غزة.. سيناريوهات ما بعد الحرب
مع الانتهاء من كتابة هذا المقال، كانت الهدنة المُعلنة دخلت حيز التنفيذ، وبدأ تبادل الأسرى، حتى اخترقتها إسرائيل واستأنفت القصف. تطرح هذه التطورات التساؤلات حول اليوم التالي: سيناريوهات ما بعد الحرب. هذه السيناريوهات هي في الواقع استدعاء لمشاهد سابقة في القضية الفلسطينية. أي منها سيختاره العدو ليعيد تمثيله؟
وقد آثرت أن أتناول كل سيناريو بالتحليل، وبحث إمكانيات/ موانع تنفيذه على حد السواء.
***
سيناريو الإبادة
حسب مصادر مطلعة، كانت صفقة التبادل مطروحة منذ اليوم الأول، سعى لها الجانب المصري، وقبلتها «حماس».
ولكن إسرائيل دخلت الحرب كانتقام، وعرّضت خلالها أسراها لدى «حماس» للقتل بالفعل، ومن ثم فاستعادة الأسرى أو بعضهم لا يعني انتهاء الحرب الانتقامية.
هذا السيناريو الكابوسي يتضمن أيضًا تفاصيل كقصف المخيمات، أو الإبادة عن طريق فرق موت مسلحة. والنظرة المتشائمة تسترجع ذكريات مذابح خان يونس 1956 وصابرا وشاتيلا 1982.
يوحي بذلك السيناريو أيضًا سيطرة اليمين المتطرف وخطابه التحريضي، وامتداد نفوذه إلى الجيش الإسرائيلي. وبالإضافة إلى ذلك، فشن حرب كتلك الجارية كان مُنقذًا للحكومة المتهمة بالفشل، وبالأخص نتنياهو. ولذا فكل يوم من التصعيد يمد في عمرها يومًا.
أما العوامل التي قد تحول دون ارتكاب هذا السيناريو الكابوسي فهي كثيرة: الخسائر التي ستتكبدها إسرائيل جراء استمرار الحرب، والخسائر التي قد تتكبدها لو تورطت من جديد في شوارع القطاع، ولها تجارب أليمة فيها، أضف إلى ذلك حركة الضغط الجماهيري في بلدان كثيرة، حتى من تدعم حكوماتها إسرائيل. علاوة على احتمالات اتساع المقاومة لتشمل فصائل أخرى، وتفجر الوضع في الضفة والداخل الفلسطيني، حتى وإن لم يبد منهما مقاومة حتى الآن.
سيناريو الترحيل الجزئي (النفي)
تؤكد التصريحات الإسرائيلية الرسمية، وآراء الساسة والمحللين، وما يتردد صداه في مواقع التواصل وتصلنا ترجمته، أن هدف القضاء على «حماس» لا تراجع فيه، وهو ما يسترجع بدوره سيناريوهين:
1- أيلول الأسود - الأردن 1970، وجرش يوليو 71: حينما استغل الملك حسين ارتباك الجبهة العربية، ومصر على وجه الخصوص، عقب نكسة 67، وارتكبت قواته مذبحة للفلسطينيين، أودت بحياة نحو ثلاثة آلاف من الطرفين.
2- بيروت 1982: في الفترة بين 21 أغسطس حتى الأول من سبتمبر 1982، أجبرت إسرائيل مقاتلي الفصائل الفلسطينية على اعتلاء السفن، التي حملت معظمهم نحو تونس، بينما استطاع آخرون الالتفاف راجعين إلى البقاع اللبناني.
لكن الفارق الأساسي، الذي يحول دون تطبيق ذلك السيناريو، أو على الأقل يجعله عسيرًا، هو أن الفلسطينيين وقتها كانوا نازحين في بلاد «مضيفة»، بينما قدرة إسرائيل على نحر المقاومة، والترحيل الانتقائي، أو النفي لناشطي «حماس»، تستوجب سيطرة مطلقة على القطاع، وتحطيم القوة الضاربة قبل الشروع في التفكير، مجرد التفكير، في ذلك. وبذا فالوضع في القطاع لا يتشابه بالمرة مع الأردن وبيروت.
الشتات
نشرت الصحف مؤخرًا نقلا عن «وول-ستريت جورنال»، ما كتبه عضوا كنيست يطالبان الدول الغربية بـ«استضافة» الفلسطينيين، بواقع عشرة آلاف لكل دولة، حسب قدراتها، لتساعد في «حل» مشكلة غزة. هذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها حل الترحيل الاختياري. فمنذ 1949، حاولت الولايات المتحدة بكل الإغراءات منح تأشيرات أمريكية وأسترالية للفلسطينيين وخاصة اللاجئين، الذين، وبالرغم من سوء ظروفهم الشديد، أبوا أن يرحلوا.
وبالتالي، لن يمكن تطبيق هذا المقترح بالشكل المطروح، اللهم إلا في حدود أفراد وعائلات قلائل، هربًا من ويلات الحرب (60 من عائلة واحدة «عائلة مشتهى» ماتوا في غارة). لكن هذا المعدل لا يُشبع رغبة إسرائيل، هذا إن افترضنا أن الدول المعنية استجابت للأحلام الإسرائيلية، وهذا مستبعد. فلماذا يقبلونه الآن بينما كان بالأحرى بهم قبول اللاجئين اليهود الأوروبيين بعد الحرب العالمية، وإعادتهم لمواطنهم قبل صعود النازية؟
الترحيل- نكبة جديد
هدد الإسرائيليون بتنفيذ الترحيل (الترانسفير) كما سبق أن نفذوه في 1948، حين ارتكبوا المذابح ودفعوا مئات الآلاف من الشعب الفلسطيني، شمالًا نحو سوريا ولبنان، شرقًا نحو الأردن، وجنوبًا نحو مصر وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية. صدرت التهديدات علنًا في جلسات الحكومة ولجنة الخارجية والأمن، كما نشرت عدة مواقع إسرائيلية وأمريكية، تقارير عن وثيقة مسربة من وزارة الاستخبارات تطرح تفاصيل مشروع التهجير والوجهة المحددة اليوم هي مصر، وتحديدًا توطين الفلسطينيين في رفح، بتمويل أمريكي وعربي، كما يقترحون.
يعيدني ذلك إلى مشروعات توطين الفلسطينيين، بمبادرة امريكية في 1953:
- مشروع الجزيرة شمال شرق سوريا، للاجئين في سوريا ولبنان.
- مشروع جونسون لتوطين الفلسطينيين في ضفتي الأردن بوادي الأردن.
- مشروع سيناء لتوطين اللاجئين في قطاع غزة ومصر.
استهدف مشروع سيناء اللاجئين الفلسطينيين في شرق بور فؤاد شمال سيناء، على مساحة 50 ألف فدان، لإيواء نحو 200 ألف لاجيء من غزة، و20 ألف في مصر. كان هدف عبدالناصر إنساني بحت، بسبب تردي الأحوال في غزة وتفشي السُل، الذي أصاب ربع سكانه، وفي ظل انشغال عبدالناصر بالجلاء. ولكن انتفاضة 1-3 مارس 1955 والتي تفجرت عقب العدوان الإسرائيلي على بير الصفا بغزة 28 فبراير، أطاحت من ضمن ما أطاحت بمشروع سيناء، ومشروعات التوطين والتهجير الأخرى، كما كانت سببًا في تصحيح موقف عبد الناصر من القضية الفلسطينية.
بالفعل، مرت سبعون سنة، ولكن أيضًا خلال هذه السنوات السبعين، بكل ما حملته من حروب ضارية، وحتى الحرب الأخيرة التي أودت بحياة ما يربو عن 15 ألف، وأربعة أضعافهم من المصابين، وعدد غير معلوم من المعتقلين، ولم تتضح نهايتها بعد، لم يبدِ الفلسطينيون أي استعداد للنزوح نحو رفح المصرية.
أضف إلى ذلك أن إسرائيل تفترض قبول مصري، وهو ما لم يحدث، إذ أنه يصَدِّر العبء الأمني إلى مصر، كما يعطي ذريعة مستقبلية لاجتياح سيناء، بحجة معروفة، وهي تجدد المقاومة.
وجدير بالذكر، وحسب ما يرى محللون، أن لإسرائيل مخططات بعيدة تتضمن ترحيل أهالي غزة، وذلك طمعًا في استغلال مخزون الغاز المكتشف في سواحلها، وتمهيدًا لتنفيذ مشروع قناة البحرين، التي تصل البحر الأحمر بالبحر المتوسط، مرورا بالبحر الميت، كبديل لقناة السويس.
التدجين- سيناريو الضفة
برغم تعالي أصوات المتطرفين المطالبين بإعادة احتلال غزة، إلا أن القيادات الإسرائيلية تدرك أن ذلك انتحار. وفي المقابل، فهي تطرح دخول قوات متعددة الجنسيات، وفي آراء أخرى، قوات مصرية، للسيطرة على القطاع لحين نقل السلطة الفلسطينية من الضفة لتتولى السيطرة على غزة. الإشكالية الأولى هنا هي هل تقبل فتح دخول غزة على دبابات إسرائيلية؟ أما الإشكالية الثانية، فهي اختيار من سيأتي على رأس السلطة مستقبلًا، وقد طرحت ثلاثة أسماء:
1- الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، القابع على رأس الضفة المُدجّنة، دون انتخابات منذ 17 سنة، لكنه لا يحظى بقبول في الضفة نفسها، وما بالك بغزة، فهو إن كان طَيِّعًا للإسرائيليين، لكنه لن يستطيع تولي الدور المنوط به.
2- محمد دحلان: والمدعوم من الإمارات، ترجع أصوله إلى قرية «حمامة»، وعاش في مخيم خان يونس بقطاع غزة، وهو عضو اللجنة المركزية لحركة فتح. لكن دحلان نفسه أذكى من أن يزج بنفسه في تلك المحرقة السياسية، وإن كان من الممكن في مرحلة تالية أن يفعل ذلك حين تستقر الأمور وتتضح الصورة.
3- مروان البرغوثي: رجل مقاوم، منذ أن بدأ شيوعيًا، ثم انضم إلى «فتح»، وصار مسؤولها في الضفة، حتى غضب عليه عرفات. تبنى البرغوثي المسؤولية عن عمليات استشهادية خلال الانتفاضة الثانية، فاعتقل وسجن في 2002.
تاريخ البرغوثي النضالي يجعله مقبولًا بالمقارنة بأبو مازن في الضفة، وحتى في غزة. كما أن اثنتين وعشرين سنة من الاعتقال تجعله في نظر إسرائيل قابلًا للتطويع، على الأقل نسبيًا. ومن يتبنى هذا التوجه في إسرائيل هم القادة المحسوبين على تيار اليسار الصهيوني، من بقايا أوسلو، لكنه لا يحظى بأي قبول لدى اليمين المتطرف، ولا من نتنياهو، وإن يظل مطروحًا أن يقبله نتنياهو تحت الضغط.
العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر
ويفترض هذا السيناريو، الذي يأخذ مسارات تفصيلية عدة، استئناف إسرائيل القتال، بالوتيرة نفسها، أو بوتيرة مختلفة، فيما شبهوه بـ«عملية عسكرية جراحية»، بتحويل كمي ونوعي في عملياتها لاقتلاع «حماس»، يسمح بتقليل التكلفة الاقتصادية والبشرية، وتسريح عدد من قوات الاحتياط، ثم الانسحاب وإحكام الحصار كما في السابق، وترك غزة في وضع أسوأ بالطبع من عشية 7 أكتوبر.
لكن هذا السيناريو قد يواجه معارضة دولية، وأيضًا من جانب الولايات المتحدة التي ترى أن الحصار لم يمنع تسلح «حماس»، وبالتالي لن يحول دون إعادة بنائها، أو ظهور ما هو أشد «تطرفًا» منها، كما أن المعارضة الشعبية وحملات المقاطعة، ستؤدي إلى عزلة إسرائيل. لكن السيناريو يعطي فرصة لاستمرار الحكومة، دون/ مع تغييرات، حتى بعد إعادة الانتخابات، وربما فرصة لنتنياهو نفسه، كان قد فقدها.
التصعيد
يرتبط بالسيناريو السابق، كوسيلة للهروب إلى الأمام، بتوسع دائرة الاشتباك، على جبهات أخرى، شمالًا ضد حزب الله، وحشد حلفاء دوليين لشن حرب ضد إيران. هذا المستوى الكارثي من التصعيد، وإن كان يمثل حلمًا لليمين المتطرف بإسرائيل، لكنه يشكل مستقبلًا بشعًا للمنطقة ككل. يقلل من احتمالاته إحجام الأطراف المطروحة من جانب إسرائيل، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا، ودول أسمتها بحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، عن التورط في ذلك.
لكننا يمكن أن نلاحظ أن السيناريوهات المطروحة، على اختلافها، وتعقد تفاصيلها، تشوبها «الفوقية» و«الاستبدالية»، وتطرحها أطراف خارجية رسمية أو غير رسمية، بل ويطرحها العدو نفسه، وهو ما ينطوي على تجاهل تام لإرادة الشعب الفلسطيني، وحقه في تقرير مصيره.
أخيرا فإن كل التكهنات تظل متوقفة على نتائج الحرب، لصالح إسرائيل أو لصالح المقاومة.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد