تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

عن الحماية الاجتماعية في زمن «كوفيد 19»

أديب نعمة
7 دقيقة قراءة
عن الحماية الاجتماعية في زمن «كوفيد 19»

يأتي هذا النص في إطار سلسلة من الجلسات تحت عنوان «الحماية الاجتماعية بعد التباعد الاجتماعي» والتي ينظمها الملتقى العربي للحماية الاجتماعية من «كوفيد 19». وتطرقت الجلسة الأولى لنشأة وتطور مفهوم الحماية الاجتماعية في العالم العربي.  

كشفت جائحة كورونا التشوهات البنيوية في النسق الحضاري السائد في مجتمعاتنا، وفي نماذج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أكثر مما تسببت في توليد مشكلات جديدة، ما عدا ما يتصل بالجانب الطبي بالمعنى المباشر. ولعبت الجائحة، إلى حد بعيد، دور المُسرع في بلوغ المشكلات القائمة أصلًا ذروتها، وتحولها إلى أزمات مفتوحة. كما أنها فتحت نافذة على توجهات متعارضة للاستجابة لها، والتفكير في ما تفرضه من رؤى مستقبلية متناقضة، بعضها لا يريد مغادرة النماذج السابقة المأزومة، بل رفع مستوى تعميم منظومة القيم المشوهة السائدة إلى مستوى أعلى، وفرضه على الناس والكوكب بطريقة قسرية أكثر فجاجة، وتحويل جائحة كورونا إلى فرصة للانتكاس والتراجع عن منظومة الحقوق وقيم المساواة والعدالة الاجتماعية الديمقراطية. 

الحماية الاجتماعية حق. يتم ترجمة ومأسسة هذا الحق لجعله قابلًا للتطبيق والتحول إلى واقع من خلال أنظمة شاملة وفعالة للحماية الاجتماعية. وعلى هذا الأساس، تصاغ تصورات معيارية لما يجب أن تكون عليه هذه الأنظمة. ويتمثل أحد الأطر المعيارية الأكثر انتشارًا فيما طورته منظمة العمل الدولية، التي حددت ضرورة تغطية تسعة فروع/أبعاد في أي نظام حماية اجتماعية: 1- الخدمات العلاجية. 2- منح المرض. 3- منح البطالة. 4- منافع الشيخوخة. 5- التغطية ضد حوادث العمل والأمراض المهنية. 6- المنافع العائلية. 7- منافع الأمومة. 8- منح العجز. 9- منافع المتبقين على قيد الحياة. ما من شك أن لهذا الإطار فائدة كبيرة من الناحية العملية للتخطيط، ولتقييم شمولية أنظمة الحماية الاجتماعية. مع ذلك هذا ليس كافيًا هنا والآن.

ثلاث حالات لا بد من أخذها بعين الاعتبار، ولها دور حاسم في تقييم أنظمة الحماية الاجتماعية هي:

1- في حالة الحروب (كما هي أوضاع المنطقة العربية)، هناك تهديد مباشر وشامل للحق في الحياة: حماية الحياة لها أولوية، وفي منطق التصميم العام لأنظمة الحماية الاجتماعية افتراض ضمني أن حماية الحق في الحياة متحققة، حيث إن الحماية الاجتماعية هي للأحياء أصلًا. لكن في منطقتنا نحتاج إلى حماية الحق في الحياة بشكله المباشر جدًا، أي منع القتل الذي يتعرض له الناس. 

2- في بلداننا أيضًا حالة خاصة أكثر تطرفًا ناجمة عن انتهاك الحقوق على نطاق واسع ودفعة واحدة أحيانًا. بعضها بسبب الحرب أو الاحتلال (مثلًا اللاجئون والنازحون) وهؤلاء يحتاجون إلى حماية شاملة ومن نوع خاص تتجاوز أنظمة الحماية التقليدية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشعوب الواقعة تحت الاحتلال (كما في فلسطين) حيث مجمل حقوق الشعب منتهكة دفعة واحدة، ولا حماية فعلية لها إزاء سلطات الاحتلال. وبعضها الآخر بسبب الاستبداد وغياب الديمقراطية في الأنظمة السياسية، حيث تُنتهك حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية نظرًا لعدم الالتزام بمنظومة حقوق الإنسان أصلًا، وانتهاك هذه الحقوق من خلال الاعتقال والسجن وخنق حرية التعبير عن الرأي وقمع أو القضاء على أي اختلاف غير مرغوب فيه، في دول لا يسود فيها القانون. وهذا أيضًا نطاق للحماية غير مشمول بالتصور التقليدي لأنظمة الحماية الاجتماعية.

3- في ظل جائحة كورونا (الآن) تبرز الحاجة إلى توفير حماية اجتماعية لها طابع شامل حقًا، ومركب، نظرًا لتعدد الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للجائحة. وهذه أيضًا تتجاوز ما هو متاح من أنظمة حماية اجتماعية، علمًا بأنه كلما كان البلد المعني يتمتع بنظام حماية اجتماعية شامل ومستند إلى مفهوم الحق، كلما كانت استجابته للجائحة أكثر فعالية. ولكن، الجائحة تطرح أيضًا أسئلة جوهرية -لا بل وجودية أحيانًا- على مضمون وأدوات توفير الحماية للناس في صحتهم، وفي حياتهم. 

 بشكل عام، هناك مقاربتان رئيسيتان تتواجهان في موضوع الحماية الاجتماعية. ومقاربات الحماية الاجتماعية تشكل عنصرًا مكونًا من سياسات اجتماعية أشمل، أو سياسات مكافحة الفقر، ولا تنفصل عنها.

-       المقاربة الأولى لا ترى أن ثمة مشكلة كبيرة في النسق الاقتصادي السائد القائم على آليات السوق كآلية أولى ناظمة للاقتصاد (واستطرادًا للاجتماع أيضًا). وترى أن الفقر هو نتاج خلل في عمل الأسواق قابل للمعالجة من خلال إجراءات تصحيحية بسيطة نسبيًا. وبهذا المعنى يجب تحديد من هم الفقراء (غالبًا فئة محدودة العدد حسب هذه المقاربة)، ويجري تخصيصهم بسياسات وبرامج خاصة بهم تعوض عن عدم قدرتهم على الاستفادة من فرص السوق، دون تعديل هيكلي في الاقتصاد وآلياته. وضمن هذه السياسات تُقترح أنظمة مساعدة اجتماعية، الحديثة منها تطلق عليها تسمية «شبكات الأمان الاجتماعي»، وهي تقوم على مبدأ الاستهداف، والاستعاضة عن أي دعم عام وغير موجه، بدعم موجه مخصص للفقراء المؤهلين للاستفادة. ولا تتضمن شبكات الأمان أي تعديل في السياسات الاقتصادية، ولا تربط ظاهرة الفقر بأي أبعاد أو ظواهر أخرى، مثل اللامساواة أو الاستقطاب أو التمييز السياسي أو القانوني أو الديناميكيات الاقتصادية أو التاريخية… إلخ.

-       المقاربة الثانية تقوم على أساس مبدأ الحق، أي اعتبار الحماية الاجتماعية حق من حقوق الإنسان لا ينفصل عن الحقوق الأخرى. وهو حق للجميع دون استثناء، ولا يقتصر على الفقراء أو جزء منهم. وهذه المقاربة تنطلق من الترابط بين مشكلة الفقر واللامساواة، وبين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وتعارض فكرة تخصيص سياسات خاصة للفقراء دون غيرهم بمعزل عن السياسات العامة. وترى أن سياسات مكافحة الفقر، ومن ضمنها أنظمة الحماية الاجتماعية، لا بد أن تكون مكونًا في استراتيجيات وطنية شاملة للتنمية البشرية المستدامة ضمن منظور الحقوق الشاملة. وينتج عن ذلك أن تصميم أنظمة الحماية الاجتماعية يجب أن يلتزم بمبادئ حقوق الإنسان، أي أن تكون شاملة للجميع، وإن اعتمدت التدرج أو التخصيص، فيكون ذلك ضمن الالتزام بمبدأ التغطية الشاملة، لا على حسابها، وأن تكون أنظمة الحماية شاملة لجميع الأبعاد الضرورية، ولا تقتصر على جانب دون الآخر، وأن تكون مُمأسسة ومُقننة ومنظمة بآليات تجعل منها حقًا للمواطن وواجبًا على المسؤول، لا تتطلب أي نوع من الاستجداء أو التحايل للحصول عليها.   

جائحة كورونا أدت إلى اتساع دائرة الفقر، وتدهور أوضاع الطبقات الوسطى، وتفاقمت اللامساواة العمودية والأفقية، وتم تحميل آثار الأزمة بشكل متفاوت على الفقراء والنساء واللاجئين والنازحين والفئات الأكثر ضعفًا. كما تسببت في التوقف الكلي أو الجزئي للنشاط الاقتصادي، وتوسع البطالة، وانخفاض مداخيل العاملين بما في ذلك الطبقات الوسطى. وفي ظل عدم وجود أنظمة حماية اجتماعية شاملة، وضعف السياسات والقدرات الاقتصادية والمالية في بلداننا، فإن الشرائح الأكبر من الطبقات الوسطى، باتت في حاجة إلى مساعدة وإلى حماية اجتماعية، تمامًا كما كانت السياسات الحكومة تعتبرهم فقراء.

في وضعية من هذا النوع، حيث بين نصف وثلاثة أرباع السكان يحتاجون إلى مساعدة وحماية، تفتقد مقاربة الاستهداف فعاليتها بشكل شبه كامل، وتصبح السياسات العامة العادلة وأنظمة الحماية الاجتماعية الشاملة على أساس منظور الحقوق هي الوسيلة الوحيدة الواقعية والفعالة، وكلفتها أقل من أي مقاربة أخرى.   

تطرح جائحة كورونا على بساط البحث النمط الحضاري نفسه، ومنظومة القيم الموجهة للتطور المجتمعي في العالم. يتخذ هذا الطرح شكلًا لا يخلو من التبسيط في التعارض بين أولوية صحة الناس وصحة الاقتصاد، والأصح أن نقرأه تعارضًا بين الصالح العام وتراكم الأرباح، أو في قراءة فلسفية، تعارض منظومة قيمة، تفضل القيمة التبادلية على القيمة الاستعمالية أو العكس.  

السؤال الذي يطرحه المسيطرون على الاقتصاد والسياسة في العالم، بشأن المفاضلة أو المقايضة بين صحة الناس واقتصادهم، يبدو غريبًا ومُستهجنًا لمن يتبنى منظور الحقوق ومفاهيم التنمية. وهم عندما يطرحون السؤال فإن الجواب واضح بالنسبة لهم، وهو أن الاقتصاد له الأولوية، لذلك نرى انكبابهم على إيجاد طرق استعادة النمو وفتح الاقتصاد. 

لكن، الأمر معكوس في المنظور المقابل. الناس وصحتهم وحقهم في الحياة يأتي أولًا، ولا يمكن مقارنته بأولوية الاقتصاد. مع العلم أن هذه المقارنة مضللة في جانب منها، فالاقتصاد هو إدارة المجتمع والموارد والنشاط الاقتصادي في خدمة الناس (وهذا معناه الحقيقي ومقصده) أي بما هو وسيلة للتنمية والازدهار المعمم للجميع والصديق للطبيعة، وبهذه الصفة هو في مصلحة الناس، إلا أن المقصود في عقل أصحاب القرار الكبار أنه نمط الاقتصاد الذي كان قائمًا، والذي يقدس النمو الاقتصادي، ويقدمه على البيئة وعلى العدالة الاجتماعية، نمو اقتصادي محكوم بمصلحة الشركات الكبرى وكبار الأثرياء (طبعة الـ 1% عالميًا وفي كل بلد). إلا أن هذا النموذج الاقتصادي، والنموذجين الاجتماعي والقيمي المرتبطين به، محكوم بمبدأ المنفعة حصرًا. إنه الصراع بين القيمة التبادلية والقيمة الاستعمالية، الذي تطرحه جائحة كورونا على جدول أعمالنا، لاسيما ضرورة الانتقال من نموذج حضاري محكوم بمبدأ المنفعة إلى نموذج مختلف تمامًا، حيث الأولوية للقيم الاستعمالية والعدالة والمساواة للجميع، ولعلاقة جديدة بين النمو الاقتصادي والطبيعة، وبين الحاجة والحق. 

عن الكاتب

أديب نعمة

مستشار التنمية ومكافحة الفقر، وملتحق بشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية. عمل سابقًا كمستشار الإسكوا الإقليمي في الحوكمة وبناء الدولة. 

آراء أخرى

رأي
محمد عبد الرؤوف

عن الخطاب البيئي 

«ما زالت الحركة البيئية تقوم في أغلب صورها على مبدأ مركزية الإنسان»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).