عن فقد الأمل وذوبان الشمعة: دراسة الميكانيكا في قوقعة
خلاص كده؟ مضيت فعلًا خمس سنوات منذ صعدت سلم عنبر «أ» في سجن استقبال طرة حاملًا مسطرتي حرف الـ T لأول مرة في السنة الإعدادية من كلية الهندسة بجامعة عين شمس؟ حقًا، درست وامتحنت 49 مرة وأنجزت مشروع التخرج؟
أتذكر ذلك اليوم جيدًا.. كان يومًا مركبًا اختلط فيه حماس البدايات بأسى الإحباطات السابقة. قبل أيام فقط كان قد حُكم عليّ بالسجن المشدد لخمس عشرة سنة، وفي ذلك الوقت كنت لا أزال في أيام السجن الساذجة حيث أحسب الفترات بالشهور لا بالسنين، على اعتبار أن الظلم لا يدوم طويلًا والعدل سينتصر ببراءة تليق بصبي في الثامنة عشر من عمره، ذلك بعد أيام من فصلي من كلية الهندسة في الجامعة الألمانية والتي حلمتُ بالدراسة فيها طويلًا.
حاول الكثير من الناس إبعادي عن دراسة الهندسة من السجن، كانت أغلب الاقتراحات ترجح الاقتصاد والعلوم السياسية، حتى إن أمي اقترحتها في البداية. لم أستطع تقبل فكرة الابتعاد عن الهندسة. لم أرد أن أتخلى عن أحلامي كلها دفعة واحدة في وقت قصير. حلم الجامعة الألمانية تخليت عنه مجبرًا. بل تخلى هو عني. في النهاية شجعتني أمي على السعي وراء حلمي، وكنت دومًا أنتظر تأييدها، وما أن وصل انطلقت.
إعدادي التغريبة
بحثتُ بحماس عمَن يشرح لي ما لا أفهم، وقررت الخوض منفردًا في ما تمكن عقلي من استيعابه. أهرب من السجان في الصباح للدور الرابع حيث ينتظرني أستاذ بكلية الهندسة المدنية يشرح لي الاستاتيكا، ثم اهرع إلى زنزانة زميلي في السجن ليبسط لي ألغاز الوصفية والرسم الهندسي، ثم أنغمس في زنزانتي في متاهات الرياضيات وطلاسم الفيزياء. كما قلتُ، في ذلك الوقت كنتُ ساذجًا وأنتظر حكم النقض على قضيتي، وكنت متحمسًا لأنه سيأتي لي ولأبي، السجين كذلك، بالبراءة الأكيدة. أشد الهمّة بضعة شهور لأستعيد لياقتي الذهنية، أريد أن أستعد للفصل الدراسي الثاني في الجامعة.
لم يقطع تلك الحالة إلا قرار مفاجئ بنقلي إلى سجن وادي النطرون كمحكوم عليه قبل الامتحانات بشهر ونصف فقط. لا أريد أن استفيض في تذكر شريط العذاب والإهانة والانكسار والقهر الذي عشته مع أبي في ذلك المكان الكريه. كتبت حينها واستفضت، الآن سأتخطى الأسبوعين، وعلى كل حال كانا من دون دراسة، بل من دون أن أفتح عيني. سأبدأ من الاستفاقة إلى اقتراب الامتحانات دون أن استعد. منذ انحشرت ضامًا ركبتي إلى صدري في الثلاثين سنتيمترًا المخصصة لي، دفنت نفسي في كتبي والمذاكرة طوال النهار والليل، ليس اجتهادًا ولا عبقرية. كنتُ قد أدركت أن المذاكرة هي المخرج الوحيد الذي يحملني خارج الكابوس، ويحفظ لي حدًا أدنى من إنسانيتي وعقلي. كون المذاكرة السبيل الوحيد لئلا أتجمد مكاني، وأبقى متحركًا بأي شكل في طريقي. وتحوّل هذا الإدراك مع الوقت إلى رافعة وحيدة تعمل وقت انكسار أو قهر أو رغبة في الاستسلام وترك كل شيء للخراب، وتتعطل في أحيان أخرى ولا ينقذها إلا لطف ربنا.
مضى أول فصل دراسي ورُحّلت إلى ليمان طرة لأداء الامتحانات. كتبتُ وقتها كذلك عن الترحيل للقسم كل امتحان ورؤيتي للجامعة وزملائي من شباك سيارة الترحيلات، وضغط الضباط والأمناء عليّ لإنهاء الامتحان سريعًا والإلحاح على البحث عن أي مذكرة للغش منها لينتهوا من عناء مراقبتي وغيظهم عند رفضي. أبليتُ في تلك الامتحانات أفضل كثيرًا مما توقعتُ، وساعدني اعتماد معظم المواد على ما درستُه في الثانوية العامة إلا قليلًا. وكانت أمي تبقى كل امتحان خارج القسم جالسة على الرصيف طوال ثلاث ساعات لتطمئن على أدائي، تأتي من الرحاب في كل مرة مع أخي أو أختي أو أحد أصدقائي. كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي أؤدي فيها الامتحان من القسم، بعد ذلك كانت الامتحانات للطلاب المحبوسين تتمّ في السجون، وأنا أديتها في سجن استقبال طرة.
عدتُ بعد انتهاء الامتحانات إلى وادي النطرون وأمضيت ثلاثة أشهر كما أصبح حالي الدائم. محشور ومقرفص، وشي مدفون في كتاب، مذكرة على فخذي اليسرى ودفتر على اليمنى، وقلم في يدي وآلة حاسبة على بطني، وكشاف صغير كلعب الأطفال يؤلم العين متدلٍ من يد حقيبتي أوقده ليلًا وبعد الفجر.
كنت أشعر في بدء كل فصل دراسي برعب دوري، أصبح معتادًا، عند أول نظرة ألقيها على المناهج حين لا أفهم حرفًا واحدًا، فيسيّطر الهلع عليّ من أني سأرسب وأن هذه المرة مختلفة عن سابقتها وأني لست قادرًا على تحدٍ كهذا.. من أنا وكيف لي أن أنجح في دراسة مواد قد لا يوفق فيها من لديه محاضرات وأساتذة ومعيدين وزملاء ومعامل ودروس المراكز وإنترنت. هكذا كنت أقول لنفسي، وهكذا أيضًا تعلمت أن لحظات الهلع تمر.
مضى الفصل الثاني كما الأول، وتلى الامتحان الآخر. وفي سجن استقبال طرة عايشتُ مضايقات أُخرى كتبت عنها حينها. كانت غرف الطلبة أشبه بالسيرك. فترة الامتحانات تكون ملتقى لجميع الطلبة من جميع السجون من أنحاء الجمهورية، يجتمع فيها أصدقاء لشهرين قبل أن يتفرق كل منهم لسجنه منتظرين امتحانات الفصل التالي. لذا كانت أشبه بفترة المصيف وضجيجه. عانيت كثيرًا للتركيز والنوم لقدر كاف.. في النهاية كنت راضيًا ولم يحزنني سوى أنني تخيلت أني سأنهي هذا الفصل خارج السجن.
انتهيتُ وعدتُ لوادي النطرون لأقضي أول إجازة صيف.
سنة أولى.. ميكانيكا لا غيرها
صدمت من نتيجة الامتحانات، حصلت على تقديرات ما بين المقبول والجيد في المواد التي توقعت أن أصل فيها للامتياز. عرفت في ما بعد أني نجحت بدرجات الامتحان فقط دون أي من درجات أعمال السنة، واستغرب الناس أني نجحت دونها أصلًا. تلك كانت خبرتي الأولى في أن أناقش فكرة الرسوب واحتماليتها.
قرأت بعدها في جريدة أن القضاء الإداري حكم لطلاب مسجونين بالحصول على درجات أعمال السنة من امتحان إضافي يُقدم لهم مع الامتحان النهائي «مراعاة لظروفهم». قصصتُ الخبر واحتفظتُ به وأخرجته لأمي في الزيارة، وطالبنا إدارة الكلية بتطبيقه عليّ. بعد سعي حثيث ومقابلات عدة، خرج اجتماع مجلس الكلية أخيرًا بقرار أن يطبّق هذا الحكم عليّ وعلى جميع الطلاب المسجونين، كان هذا القرار فارقًا في الاستمرار.
بعد ذلك كان عليّ أن أحسم مصيري باختيار القسم. كنت أحلم بقسم الميكانيكا ولا أريد غيره. واجه هذا الميل تحذيرًا شديدًا من كل مَن سألتهم، أمي وزملائي في الكلية وحتى بعض الأساتذة. الميكانيكا هي رعب طلاب الهندسة، وطلبته هم الأكثر بؤسًا. كان الأسهل اختيار الهندسة المدنية أو الكهربية.
كنت دومًا مبهورًا بالعلاقات بين الأجسام و حركتها، وأرى أن الميكانيكا أساس كل فروع الهندسة ومنطلقها الأول. أنظر حولي فأرى الميكانيكا فى كل شيء: فى حركة الآلات والبشر والحيوانات والطيور، فأزداد هوسًا بسبر أغوارها وكشف أسرارها.. كشف أسرار كل شيء.
في الزيارة التالية أبلغت أمي بقراري، سأدرس الميكانيكا.
بدأ أصعب تحدٍّ في حياتي بنطق هذه الكلمة. كان الهلع مُضاعفًا هذه المرة، والألغاز في كل مكان. بدت الصعوبة الشديدة التي ظهرت أقرب للاستحالة. لم يعد هناك وقت للنوم لأن ما قد يُفهَم في الكلية في خمس دقائق كان يأخذ مني ساعات. الوقت مهما استُغِلَّ يبقى ضيقًا ولا موعد للحكم في النقض يلوح في الأفق.. فلنبدأ.
استعصى عليّ الكثير في البداية وزاد خوفي وقلقي. لكني توصلت لأسلوب سأتبعه باقي السنوات. سأكتب ورقة فيها كل أسئلتي عن كل مادة خلال الأسبوعين، وأخرجها في كل زيارة، لتصل في ما بعد إلى زميلين في الكلية وتعود الإجابات في الزيارة التالية لتُسلّم ورقة الأسئلة الجديدة.. وهكذا بدأت الألغاز تنفكّ.
مرّ الفصل كسابقيه ورحلت لأداء الامتحانات. كنتُ جاهزًا هذه المرة بسدادات الأذن التي لم تفارقني للتعامل مع ضجيج غرفة الطلبة ومواسم اللقاء، وانهمكتُ في إنهاء المواد بحماس أشعله قرار أعمال السنة الذي أعطاني أملًا في الحصول على تقديرات جيدة. عدت إلى وادي النطرون وانتظرت النتيجة بلهفة.
أتذكر وجه أمي، ولا أستطع استذكار إحساسي، وهي تبلغني في زيارة بحصولي على امتياز في الرياضيات، وجيد جدًا في الميكانيكا التي كان امتحانها صعبًا ومُعدّل النجاح فيه قليل.
أحد المعيدين أخبرني في الفصل التالي أن الإدارة حققت معهم لأنها لم تقتنع بصحة نتيجتي في المادة التي كانوا يراقبوني فيها، وأن الأمر لم يُحل إلا بعد أن قارنوها بنتائج مواد راقبني فيها معيدين من أقسام أخرى، وعلى كل حال كانت تلك آخر سنة يراقبني فيها معيد من قسم الميكانيكا.
بحلول امتحانات الفصل الثاني كان ميعاد جلسة النقض قد حُدد على أن تتمّ في إجازة صيف العام الجاري.. بعد عام ونصف من الحكم. كانت الصورة في ذهني خلال الشهور التالية هي شكلي عندما أدخل الكلية لأول مرة، غرابة الموقف أن أراها للمرة الأولى وأنا في السنة الثالثة، حماسي للمشاركة في أنشطة الطلاب.
مضى هذا الفصل أيضًا بين قعدة القرفصاء وكشاف الرأس وسدادات الأذن، واستطعت سنتها أخيرًا أن أحصل على إذن لإدخال طاولة بلاستيكية صغيرة تظل في ساحة التريض لأتمرن على الرسم الميكانيكي في ساعة التهوية اليومية وحصلت على تقديرات مرضية.
حان بعدها موعد جلسة النقض. كانت صدمتي الأولى عندما قرروا تأجيلها إلي مارس، ما عنى أني على الأقل لن أحضر الفصل الأول في الجامعة وسأنتظر في السجن. أُصبت بإحباط، وكان إحباطًا تافهًا بجانب ما كان ينتظرني في الشهور التالية. كتبتُ عبارة تحفيزية على الحائط ورائي: «لا تنطفئ.. وأنت مَن اعتاد العالم على توهجه». كتبتها ببطء وبتفكير بطئ في كل حرف. بحلول فترة الامتحانات كانت فترة الهبوط قد مرّت، وعدتُ لممارسة عادة إخراج أوراق الأسئلة وتلقي أوراق الشرح من زملائي.. وعدتُ لأرحل إلى رحلة الامتحانات.
حدث وقتها أن رُحل أبي وكل أفراد القضية من سجن وادي النطرون إلى سجن طرة شديد الحراسة 2، وبقيتُ أنا والطلبة المتهمين في نفس قضيتي حيث كنّا وقتها نؤدي الامتحانات في استقبال طرة. بعد انتهاء الامتحانات عدنا لوادي النطرون مرة أخرى، ووجدنا أن أغلب السجن رُحل، كما حدث في باقي سجون الجمهورية. كان هناك أمر ما لا نعلمه. وهذه كانت أيامي الأولى في سجن وادي النطرون دون وجود والدي. ركزت على دفن نفسي في المذاكرة لتجاوز القلق من اقتراب موعد النقض، وكنتُ أريد السباق قليلًا في المذاكرة لأنني ربما أفقد بعض الوقت عند خروجي من السجن.

سنة النقض.. الجامعة تنتظر؟
جاء يوم النقض.
قد يفكر البعض لوهلة عندما يُسأل عن أكثر لحظات حياتهم سوءًا. حظي أحسن، أنا أعرف فورًا أن لحظة الحكم في النقض كانت هي أسوأ لحظات حياتي. كنتُ جالسًا في الصباح مع إخوتي في القضية، أيمن وأبوالفتوح، كانا في ذلك الوقت قد انتقلا إلى زنزانتي. سمعنا الصوت في النشرة يقول: «رفضت محكمة النقض الطعن المقدم من تسعة وخمسين إخوانيًا إرهابيًا في ما يُعرف بأحداث شغب الأزبكية».
عندي، انقطع الصوت بعد ذلك. لم أفهم في البداية أن الخبر يخصنا؛ «إخوان»؟ «إرهابيين»؟ إحنا؟ تأكدت أننا المقصودون بسماع آخر ثلاث كلمات من الصوت: «أحداث شغب الأزبكية»، هذا هو اسم قضيتنا عند الصحفيين.
لا أستطيع سرد تفاصيل كثيرة عن ذلك الوقت. ربما كانت سمته الأساسية هو الخواء والشك في كل شيء. وأيضًا تلك كانت الفترة الوحيدة في السجن التي انطفأت فيها فعليًا. لحظة ما حُسم أني سأبقى 15 سنة في السجن دون أي فرصة للطعن. ربما تكون هذه هي اللحظة التي بدأت فيها مراكمة أضرار عنيفة لا أتصور أني سأتخلص منها يومًا.
أي أني سأمضي الخمسة عشر عامًا بأكملها أنا وأبي في السجن بلا أي ذنب. فقدت المحرك اللعين الوحيد الذي كان يبقيني بالكاد على قيد الاشتعال. هذا المحرك الذي صرت أرهبه وأهرب منه من يومها. الأمل.
انتهت هذه الفترة بتعلم مهارة جديدة: أن أفصل بين مشاعري وعمل عقلي.
في البداية كان يسيطر عليّ الدخول في دوامات مظلمة لعدة أيام. فقط أنظر إلى الحائط ولا أريد شيئًا. أصمت لساعات طويلة ثم أبكي فجأة بشكل هيستيري ولا يضايقني إلا فكرة وجودي في حد ذاته. أعود للصمت. أتذكر أبي في السجن الآخر، أعود للبكاء، وأصمت لأيام.
حاولت أمي أن تدفعني للتعلق بأمل أن تحدث معجزة ما وأخرج، لكن الأمر لم ينفع. لكن محاولاتها ربما دفعتني للتفكير في ضرورة إنهاء العام الدراسي الحالي، فقط لأني لا أريد أن أزيد همومها التي سببتها، وبعد ذلك سأؤجل الدراسة لأجل غير مسمى. لم ينقذني في هذا العام سوى المذاكرة التي راكمتها قبل حكم النقض. كان دافعي تعويض ما سأستهلكه من وقت في إجراءات الخروج والتعايش مع العالم، وكان عوضًا عن ذلك لتعويض ما استهلكته في التعايش مع البقاء في السجن وفي تأمل وجودي المنكوب.
لم شمل، عفو رئاسي أم مناسبة للنسيان؟
في نهاية هذا الفصل أُعلن عن تشكيل لجنة العفو الرئاسي للشباب المحبوسين. انتشرت التكهنات والتحليلات. البعض يؤكد أن الأمر ينطبق علينا وأننا سنخرج قريبًا، والآخر يشكك في صدق الأمر. وفي ذلك الوقت كنت قد تعلمت وتوقفت عن السذاجة.
بعد عودتنا لوادي النطرون بشهور أُعلنت عن القائمة الأولي من الشباب المُعفى عنهم وفيها اثنين من قضيتَي وكثير من أصدقائنا الطلبة. تأكد الأمر عندها وعاد الأمل مُتدفقًا كعادته. تخيّلنا في وقتها أن الانتقالات التي شملت أبي بين السجون كانت لترحيل سجناء وتجهيزهم إلى برنامج العفو الرئاسي، لذا سعى أبي حثيثًا لإقناع الضباط بنقلي معه إلى سجنه الجديد. في ذلك الوقت كنت أريد تأجيل كل الامتحانات وبالتالي لم أذاكر.. لكن مع الأخبار الجديدة وتشجيع أمي قررت دخول الامتحانات باستثناء مادتين فقط أجلتهما للعام المقبل، على أمل أن تأتي السنة الجديدة وأنا خارج السجن فأستطيع تحصيل المادتين.
بقدوم الامتحانات كنتُ قد بذلتُ جهدًا خرافيًا لإنهاء المواد المتبقية والتي كانت تزداد صعوبة بشكل رهيب، حتى بدأتُ أفهم صدق تحذير الناس لي من هذا القسم ومزاح زملائي عن إدمان وانتحار طلابه. ولكن رغم غرقي في ديناميكا الموائع وتصميم الماكينات وغيرهما، فأنا الآن أعلم أنى اخترت الاختيار الصائب، فلم أكن أبدًا لأكمل في الهندسة المدنية أو الكهربية مع نفوري منهما ولو كانتا أسهل بكثير، ففي رحلتي المريرة لم ينفعني ويدفعني سوى الشغف بالميكانيكا.
أنهيت امتحانات هذا الفصل بعد الرحلة المُعتادة من وادى النطرون إلى الاستقبال. وبعد نهاية الامتحانات رُحل كل زملائي إلى وادي النطرون إلا أنا.
كنت ذاهبًا لسجن طرة شديد الحراسة 2. انهمرت علىّ التهاني، فقد كنت ذاهبًا لسجن العفو الذي يحلم الجميع الآن بدخوله. رُحلت وحيدًا حاملًا حقيبتي على ظهري وممتلئًا بالأمل. كل خطوة تقربني من العفو ونهاية الكابوس. علمت بعدها أن أبي استطاع إقناع ضابط الأمن الوطني بنقلي معه إلى هذا السجن، ظانًا أن دخولي هُنا معناه دخولي في برنامج العفو، كان مُخطئًا، نقلت لاعتبار «لم الشمل» فقط.
اجتمعُت بأبي للمرة الأولي منذ عام. تغيّر شكله وتغيّرتُ. أتممت عامي الحادي والعشرين وأكمل هو الخمسين، وزاحم أبيضُ شعره أسوَدَهُ بشكل ملحوظ. كنّا في زنزانتين متجاورتين وكان معي عبد الرحمن عارف، وكان من أقرب أصدقائي وزميلي في القضية وكنت افتقده كثيرًا. لدي كل يوم ثلاث ساعات للتريض مع أبي في الصباح، والمذاكرة باقي اليوم في الزنزانة، وهناك أسهر مع عبدالرحمن حتى الليل.
كانت الزنزانة تحوي شيئًا من الخيال لم أره من سنوات؛ سرير عرضه 90 سنتيمترًا. هذه المساحة التي ينام بها ثلاثة في وادي النطرون كانت لي كاملة. مساحة تسمح لي بثني ركبتي وفرد ساقي وإسناد ظهري للحائط والجلوس وحيدًا والنوم بلا أجساد تلاصقني من كل الاتجاهات. الكنز الحقيقي هو الخصوصية. شددت ملاءات كالستائر حول سريري الجديد وتلذذتُ بكل لحظة خصوصية افتقدتها. كانت المذاكرة أسهل بمراحل، هناك متسع يكفي لأجلس متربعًا وأمامي الكتب وجواري كوب قهوة. مضى شهرين على هذا الحال.
في مارس 2017 جاء يوم مؤلم آخر. خرج أبي وعبد الرحمن و17 آخرون من المتهمين في قضيتي، وبقيت وحيدًا. كتبتُ يومها عن مشاعر متضاربة بين راحة عظيمة لم اختبرها منذ زمن بخروج أبي من هذا الكابوس ووجوده مرة أخرى مع أمي وإخوتي، وبين شعور آخر بالفقد لا يُوصف. بكيتُ كثيرًا، وكانت تلك المرة الأخيرة التي أبكي فيها حتى اليوم.
مع الوقت استعدتُ مهارة فصل رأسي عن مشاعري. نواصل المذاكرة حتى صدور قائمة جديدة محتملة.
مع دخول امتحانات الفصل الثاني من السنة الرابعة علمتُ بحدوث تحقيقات مع زملائي الطلاب في القضية بوادي النطرون مع سجناء آخرين. زملائي الذين سبقتهم إلى هنا منذ شهور وهنئِّوني بالانتقال لسجن العفو، أتوا مع آخرين وفرحتُ كثيرًا لأننا سنخرج جميعًا بعد أن حلمنا سويًا بذلك لسنوات.
أديت الامتحانات بشكل جيد رغم صعوبات اللجان والصيام في شهر رمضان. انتهينا من الامتحانات وبقيت أيام على العيد، المناسبة التي سنخرج فيها بالعفو. صدرت القائمة، وخرج كل زملائي الاثنى عشر وبقيتُ.
السنة الأخيرة.. وحدي
سمعتُ أسمائهم تُنادى بالتوالي، وفكرتُ أن ربما أذني تعطلت وقت النداء على اسمي. عمومًا.. شعرتُ كأني يتيمٌ. ذهب أبي وبعده إخوتي تباعًا، وبقيتُ وحدي في سجن طرة شديد الحراسة 2. لم أبكِ كما قلتُ، لكني كنتُ قد طلّقت الأمل تمامًا، وكتبت على الحائط من شعر تميم البرغوثي: «تعلق المرء بالآمال تكذبُه بيع يزيد رواجاً كلما كسدا».
علمت بعد ذلك أن مجيئي وحيدًا للم الشمل مع والدي فصلني عن السير الطبيعي للأمور، وأن عدم ضمي مع قوائم المُعفى عنهم كل مرة لم يكن استبعادًا، بل كان لأني غير مشمول فيه من الأساس.
ملأني الخواء مرة جديدة وتشككتُ في جدوى كل ما أفعل. ثم جاء دور تفعيل الفصل بين عقلي وعواطفي في معركة نهائية ستكون الأصعب منذ بدء هذا السباق. العام النهائي، سنة مشروع التخرج.
هاتان هُما عقبتا العام الحالي، عليّ أن أنهي دراسة مادتين أجلتهما من العام الماضي، ثم إنهاء مشروع التخرج. ساعدني وجود أبي خارج السجن كثيرًا، تعرّف على زميل لي في دفعتي، وكان يأخذ منه كل الأوراق والكتب والمراجع التي أريدها. شرحت لأبي ما أنوي فعله فأحضر لي كتب ومراجع المادتين المؤجلتين من السنة الماضية لأنهي دراستهما في إجازة الصيف، وما أن تبدأ السنة الدراسية رسميًا أكون انتهيتُ منهما لأبدأ دراسة السنة الحالية والتفرغ لمشروع التخرج.
كتبتُ طلبًا مؤثرًا لإدارة الكلية للسماح لي بتحضير مشروع التخرج من السجن كبحث نظري أقوم بتسليم أوراقه وتقارير عن مساره أولًا بأول. وافقت الكلية بشرط أن أجد أستاذًا مشرفًا يوافق على تولي مسؤوليتي. تحرك أبي بين رفض ورفض حتى وافق أخيرًا أستاذ أدين له ما حييتُ. وتوالت المراجع في الوصول عن موضوع مشروع تخرجي. انهمكتُ في مذاكرة مواد السنة الأخيرة ومعها مراجعة مادتي السنة الماضية، وبعد ذلك الانغماس في استيعاب المراجع عن المشروع وإعداد التقارير المطلوبة مني تباعًا وأعطيها لأبي ليسلمها للمشرف على المشروع.
امتلأ حائطي بالجداول التي احترفت تصميمها لتخطيط وقتي. هناك جدول لليوم وساعاته، وآخر للأسبوع ومواد كل يوم فيه، وثالث للشهر وما أريد إنجازه فيه حتى موعد الامتحانات. كانت جداول هذا العام الأكثر ازدحامًا وضيقًا. عمليًا، كانت شهور متتالية من الإرهاق والاستنزاف النفسي والجسدي، بدأتُ منذ بداية العام الرابع ثم مذاكرة المواد المؤجلة في الصيف ثم بداية العام الخامس، وعليّ أن أواصل حتى امتحان المواد المؤجلة في مارس ومن ثم تسليم النسخة النهائية من مشروع التخرج بخط اليد، ومذاكرة كل أجزائه استعدادًا للامتحان الكبير والمناقشة في منتصف يوليو.
انقضت حياتي الجامعية وتوقفت عن كوني طالبًا. عدت من آخر امتحان لمشروع التخرج متوقعًا خليط من مشاعر الفرح أو الفخر أو البؤس.. أي مشاعر. لكني لم أشعر بأي شيء. قضيتُ أيامًا دون شعور محدد حتى زارتني العائلة وأخبروني بنجاحي بتقدير جيد جدًا، وامتياز عن مشروع التخرج، يومها ابتهجت تحديدًا لأن أمي كانت سعيدة وفخورة. بخصوص الدراسة نفسها والامتحانات والنتيجة لم أشعر بشيء، ربما فقط فكرت في أن هذا «الإنجاز» في النهاية لا يبقى منه سوى ورقة تحمل تقديرًا جيدًا عن مهندس ميكانيكا، ولا تخبر أي شيء مما كان وراء هذه الورقة، هذه أصلًا قصة لا يهتم بها سواي وأهلي. حتى أني لم أحزن لأني لن أشارك في حفل تخرج دفعتي، التي لا أعرفها أصلًا. أو لأن حياتي الجامعية مرت دون أن تحدث فعلًا.. شعرتُ فقط بالملل من كل هذا، وأردت الذهاب للبيت.
صحيح، نسيت إخباركم أن في ذلك الوقت كانت قد صدرت بالفعل قائمة رابعة للعفو في رمضان 2018، بعد عام كامل من إصدار الثالثة، كما صدرت القائمة الخامسة في رمضان 2019، طبعًا في ذلك الوقت كنت قد فقدت اهتمامي بمتابعة الأمر من الأساس.
استعيد الآن بعض المشاهد من دراستي الجامعية من داخل قوقعة السجن. ليس هناك الكثير من المشاهد اللطيفة. استعيد دائمًا كشاف الليل، كان يحرق عيني دائمًا. أتذكر مراقب بعينه أدركت في لحظة ما أنه يسعى للمراقبة عليّ أنا تحديدًا، يأتي ويمارس سلطته ويزيد تضييق الوقت وإضاعته لأنه عايز يروح البيت ينام ساعتين. يريدني أنا، المحكوم بالسجن المشدد 15 سنة، قضيت منهم ست أدرس الميكانيكا من أجل لحظة الامتحان، أن أختصر الوقت الذي لا يكفي الطالب في المدرج أصلًا لأنه عايز ينام. مضحك أمره، أفكر في أنه أعتقد أني في كل الأحوال غارق في الظلم والقهر، فلن يضير سكب بعض قطرات من عنده. أفكر في أول مرة قرر مراقب أن يسحب مني ورقة الامتحان ولم أجد مَن ينصفني، كدتُ أموت من القهر والغيظ وأقسمتُ ألا أسمح بتكرار ذلك حتى لو ارتكبت جريمة. قواعد الأدب لا تجدي في كل الأوقات، وكان أن الورقة لم تُسحب مني لمرة ثانية.
استعيد كذلك اللحظات التي أكتشف فيها حلًا بسيطًا لمعضلة أنهكتني لأيام، واكتشفتُ أني أضعت أيامًا طويلة في مسائل يفهمها الطالب في الجامعة في دقائق، ولكن تهونها لحظة التجلى عند فهمها أخيرًا بعد مُعاناة. استعيد، ولا أريد التفكير فيما هو آتٍ. في فقد الأمل وذوبان الشمعة. في عامي الرابع والعشرين الذي شارف على الانتهاء، وعامي السابع في السجن الذي بدأ بالفعل. في الطفل صاحب السبعة عشر عامًا الذي مات وتلاشى. في البرئ الذي كان يتقافز علي السلم حاملاً مسطرته حرف الـ T في حماس، ولو علم لما حملها ولا تقافز، لو علم لخرَّ ميتاً لحظتها.
لكنه لم يعلم.
كتب هذا النص من السجن عن الفترة بين (أكتوبر 2013 حتى يوليو 2019) قبل الخروج في ( يناير 2020)
آراء أخرى
الحديث عن الأشجار
«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»
تدوينة: عنبرة
«يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، حيل التأقلم تنهار أمام العدم لتجد نفسك وحيدا في مواجهة الظلام»
«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
«كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد