تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

عن الخطاب البيئي 

محمد عبد الرؤوف
12 دقيقة قراءة
عن الخطاب البيئي 
Free picture (Global Warming Climate Change) from https://torange.biz/fx/global-warming-climate-change-210209

مع بداية وباء كوفيد-19، وإرغام البشر على البقاء في البيوت، انتشر خطاب بين المهتمين بحماية الطبيعة يرى أن للإغلاق جانب مشرق، كونه فرصة رائعة لكي تتعافى الطبيعة. انتشرت مشاهد لغزو -أو رجوع- الحيوانات البرية للأماكن العامة، وساد تفاؤل حيال انخفاض انبعاثات الكربون بسبب قلة النشاط الإنساني

ربما صدر هذا الصوت استجابةً إلى الضغط المستمر للنظر إلى الجانب المشرق من الأمور، والدفع للبقاء بشكل إيجابي في كل الأحوال والظروف، حتى في أثناء جائحة. عليك أن تتفائل، لأن هناك كائنات حية أخرى تشعر بمشاعر أفضل منا. لكن دفعني خطاب «حُبس الإنسان  وتتعافى الطبيعة» هذا إلى أن أمعن النظر في أسلوب عمل وصياغة خطاب الحركات البيئية، خصوصًا مع استمرار نموها وزيادة شعبية أجندتها السياسية. فما يظهر على السطح من وحدة وحماس ويقين الحركة البيئية، يخفي الكثير من الاختلافات العميقة بين أطرافها.

في أكتوبر 2014، أطلقت منظمة «حماية» الدولية للدفاع عن الطبيعة حملتها التوعوية «الطبيعة تتحدث» التي تضمنت مجموعة من مقاطع فيديو قصيرة، نسمع في كلٍ منها صوت أحد نجوم هوليوود ممثلًا لأحد عناصر الطبيعة. السماء والماء والتربة والجبال والمحيطات والشعاب المرجانية والجليد، يخبرونا نفس ما تخبرنا به الطبيعة الأم بصوت جوليا روبرتس «أنا لا أحتاجك، أنت الذي تحتاجني» تم استقبال الحملة باحتفاء كبير، واعتبر البعض أن تلك هي الرسالة التي يجب أن يفهمها الجميع، وأخيرًا قد قالها أحدنا.

أتوتر كلما شاهدت ذلك الفيديو، لا أفهم ماذا عليّ أن أفعل، إذا كانت الطبيعة لا تهتم بما أفعله، ربما عليّ الاسترخاء والاستمتاع إذن. الطبيعة لا تحتاج حمايتي. راودتني أفكار وشكوك كثيرة أثناء كتابة هذا النص، أخشى ألا أُحسب من محبي الطبيعة والمدافعين عنها، أنا بالفعل أعمل في هذا المجال، وقد جمعتُ البلاستيك من على الشاطئ، وبكيت وضحكت مع وعلى قطة وكلب ربيتهما، سبحت مع الأسماك، ولي صورة أثناء إنقاذ عصفور مهاجر من شِباك الصيد. حاولت التوقف عن أكل اللحوم واستخدام البلاستيك. أزرع الآن خضرواتي الأورجانيك، وأحاول أن أخفف بصمتي الكربونية. لكن في النهاية، لا أعرف من أنا ومن هي الطبيعة وما هو واجبي الأخلاقي تحديدًا تجاه ما نسميه طبيعة، ولا أفهم لماذا نُصطدم كثيرًا، ويضيع الحب وسط تمايزنا الأخلاقي واختلاف دوافعنا؟ أسمع ما في قلبي، وأذكّر نفسي أن من تحدثت في الفيديو لم تكن الطبيعة نفسها، بل جوليا روبرتس.

تختلف محاولات تأريخ الحركة البيئية من مصدر لآخر، لكن تتفق معظم السرديات على أن نشأة مسؤولية الإنسان عن «الحماية» وترشيد استهلاك الموارد تزامنت مع وعيه بالطبيعة نفسها، حيث أن العلاقة بين الإنسان والطبيعة مسألة أخلاقية في الأساس، يتم دراستها أكاديميًا ضمن تخصص الفلسفة البيئية، بعيدًا عن دراسة الأحياء والايكولوجيا.

رغم التقدم في علم الإيكولوجيا وتعدد وجهات النظر في حماية الطبيعة التي تدعو الإنسان للتواضع، وتؤكد على مبدأ كونه جزءًا من الطبيعة، يقوم كل تعريف للطبيعة على أنها «كل ما هو ليس إنسانًا» تجد ذلك حتى في أول تعريف يظهر على جوجل لكلمة طبيعة، المزود من قاموس أوكسفورد، تُعرف الطبيعة على أنها عكس الإنسان، وما هو «طبيعي» هو ما لم يتدخل فيه الإنسان. كأنه لغويًا لا يمكن تعريف الطبيعة دون نفي الإنسان. ينطبق ذلك على العديد من التعريفات التي وجدتها على مواقع مختلفة على الإنترنت العربي. 

مواجهًا لانتقادات عديدة، خصوصًا مع صعوبة تحديد لحظة البداية، أوشك الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية (IUGS) على الإعلان رسميًا أن «الأنثروبوسين» أو عصر الإنسان هو حقبة جيولوجية وايكولوجية جديدة نعيش فيها بالفعل. أجد هذا أمرًا مثيرًا للتأمل، أن تعلن فصيلة من الكائنات الحية من خلال علم من اختراعها (الجيولوجيا) أن كوكب الأرض يعيش في مرحلة باسمها، ويستدل على ذلك بعمق تأثير هذه الفصيلة على طبيعة هذا الكوكب. هذا خير بيان للفصل العميق بيننا وبين ما نسميه «الطبيعة» فالإنسان ليس طبيعة حدوث الأشياء، هو تحديدًا، عكس الطبيعة. كذلك حين نصف أمر أو شيء بأنه «طبيعي» أصبح من الصعب تحديد معنى ذلك. من الطبيعي أن يخبرك أحدهم أن الخضروات التي تأكلها من الحقل «طبيعية» كأن الزراعة هي أمر لا يقوم به الإنسان، كأننا لم نبذر البذور ونقلب التربة ونسقي الأرض، كأننا لم نقم بانتخاب أفضل الثمار والزهور، ولم نقتلع الحشائش والنباتات الغازية للحصول على أفضل نتيجة مما نزرع. لكن عجيب أيضًا أمر هذا الإنسان، إذا قام بتعديل تلك النباتات جينيًا في المعمل، مستخدمًا خواص «الطبيعة» المتمثلة في وحدوية لغة الحمض النووي بين كل الكائنات الحية، يطلق على ذلك النبات أنه معدل وراثيًا و«غير طبيعي» هناك أمثلة عديدة، ولا اتفاق محدد حول قدر التدخل الإنساني الذي يصبح عنده أي شيء طبيعي أو لا،  فقد تعني تلك الصفة كل شيء ولا شيء.  

في العصر الحديث تشكلت الحركة البيئية بشكلها الذي نعرفه بعيدًا عن جنوبنا، من خلال حركات اتخذت في جوهرها طابع سياسي، ويعتبر كثيرون ولاية الرئيس الأمريكي السادس والعشرين، ثيودور روزفلت، الذي كان يلقب برئيس «حماية الطبيعة» بداية انطلاق تلك الحركة. حيث توسع روزفلت في إنشاء المحميات الطبيعية، والتي تعتز الدولة الأمريكية كثيرًا بها، وتصفها أنها أفضل فكرة أمريكية، فعل ديمقراطي، أمريكي تمامًا، حيث يتم حفظ قطعة من الأرض بعيدًا عن التدخل الإنساني وعن نظام الملكية الفردية، لتبقى متاحة للجميع. منذ بداية القرن العشرين، تم التوسع في تحديد المحميات على مستوى العالم، وحددت اتفاقية صون التنوع البيولوجي هدفها في حماية 30% من كوكب الأرض (أرضًا وبحرًا) بحلول عام 2030، وهو ما تلتزم به الإدارة الأمريكية حاليًا تحت إدارة الرئيس الأمريكي السادس والأربعين، جو بايدن. 

بدأت، وما زالت الحركة البيئية تقوم في أغلب صورها على مبدأ مركزية الإنسان (Anthropocentric) حيث يُنظر للطبيعة من وجهة نظر نفعية استخدامية. تقدم الطبيعة خدمات متنوعة للإنسان، بعضها مادي ملموس وبعضها حسي وثقافي وعاطفي، ولذا علينا أن نحميها، لأن من حق الأجيال القادمة من البشر أن يتمتعوا بنفس القدر من «الخدمات» التي نحصل عليها، ومسؤوليتنا الأخلاقية تحتم علينا ألا نسمح بتدهور الطبيعة بشكل يؤثر على جودة حياة الأجيال القادمة. نحن مَن نحتاج الطبيعة، هي لا تحتاجنا. 

يمكنك أن تقيم نظامًا كاملًا من المبادئ والقواعد القانونية والأخلاقية لتنظيم العلاقة بين الطبيعة والإنسان بناء على مصلحة ومنفعة الإنسان. نُزيل المخلفات البلاستيكية لنعيش في بيئة نظيفة، وكي لا يتحول إلى ميكرو بلاستيك فتأكله الحيوانات التي نتغذى عليها. نحمي  التنوع البيولوجي وننقذ الكائنات المهددة بالانقراض، لأن تنوع جينات وفصائل الحيوانات والنباتات يحمي البشر من الأمراض، ويخلصنا من البكتيريا الضارة، ويساعدنا على التحكم في أعداد الحشرات. كذلك بالنسبة لأزمة الاحتباس الحراري وتغير المناخ ومسألة الحفاظ على القيمة الجمالية للطبيعة البرية، نعمل لمصلحتنا ولا نريد أن نحرم الأجيال القادمة مما نتمتع به من خدمات وفرص وتجارب روحية وجمالية. فلسفة نفعية بحتة. أحببت كيف يستخدم مستشار وزير البيئة للتنوع البيولوجي، مصطفى فودة،  المثل المصري «القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود» ملخصًا الهدف من حماية الطبيعة في كتابه «محمياتنا الطبيعية» 

مع تطور علم الاقتصاد والاعتماد شبه الكامل على التحليلات الاقتصادية في صنع القرار، نشأ خطاب يدعو إلى تقدير الخدمات التي تقدمها النظم البيئية ماديًا، وفي عام 1997 تم تقييم خدمات النظم البيئية إلى العالم بقيمة 33 تريليون دولار سنويًا. وهذا العام، استعدادًا لمؤتمر الأطراف لاتفاقية التنوع البيولوجي، وكَّلت الحكومة البريطانية العالم الاقتصادي، بارثا داسجوبتا، لتقييم الخدمات التي تقدمها لنا النظم البيئية اقتصاديًا، حيث يقدم نموذجًا اقتصاديًا لحساب خدمات النظم البيئية يشَّبه فيه الطبيعة بأنها حنفية تقدم لنا خدمات في وعاء يتجدد ببطء، وعلينا ترشيد استهلاكه حتى لا ينفد. 

عادة ما تصطدم وجهة نظر مركزية الإنسان، أو حنفية الطبيعة، مع وجهة نظر أخرى تقوم على المركزية الحيوية (Biocentric) ترى أن للكائنات الحية قيمة في حد ذاتها بغض النظر عن استخدام الإنسان لها، أن لكل الكائنات الحية قيمة جوهرية «Intrinsic» وعلينا أن نقدرها لذاتها، لأن لكل كائن مصلحته الخاصة التي يسعى إلى تحقيقها. على سبيل المثال، تقوم على وجهة النظر تلك حركات ترى أنه ليس من حق الإنسان أن يتسبب في ألم أو معاناة أي كائن حي، حيث تقوم تلك النظرية بتقسيم الطبيعة، ليس على أساس المنفعة بالنسبة للإنسان، ولكن على أساس القدرة على الإحساس (الحسية) أي كائن حي نرى أنه يشعر، ويعبر عن ذلك الشعور، فهو جدير بالحماية. معيار آخر تتبعه تلك النظرية في تحديد حق الحماية، هو الندرة، فالكائنات الحية الأندر على الأرض أحق بالحماية من الأكثر انتشارًا، لأنه ليس من حقنا كبشر أن نتسبب في فناء أي نوع آخر من الكائنات. 

وجهة النظر الثالثة والأحدث لتنظيم العلاقة الأخلاقية بين البشر والطبيعة، هي المركزية الايكولوجية أو مركزية النظم البيئية Ecocentrism والتي ينتهجها «أصحاب الكرافتات الشيك» المترفعون عن أنانية وجهة نظر مركزية الإنسان وعن رومانسية المركزية الحيوية، المتسلحين بالايكولوجيا، داعين إلى حماية التوازن في النظم البيئية. الهدف الأسمى من الحماية بالنسبة لهم هو حماية دائرة الحياة والتوازن في النظام البيئي.   

تشتبك وجهات النظر تلك مع وجهة نظر مركزية الإنسان، وتعجز نظرية المركزية الحيوية عن تحديد موقفها من أحد أهم مهددات التوازن البيئي في العالم وهي الكائنات الغازية، وتصطدم في ذلك بعنف مع الداعين لمركزية ايكولوجية. أذكر مثلًا، شكوى أحد الباحثين بمحمية وادي دجلة من زوار المحمية الذين يحضروا كلابهم ، والتي تحدث خللًا بيئيًا ضخمًا بطرد الكائنات الأصيلة التي تعيش في المحمية.    

من الناحية الأخرى، لا تستطيع نظرية مركزية النظم البيئية تحديد النظام الفاصل بين النظم البيئية المختلفة، لأن انهيار نظام بيئي يعني قيام نظام بيئي آخر، فيصعب تحديد أي نظام بيئي علينا أن نحميه. لذا، ما يحدث في الواقع ليس تطبيقًا لوجهة نظر واحدة، لكن خليطًا من أفكار ودوافع مختلفة. بعض المشروعات البيئية تقوم مثلًا للعمل على الحد من خطر محدد مثل التصحر أو تغير المناخ، أو نشاط إنساني يهدد أحد الكائنات أو موائلها، مثل الصيد الجائر أو استخدام المبيدات الزراعية، أو مشروعات قائمة لحماية فصيلة من الكائنات المهددة بالانقراض -لا سيما الأيقوني منها- مثل الرخمة المصرية والسلاحف البحرية ودب الباندا. يسير التمويل بين تلك المشروعات حسب استراتيجية أو هوى الممول وأولوياته في الحماية. 

نشرت مجلة نيتشر دراسة في أغسطس 2020، أوضحت أنه بالرغم من أن جهود حماية دب الباندا في الصين تعد أحد أهم قصص نجاح نشاط حماية الطبيعة والحركات البيئية المهتمة بحماية التنوع البيولوجي، فقد تأثرت فصائل أخرى من الثدييات الكبيرة التي تعيش في المحميات التي يعيش فيها الباندا في الصين من أثر نشاط حمايته، مثل النمور (Panthera pardus) والتي قلت أعدادها بنسبة 81%، ونمور الثلوج (Panthera uncia) والتي قلت أعدادها بنسبة 38%، والذئاب (Canis lupus) والتي قلت أعدادها بنسبة 77%، والكلاب البرية (Cuon alpinus) التي قلت أعدادها بنسبة 95%. تشير الدراسة أنه ربما السبب في ذلك هو استمرار عمليات الصيد المخالف لتلك الحيوانات مع التراخي في حمايتها، بينما تنصب معظم الجهود تجاه حماية الباندا. دعت الدراسة إلى اتباع نهج حماية أكثر تكاملًا للحفاظ على جميع الكائنات الحية المهددة في تلك البيئات.      

إذا سألت أي ناشط/ة أو مجموعة أو مبادرة أو مؤسسة بيئية: لماذا يقومون بحماية ما يحمونه من الطبيعة؟ ستحصل على إجابات مختلفة ومتنوعة جدًا. سيقول أحدهم أنه يزيل البلاستيك ليحمي البيئة من التلوث ليعيش في مكان نظيف أو لأنه رأى سلحفاة تعاني من الشاليموه، أو لأنه يحب أن يقوم بشيء إيجابي لذيذ مع أصدقائه. سيجيب آخر عن سبب حمايته للسلاحف البحرية أن عددها قليل ومهددة بالإنقراض، أو لأنه ببساطة يحبهم.

سيجيب حامي للطبيعة (أنا) عن سبب حمايته للطيور المهاجرة وعدم حماية الفراخ، بأن الفراخ ليست طيورًا برية ولا نادرة، بل حيوان دجنه الإنسان، أو أن الدعوة لحماية الطيور أقل خطرًا من الدعوة لحماية حقوق -أستغفر الله- الإنسان. أو في لحظات سيطرة شكوكي على نفسي وطغيان أزمتي الوجودية، يكون السبب الوحيد لقيامي بهذه الوظيفة هو وجود تمويل مناسب لحماية تلك الطيور، يُدفع منه راتبي. 

سيجيب موظف/ة أكثر احترافية أنه يعمل طبقًا لخطة علمية أعدتها اتفاقية الأطراف بشأن تغير المناخ لخفض انبعاثات الكربون حتى لا تزيد درجة الحرارة بمعدل أكثر من 1.5 درجة مئوية. ربما تجيب ناشطة مخلصة تهتم بالحيوانات، أنها تفعل ما تقوم به لأن الحيوانات مثلنا، تشعر وتتألم ولا يحق لنا أن نتسبب في ذلك الألم. نعرف أن الألم مؤلم، وهذا يكفي كإجابة على كل شيء. إجابة أخرى أحبها، هي أن استمرار النظم الاقتصادية والنمط الاستهلاكي الحالي سيتسبب في هلاكنا وخراب الأرض، الحركة البيئية هي أقوى مناهض حاليًا للرأسمالية، وهذا، في رأيي، سبب رائع للانضمام إليها. 

 

في المرحلة الابتدائية، وفي أحد أوائل دروس الأحياء، درسنا أن الفيروسات هي الخط الفاصل بين الكائنات الحية واللا حية، حيث تتصرف الفيروسات ككائن حي حين تجد عائل يسمح لها بالتكاثر، وتتصرف كجماد حين تكون خارج هذا العائل، ويمكنها البقاء في هذا الوضع (الجماد) لملايين السنين حتى تجد العائل المناسب فتعود لتصبح كائن حي. ربما يرى أحدنا أنه حسب اتفاقية التنوع البيولوجي، علينا الحفاظ على الفيروس مثله مثل أي كائن حي آخر وإنقاذه من الفناء، بينما يرى معظمنا أنه كائن غازي قاتل يهدد البشرية وعلينا القضاء عليه.

أثناء الاعتداء الأخير على الأراضي الفلسطينية، استهجن كثيرون موقف أحد رموز حماية الكوكب، جريتا ثورنبيرج، تجاه القضية الفلسطينية. كان يتوقع منها البعض موقفًا أكثر وضوحًا وحدة مثل مواقفها تجاه قضية تغير المناخ. 

توافقت مشاعري وضحكت مع المستخدم الساخر من جريتا، فهناك صورة نمطية عامة أن من يهتمون بالطبيعة والكوكب هم أشخاص جيدون، ومحبون، دائمًا على صواب، أنهم لا يهتمون فقط بمشاعر وحياة البشر بل تمتد مشاعرهم وحبهم إلى ما هو غير البشر من كائنات حية. تشعر أحيانًا أنهم يحبون كل شيء إلا أنت. 

انتشر عام 2019 فيديو لسيدة إنجليزية تصرخ في وجه بائع دجاج في المغرب، حيث تصفه بعدم الإنسانية لوضعه الفراخ في قفص. عندما رأيت ذلك الفيديو، لم أستغرب، لأنني أعلم أن الخطاب البيئي يحمل بداخله في أحيان كثيرة خطابًا طبقيًا استعلائي لو افترضت سوء النية، أو جهل شديد بالامتيازات الشخصية لو افترضت حسنها. الخطاب البيئي مثله مثل أي تفاعل اجتماعي، ساحة واسعة للصدام والصراع بين الطبقات، وبين الشمال والجنوب، تظهر فيه كل أشكال اللامساواة وأمراضها. 

«لم أحرم الماشية من عشبها

 لم أصنع الفخاخ لعصافير الآلهة

 لم أصطد أسماكًا من بحيراتها

يا مبتلع الأحشاء، المنتسب إلى مكان الآلهة (الثلاثين)، أنا لم أحتكر البذور»

مقتطع من «كتاب الموتى»

***

هربًا من الشعور بالذنب واغترابي المستمر، لا أرى بداية حماية الطبيعة من «الربيع الصامت» ولا من خلال أسفار فون هومبولت، بل أعود إلى «فجر الضمير» وما اعتبره جيمس بريستيد «الانتقال العظيم» للإنسان وبداية ما نسميه الحضارة. أحب العودة إلى تلك اللحظة، حين توقفنا عن النظر إلى الإنسان من عدسة الجيولوجيا وبداية التاريخ الإنساني، ما ربطه بريستيد بشروق الأخلاق على المجتمع الذي روض فيضان النهر وأنشأ حوله أول دولة وأول خطوات ما نعيش فيه اليوم. تبدأ حماية الإنسان للطبيعة مع بداية الحضارة نفسها، وتريحني حقيقة أن توتر مشاعري بشأن الطبيعة وموقفي الأخلاقي تجاهها هي مسألة أرَّقت المصريين القدماء أيضًا. أرتاح بشكل عام في العودة إلى الماضي، بينما أستمع اليوم إلى ما يقوله لي الخطاب البيئي، وأخاف من المستقبل.    

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).