتلقَ فئات مستحقة جرعاتها، بينما تلقى مواطنون آخرون دون ضوابط واضحة. كما طُرحت فكرة تحصيل رسوم على الفئات القادرة، لكن، في الواقع الدولة لم تلجأ لذلك على الأرض بسبب دعوى تقاضي استراتيجي مطروحة من المجتمع المدني، وقدمت بالفعل عددًا من اللقاحات للمواطنين والفرق الطبية بغير رسوم مالية.
اعتمدت الحكومة منذ البداية على الاتصال بمبادرتي جافي وكوفاكس لتوفير اللقاحات، كذلك اعتمدت على بعض الهبات صغيرة الحجم من دول مثل الإمارات والصين، اللتين شاركتا مصر في التجارب السريرية للقاح الصيني. ولكنها لم تلتفت للصراع الدولي المحموم للتعاقد المباشر مع الشركات المنتجة. وكانت «كوفاكس» تعتمد على الهند بدرجة كبيرة في إنتاج لقاح أسترازينيكا من أجل توريده للدول ذات الاحتياج، غير أن الهند، وبعد التفشي الواسع للوباء فيها، أوقفت التصدير، ما وضع كل المعتمدين على «كوفاكس» أمام مأزق شائك، وهنا ندرك أهمية إذا كانت الدولة قد تعاقدت مع الشركات مباشرة. هكذا رأينا دولًا ذات وضع اقتصادي أسوأ من مصر قد سبقتنا في وتيرة التلقيح. وعليه، فإنه يستوجب على الحكومة أن تبدأ مباشرةً في التفاوض مع الشركات بشكل متوازٍ مع انتظار دفعات «كوفاكس»
الأزمة في الهند تفرض علينا البدء سريعًا في التصنيع المحلي للقاحات المتفق عليها من الصين وروسيا، ورغم أن ذلك قد يحتاج إلى إطار زمني يصل إلى ستة أشهر، إلا أن إنتاج تلك اللقاحات لا يحتاج إلى تكنولوجيا عالية، ما يوفر مساحة لتقليص ذلك الإطار الزمني.
على الدولة أيضًا أن تمارس المشاركة المجتمعية فيما يتعلق بكل ظروف الوباء وانتشاره، هذه ليست أسرارًا عسكرية، والأزمة يعاني منها العالم بأسره. على الدولة نشر معلومات دقيقة عن حجم العدوى، وتفاصيل انتشارها، وعدد المسحات المجراة، وعدد اللقاحات المتوفرة، وعدد الذين تلقوا الجرعات، كل هذه مؤشرات هامة، وإغفالها يؤدي بالضرورة إلى سوء التقدير.
أخيرًا، على الدولة العودة لإجراءات الإغلاق الجزئي التي اتبعتها العام الماضي. منذ سنة كان هناك فرصة لخلق توازن بين النشاط الاقتصادي وإجراءات مواجهة الوباء، أما الآن ونحن أمام موجة جديدة وصلت إلى مراحل خطيرة، فلا يوجد مساحة للتمسك بموسم سياحي أو مراعاة مناسبات اجتماعية أو أعياد، من الضروري أن تعجل الدولة بتغيير أولوياتها مع كل ما يتطلبه الأمر.
آراء أخرى
المكتب الخاوي: ما خسرناه في العمل من المنزل
«ترجمة فصل من كتاب «عينٌ أنثروبولوجية: كيف للأنثربولوجيا أن تُفسِّر الأشغال والحياة»»
عن الخطاب البيئي
«ما زالت الحركة البيئية تقوم في أغلب صورها على مبدأ مركزية الإنسان»
الحماية الاجتماعية في تونس: نموذج لتهاوي دولة الرعاية
«يأتي هذا النص في إطار سلسلة من الجلسات تحت عنوان «الحماية الاجتماعية بعد التباعد الاجتماعي»»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد