عزيزتي ريحانة
قرأت رسالتك يا عزيزتي وتألمت كثيرًا. كان إعدامك فجر يوم ٢٥ أكتوبر يكفي لأن أتألم كثيرًا وأن أتذكر الوخزة المستمرة بجانب قلبي بعد أن كدت أنساها. كانت قصة إعدامك تكفي يا عزيزتي، إلا أن رسالتك جعلت من الأمر شيئًا آخر، فلم تعودي متهمة فقيرة قتلت ضابطًا كبيرًا حاول أن يغتصبها، وتم القبض عليك وأنت تائهة في الشوارع، وتلعثمتِ في التحقيقات لأنك لا تستطيعين ببساطة الدفاع عن نفسك، لأنك لم تتعلمي هذا أبدًا، فشعور عميق بالدونية والذعر وتعاطف القاضي والمحققين الغريزي مع القوة والتوحش وتواطؤ المجتمع جعلوا منكِ فريسة سهلة للغاية يا عزيزتي، مثل ملايين العاملات التي يغتصبهن سادتهن وتتنوع مصائرهن بين من يقبلن الاغتصاب لأنه ضريبة من ضرائب وجودهن، ومن يٌقتلن بخنجر الأهل أو بحبل السلطة لو تجرأن علي السيد المغتصب، وكل هؤلاء يمنعهن التلعثم والخوف من أن يقلن بوضوح ما حدث لهن، وربما يمنعهن من أن يعين أصلًا حقيقة ما حدث لهن منذ أن جاءوا للحياة حتي فارقن. ولكن يبدو أن الأمر، ريحانة، ليس كذلك في حالتك، فرسالتك تدل على أنك لم تتلعثمي أبدًا، وأنك تعين كل ما حدث وأنك اخترت هذه النهاية "ولم تتوسلي".
يتهمونك أنك خططتي للقتل مع سبق الإصرار والترصد، وأن الاغتصاب قضية مختلقة، وأريد أن أؤكد لك إني أصدق روايتك وأعرف أنهم كاذبون، وأنهم يعلمون جيدا أنك قتلتيه عندما لم تجدي أي مخرج آخر، فهل لو كان ابتزك أو استغلك لأنك متمردة ولم يغتصبك في النهاية كان هذا سيغير من حقيقة الأمر شيئًا؟، ما أعرفه أنك لم تقبلي أبداً أن يصبح اضطهادك قصة سرية عابرة، فأنتِ رفضتِ الاستغلال سرًا والاغتصاب سرًا ولم تقبلي أن تُلقَين في زاوية المدينة سرًا ولم تقبلي أن يتعفن جسدك الشاب تحت الثرى سرًا، فأنتِ اخترتِ أن تدافعي للحظة الأخيرة عن نفسك وعن جسدك علانية، وأن تحتقري في كل مراحل التحقيق والمحاكمة كرههم لاعتزازك به، وأن تعلني أيضًا رفضك "للدونية والتلعثم".
رفضتِ بلادتهم في التعامل مع جمالك، فجمالك يشعرهم بالغربة، ويصبح التحرش هو حيلتهم الوحيدة ليتغلبوا على غربتهم تلك، كل شيء يهددهم عزيزتي، فكل هذا التوحش ابن هذه الأُلفة الطويلة مع البلادة، هذه الأُلفة التي لم تألفيها أبدًا.
ريحانة.. أعرف أنه ربما يكون غير لائق أن أسقط عليكِ أحلام البطولة كحيلة دفاعية أخيرة لأحتمل قصتك، فهذا أيضاً محاولة مني لآلف قصتك وربما حيلتي الدفاعية تلك تواطؤ جديد لا تقبليه، مثل الذين ادعوا زيفًا أنك سُنّية ولهذا تعرضتي للاضطهاد، فالكل يبحث عن بطلته الملائمة، وعليّ أن أكف عن اختلاق الحيل وأن أقبل كل هذا المرار الذي تتركه روايتك ورسالتك، وأن تصبح قصتك رصيد جديد من أرصدة اللوعة التي يجب أن أقبل بشجاعة التعايش معها كنصيبي الصغير من مأساتك/ مأساتنا، وأعدك أني سأحاول جديًا أن أحميكي من حيَلي الدفاعية الطفولية تلك، فموتك عزيزتي يجعل من بطولتكِ وحيَلي شيئًا تافهًا، فهل تعني بطولتك الكثير حقاً؟
في حياة أخرى كنا قرأنا رسالتك، ريحانة، قبل الموت واحتشدنا في كل الميادين دفاعًا عنكِ، كنا قطعنا السكك الحديدية وأحرقنا أقسام الشرطة ومبني المخابرات، فأعادتك الانتفاضة الواسعة للحياة بيننا، نناضل سوياً حتي يُدركنا القدر، وفي حياة أخرى تمر الحياة وتكبرين دون أن يعكر صفوك سوى قلق على الأبناء من الإنفلونزا أو من الحب، حياة نستحقها لا تستدعي البطولة.
لكن نهاية قصتك بإعدامك عزيزتي تترك أثرًا عميقًا باللا جدوى، هل كان الأمر برمته يستحق؟ هل تستحق الحياة احتمال كل هذا القهر واللوعة؟ هل تستحقين أن تموتي مبكرًا جدًا هكذا؟ هل تستحق البطولة كل هذه التضحية؟ تَمَكُنهم من إعدامنا، عزيزتي، يجعل من كل الحيل تواطؤًا جديدًا، فالموت هو الموت.. لا فرصة أخرى للغناء والحب ولا وعد جديد.
لا أملك هنا، ريحانة، إلا أن أعدكِ ـ وبدون أي حيل جديدة ـ بأنكِ ستبقين طويلًا.. فنحن لا نملك سوى أن ندّخر كل هذه المعاناة حزنًا جديدًا، ليبقي طويلًا طويلًا برهانًا أخيرًا، ليس على بطولتكِ عزيزتي، بل على حبنا لك.. فنحن لا نملك أن نعدكِ سوى بالحزن.. وبالحب
آراء أخرى
مصر والخليج: أين ينتهى الواجب؟ وأين تبدأ السيادة؟
«التضامن الحقيقي يبدأ من الشراكة في صنع القرار»
الحرب الصفرية
«حتى اللحظة تقاتل إيران وظهرها للجدار، فإما أن تربح كل شيء أو تخسر كل شيء.»
فرص إسرائيل «المستحيلة» في مواجهة إيران عسكريًا
«حقائق الأمور وتوازنات القوى على الأرض تجعل من الخيار العسكري «شبه مستحيل»»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد