فلسطين في خطاب المدعي العام للجنائية الدولية: قراءة من الجنوب
انتهى في يوم 23 أغسطس الماضي أحد فصول محاولات دول غربية تعطيل سير العدالة الجنائية الدولية بسبب مساس الأمر بمصالح إسرائيل. كان مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية تقدم في مايو الماضي بطلب بأن تصدر المحكمة مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين وفلسطينيين. بعدها، قامت دول منها بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة والمجر بمحاولة التحايل على الإجراءات الاعتيادية للمحكمة، بهدف تعطيل إصدار مذكرات التوقيف بحق الإسرائيليين حصرًا. اتسمت مذكرات هذه الدول للمحكمة وفحواها من ححج قانونية بالضعف الشديد، مما سهل في المقابل تدفق مذكرات على المحكمة، تقدمت بها عشرات الدول والمنظمات الأكاديميين المرموقين، تفنِّد ادعاءات وتبريرات المنادين بتعطيل العدالة الجنائية، وتطالب بالمضي قدمًا وإصدار مذكرات التوقيف. في هذه الأثناء، كان رئيس الوزراء البريطاني المنتخب حديثًا، كير ستارمر، أمر بسحب مذكرة بريطانيا، حفظًا لماء وجه المملكة. ثم في 23 أغسطس الماضي، تقدم مكتب المدعي العام برده المُجمَّع على اعتراضات بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وغيرهم، ليطالب مجددًا الدائرة التمهيدية للمحكمة بإصدار مذكرات التوقيف، لينتهى بذلك فصل آخر من فصول تعطيل دول غربية قيام مؤسسات القانون الدولي بمهامها في ما يتعلق بفلسطين وحقوق شعبها.
أما الآن وقد صار صدور مذكرات التوقيف بحق قادة إسرائيليين وفلسطينيين يبدو أمرًا ليس ببعيد، فيجوز الرجوع خطوة إلى الوراء لتحليل توجُّه مكتب المدعي العام بشأن فلسطين وتحديد الإشكالي فيه. فكما توقع خبراء، جاء طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بأن تصدر المحكمة مذكرات توقيف بهدف تحريك « قضايا» في شأن الجرائم المرتكبة في «حالة» [1] فلسطين متبنيًا نهج «موازنة الطرفين». يستهل المدعي العام إعلانه بالطرف الفلسطيني، موجهًا اتهامات بحق ثلاثة قادة من حركة حماس، ثم في نصفه الثاني ينتقل إلى توجيه التهم ضد قياديين إسرائيليين. في إعلانه، يوجه المدعي العام، كريم خان، اتهامات بارتكاب ثمان جرائم في سياق «الجرائم ضد الإنسانية» و«جرائم الحرب» ضد الطرف الفلسطيني، في مقابل سبع ضد الطرف الإسرائيلي. إذن بعد ما يزيد على عشر سنوات [2] من التحقيقات المتعلقة بجرائم ترتكب في فلسطين أو ضد فلسطينيين، أتت أولى تدخلات المدعي العام لتستهدف «كلا الطرفين».
من ناحية، يجوز النظر إلى الطلب باعتباره «تاريخي». فتلك هي المرة الأولى التي نرى فيها زعيمًا سياسيًا منتخبًا لدولة يُقال إنها «ليبرالية، ديمقراطية» متهمًا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أن أحدًا لم يتوقع أن يأتي اتهام المدعي العام للجانب الإسرائيلي باتهامات جسيمة مثل «الجرائم ضد الإنسانية» (وهي جريمة تتطلب وجود تخطيط على مستوى الدولة)، إذ كان أقصى طموح هو أن يوجه المكتب تهمة «جرائم الحرب» (وهي جريمة أقل خطورة، يجوز توافر شروطها في فعل فردي، حتى لو قام به جندي ذو رتبة متدنية). والسبب في تدني التوقعات هو، على سبيل المثال، أداء كريم خان السيئ منذ السابع من أكتوبر 2023، إذ تأخَّر ظهوره الأول (29 أكتوبر 2023) مدة ثلاثة أسابيع، كان قد قُتِل وجُرِح وهُجِّر فيها بالفعل عشرات آلاف الفلسطينيين، ثم جاء حديثه مخيبًا للآمال بسبب، مثلا، امتناعه عن ربط القتل والدمار والمعاناة في غزة والضفة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية كنتيجة مباشرة لها. كما أن أحدًا لم يتوقع أن يتحرك كريم خان ضد أعلى قيادة سياسية وعسكرية إسرائيلية، وهو ما ناقشه خبراء في لقاء استضافته «منظمة القانون من أجل فلسطين» قبل أسبوعين.
إلا أن الأمر «التاريخي» هنا، في الحقيقة، ليس ما أمر المدعي العام مكتبه بإصداره بخصوص مذكرات التوقيف المحتملة، تمامًا كما الوضع مع التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية بخصوص قضية الإبادة الجماعية في يناير ومارس ومايو 2024. إن «التاريخي» في تلك الأحداث هو الكم الهائل من المعاناة والصمود في فلسطين من ناحية، والإجرام في سلوك القادة الإسرائيليين من الناحية الأخرى، وهو ما يجبر تلك المؤسسات القانونية الدولية على التحرُّك لإنقاذ نفسها بإجراءات قد تبدو غير مسبوقة أو «تاريخية».
من الناحية الأخرى، يعد الطلب الصادر خروجًا صارخًا عن ممارسات وسياسات مكتب المدعي العام المستقرة، وتسييسًا لدوره. ففي الأعوام الأولى لانطلاق المحكمة، أصر المكتب على سعيه تجنب «إجهاد المحكمة» بالكثير من التحقيقات والملاحقات القضائية، إذ وعد بالتركيز على حالات وقضايا قليلة ولكن مُرَكَّزة وفعالة، وذلك بتكريس موارده المحدودة للتحقيق في الجرائم الدولية «الأكثر جسامة» ولملاحقة «أصحاب القدر الأكبر من المسؤولية» عن تلك الجرائم. وقد أعلن المكتب في 2003 عن سياسته تلك، باتباع منهجية في اختياره بين التحقيقات/الحالات والقضايا المتاحة أمامه، إذ تُعطي الأولوية دائمًا طبقًا لمدى «جدية» و«جسامة» الجريمة و«مدى» مسؤولية الجاني. وأصدر المكتب العديد من أوراق السياسات لضمان أن تتحقق في ممارسته بشأن الاختيار وإعطاء الأولوية بين التحقيقات والقضايا المتاحة شروط الشفافية والاتساق والتماسك وقابلية التنبؤ بها (transparency, consistency, coherence, and predictability). وكان أحد أهم الأسئلة في هذا الشأن سؤال: أي تحقيقات/حالات وقضايا سيتم اختيارها وإعطاءها الأولوية دونا عن الأخرى وطبقًا لأي معايير؟
وقد طوَّر مكتب المدعي العام عدة مفاهيم في هذا الشأن، أهمها: أولًا، «الخطورة» (gravity): أي كيف يتم تحديد والمقارنة بين الجرائم في القضايا المختلفة بحسب جسامتها، وثانيًا، «تسلسل سير الملاحقات القضائية» (sequenced approach): أي كيف سيمارس المكتب عمله باستهداف مرتكبي الجرائم الأخطر أولًا، قبل أن يتحرك بشكل «متسلسل» ليلاحق مرتكبي الجرائم الأقل الخطورة، إلى آخره.
في هذا المقال، سأظهر كيف أن ممارسات المكتب على مدى العقدين الماضيين اتسمت بالعشوائية، والأهم من ذلك، كيف أن كل المفاهيم التي طورها المكتب للإجابة عن أسئلة الاختيار بين التحقيقات والقضايا المحتملة، جميعها، تم تجاهلها في ما يخص فلسطين، وذلك وصولًا إلى التمسك بالنظرة الاستعمارية المُسَيَّسة للقضية الفلسطينية باعتبارها ثمة «صراع» بين «طرفين».
نهج تسلسلي ينقصه التسلسل
في أولى أعوام انطلاق المحكمة، أعلن مكتب المدعي العام تمسكه بـ«النهج التسلسلي» للمفاضلة بين القضايا الواقعة تحت اختصاصه؛ أي أنه سيعطي الأولوية لملاحقة مرتكبي الجرائم «الأخطر»، ثم يتحرك بتسلسل في ما بعد ضد الجرائم الأقل خطورة، إلى آخره، دون توضيح أو إبداء أسباب تجاهل المكتب نهجه هذا في ما يخص فلسطين، إذ استهل ملاحقاته القضائية بالتحرك ضد قادة من «كلا الطرفين»، ما قد ينطوي على تسليم بأن الجرائم المرتكبة من «الطرفين» على درجة متساوية من «الخطورة». يختلف هذا الاتجاه عن ممارسات مكتب المدعي العام السابقة.
ففي تحقيقين في حالتين مختلفتين في الجرائم المرتكبة في سياق النزاع المسلح بين الحكومة والمتمردين في شمال أوغندا وفي أعمال العنف التي سبقت ولحقت انتخابات ساحل العاج في 2010-2011 أعلن المكتب أن كلا الطرفين في كل من البلدين قد ارتكبا ما يقع ضمن اختصاص المحكمة من جُرْم، إلا أن الدعاوى القضائية سوف تستهدف أحدهما دون الآخر. في أوغندا استهدفت الملاحقات القضائية قيادات الجماعات المتمردة، وفي ساحل العاج استهدف المكتب القيادات التابعة للرئيس الخاسر في أزمة انتخابات 2010-2011، وذلك دون القيادات الحكومية في أي من البلدين، معللًا قراراته بـ«خطورة» الجرائم المرتكبة من جانب الجماعات غير النظامية بالمقارنة بجرائم الدولة في كل من البلدين. إن المثير للانتباه هو أن تسمية «النهج المتسلسل» تعطي انطباعًا بأن ثمة ملاحقات قضائية بشأن جرائم الدولة سوف يأتي دورها في وقت ما، وهو ما لم يحدث إلى يومنا هذا، أي بعد 19 عامًا من بدء الملاحقات القضائية في حالة أوغندا و12 عامًا في حالة ساحل العاج. أما في تحقيقاته في الجرائم المرتكبة في كينيا، فقد تخلى المكتب، دون تسبيب، عن فكرة «التسلسل»، إذ استهل ملاحقاته القضائية بالتحرك ضد طرفي العنف الذي اجتاح البلد خلال أزمة الانتخابات الكينية عامي 2007 و2008.
بالطبع قد تكون هناك اعتبارات عملية تُحتم فكرة «التسلسل» تلك، مثل: حماية الضحايا والشهود وتوافر الأدلة. إلا أن ادعاء المكتب الدائم بأن ما يقف خلف تحركاته معايير موضوعية وسياسات معلنة بشكل مسبق لا تدعمه الممارسة العملية للمكتب. فلا أحد لا يعلم لماذا، على سبيل المثال، تحرك المكتب بشكل «متسلسل» في تحقيق ما ثم فجأة تخلى عن النهج ذاك في آخر. لوهلة، يبدو الأمر عشوائيًا تحركه اعتبارات أخرى، ليست منها مفاهيم مثل «المعايير» و«الموضوعية».
إلا أن الأمر ليس عشوائيًا تمامًا؛ بالفعل هناك نمط يمكن التعرُّف عليه بملاحظة ممارسات مكتب المدعي العام. على سبيل المثال، يقر المكتب بأن قوات حلف الناتو ومسؤولين تابعين لحكومة القذافي قد ارتكبا جرائم حرب في ليبيا، وكذلك يقر بمسؤولية كل من الولايات المتحدة وحركة طالبان عن جرائم حرب في أفغانستان. إلا أن نهج تحريك القضايا ضد المتهمين في كلا البلدين جاء ملتزمًا بفكرة التحرك بشكل «تسلسلي» طبقًا لـ«خطورة» الجرائم المرتكبة من جانب أطراف النزاع. وجاء اتباع هذا النهج تحديدًا من عدم التركيز على التحقيق في جرائم دول يعتقد بأنها ليبرالية ديمقراطية (قوات الناتو في ليبيا والقوات الأمريكية في أفغانستان)، وتركيز أنشطة المكتب في اتجاه تحريك قضايا جميعها يستهدف حصرًا الطرف المعتقد بأنه غير متحضر وغير ليبرالي، وذلك كله بحجة أن جرائم حكومة القذافي في ليبيا وحركة طالبان في أفغانستان كانت أكثر «خطورة».
في ليبيا، أقر المكتب بارتكاب حلف الناتو جرائم حرب ووعد بأن دورها سيأتي، فقط لو ننتظر بعض من الوقت، حتى يصل بنا «التسلسل» ذاك لنقطة ملاحقة عسكريين وساسة أمريكيين وأوروبيين. كان ذلك قبل 13 عامًا لم يفِ فيهم بوعده. إذن لو ننظر إلى تاريخ المكتب وممارساته، علينا عدم التوقف كثيرًا أمام ما يتضمنه إعلان كريم خان بأن تركيزه على جرائم طالبان في أفغانستان دون ما ارتكبته القوات الأمريكية من بشاعات ما هو إلا أمر مرحلي، أي أن دور القوات الأمريكية سيأتي في ما بعد.. يومًا ما. فقط لو نلاحظ الممارسة العملية وتاريخ المكتب القصير جدًا، سنستنتج أن الوعد بشأن جرائم القوات الحكومية الليبرالية «المتحضرة» في أفغانستان، كغيره من وعود، في ما خص ليبيا مثلًا، مجرد كلام هدفه احتواء النقد المتعلق بكيل مكتب المدعي العام بمكيالين.
أما اليوم، فمن المذهل أن نرى كيف أن نفس النهج «التسلسلي»، والذي مكَّن المكتب من أن يسلك دون تبرير كافٍ طُرُقًا بعينها دون غيرها في السابق (مثل التغاضي عن جرائم أوغندا في شمال البلاد والناتو في ليبيا والولايات المتحدة في أفغانستان)، يتم تجاهله تمامًا ودون أي تبرير عندما يتعلَّق الأمر بفلسطين. فلماذا تم التخلي عن «النهج التسلسلي» وما هي المعايير التي طُبقت وصولًا إلى هذه النتيجة؟ هل في هذا إقرار ضمني بأن الجرائم المرتكبة من جانب العسكريين والساسة الإسرائيليين على مدى عشر سنوات (أي منذ يونيو 2014، وهو تاريخ بدء اختصاص المحكمة الزمني على «الحالة في فلسطين») تساوي في «خطورتها» الجرائم المرتكبة من جانب أفراد الجماعات الفلسطينية المسلحة في يوم واحد (سبعة أكتوبر 2023)؟
تطبيق انتقائي لمعايير الحكم على «خطورة» الجرائم
في مرحلة مبكرة للغاية، حرص مكتب المدعي العام على تأكيد أن ما يقف وراء تحديد أولوياته في مسألة الاختيار بين التحقيقات والقضايا هو فكرة «خطورة» الجرائم محل التحقيق أو الدعوى القضائية المحتملة. أي أن التركيز على الجرائم الأكثر «خطورة» سيمكن المكتب من مباشرة التحقيقات والملاحقات القضائية بشكل مركَّز وفعال. لكن ماذا تعني «الخطورة» تلك؟ يقول المكتب إن عملية تقييم «خطورة» الجرائم تتم بالنظر بشكل شمولي إلى عوامل كَمِّية وكَيفيَّة في الجرائم محل التحقيق، ومن هذه العوامل النظر إلى نطاق الجرائم وطبيعتها وطريقة ارتكابها والأثر الناتج عن ارتكابها.
يقول المكتب إنه في مسألة «نطاق الجرائم» يمكن النظر إلى أمور منها عدد الضحايا ومدى الضرر الناتج عن الجريمة والانتشار الجغرافي أو الزمني للجرائم (أي الجرائم ذات الكثافة العالية على مدى زمني قصير أو الجرائم ذات الكثافة المنخفضة على مدى زمني طويل). وفي «طبيعة الجرائم»، يمكن النظر إلى العناصر المكوِّنة لكل جريمة؛ أي إذا كانت جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة، مثلًا، تنطوي على أفعال إجرامية جسيمة، مثل القتل، والاغتصاب وغيره من الجرائم التي تشمل العنف الجنسي أو العنف القائم على النوع الاجتماعي، والجرائم المرتكبة ضد الأطفال، والاضطهاد، وإخضاع الجماعة المرتكبة بحقها الجُرم لظروف معيشية يراد بها تدميرها. أما في «طريقة ارتكاب الجرائم»، فيمكن تقييمها في ضوء أمور منها الوسائل المستخدمة في تنفيذ الأفعال الإجرامية تلك، ومدى كون تلك الأفعال ناتجة عن خطة أو سياسة منظمة (أي ليست مجرد أفعال عشوائية)، وما إذا كانت الأفعال الإجرامية تحتوي على «وحشية استثنائية» (particular cruelty). نهايةً، يمكن تقييم «الأثر الناتج عن ارتكاب الجرائم» بالنظر إلى أمور منها المعاناة التي يتحملها الضحايا والذعر الناتج عن ارتكاب الجرائم، والضرر الاجتماعي والاقتصادي والبيئي الذي ألحقته الجرائم بالمجتمعات محل الأفعال الإجرامية تلك.
في ضوء عملية التقييم الشمولية المشار إليها، يُسْتَخدم مفهوم «خطورة الجرائم» في تحديد أولويات مكتب المدعي العام، في ما يخص اختيار فتح تحقيقات في بلدان دون غيرها، والقيام بملاحقات قضائية في جرائم وضد جناة بعينهم دون غيرهم. لقد مكَّن مفهوم «خطورة الجرائم» المكتب من عمل أمور كثيرة، على سبيل المثال منها: الامتناع عن فتح تحقيق في العراق (2006) وفي التعدي على أسطول الحرية (2013-2019) وفي جرائم الولايات المتحدة في أفغانستان (2021). بدراسة ممارسات المكتب في شأن تطبيق مفهوم «خطورة الجرائم»، نلاحظ انتقائية شديدة.
فمثلا، من أجل الوصول إلى غايته في الامتناع عن فتح تحقيق في جرائم القوات البريطانية خلال حرب العراق عام 2003، اتبع المكتب نهجًا كَميًا بشكل بحت، إذ أصر المدعي العام آنذاك لويس مورينو-أوكامبو في خطابه لعام 2006 على رفض فتح تحقيق في العراق بالإشارة إلى «عدد الضحايا المحتملين (...) - 12 ضحية لجريمة القتل العمد وعدد محدود من ضحايا جريمة المعاملة غير الإنسانية»، وهو عدد قليل جدًا، هكذا قال مورينو-أوكامبو، بالمقارنة بمشاغل المكتب «في تحقيقات في ثلاث حالات (في إفريقيا) في كل منها الآلاف من ضحايا القتل العمد، بالإضافة إلى العنف الجنسي وجرائم الخطف على نطاق واسع (..) وفي مجموعها أسفرت الجرائم المرتكبة في هذه الحالات عن ما يزيد على خمسة ملايين نازح».
كانت حجة مورينو-أوكامبو غريبة لا شك؛ إذ برر امتناعه عن فتح تحقيق في «الحالة» في العراق (بأكملها، بما قد تتضمنه العراق من قضايا عديدة وعدد مهول من الضحايا)، بعقد مقارنة كَمِيَّةُ بشكل بحت ليقارن بين عدد الضحايا في قضية محتملة واحدة فقط في بلد تعرض لإجرام مهول (كالعراق)، لا فقط في مقابل عدد الضحايا في تحقيق كامل في حالة كاملة في إفريقيا، بل في مقابل مجموع عدد الضحايا في الحالات محل تحقيقات المكتب مجتمعةً.
بعد ثلاث سنوات فقط، قلل نفس المدعي العام من أهمية التقييم الكمي لعدد الضحايا المباشرين الناتج عن الجرائم المرتكبة، إذ قرر تحريك دعوى قضائية ضد قياديين في جماعتين مسلحتين في دارفور (السودان) في إثر شنهم غارات في سبتمبر 2007 على مدينة حسكنيتة، ما أسفر عن مقتل 12 فقط من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي المتمركزة في المدينة. هنا قرر مورينو-أوكامبو أن عدد «الضحايا غير المباشرين» (indirect victims) هو الأهم وكذلك معيار «الأثر الناتج عن الجريمة»، مُبَرِّرًا نهجه بمنطق غريب؛ إذ قال مورينو-أوكامبو إنه «باستهداف قوات حفظ السلام، ما قام به الجناة هو هجوم على الملايين من المدنيين ممن أتت القوات تلك لحمايتهم».
إن مفهوم «الضحايا غير المباشرين» قابل للتأويل بالطبع، لكن تفسير مورينو-أوكامبو استثنائي في مدى التأويل الذي يحتويه. فطبقًا للسوابق القضائية للمحكمة، يشير مفهوم «الضحية غير المباشرة» إلى الأشخاص الذين تعرضوا للضرر المادي أو الجسدي أو النفسي جرَّاء الضرر الذي تعرض له الضحية المباشرة. إن تأسيس العلاقة الوثيقة مع الضحية المباشرة ضرورية؛ لذلك تشمل فئة «الضحايا غير المباشرين» طبقًا للسوابق القضائية الأقارب من الدرجة الأولى، وقد تمتد لتشمل آخرين مثل العمات وأبناء العمومة وأبناء الأخوة. كما قد تشمل أيضًا أولئك الذين تعرضوا للضرر نتيجة محاولتهم مساعدة أو منع الضرر عن الضحية المباشرة، وقد تشمل السكان المحليين لما لحق بهم من ضرر غير مباشر جراء هجوم موجه ضد السكان المدنيين. تلك هي السوابق القضائية للمحكمة وأوراق سياسات مكتب المدعي العام، ولا يوجد بينها ما يبرر التوسُّع في تفسير المفهوم ليشمل السكان المدنيين بأكملهم بالطريقة التي فعلها مورينو-أوكامبو في قضية حسكنيتة.
إلا أن ملاحظة ممارسة المكتب أكثر لا تزيد التساؤلات سوى المزيد. فلنقارن أداء مكتب مورينو أوكامبو بمكتب خليفته فاتو بنسودا. بعناد شديد على مدى خمس سنوات من سجالات مع قضاة المحكمة، أصر المكتب بقيادة فاتو على رفض فتح تحقيقات في الجرائم الإسرائيلية المرتكبة بحق نشطاء على متن «أسطول الحرية» أثناء محاولة الأخيرين فك الحصار البحري عن غزة عام 2010. اعتبر المكتب الجرائم «ليست ذي خطورة كافية»، بالإشارة إلى أمور أهمها العدد المحدود للضحايا المباشرين (عشر ضحايا للقتل العمد، بعضهم أعدم ميدانيًا، ومن 50 إلى 60 مصابًا ومئات ضحايا الاعتداءات على الكرامة الإنسانية). يفوق مجموع ضحايا الجرائم المرتكبة ضد «أسطول الحرية» (مئات الضحايا في المُجمل) عدد الضحايا في قضية حسكنيتة (12 في المجمل)، لكن في نظر مكتب المدعي العام ما يجعل حسكنيتة «أكثر خطورة» هو أن جميع سكان دارفور كانوا «ضحايا غير مباشرين». إذًا لقد اعتبر المكتب جميع السكان المدنيين ضحايا غير مباشرين لغارات استهدفت قوات 12 فردًا فقط من قوات حفظ السلام، وعلى هذا الأساس يجوز ملاحقة قيادات الجماعات المسلحة في دارفور، لكنه أصر بعناد شديد عدم اعتبار جميع سكان غزة المحاصرين «ضحايا غير مباشرين» في جريمة استهداف نشطاء فك الحصار في عرض البحر، وبناءً عليه قرر أنه لا حاجة للتحرك ضد عسكريين أو ساسة إسرائيليين. كان تقييم المكتب غير مبرر وانتقائيًا ومُسيَّسًا، وقد انتقده بالفعل قضاة المحكمة في رفضهم للمنطق المتبع من جانب المكتب (انظر الفقرة رقم 47 من قرار الدائرة التمهيدية لعام 2015).
بغض النظر عن الأرقام، لا يقول لنا مكتب المدعي العام لماذا أصر في رفضه فتح تحقيق في الجرائم ضد «أسطول الحرية» إعطاء الأولوية للمعايير الكمية (الخاصة بأرقام الضحايا المباشرين)، ولم ينتبه بشكل كافٍ إلى تقييم الخطورة الكيفية والنوعية لجرائم إسرائيل. فكما أشار قضاة الدائرة التمهيدية في قرارهم (فقرة 39)، لا يعلم أحد لماذا لم يكترث المكتب بمعيار «طريقة ارتكاب الجرائم» في تحليله لجرائم إسرائيل ضد الأسطول، أي لماذا لم ينتبه إلى «الوحشية الاستثنائية» في ما تضمنته شهادات بأن نشطاء الأسطول، مثلا، قد «تعرضوا لإطلاق النار عدة مرات، وذلك في وجوههم أثناء محاولاتهم حماية رؤوسهم، أو من الخلف، أو بعد أن استسلموا وتوسلوا للقوات الإسرائيلية للتوقف عن إطلاق النار على العُزَّل». فقط عند تحليل الجرائم التي يرتكبها الإفريقيين أصحاب البشرة السوداء، دائمًا ما يعتبر المكتب معايير «طريقة ارتكاب الجرائم» و«الوحشية الاستثنائية» مركزية لعملية تقييم «خطورة الجرائم» ولرسم صورة نمطية استشراقية عن الجاني الإفريقي الأسود باعتباره «وحش مُركب، وإنسان غير إنساني» (كما تقول الكاتبة سوفيا ستولك)، لكن عند تقييم «خطورة» جرائم القوات الإسرائيلية المعتدية على الأسطول، فجأة، تجاهل المكتب تلك المعايير ولم يسع لتبرير نهجه هذا.
أود الإشارة إلى إشكالية فكرة تحديد «خطورة» الجرائم والمفاضلة بين القضايا والتحقيقات طبقًا لـ«طريقة ارتكاب الجرائم»، إذ تمكِّن تلك المعايير الانحيازات الثقافية والسياسية الراسخة في جميع مؤسسات القانون الدولي من التدخل بشكل الصارخ في تقييمات يُقال إنها «قانونية موضوعية»، وهي انحيازات لصالح الدولة («الليبرالية») ذات السيادة، ضد الجماعات أو الدول المنظور إليها باعتبارها «همجية وغير متحضرة». فمن ناحية، لا تعتبر أبدًا جرائم التي ترتكبها الدول (الليبرالية) الحديثة (كالقصف الجوي) «وحشية»، لكن دائمًا ما تعتبر أفعال الدول «المارقة» أو الجماعات «الإرهابية» (كالإعدام الميداني) جرائم ذات «وحشية استثنائية». من ناحية أخرى، إن الإعدام الميداني والجرائم التي ترتكبها الجماعات «الإرهابية» قد تكون بالفعل أقل «وحشية» من جرائم الدول الحديثة، فقط لو نقرُّ بأن الأخيرة هي من تملك، بطائراتها الحربية وصواريخها وقنابلها الثقيلة، قتل (بل وحرق) العشرات، وإصابة المئات ثم تركهم في عذابهم لساعات (بل وأيام) تحت الركام (حتى انتشالهم أو موتهم خنقًا أو جوعًا)، وتشريد وتدمير حيوات الآلاف، وذلك كله في ثوان معدودة.
لكن المشكلة الأكبر في واقع الأمر تكمن في أن الدولة الحديثة (سواء كانت أو لم تكن ليبرالية) بالفعل تقوم هي الأخرى بممارسات وبشكل ممنهج الإعدام الميداني وغير ذلك من بشاعات. لكن عندما يحدث هذا، فجأة، يقرر مكتب المدعي العام أن معايير «طريقة ارتكاب الجرائم» و«الوحشية الاستثنائية» ليست ذي أهمية، وذلك كما فعل في تجاهل جرائم القوات المعتدية على «أسطول الحرية» وفي تجاهل جرائم القوات الإسرائيلية التي تمارس الإعدام الميداني وغيره بشكل أسبوعي في شرق القدس والضفة الغربية منذ تاريخ بدء اختصاص المحكمة على فلسطين في يونيو 2014.
فلسطين في قرارات المكتب: لا معايير «الخطورة» ولا «التسلسل» تهم
من غير المتصور تبرير نهج مكتب المدعي العام بالموازنة بين «الطرفين» في طلبات بإصدار مذكرات توقيف، خصوصًا في ضوء «الخطورة» الأعظم لجرائم القادة الإسرائيليين، وذلك لو تم تقييمها كميًا أو كيفيًا أو بكلا المعيارين، كما أنها الأكثر كثافة وانتشارًا، وذلك لو تم النظر إلى نطاقها الجغرافي أو الزمني أو كليهما، وهي أمور كلها سبق وأن وثقتها منظمة «القانون من أجل فلسطين» في بلاغها للمكتب بوقوع جريمة الإبادة الجماعية في غزة.
بلا شك من الممكن القول إن أفعال الجماعات المسلحة الفلسطينية ألحقت هي الأخرى الضرر بمئات المدنيين في إسرائيل (ويتعلق هذا بمعيار «نطاق الجرائم»)، كما تضَّمنت جرائم كالقتل العمد للمدنيين (ويتعلق هذا بمعيار «طبيعة الجرائم»)، كما تضمنت في بعض الأحوال «وحشية استثنائية» (ويتعلق هذا بمعيار «طريقة ارتكاب الجرائم»)، وقد ألحقت أيضًا ذعرًا بالمجتمع (ويتعلق هذا بمعيار «الأثر الناتج عن الجرائم»). برغم كل هذا، تنطوي الموازنة بين «كلا الطرفين» الكثير من التسييس إذ تستلزم تجاهل كافة الممارسات والمعايير والسياسات الراسخة في شأن المفاضلة بين القضايا. فلنحلل أداء المدعي العام في ما يتعلق بفلسطين في ضوء معايير المفاضلة التي سبق وأن أعلنها المكتب نفسه، واحدًا تلو الآخر.
في ما يتعلَّق بـ«نطاق الجرائم»، يستلزم نهج المكتب تجاهل واقع أن كل فرد من سكان غزة في يومنا هذا هو نفسه ضحية مباشرة لجريمة إسرائيلية ما، وإن لم يكن كذلك فهو ضحية غير مباشرة لتلك الجريمة. إن قرر المكتب الالتزام بتفسيره الضيق لمفهوم الضحايا غير المباشر (من أجل الامتناع عن ملاحقة المعتدين على أسطول الحرية) أو اختيار تفسير مورينو-أوكامبو المثير للتساؤلات (من أجل إعطاء الأولية لملاحقة متمردي حسكنيتة)، يجب أن يصل لنفس النتيجة: في غزة مليوني من ضحايا الجرائم الخاضعة لاختصاص المحكمة. ولو كانت الأرقام تهم كثيرًا في تقييم مدى «خطورة» الجرائم، كما احتج مورينو-أوكامبو من أجل الامتناع عن التحقيق في جرائم بريطانيا في العراق، فمن غير المتصور مقارنة الضحايا الفلسطينيين بعدد الضحايا في إسرائيل (وهو عدد محدود، ناتج عن هجوم مكثف، تم تنفيذه في نطاق زمني محدود للغاية، مدته صباح يوم واحد فقط).
أما جرائم القادة الإسرائيليين، فقد خلَّفت مليوني ضحية (بين مباشرة وغير مباشرة) في غزة فقط، كما تُمَثِّل تلك الجرائم مثالًا نادرًا للغاية تستوفي فيه الجرائم جميع الاحتمالات الممكنة في ما تتطلبه معايير تقييم «خطورة الجرائم» بخصوص نطاقها الزمني، إذ أننا بصدد الحديث عن جرائم ذات «كثافة عالية» للغاية وكذلك «يتم ارتكابها على مدى زمني طويل» (ولا تتطلب ورقة السياسات الصادرة عن المكتب في 2016 سوى أحد الاحتمالين، انظر الفقرة رقم 38). كما أن النطاق الجغرافي لتلك الجرائم هو بالفعل كامل المساحة السكانية، أي غزة بأكملها.
إن الجرائم الإسرائيلية بالفعل هي «الأكثر خطورة» وذلك لو تمت مقارنة «نطاق» الجرائم بأي جرائم أخرى داخل التحقيق المفتوح بالحالة في فلسطين منذ 2014. بل إنها لا تزال «الأكثر خطورة» ولو كررنا منهجية مورينو-أوكامبو المثيرة للتساؤلات والتي كان ابتدعها فقط للامتناع عن التحقيق في جرائم بريطانيا في العراق، إذ أن ما تشهده غزة يفوق في خطورته (من حيث عدد الضحايا وطبيعة الجرائم المرتكبة) مجموع الجرائم المرتكبة في العالم بأسره، على الأقل في جوانب محددة، منها الجرائم المرتكبة ضد الأطفال والصحفيين وعاملي الإغاثة وجرائم استهداف الأعيان الدينية والثقافية.
أما في ما يتعلق بـ«طبيعة الجرائم»، فإن جرائم المسؤولين الإسرائيليين تنطوي القتل والإصابة العمد، والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية، والاغتصاب والتجويع، والتدمير العمد، والتهجير، والاحتجاز غير القانوني وأخذ الرهائن، وهي جرائم تفوق، كمًا ونوعًا ونطاقًا زمنيًا وانتشارًا جغرافيًا، أي شيء ارتكبه عناصر الجماعات الفلسطينية. أما في ما يتعلق باعتبار «طريقة ارتكاب الجرائم»، فيبدو أن المكتب قد تجاهل تمامًا الوحشية الاستثنائية في تقارير الاغتصاب والتعذيب والإعدام الميداني والمقاطع المصورة التي ينشرها العسكريون الإسرائيليون أنفسهم تفاخرًا بأفعالهم المروِّعة.
وعن «الأثر الناتج عن الجرائم»، فإن ما يتعرض له كامل سكان فلسطين من إرهاب يومي بسبب الجرائم الإسرائيلية يعد في غاية الخطورة عند مقارنته بأي شيء يحدث في العالم بأسره. من غير المتصور مقارنة مدى الذعر الذي تعرَّض له الآمنين في إسرائيل في يوم واحد (السابع من أكتوبر) بما يتعرض له الفلسطينيون يوميًا منذ 13 يونيو 2014 (أي تاريخ بدء اختصاص المحكمة الزمني)، وهذا لا يخص فقط فلسطينيي غزة بل أيضًا فلسطينيي الضفة وشرقي القدس وكذلك فلسطينيي الداخل. إن ما يتعرض له الفلسطينيون، بلا شك، أكثر جسامة.
برغم كل هذا، تجاهل مكتب المدعي العام جميع الاعتبارات المكونة لعملية تقييم «خطورة» الجرائم.
ضمن ما تجاهله المكتب أيضًا في سعيه إلى الموازنة المُسيسة بين «الطرفين» هو ما أعلن عنه في آخر ورقة سياسات بشأن معايير المفاضلة بين القضايا المحتملة، من إعطاء الأولوية للقضايا التي تتضمَّن اتهامات أُهدر التعامل القضائي معها تاريخيًا (مثل الجرائم الجنسية والجرائم ضد الأطفال والجرائم ضد الإرث الثقافي والتاريخي والديني والجرائم ضد قوات حفظ السلام وعاملي الإغاثة). وبسبب تجاهل هذه الجرائم تاريخيًا، فقد أصدر المكتب عدة أوراق سياسات في شأنها، وذلك مثل أوراق السياسات الخاصة بتعامل المكتب مع الجرائم ضد الأطفال والجرائم ضد الإرث الثقافي والجرائم الجندرية. كما كان المكتب أعلن في سياسة المفاضلة بين القضايا عن أنه سيأخذ في عين الاعتبار ما إذا كانت تدخلاته في حالة معينة تساهم في وقف «الجرائم المستمرة».
لو نطبق هذا في حالة فلسطين، سنجد أنه من المستحيل مقارنة وضع الأطفال والنساء في فلسطين (خصوصًا في غزة) بوضع الأطفال والنساء في إسرائيل. كما أن الجرائم المنسوبة لجماعات فلسطينية معظمها لا يعد ضمن فئة الجرائم التي أهدر التعامل القضائي معها تاريخيًا، في حين أن الجرائم المنسوبة لقادة إسرائيليين ارتكبت على نطاق واسع وتاريخي، وتضمَّنت، على سبيل منها، جرائم ضد عمال الإغاثة، والصحفيين، والأعيان الثقافية والدينية والتاريخية، وكلها تقع في الفئة الجرائم المشار إليها. أما في ما يتعلق بضرورة أن يأخُذ المكتب في الاعتبار أثر أنشطته على «الجرائم المستمرة»، فإن المنسوب لفاعلين فلسطينيين ببساطة غير مستمر ولم يستمر سوى صباح يوم واحد، بعكس القادة الإسرائيليين، وهم قادرون وعازمون على، بل وبالفعل يقومون بارتكاب جرائم مستمرة حتى أثناء كتابة هذا المقال. إلا أن مكتب المدعي العام يبدو وأنه قرر تجاهل هذا الاعتبار تمامًا في ما يخص، على سبيل المثال، الحملة العسكرية المستمرة على غزة، وحصار غزة المستمر، والنشاط الاستيطاني المستمر، والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المستمرة في الضفة الغربية وشرقي القدس.
لا شك في وجود أدلة على وقوع جرائم من جانب مسلحين فلسطينيين يوم السابع من أكتوبر، وكذلك أثناء حرب غزة عام 2014 (ومنها الخطير بالفعل، كالإعدامات العشوائية التي قامت بها كتائب القسام في حق متهمين بالتخابر مع الاحتلال في حرب 2014)، إلا أنه من غير المتصوَّر الخروج بأي استنتاج سوى أن كل هذه الجرائم، مجتمعة، ذات خطورة لا تُذكر بالمقارنة بالجرائم المسؤول عنها قياديين إسرائيليين منذ 13 يونيو 2014، أو حتى منذ سبعة أكتوبر 2023.
لا شفافية ولا اتساق، فقط نستطيع التنبؤ بما سيفعله مكتب المدعي العام
إن الأداء المسيًّس للمدعي العام لا يهدد فقط شرعية المحكمة بل شرعية القانون الدولي نفسه. فنحن أمام شخص له مشوار مهني كامل يرتكز على حماية مجرمي الدول الحديثة من الملاحقة القضائية من ناحية، وتركيز جهود العدالة الجنائية الدولية ضد فاعلين يُعتقد بكونهم غير متحضرين أو إرهابيين، وكانت آخر تلك المحطات المهنية لكريم خان في فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد)، مارس فيها خان عمله المعتاد ضد الجماعات غير النظامية دون جريمة الدولة، وذلك في العراق، وهو البلد الذي شهد أحد أبشع جرائم الدولة الحديثة ذات السيادة، التي ارتكبتها قوى إمبريالية كالولايات المتحدة وبريطانيا بالإضافة إلى الدولة الوطنية العراقية نفسها هي الأخرى. يتفرد كريم خان في أمر تقريبًا لم يفعله سواه من مسؤولي المؤسسات القضائية الدولية، وهو اعتياده الحديث بمفردات خطاب «الحرب على الإرهاب»، وهو خطاب سياسي وإمبريالي بامتياز.
بسبب هذه الانحيازات لكريم خان، نرى موازنة مُضَلِّلة ومسيسة بين «طرفين» في وضع استعماري إستيطاني إحلالي، ولا نسمع مصطلح «الاحتلال» في أي لحظة في إعلان طلبه للمحكمة بإصدار مذكرات توقيف، وهو مصطلح قانوني له أهمية مركزية في شأن كل تكييف قانوني بخصوص التحقيق والملاحقات القضائية. كما نرى أن طلبه يستهل بالجانب الفلسطيني من دون أي سبب قانوني يُذكر، فلا يسعنا سوى التفكير في إعلانه هذا سوى باعتباره خطاب سياسي، كأي خطاب سياسي آخر في أوروبا وأمريكا يجب عليه أن يبدأ بـ«إدانة حماس». يتهم الطلب الجانب الإسرائيلي بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تتكون من سبعة أفعال إجرامية، في مقابل ثمانية أفعال إجرامية يتهم بها الجانب الفلسطيني، ذلك كله دون أي سبب قانوني. فلماذا يتهم الجانب الفلسطيني بالتعذيب والاغتصاب ولا يتهم الجانب الإسرائيلي بها؟ لا نعلم. ثم في إعلان كريم خان، نسمع عبارة «الضحايا والناجين» لوصف الإسرائيليين ثلاث مرات ونراه يتحدث بإنسانية عن معاناتهم وذعرهم، ثم في الجزء الخاص بتحليل الجرائم الإسرائيلية، لا تذكر أي من تلك العبارات أبدًا.
كما أظهرت، أن معايير الاتساق والتماسك والشفافية (consistency, coherence, and transparency) بالكاد تصف ممارسة المكتب. ومع ذلك، يمكننا دائمَا التنبؤ بالخطوة القادمة للمكتب، فقط لو نسلِّم بأن ما يسترشد به المكتب في أداءه هي مجموعة من الانحيازات السياسية والثقافية تجاه الدولة الحديثة (الليبرالية) وضد الفاعلين غير النظاميين أو الفاعلين النظاميين الذين يُنظر إليهم على أنهم غير ليبراليين (كما في أفغانستان وليبيا وأوغندا).
لو اقتبست من منهجية وتحليل أنتوني أنجي عن أصول القانون الدولي الاستعمارية، بوسعي القول إن تلك الانحيازات هي ما يشكل كيفية تطوير المكتب لسياساته وممارساته في ما يخص الاختيار بين القضايا وتقييم خطورة الجرائم. بعبارة أخرى، إن القول إن ما فعله المكتب بخصوص حالة فلسطين هو مخالفة أو خروج عن المعايير ما هو إلا تبسيط للأمور، فالأصوب هو القول إن المعايير تلك (أي، على سبيل المثال، ما يعرف اليوم باسم ورقة السياسات لمعايير اختيار والمفاضلة بين القضايا لسنة 2016) هي نفسها نفسها نتاج 20 عامًا من ممارسات سعى خلالها المكتب باستمرار لتجنب التحرك ضد الدولة الحديثة (الليبرالية)، وتمسك بدلًا من هذا بتركيز موارده على جريمة فاعلين غير نظاميين أو ينظر إليهم باعتبارهم «غير متحضرين».
رغم كل هذا، أي رغم أن تلك المعايير نفسها هي نتاج انحيازات سياسية وثقافية متجذرة بعمق في مؤسسات القانون الدولي، لم يستطع المكتب حتى الالتزام والاتساق معها في ما يتعلق بفلسطين. مرة أخرى، خالف المكتب المعايير التي خلقها هو نفسه في سعيه إلى إحداث توازن مُزَيَّف بين «طرفين» وصولًا إلى الالتزام بالنظرة الغربية الإمبريالية للهيمنة الإسرائيلية على فلسطين باعتبارها «نزاع بين طرفين» تقف فيه أوروبا وأمريكا الشمالية «طرفًا ثالثًا محاديًا».
لقد اختلق مكتب المدعي العام العديد من الذرائع على مدى 20 عامًا للامتناع عن التحرك ضد مرتكبي جرائم بشعة في العراق وأفغانستان وليبيا وأوغندا وساحل العاج، على سبيل المثال. من خلال تلك الذرائع، تشكل ما يُطلع عليه اليوم «معايير مكتب المدعي العام للاختيار والمفاضلة بين القضايا». لكن بمجرد أن صار التحرُّك في ما يخص الجرائم المرتكبة في فلسطين ضرورة لا مفر منها، أتى اليوم ليتجاهل المكتب ممارسته تلك، جميعها. لا أعلم ما هو الانطباع الذي يتركه هذا الأداء عن المحكمة وعن القانون الدولي، لكنه بالتأكيد ليس انطباعًا بأننا أما مكتب «يعمل بشكل مستقل، ونزيه، وموضوعي، متسقًا مع واجباته القانونية وقيمه الأساسية المنبثقة من نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية»، كما يدعي المكتب.
هوامش
[1] لا يُعرف نظام روما الأساسي الُمنشئ للمحكمة الجنائية الدولية مصطلحي «الحالة» (situation) و«القضية» (case)، ولكن وفقًا للسوابق القضائية للمحكمة في قضايا جمهورية الكونغو الديمقراطية (https://www.icc-cpi.int/court-record/icc-01/04-101) وكينيا (https://www.icc-cpi.int/court-record/icc-01/09-19-corr)، تتم مباشرة «التحقيق» (investigation) في «الحالة»، لكن ما يُباشر في «القضية» هو «الملاحقة القضائية» (prosecution)، أي أن «الحالة» هي عبارة عن نطاق جغرافي وزمني يحتوي على عدد من القضايا المحتملة ضد فاعلين محتملين منتمين لمنظمات أو دول مختلفة، لكن «القضية» تشير إلى حوادث وجرائم محددة، تنطوي على محددة، يتم توجيهها إلى واحد أو أكثر من الجناة المحددين وعادة ما ينتمون إلى مجموعة محددة أو على الأقل تربطهم علاقة.
[2] بدأت أولى أنشطة المكتب في ما يخص فلسطين في 2013 وذلك بتحقيق تمهيدي في الجرائم المرتكبة ضد ما يُعرف بـ«أسطول الحرية» في 2010 (https://www.icc-cpi.int/comoros) ثم بدء التحقيق التمهيدي في «الحالة في فلسطين» منذ 2015 ويبدأ الاختصاص الزمني للمحكمة في شأن أي جريمة ارتكبت منذ 13 يونيو 2014، أي قبيل حرب 2014 (https://www.icc-cpi.int/palestine).
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد