تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الحماية الاجتماعية في تونس: نموذج لتهاوي دولة الرعاية

محمد جويلي
5 دقيقة قراءة
الحماية الاجتماعية في تونس: نموذج لتهاوي دولة الرعاية

يأتي هذا النص في إطار سلسلة من الجلسات تحت عنوان «الحماية الاجتماعية بعد التباعد الاجتماعي» والتي ينظمها الملتقى العربي للحماية الاجتماعية من «كوفيد 19». وتطرقت الجلسة الأولى لنشأة وتطور مفهوم الحماية الاجتماعية في العالم العربي.

دولة الرعاية، دولة الحماية الاجتماعية، وغيرها من التسميات، تكشف عن هوية الدولة وعن توجهاتها الاجتماعية في التعامل مع مواطنيها، وفي شرعنة وجودها السياسي. منظومة الرعاية الاجتماعية هي مسألة سياسية بالدرجة الأولى، لأنها العنصر الأبرز في فكرة العقد الاجتماعي الذي تبنيه الدولة مع مواطنيها. نموذج الحماية الاجتماعية هو نموذج لمحاصرة المخاطر والسيطرة عليها قدر الإمكان، وإحداث التوازنات المطلوبة والضرورية كي يمتدّ هذا العقد الاجتماعي وينال رضاء المواطنين. 

كل منظومة للرعاية الاجتماعية هي منظومة شاملة، تهمّ الجميع دون استثناء، أي أنها تُعنى بكل المواطنين في مواجهة كل أصناف المخاطر. ولكن، يمكن داخل هذه المنظومة، التي تريد أن تكون شاملة، أن يقع الاهتمام بفئات بعينها دون أخرى، كما يتمّ توجيه العناية إلى الفقراء والمهمشين. ويدرك الجميع في هذه الحالة أن كل تنمية اقتصادية، وكل نمو في الثروة، هو من أجل الحدّ من الفقر ومن الفقراء. ولهذا نجد الدولة التونسية ضمن منظومتها للحماية الاجتماعية تضع مسألة مقاومة الفقر من ضمن توجهاتها الكبرى، وتحت مسمّيات مختلفة. مقاومة البطالة، برامج المساكن الشعبية، برامج إزالة الأكواخ، وغيرها التي تُظهر رغبة الدولة في إزاحة كل الشوائب التي تُبرز المفارقة بين الخطاب السياسي للدولة وبين واقع هؤلاء الفقراء والمحتاجين.

تصبح منظومة الحماية الاجتماعية في هذه الحالة جزءًا من أدوات الهيمنة الرمزية والسياسية للدولة. وتلعب منظومة الحماية الاجتماعية دورها في المراقبة السياسية، وفي بناء السِلم الاجتماعي. وقد خضعت تفاصيل منظومة الرعاية الاجتماعية إلى التوازنات السياسية المحلية عند تطبيقها. ويراها الناس جزءًا من الغنائم التي توزعها الدولة على رعاياها. ولهذا شابت هذه المنظومة، وخاصة في جانبها المتصل بمقاومة الفقر، إلى الكثير من المحسوبية المحلية، وإلى شبكة العلاقات ورهاناتها الاجتماعية. وفي الطرف المقابل، تعامل الناس مع هذه المنظومة من خلال ثغراتها العديدة، ومنها ثغرة المحسوبية، ما جعل أشخاصًا غير معنيين بالمساعدة التي تقدمها الدولة متصدرين لقوائم الفقراء. 

وفي أزمة كوفيد 19، أرادت الدولة التونسية أن تضبط الأشخاص الذين يحتاجون إلى تدخلها، فوجدت صعوبات كبيرة في تحديد من هم فعلًا في حاجة إلى المساعدة. تأتي الصعوبة من غياب تطور آليات المراقبة والمساءلة المجتمعية التي تمارسها العديد من جمعيات المجتمع المدني. الصعوبات هذه تدلل على أزمة أنظمة الحماية الاجتماعية داخل الدولة اليوم.  

تُعتبر تونس من الدول القديمة في المنطقة العربية في اعتماد منظومة للحماية الاجتماعية. يعود ذلك إلى سنة 1898، حين أدخل الاستعمار الفرنسي هذه المنظومة لحماية رعاياه من الفرنسيين والأجانب المستقرين في تونس آنذاك، وتم استثناء التونسيين عمومًا من مزايا هذه المنظومة. لكن دولة الاستقلال استعادت هذه المنظومة بتجربتها الثرية وبنصوصها القانونية وبتفاصيلها التقنية وطبقتها على الفئات المهنية، التي أجبرتهم على المساهمة في الصناديق الاجتماعية التي وُضعت للغرض. وقد نجحت الدولة التونسية إلى حدّ كبير في وضع الجميع داخل هذه المنظومة. ففي 2004 مثلًا، بلغت نسبة التغطية القانونية 87.4%، ونسبة تغطية القوى العاملة النشطة 76.9%. وهذه أرقام دالة على حرص الدولة التونسية على أن يكون دورها في الحماية الاجتماعية كبيرًا، وهو ما يساعدها على إدامة أحد أهمّ عناصر العقد الاجتماعي. 

وقد ساهمت الحركة النقابية في تمكين التونسيين من منظومة حماية اجتماعية عادلة على وجه العموم. من المسائل التي جعلت العقد الاجتماعي في تونس قويًا إلى حدّ ما، هو المؤسسة النقابية التي لها تجربة قوية في هذا المجال. هناك دومًا حالة توازن قائمة بين الدولة وبين المؤسسة النقابية من أجل ضمان حقوق العاملين في القطاعين العام والخاص. وأفرزت الوضعية تفاهمات بين الطرفين يتمّ بمقتضاها مراجعة مسألة الحماية الاجتماعية كل ثلاث سنوات. كان ذلك خلال تسعينيات القرن الماضي والعشر سنوات الأولى من الألفية الجديدة.

ولكن التحولات العالمية الكبرى في الاقتصاد والمجتمع جعلت الكثير من الدول، ومن بينها تونس، تتراجع عن دورها في الرعاية والحماية الاجتماعية. ربما نكون قد دخلنا في نموذج دولة الحدّ الأدنى، التي تسعى إلى التخلص من مهامها التقليدية لصالح فاعلين آخرين. صناديق الحماية الاجتماعية، وهي صناديق تحت إشراف الدولة، تتجه نحو صعوبات مالية كبيرة تهدّدها بالإفلاس. وإلى الآن تعتبر الدولة التونسية غير قادرة على حل هذه المعضلة، وهي نتاج سنوات من البيروقراطية وغياب الحوكمة الرشيدة. لقد مثلت هذه الصناديق الاجتماعية طيلة سنوات عديدة أحد أهم المنافذ التي يقع الاتجاه نحوها عند كل أزمة سيولة مالية. ونضيف إليها المسألة الديموغرافية التي جعلت تونس في اتجاه واضح نحو الشيخوخة، وانخفاض أعداد المقيدين في القطاعين العام والخاص، وهو شيء مرتبط بارتفاع نسب البطالة والانكماش الاقتصادي الكبير طيلة العشرية الحالية. 

وفي مقابل هذا التاريخ وهذه التحولات، تُطرح مسائل عديدة عندما يقع التفكير في منظومة الحماية الاجتماعية، من بينها التحولات المجتمعية الكبيرة الطارئة، والتي تمسّ أيضًا مفهوم الحماية الاجتماعية في ظلّ بروز واضح لمجتمع الأفراد. إذ لم تعُد المجتمعات كما كانت في السابق خلال القرن الماضي، مثلًا مجتمعات تبحث عن الإدماج الاجتماعي عبر مؤسسات الدولة وعبر مؤسسات التنشئة والمرافقة الاجتماعية. هذه المؤسسات التي توفّر كل أنواع الحماية الاجتماعية هي في حالة تهاوٍ وضمور، وأسباب ذلك عديدة، منها ما يتصل بالحوكمة وسوء الإدارة، ومنها ما يتصل بقدرة هذه المؤسسات على متابعة التحولات المجتمعية. إذ هي مؤسسات تلبي طلبات قديمة، وهي غير قادرة على خلق ديناميكية جديدة داخلها. 

والسؤال المطروح الآن هو: ما هي وضعية الفرد داخل منظومات الحماية الاجتماعية؟ هل سنبقى أسرى منظومات الفئات المهنية؟ وما هي وضعية الأقليات الدينية والإثنية.. وغيرها، والمُهجرين، والذين لا جنسية لهم ولا وثائق إقامة لهم في بلد ما؟ 

كل هذه الأسئلة جديرة بأن تُطرح، لأن مضمون الرعاية الاجتماعية الجديد لم يعد يقتصر كما كان في السابق على الرعاية الكلاسيكية، الصحية منها والتعليمية على أهميتها. الرعاية الاجتماعية الآن قد تكون متصلة بالوضع البيئي مثلًا، وبكل ما يتصل بجودة الحياة. ويمكن إضافة الحقوق الثقافية في أبعادها المختلفة، والتي تتطلب هي الأخرى نوعًا من الحماية الاجتماعية. 

كل هذه الأسئلة وغيرها قد تفتح لنا آفاقًا واسعة لمزيد من التفكير في مسائل الحماية الاجتماعية ومنظوماتها المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار مستوى التحولات التي نعيشها خلال أزمة كوفيد -19 وبعدها. و نعتقد أن ما سيُطرح علينا بعد تجاوزنا لهذه الأزمة الصحية العالمية من تساؤلات حول الوجود الإنساني، أكبر وأعمق بكثير مما نعيشه اليوم. ولعلّ ما هو أكيد أن أزمة كوفيد-19 قد كشفت مدى ضعف وتهاوي منظومات الحماية الاجتماعية في أغلب البلدان، مهما كانت درجات تقدّمها.  

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
محمد عبد الرؤوف

عن الخطاب البيئي 

«ما زالت الحركة البيئية تقوم في أغلب صورها على مبدأ مركزية الإنسان»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).