تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

عن استراتيجية مواجهة التغيّر المناخي: مصر تستطيع أكثر

نبيل الهادي
10 دقيقة قراءة
عن استراتيجية مواجهة التغيّر المناخي: مصر تستطيع أكثر

في عام 2019 ألقى العالم السويدي الفذ يوهان روكستورم محاضرة في برلين عرض فيها رسم بياني، ووصفه بأنه أهم رسم بياني في التاريخ. ويوضح هذا الرسم ببساطة أن طوال تاريخ الأرض تعرضت درجات الحرارة لتقلبات كبيرة، ولكن مع الانتقال من العصر الجليدي لعصر الهولوسين الذي نعيش فيه منذ حوالي 11 ألف سنة، حدث استقرار يكاد يكون تامًا لدرجات الحرارة. هذا الاستقرار الكبير هو ببساطة ما مكّن من نشأة الحضارة البشرية، والانتقال من مرحلة الصيد وجمع الثمار إلى الاستقرار والمدنية كما نعرفها بصفة خاصة في مصر منذ أكثر من سبعة آلاف سنة. خلاصة ذلك أن التغيّر المناخي في جوهره يمثّل تهديدًا حقيقيًا للحضارة البشرية كما نعرفها.

نسخة أخرى للرسم البياني كما جاء في الوثائقي breaking boundaries والذي عُرض على شبكة نتفلِكس من يونيو هذا العام.

ولأنني مهتم بصورة عميقة بفهم ما يحدث فى التعامل مع التغيّر المناخي، قررتُ حضور جلسة عن  التغير المناخي في مصر، يوم 25 أكتوبر الماضي، ضمن فعاليات «أسبوع المياه» وحضر الجلسة مسؤولون من البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وممثلة الأمم المتحدة المقيمة في مصر، ومديرة البنك الدولي لمصر واليمن وجيبوتي، ومدير البنك الأوروبي للتعمير، ومستشار وزيرة البيئة والكاتب الرئيسي لاستراتيجية مصر لمواجهة التغيّر المناخي، والذي طُلب منه  في عشر دقائق أن يعرض أهم نقاط تلك الاستراتيجية.

عندما فتح باب الاسئلة سألت عن عدة أشياء ومن أهمها انطباعي الأول أن الحكومة ما تزال مصرة على إعطاء الأولوية للتكيف مع التغيّر المناخي وتجاهل العمل على التخفيف من أسبابه، فجائني الرد من مستشار وزيرة البيئة أن الاستراتيجية الجديدة تشمل التخفيف أيضًا، وبعد انتهاء الجلسة قلت له إننى سأكون بانتظار نشر التقرير لأرى وأفهم بصورة أفضل.

دعونا ننظر إلى موقف مصر السابق «موقف مصر التفاوضي في مجال التغيرات البيئية» والمنشور عام 2016 على موقع «جهاز شؤون البيئة»، ما يعنيني في هذا الموقف هو عدة نقاط أولها: أن عنوانه يساوي بين موقف مصر والدول الإفريقية والعربية. وثانيها: التأكيد على أن التكيف مع التغيّر المناخي هو الأولوية القصوى للدول النامية، وأن على العالم أن يدعم ذلك من خلال دعم القدرات المالية والفنية وبناء القدرات لهذه الدول، كما دعت اتفاقية باريس في مؤتمر الأطراف الواحد والعشرين في عام 2015. وثالثها: أنه يؤكد المسؤولية التاريخية للدول الصناعية والمتقدمة عن الانبعاثات المُسببة للتغيّر المناخي.

كما أوضحت في عرضي الذي قدمته في مؤتمر نظمته الأمم المتحدة الشهر الماضي، تحت اسم «innovate 4 cities»، وفي الجلسة التي خُصصت لكيفية تناول مصر للتغيّر المناخي، فإنه علينا أن نطالب الدول المسؤولة بتحمل مسؤولياتها، ويجب أن نتتبع المسارات المختلفة لتحقيق ذلك.

يتضح من التاريخ القريب كيف أخلت الدول المتقدمة بالتزاماتها بعد مؤتمر باريس للأطراف، إذ كانت تلك الدول قد تعهدت بمنح الدول النامية 100 مليار دولار بغرض التكيف مع التغيرات المناخية في 2020، فإنه لا يمكننا التعويل على ذلك. لأنه في أحسن الظروف سوف يتطلب هذا الاعتماد وقتًا ليتحقق وربما يحدث بعد فوات الأوان. كانت أطروحتي الرئيسية أننا في مصر نستطيع فعل ما هو أكثر من التكيف. التكيف محدود بما كنّا نفكر في حدوثه، لكن ماذا لو حدث أسوأ من خيالنا؟

تركز مصر على التكيف وليس التخفيف، لأن التصور الشائع أن إجراءات التخفيف تتطلب استثمارات كبيرة، وفي هذه النقطة بالذات حاولت من خلال طرح مشروع حقيقي نعمل عليه بالقرب من دمياط توضيح أن لدينا من المعرفة والقدرات التي تمكننا من فعل ذلك. جزء آخر هام يقف خلف موقف مصر ما هو شائع في العالم من أن العمل على تخفيف آثار التغيّر المناخي يتطلب تقنيات متقدمة، وغالبًا سيكون مكلف جدًا، وهو موقف يقف خلفه بعض من كبار الشخصيات العالمية مثل بيل جيتس وتبناه أيضًا جون كيري منذ أشهر قليلة مضت. لكن في الحقيقة، فإن العلماء والنشطاء لهم رأي آخر، فنحن -وإن كنّا بحاجة لدراسات علمية وأدوات بحث متقدمة للغاية- لكننا ربما نحتاج في الأغلب لتقنيات هي بالفعل موجودة ولتقنيات أخرى تعتمد على استهلاك منخفض للطاقة وأبسط كثيرًا، ولكنها تتضمن استخدام العناصر الطبيعية المحلية بكثرة، هو موقف اعتقد أنه غير واضح للمسؤولين لدينا.

كان النموذج الذي لجأت إليه هو المشروع الذي أقوم بدور الاستشاري المصمم له، مشروع «مسار التعافي» لتنسيق الموقع لمشروع رائد يُبنى أمام مدينة دمياط الجديدة ويستهدف بعد انجازه أن يمتد من نصف كيلومتر إلى عشرة كيلومترات، أي تقريبًا بكامل شاطئ المدينة. ويعمل المشروع المُقترح، وهو الآن في مراحله النهائية التصميمية، على إضافة بُعد التخفيف من آثار التغيّر المناخي للمشروع القومي الأصلي والذي كان لا يستهدف إلا التكيف مع التغيرات المناخية.

رسم مجمع يوضح الرؤية العامة لمشروع تنسيق الموقع بدمياط الجديدة «مسار التعافي» - المصدر: الكاتب

بعد أيام من جلسة أسبوع المياه، حصلت على الملخص التنفيذي والذي أطلقته وزيرة البيئة من الجناح المصري في مؤتمر الأطراف في جلاسجو، كما نُشر في صحف يوم الأربعاء 3 نوفمبر الجاري. يسجل الملخص التنفيذي الأهداف الرئيسية لهذه الاستراتيجية على النحو التالي:

1- تحقيق النمو الاقتصادي المستدام والتنمية منخفضة الانبعاثات في مختلف القطاعات.

2- تحسين القدرة على التكيف والمرونة مع التغيّر المناخي، وتقليل التأثيرات السلبية المصاحبة.

3- تحسين حوكمة التغيّر المناخي.

4- تحسين البنية الأساسية لتمويل الأنشطة المناخية.

5- تحسين البحث العلمي ونقل التقنية وإدارة المعرفة والوعي لمواجهة التغيّر المناخي.

وهناك توجهات ثمانية تضمنتها تلك الاستراتيجية كما يلي:

1- التأكد من تكامل التخطيط بين القطاعات الاستراتيجية الوطنية المختلفة.

2- تعميم التدخلات الخاصة بالتغيّر المناخي في التخطيط القومي.

3- تكامل معايير الاستدامة والتعافي الأخضر في التخطيط الوطني والموازنة.

4- تكامل التكيف مع التغيّر المناخي والمرونة في مشروعات البنية الأساسية.

5- البناء على البنية الأساسية الموجودة لبناء مشروعات جديد خاصة بالتغيّر المناخي.

6- الاعتماد على الفرص التمويلية من خلال اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية للتغيّر المناخي، واتفاقية باريس، والموارد الأخرى المُرتبطة بالمناخ.

7- تبني تنافسية السوق والتنوع الاقتصادي وخلق وظائف خضراء.

8- تبني التعاون مع البلدان المجاورة في المجالات المشتركة مثل دول حوض وادي النيل.

أما عن الإطار المؤسسي لمتابعة تنفيذ تلك الاستراتيجية، فقد صيغت في شكل رسم بياني، وما يعنيني فيها عدم ذكر كيفية التواصل مع المجتمع وفئاته المختلفة في ما يخص القضايا المرتبطة بموضوع وتطبيق تلك الاستراتيجية.

رسم بياني يوضح آلية المتابعة والتقييم لتنفيذ الاستراتيجية  المصدر: الملخص التنفيذي للاستراتيجية الوطنية للتغير المناخي نوفمبر 2021

يشتمل الملخص التنفيذي على موضوعات كثيرة تستدعي نقاشًا جادًا بين الخبراء، ولكن أيضًا يجب إشراك باقي المواطنين لو أُريد لتلك الاستراتيجية أن تكون فعالة وحقيقية.

أعرف أن تلك الاستراتيجية تمت صياغتها خلال وقت قصير للغاية، وهو ما يفسر غياب أرقام واضحة تترجم تلك الأهداف، وتحكم التوجهات، وأتمنى أن يتم تدارك ذلك في النسخة المطولة من الاستراتيجية. ولكن خلافًا للجلسة المختصرة في أسبوع المياه، والتي لم يسبقها توزيع مسودة للاستراتيجية تمكن من فتح نقاش جاد حولها، لا أعرف عن أي مناقشة عامة لهذه الاستراتيجية ذات التأثير الكبير للغاية ليس فقط على الاقتصاد، ولكن على كامل مستقبل المجتمع والبيئة الطبيعية في مصر.

المعركة الدائرة في العالم على التغير المناخي نحن طرف أصيل فيها حتى إن لم نشارك بفاعلية في التسبب به، فتأثيرات التغير المناخي علينا كبيرة للغاية كما ظهر في عدة تقارير دولية وخاصة من اللجنة الحكومية للتغير المناخي. التأثير يتعدى ما هو شائع من احتمال غرق أراضٍ واسعة من شمال الدلتا، إذ في حقيقة الأمر لن ينجو أي مكان في مصر من تأثير ما، وإن اختلفت شدته وتنوعت مظاهره.

منذ أكثر من ست سنوات، أدمج التغير المناخي في المقررات التي أدرسها في جامعة القاهرة، وقمت بذلك بطريقة تتناسب مع قدراتنا، ولكنها أيضًا تمنحنا الكثير من المميزات عن مداخل أخرى للتعامل مع ذلك التحدي الوجودي. وقمت في مؤتمر آخر منذ عدة أيام بعرض موجز لهذا المنهج، وتعلمنا الكثير من خلال ذلك للدرجة التي يمكن بها أن يكون التغير المناخى إطارًا لاقتراح أطر بديلة للنمو المتجدد فى مصر. ونستخدم هذا الإطار لتمكيننا كمصممين من استخدام العلم والموارد المحلية بأفضل صورة متاحة لنا، والتدخل في النظام المعقد القائم للبيئات القائمة سواء كانت ريفًا أو مدنًا متبعين إحدى النظريات الرائعة للعالمة الأمريكية دونلا ميدو عن النقاط الروافع التي يمكن أن تُستخدم لتحويل الأنظمة المعقدة القائمة بدون الحاجة لتدخلات ومشروعات كبرى (والتي يمكن أن يكون لها مردود عكسي). وكما أوضحت دونلا ميدو، فإن تغيير المنظومة الاجتماعية الإيكولوجية القائمة لا تحتاج بالضرورة لتدخل مادي، وربما يكون التدخل مثل التصميم أو التدخلات الأخرى غير المادية فعالة بصورة أكبر.

في جلسة التغير المناخي في مصر في أسبوع المياه التي أشرت إليها، تحدث مدير البنك الأوروبي للتعمير عن التمويل الذي يوفره البنك للمشروعات الخضراء. كما تحدثت مديرة البنك الدولي في مصر عن المشروعات التي يقوم بها البنك، والتمويل الذي يوفره، سألتها: وماذا عما يقرب من ثلثي الاقتصاد المصري (الاقتصاد غير الرسمي) وكيف يمكن الحديث عن تمويل أخصر واقتصاد أخضر في غياب هذين الثلثين؟ وردت بأنه سؤال ممتاز، دون أن تجيب بالطبع. النقاشات مع المسؤولين الدوليين والمحليين الآخرين تثبت لي في كل مرة أنهم غير مهتمين على الإطلاق بالقطاع غير الرسمي في مصر. وبدون تناول جدي لهذا القطاع ومخاوفه وإدماجه في عملية مواجهة التغير المناخي، لن تستطيع مصر، ولا حتى العالم، تحقيق التحول الاقتصادي المرجو.

قدمنا في هذا الصدد أحد مقترحاتنا من خلال مركز هندسة الآثار والبيئة في جامعة القاهرة لعدة جهات في مصر، ولكن لم تلق فهمًا أو قبولًا بعد. وعندما قدمنا نفس المقترح لنشارك به في حدث دولي كبير كان مخططًا له أن يقام في آخر عام 2020 في روتردام، تم اختيار مشروعنا مع 28 مشروعًا آخر من جميع أنحاء العالم من بين أكثر من 160 مشروعًا قُدمت لهذا الحدث، حالت ظروف الجائحة للأسف بيننا وبين عرضه. كان هذا المشروع نتاجًا لتطوير بحثي تلا السنة الدراسية التي خصصناها لمنطقة برج رشيد وانتهت بمقترح لشبكة من المشروعات الصغيرة التجريبية، والتي يمكن أن تبدأ عملية مستمرة للتحول لاقتصاد متجدد يعتمد أساسًا على الموارد المحلية، وهي ليست فقط أموالًا، ولكن أيضًا علمًا وعلماء موجودين في معاهدنا البحثية بدون استفادة حقيقة من علمهم وعملهم.

قدمنا أيضًا منذ عدة سنوات -ولا نزال مثابرين- عدة مشروعات يمكن لها أن تطلق تحولًا متجددًا للاقتصاد في مدينة القصير، تقلل من الاعتماد المفرط على السياحة، وتستطيع أن تبدأ فى علاج المشكلات البيئية الكبرى التي تواجه البيئة الطبيعية والسكان هناك، ولكننا لا نزال في انتظار رد من الجهات المسؤولة على مقترحاتنا التي أعرف جيدًا أنها قد تبدو غير مألوفة، ولكن كيف تواجه كارثة، وطوارئ غير مألوفة بحلول مألوفة؟

يخبرنا العلم بصورة تكاد لا تقبل الشك أن الوقت المُتاح لدينا للعمل ضيق للغاية، وربما لا يتعدى الثماني أو التسع سنوات المقبلة حتى 2030 لنعكس النمط السائد لتدهور الطبيعة، كما يخبرنا أن أي تحرك نحو الاستدامة لا بد أن يتأسس أولًا على استعادة المحيط الحيوي للأرض لعافيته، أي أننا لا نستطيع التحدث عن إنشاء مدن مستدامة فيما نهدر الموارد الطبيعية النادرة مثل الماء، أو نغير من الطبيعة الأصلية للمكان عن طريق احضار كائنات دخيلة من شجر وخلافه. ببساطة ليس لدينا أي وقت لإهداره، ويجب أن نبدأ العمل الآن.

يوضح هذا الرسم البياني إحدى النتائج الهامة للغاية والتي تقدّر أن الحل الوحيد لإيقاف الكارثة المناخية التي نعيشها، هو تحول التدهور الحالي للكائنات والبيئات الطبيعية إلى بداية تحسن مع العام 2030 واستمرار استعادة البيئات الطبيعية بعد ذلك.

سُئلت في لقائين متتاليين عما تستطيع الحكومة أن تفعل، وكان ردي أنها تستطيع أن تفعل شيئين: الأول، أن تدعم العلماء والأبحاث العلمية مع اهتمام خاص بشباب العلماء، وأتكلم هنا عن زيادة كبيرة للغاية لميزانية البحث العلمي (ربما لعدة أضعاف ويمكن تمويلها بإعادة توجيه جزء من المخصصات لمشروعات الطرق والكباري نظرًا لأننا أمام طوارئ وتهديد وجودي)، وتشمل برامج جديدة وهيكلة البرامج القائمة بما يدعم الباحثين ويحفز للوصول لنتائج أفضل مع إشراك أساتذة أجانب في تقييم ومراجعة الأبحاث والمقترحات.

الثاني هو أن تكون زبونًا أفضل. أي أن تعمل على تطوير أجندتك وما يحتاجه الشعب من كل منحة أو قرض نحصل عليه. أتحدث هنا عن البداية بالقروض والمشروعات القائمة بالفعل ومراجعتها وإعادة توجيهها بما يعظم عوائدها. مثلًا، وبالعودة لجلسة أسبوع المياه نفسها، سألت مديرة البنك الدولي، هل يعقل أن يكون تنقل أكثر من ثلثي المصريين بالتوكتوك والميكروباص، ولا يتم تناول ذلك في مشروعات كهربة النقل، بينما نبني بنية تحتية للسيارات الكهربية الخاصة مع ضعف تأثيرها؟ وهل يعقل العزوف عن مشروعات تجريبية لاستخدام النباتات ذات القدرة الفائقة على امتصاص التلوث، وهي نعم تحتاج بحث علمي ولكنها غالبًا ستكون منخفضة التكلفة ومرتفعة العائد فعلي؟ وما زلنا ننتظر الرد.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).