في انتظار المستهلك
يتحدث المحللون هذا العام باهتمام عن أحوال الناس المعيشية، ويتساءلون وسط أرقامهم الصماء ومؤشراتهم الصاعدة والهابطة عن قدرة الأسر على الإنفاق لتلبية احتياجاتها المختلفة.
هذه ليست نزعة يسارية جديدة في عالم التحليل الاقتصادي، ولكنه واقع فرضته ظروف السنوات الأخيرة، ففي أجواء التباطؤ الاقتصادي التي فرضها وباء كورونا، تزداد قيمة الجنيهات المتواضعة القابعة في محافظنا، وتصبح قراراتنا بشراء سلعة أو خدمة أكثر تأثيرًا في مؤشرات الاقتصاد الكبيرة.
لماذا زادت أهمية الاستهلاك العائلي؟
الناتج الإجمالي الذي ننشغل في كل عام بما جرى له باعتباره أشهر المؤشرات عن أحوال الاقتصاد، هو حصيلة جمع عدد من أوجه الإنفاق المختلفة التي تجري داخل المجتمع، منها الإنفاقين الحكومي والاستثماري وصافي المعاملات في التجارة الخارجية، وأخيرًا نفقاتنا الشخصية التي تأتي ضمن ما يعرف بـ«الاستهلاك العائلي».
نمو عناصر هذا الناتج في كل عام مسألة مهمة لأنه يعطينا مؤشرًا على دوران عناصر الحياة الاقتصادية بشكل صحي، الشركات تخلق الوظائف، والوظائف تجلب الأجور، والأجور تساعدنا على الاستهلاك الذي يحقق الأرباح للشركات ويحفزها على الاستثمار مجددًا.. وهكذا.
إذا تباطئ عنصر من العناصر السابقة يدخل الاقتصاد في حالة من الركود، لذا يهتم الاقتصاديون بدراسة مكونات النمو الاقتصادي، لمراقبة كل الأطراف المساهمة في خلق هذا الناتج ومساعدة أي واحد منهم يعاني من الإعياء على التعافي.
في الحالة المصرية، عاشت البلاد في انتعاشة اقتصادية خلال السنوات التالية لما يُعرف بـ«برنامج الإصلاح الاقتصادي» والذي بدأ بتحرير أسعار الطاقة وتطور إلى سياسات لتعويم الجنيه وزيادة ضرائب الاستهلاك تحت رعاية قرض صندوق النقد في 2016، ولم تنكسر حدة هذا النمو إلا خلال أزمة وباء كورونا.
خلال نفس الفترة كان الاستهلاك الخاص يمرّ بتطورات مُلفتة للنظر، في محاولة لإبراز هذه التطورات رسمت الشكل التالي من واقع بيانات وزارة التخطيط، بحيث يحتوى على لونين، الوردي وهو يعبر عن نمو ما ننفقه على الاستهلاك، والأزرق الذي يعبّر عن نمو الاقتصاد بأكمله.
وكما يتضح من الرسم فإن الاستهلاك تلقى ضربات عنيفة خلال الفترة التالية للتعويم. لكن الاقتصاد في مجمله كان قادرًا على تجاوز ضعف الإنفاق الاستهلاكي والنمو بشكل جيد في ظل نشاط نسبي لحركة الاستثمار.
وخلال العام المالي الذي شهد بداية تفشي وباء كورونا، دخلت الاستثمارات في حالة من الانكماش (تراجعت قيمتها من 693 مليار جنيه إلى 548 مليار)، وتباطئ الاقتصاد في مجمله، لكن كما يتضح من (الشكل التالي) كان المؤشر الوردي صاعدًا بقوة.
لماذا زاد استهلاكنا؟
هناك العديد من العوامل التي ساهمت في عودة الروح إلى الاستهلاك خلال الفترة الأخيرة، فمن جهة تراجعت وتيرة التضخم الذي أنتجه التعويم منذ 2018 وهو ما دعا الكثيرين للتفكير مجددًا في تنفيذ رغباتهم الاستهلاكية المؤجلة.
من جهة أخرى اتجه البنك المركزي لتخفيض الفائدة بوتيرة أسرع منذ 2019، مما قلّل من الحافز على حبس المدخرات في شهادات الاستثمار، وشجع على توجيهها لشراء السلع، سواء لتلبية رغبة استهلاكية آنية أو لاستخدامها كمخزن للقيمة، مثل العقارات والسيارات.. الخ.
وكان البنك المركزي اتجه لرفع أسعار الفائدة بصورة استثنائية بعد التعويم، للحد من فرص زيادة التضخم، وهو ما شجع البنوك على طرح شهادات للاستثمار بأسعار عائد مجزية للغاية، مما دفع الكثير من المواطنين لادخار أموالهم في هذه الشهادات بدلًا من إنفاقها على الاستهلاك.
وهناك أيضًا علاقة مباشرة بين وباء كورونا والإنفاق الاستهلاكي، فقد ساهمت أجواء حظر التجوال الذي بدأ في أبريل في زيادة إقبالنا على شراء الأغذية سواء بغرض تخزينها أو بسبب الرغبة في كسر الملل بالأكل، لا يوجد تفسير يجزم أي من السببين هو الذي شجع على ذلك ولكن التقرير السنوي الأخير لوحدة بحوث بلتون يؤكد أن هذا النوع من الإنفاق زاد بشكل واضح خلال الربع الأخير من العام المالي الماضي (أبريل-يونيو 2020).
وعلينا أن لا ننسى أيضًا أن كورونا أدخلت سلعًا جديدة ضمن أولويات استهلاكنا مثل الكمامات والكحول، وهو ما ظهرت آثاره في استطلاعات الرأي التي أجراها جهاز الإحصاء عن أحوال المستهلكين.
وأخيرًا، هناك مَن يرى أن حزمة السياسات المالية التي طبقتها الحكومة بعد الوباء ساندت قدرة الأسر على الاستهلاك، سواء فيما يتعلق بزيادات الأجور الحكومية والمعاشات، أو المنحة الاستثنائية التي قدمتها وزارة القوى العاملة لفئات من العمالة رأت الحكومة أنها تستحق للدعم في مواجهة تلك الأزمة.
هل زاد استهلاكنا فعلًا؟
البعض ممَن يقرأون هذا التحليل قد يرون أنه لا يقدم وصفًا دقيقًا لأحوالهم الشخصية، إذ أن حالة التقشف التي فرضوها على أنفسهم منذ التعويم لم تتغيّر حتى الآن. إذا كنتَ مَن هؤلاء فأنت لست من الطبقة المُستهلكة في زمن الكورونا.
في تقريرها السنوي الأخير، سعت وحدة بحوث فاروس لأن تقدم تحليلًا مفصلًا عن ميول المستهلكين طبقًا لمستوى دخولهم، مستعينة ببيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الذي يصدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وكما يظهر من الشكل التالي، فإن الشريحة الأعلى دخلًا تستحوذ على ربع استهلاك الأسر، مما يجعلهم قوة محركة للاقتصاد الاستهلاكي في المجتمع.
تحت هذه النخبة، هناك طبقات أقل دخلًا وأقل قدرة على الاستهلاك، وقد زادت الضغوط عليها مع سياسات تحرير الأسعار خلال السنوات الماضية، ربما هذا ما يدعو فاروس للحديث عن أن هناك حاجة لأن تتحول سياسات الدولة إلى «المزيد من النمو الشامل الذي يحسن من مستويات المعيشة».
وإذا ألقينا نظرة سريعة على البحثين اللذين أصدرهما جهاز الإحصاء عن تداعيات كورونا على الأسر المصرية، سنجد أنه يتحدث عن ميل واضح للتقشف في أوساط الأسر الأقل دخلًا. لم تعش كل الأسر في رفاهية التخمة الاستهلاكية خلال أيام الحظر كما كان يبدو الأمر في إعلانات التلفزيون.
قام الجهاز في يونيو الماضي بنشر بحث، أظهر أن 26.2% من العينة التي استطلع أحوالها عانت من التعطل، وأن ارتفاع الأسعار مع انخفاض الدخول دفع العديد من الأسر لتغيير عاداتها الاستهلاكية.
وفي أكتوبر الماضي، نشر الجهاز بحثًا آخرًا شمل مقارنة بين أحوال الأسر على مدى زمني أطول خلال أزمة كورونا، وأظهرت البيانات المُحدَّثة أن هناك تحسنًا نسبيًا في أحوال العمل، على الأرجح بسبب تخفيف الإجراءات الاحترازية، لكن ظل الأثر السلبي قائمًا بشكل أكبر على مَن هم أقل دخلَا. كما قلت حدة التقشف في استهلاك الأغذية، لكن الميل لتقليل استهلاك اللحوم والطيور والأسماك ظل قائمًا.
الرسم والتعليق من تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر في أكتوبر 2020
ويُضاف إلى الأعباء التي خلقتها كورونا، آثار الجراح القديمة من موقعة التعويم 2016، إذ لا تتوافر لدينا البيانات الكافية لمعرفة إذا كانت الأجور قد ارتفعت بما يُعادل زيادات الأسعار الأخيرة، وتقول وحدة بحوث هيرميس في تحليلها عن الفترة الأخيرة إن «الاتجاهات الاستهلاكية في مصر لم تتعاف بشكل كاف من الصدمة التي تلقتها بسبب تعويم 2016 (حيث شهدت العديد من المنتجات زيادات في أسعارها بين 50 إلى 100%) وكانت الأجور والرواتب [تحاول] اللحاق [بالأسعار] ببطء».
اقترض ثم استهلك
حسنًا.. ما هي إذًا الصورة الكلية لأحوال المستهلكين هذه الأيام؟ هل تعاني الأُسر من ضغوط سنوات التعويم والإصلاح والكورونا وتجد بالكاد ما يكفيها، أم أنها مندفعة للاستهلاك في ظل انخفاض التضخم وأسعار الفائدة؟
الواقع أننا في بلد الـ100 مليون مواطن، ومن الطبيعي أن تتفاوت أحوالنا، ما بين أسر تكافح للعيش وأخرى غارقة في نهم الاستهلاك.
وفي الوقت الذي نتحدث فيه عن أسر تدبر في استهلاك اللحوم والفواكه، هناك تقارير عن حالة من التعافي في مبيعات العقارات، ومن المتوقع ارتفاع أسعار العقارات في العاصمة الإدارية الجديدة بنحو 20%، وكذلك زادت مبيعات السيارات بـ32% في 2020.
لكن حصيلة التوقعات بشأن أحوال الفقراء والطبقة الوسطى والأغنياء في بلادنا تذهب إلى أن الاستهلاك في مجمله لن ينمو هذا العام بنفس وتيرة العام السابق، وتقول بحوث بلتون في هذا السياق إنها تتوقع نمط إنفاق أكثر ترشيدًا في 2021 حيث ينعكس تعليق الأنشطة وانخفاض الاستثمار على مستويات الدخول، بحيث يتمّ التركيز على الأساسيات بما يؤثر على العديد من أنشطة البيزنس خاصة الترفيهية وتجارة التجزئة.
ربما يساهم ذلك في زيادة أهمية التمويل الاستهلاكي، كأحد العوامل الدافعة لمساندة المستهلكين خاصة في أوقات عدم استقرار مصادر الدخل.
وكان البنك المركزي حاول في نهاية 2019 أن ينشط حركة الإقراض الاستهلاكي من خلال زيادة عبء الدين المسموح به، debt burden ratio، في بعض أنواع القروض من 35% من الدخل إلى 50%.
لكن الصحافة تحدثت في 2020 عن أن تداعيات كورونا على مستويات دخول الموظفين أحبطت فرص التوسع في الإقراض الاستهلاكي.
إلا أن بيانات البنك المركزي عن رصيد القروض المقدمة للأفراد بالعملة المحلية تعكس نشاطًا واضحًا في مواجهة إحباطات كورونا، فقد ارتفع هذا الرصيد من نحو 374 مليار جنيه في ديسمبر 2019 إلى نحو 475 مليار جنيه في سبتمبر 2020. ليحافظ على نفس وتيرة النمو التي حققها خلال العام السابق تقريبًا*.
وقد تزامن مع بدء تفشي وباء كورونا في مارس الماضي، صدور القانون 18 لسنة 2020 والذي استهدف إعادة تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي خارج القطاع المصرفي، وقالت هيئة الرقابة المالية إن القانون الجديد سيعزز القدرة الشرائية للمواطنين. ولا يتوافر حصر بحجم عمليات التمويل التي يستطيع هذا القطاع القيام بها، لكن من المرجح أن يساهم هذا القطاع في تحريك حركة الشراء.
هذا بجانب مبادرة البنك المركزي التي أُعلن عنها قبل أيام لتوفير تمويل ميسر لشراء العقارات، والموجهة للفئات محدودة ومتوسطة الدخل وفقًا لتعريف البنك المركزي، وهي امتداد لسلسلة من السياسات الداعمة لهذا التمويل منذ 2014 بدأت بـ10 مليارات جنيه ووصلت إلى 100 مليار في المبادرة الأخيرة.
ومع تقدير أهمية تيسير أدوات التمويل الاستهلاكي، تظل أحوال الرواتب والدخول عاملًا أساسيًا في تحديد مصير قدرة الاقتصاد على الاستهلاك، واستقرار الوظائف هو الذي يعطي الأسر الثقة في شراء السلع ذات التكلفة المرتفعة، وزيادة الأجور مع التضخم هو الذي يمكنها من الاقتراض للاستهلاك.
للأسف تغيب عننا الكثير من البيانات حول مستويات الأجور في القطاع الخاص في الوقت الراهن وهو ما يزيد من أهمية ما تحدثت عنه تقارير صحفية مؤخرًا بشأن اتجاه المجلس القومي للأجور لبحث الحد الأدنى لأجور القطاع الخاص، خاصة وأن رفع الأجور الدنيا قد يُسهم في تحسن تدريجي للمستويات الأجرية الأعلى.
باختصار، فإن أزمات مثل كورونا تبرز بشكل أكثر وضوحًا أهمية تحسين مستويات معيشة المواطنين لضمان نمو اقتصادي أكثر استدامة. ويذكرنا حديث المحللين عن ضغوط معيشة الأفراد وعدم ملاحقة الأجور لصدمة التعويم أو انخفاضها بسبب صدمة كورونا بأهمية سياسات العمل من منطلق اقتصادي، وليس اجتماعي فقط، وتحديدًا بضرورة تبني سياسة أكثر شمولًا للحد الأدنى لأجور القطاع الخاص وحماية حق العاملين في التفاوض على قيمة أجورهم في مقابل أصحاب العمل.
*جزء من نمو 2020 كان متأثرًا بمبادرة البنك المركزي في 2020 بالسماح بتأجيل سداد قروض الأفراد.
آراء أخرى
المكتب الخاوي: ما خسرناه في العمل من المنزل
«ترجمة فصل من كتاب «عينٌ أنثروبولوجية: كيف للأنثربولوجيا أن تُفسِّر الأشغال والحياة»»
عن الخطاب البيئي
«ما زالت الحركة البيئية تقوم في أغلب صورها على مبدأ مركزية الإنسان»
قراءة في سياسات التلقيح ضد «كورونا»
«يأتي هذا النص في إطار سلسلة من الجلسات تحت عنوان «الحماية الاجتماعية بعد التباعد الاجتماعي»»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن




لا توجد تعليقات بعد