تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

صنعاء/جِدّة/صنعاء: تأملاتٌ شخصيةٌ عن ثلاثِ مقابرٍ 

هدى جعفر
19 دقيقة قراءة
صنعاء/جِدّة/صنعاء: تأملاتٌ شخصيةٌ عن ثلاثِ مقابرٍ 
تصوير: سهير عاطف

 (1)

كان الوقتُ ليلًا، وليلُ صنعاءَ لا يغلبُ حُلكتَه شيءٌ، عندما وقّعنا عقدَ إيجارِ تلك الشقةِ الكائنةِ في حيٍ منزوٍ غربَ أحد شوارعِ صنعاء الشهيرة، وقد زاد انطفاءُ الكهرباءِ من عَتَمةِ اللحظةِ، كما أننا قد عاينّا الشقةَ قبل ذلك بيومين في الليلِ أيضًا، صنعاءُ مدينةٌ مُظلمةٌ في معظمها، تُعاني من انقطاعاتٍ يوميّة للكهرباء، بعضُها كان إجراءً حكوميًّا مُتعمَّدًا ليسهل نقلُ الأسلحةِ من مخازنِ المدينةِ التي عرّفتنا الحربُ الأخيرةُ على أماكنِها جيّدًا.

 صنعاءُ حربٌ طويلةٌ، يفصلُ بين مراحلِها نقراتُ القنبوس1، وأحاديثُ القات، وحِيلٌ محليّةٌ للدفءِ والحُريّةِ، وعاشقون ينبتون كُلّ صباحٍ وليل. 

كان ذلك الحيُّ القريبُ جدًا من جبالِ صنعاء الغربيّةِ، وصنعاء كُلّها جبال، غيرَ مطروق بالنسبةِ لي، فلستُ وعائلتي من أبناءِ صنعاء ولا بناتِها، ولم نفِد إليها إلّا من وقتٍ قريب نسبيًا.  

في الصباحِ التالي لانتقالي إلى تلكِ الشقة، شاهدتُ بيتي لأوّل مرّةٍ في الشمسِ، وشمسُ صنعاءَ لا يُطفئ نورَها شيءٌ، ورأيتُ من غرفة الدّيوان (غرفة الضيوف) ذات النافذتين العريضتين الباحةَ الفسيحةَ المسوّرةَ التي يفصلني عنها شارعٌ ضيّقٌ، وعندها فقط علمتُ أنّ بيتي يطلُّ على أحدِ مقابرِ صنعاءَ. 

(2)

لقد ولدتُ ونشأتُ في إحدى دولِ الجوار، مات جدودي الأربعةُ في اليمن، ودُفنوا في مقابرٍ متفرّقة لا أعرف مواقعَها، غادرَتْ أوّلهم عائلتَها شابةً في العشرين بعد أن التهم السلُّ رئتيها، وآخرهم ماتت بمرضٍ في الصدر أيضًا. 

في المدينةِ التي عشتُ فيها، كانوا يحدثوننا في المدارسِ عن الموتِ الداني، وسوءِ الختام، وعذابِ الملكَيْن، لكن ليس في المدينةِ مقبرة معروفة المكان، هناك أسواقٌ، وأربعُ مدن للملاهي، وفلل من طابقين وأكثر، ومدارسُ، وفنادقُ يفخرُ أصحابُها أنّهم لا يُقدّمون الخمورَ، لكن لا مقابرَ مرئية هناك، كنّا نشهدُ موتَ الآخرين بسبب حوادثِ السير، أو جرعةِ مُخدّرات زائدة، أو انقضاءِ العمر في سِنّ الشباب أو أرذله، وينتهي الأمرُ هنا، فلا جنازةَ في الشارع، ولا مقبرةً نخافُ منها، سيرة الموت فقط، طيلة الوقت. 

«أمّنا حوّاء» أشهرُ مقابر تلك المدينة وأقدمها، يا له من اسمٍ غريبٍ لمقبرة!، يعتقدُ كثيرٌ من السُكّانِ المحليين أنّ حوّاء أمَ البشرِ قد دُفنت هناك، كنتُ أتعجّبُ أنّهم يمنحون المقابرَ أسماءَ نساء لكنّهم يمتنعون عن ذلك في مدارسِ البنات الحكوميّة، فيُطلقون عليها أرقامًا على غرار: الثانوية الخامسة، المتوسطة الحادية عشرة، الابتدائية الخامسة والسبعون وهكذا، عن نفسي درستُ في ثلاثةِ أرقامٍ، كُلّها يقبلُ القسمةَ على إثنين. 

مررنا وأنا طفلة صغيرة فوق أطول جسور المدينة، قال أحد الموجودين داخلَ السيّارةِ أنّ مقبرة «سِتنا حوّى» إلى اليمين، حاولتُ أن أرفعَ جسدي كي أراها لكنّ والدتي أدارتْ وجهي للجهةِ الأخرى وهي تتمتم بآياتٍ قرآنيةٍ هدية للموتى المجهولين، كأنّي إذا حدّقتُ في المقبرةِ فإنّ ساكنيها سيختطفونني. 

(3)

لولا السينما لما عرفتُ شكلَ المقابرِ، لكم أحببتُ قبورَ السينما، قبورَ «الآخر»: شواهدَ الرخامِ والمرمرِ، الخُضرةَ والورودَ والأشجارَ الوارفةَ، أبيات الشعر المنقوشة هنا وهناك، النساءَ والرجالَ المتحلّقين حولَ الحفرةِ في ملابس سوداءَ أنيقةٍ، والميّتَ الذي أثّرت وفاتُه في أحداثِ الفيلم داخلَ صندوقٍ فاخرٍ من خشبِ البلّوط، صوت القِس يختلطُ مع الموسيقى التصويريّة والكاميرا تستعرض المكانَ من زاويةٍ علويةٍ تشي بأنّ في الفيلمِ أسرارًا لم تظهر بعد. 

أوّل مشهد أذكره للمقابرِ في السينما العربيةِ كان الأكثر بشاعة، شاهدتُ فيلم «الأوباش» وأنا في الخامسةِ من عمري، صفاء وشريف (هالة فؤاد وهشام سليم) عروسان يعترضُهما ستّةُ مُغتصبين، يرتكبون جُرمَهم في إحدى المقابرِ ويقتلون العريسَ. 

في الفجرِ التالي يتوافدُ الأهالي بجثّةِ طفلٍ مُردّدين بلحنٍ كئيب: «الله يا دايم، هوّه الدايم، ولا دايم غير الله»، لقد أفزعتني هذه الترنيمةُ أكثر من مشهدِ الاغتصاب.  

لو كنتُ جُثةً في تلك المقبرة، لمتُّ خوفًا مرةً أخرى من دمدمة المُشيّعين، ومن عويلِ هالة فؤاد، يُصيبني موتُ الأطفالِ بخوفٍ غريب المذاق يغلبُ حزني عليهم. 

قبل بضعة أيّام حضرتُ فيلم «الاعتراف الأخير»، وفيه آخر ما شاهدتُه من المقابرِ في السينما المصريّةِ حتى الآن، أدهم (نور الشريف) يصرخُ بجانبِ ضريحِ السيّدةِ التي أزاحتْ عن كتفيهِ وفاءً لم يكن في محلّه، وقد وُضع على الصليبِ سترتُه الزرقاءُ التي منحَها إياها قُبيل ساعات. 

لطالما تمنيتُ دخولَ المقابرِ كما يفعلُ خلق الله في كُلّ أرضِه، لم أكن أتوقع أنّي سأجاور إحداهنّ في يومٍ من الأيام. 

(4)

لم يكن في شُقتي شبكةُ إنترنت في أوّل الأمرِ، فكنتُ أذهبُ إلى مقهى شهيرٍ يقعُ في شارعٍ يمتدُّ، ضمن شوارعٍ أخرى، مِن جَوْلة2 المِصباحي، يؤدّي كل شارعٍ منها إلى منطقةٍ من مناطقِ صنعاء، وإلى قلبٍ من قلوبِها. 

كان مبنى المقهى مكوّنًا من طابقين على الطرازِ اليمنيّ الشائع في المُحافظات الشماليّة، للمقهى باحةٌ صغيرةٌ، بها طاولاتٌ من زجاجٍ وحديدٍ، مزدحمةٌ على الدوام، حولها مجموعاتٌ مختلفةٌ من النساءِ والرجالِ: ناشطون/ات، وكُتّاب/ات، وموظفّون/ات، وعاشقون/ات، وراغبين/ات في الانفصالِ عن الخارجِ «المحليّ»، هناك أيضًا مجموعةٌ من العازفين والعازفات يتدربّون، بالعودِ والغيتار والقانون، على ألحانٍ لاتينية، وقدودٍ حلبيّة، وألحانٍ شرقيةٍ من نظمِ فريد وبليغ ومحمد فوزي، ونظرًا لارتفاعِ الأسعارِ نسبيًا فقد احتفظَ المقهى بصورتِه الراقيةِ للطبقةِ المتوسطةِ فما فوق. 

مالكةُ المقهى سيّدة غربيّة (أميركيّة على الأغلب) وقعتْ في شِباك صنعاء كغيرها من المريدين، لكنّها أغلقته قبل أكثر من 3 سنوات بسببِ ظروفِ الحربِ وسيطرةِ أنصارِ الله «الحوثيين» على صنعاءَ ومُتنفّساتِها. 

في المقهى تُباع القهوةُ اليمنيّةُ والأميركيّةُ والإيطاليّةُ، بجانبِ المخبوزاتِ الأجنبيّة، وإذا اخترتَ/تِ الجلوسَ على إحدى الطاولاتِ المجاورةِ للنافذةِ فلا يُسمح لك/لكِ بغلقِ الستائرِ خلفك، عرفتُ بعدها أنّ الأمنَ القوميَّ كان يُرسلُ أفرادًا يتلصّصون على الزبائنِ بالداخلِ، لضمانِ الآدابِ العامةِ، وعدمِ مشاهدةِ الأفلامِ الإباحيّةِ على الأجهزةِ الشخصيّةِ، لكنّي لا أعتقدُ أنّ هذا هو السبب الحقيقي.  

كنتُ اتعمّدُ التأخرَ في المقهى حتى أستطيعَ السيرَ في صنعاءَ ليلًا بمفردي، قُرابة الساعة الحادية عشر ليلًا، وهو وقت متأخر جدًا للبقاء خارج المنزل للنساءِ والرجالِ، استقلُّ حافلةً صغيرةً تُكلفني عشرين ريالًا يمنيًا (أقل من سِنت أميركيّ واحد) تنقلني من جَوْلة المِصباحي إلى الشارعِ العامِّ الذي يجبُ أنْ أغادرَه مشيًا حتى أصلَ إلى بيتي، الطريق الأقصر والأسلم هو الرصيف المُحاذي للمقبرةِ: هنا ليلُ صنعاء، وبردُها الشديد، وجبالُها السرمديّة، وأنا أسيرُ بجانبِ المقبرةِ مُشرعة الأبواب، وفي أذناي سمّاعتان تسكبان في رأسِي قائمتي الموسيقيّةِ المُفضّلة، والآن، بعد خروجي من صنعاء بسبب الحرب، كانت تلك اللحظات من أثمن ما عبّأتني صنعاءُ به، وكأنني كنتُ أضعُ رأسِي على صدرِ المدينةِ لأسمعَ ما لا يفهمُه غيري من دقّاتِها غير المنضبطةِ، ومن أنفاسِها التي أسقمها التدخينُ والغناءُ الحزين.  

 (5)

كانت زيارةُ النساءِ للقبورِ مُحرّمة في دولةِ الجوارِ التي عشتُ بها، وهذا ما كانت «تنبح» به المُعلّماتُ في كل حصص الدين، في الحقيقة كان ذلك ما تؤمنُ به جميع النساء حتى غير المتديّنات، لا يُمكن لامرأةٍ أنْ تدخلَ مقبرةً، لا زائرة ولا مُشيّعة، أكتبُ هذه السطورَ وأنا أتذكّرُ الداعيةَ الدينيّةَ قويةَ الشخصيّة، التي لم تكن مقتنعة بتحريمِ زيارة النساء للقبور، وهي ترجو الحارسَ والشرطي ليسمحا لها بزيارةِ قبر ابنِها الذي مات في حادثِ سيرٍ بشعٍ ليلة العيد، هوت على ركبتيها لتقبّل أقدامهما لكن دون جدوى: «حرام تدخلي المقبرة، حرام يا حجّة، ربي بيلعنك».

(6)

عند وقوفِي أمامَ نافذةِ الدّيوان (غرفة الضيوف) تظهرُ لي الشواهدُ بوضوحِ، وقد استطعتُ، من النافذةِ، حضورَ جنازتين أو ثلاث، في يدي كوبُ الشاي والدموعُ تتساقطُ على الرفّ الحجري، لم أستطِع حضورَ جنازاتٍ أكثر من ذلك لأسبابٍ شخصيّةٍ واقتصاديّةٍ، فقد كنتُ موظفةً بدوامٍ ينتهي قُبيل العصرِ بقليل، بينما يدفنُ اليمنُ أمواتَه صباحًا. 

لم تكن المقبرةُ جارتي فقط، بل كان يتعيّنُ عليّ السيرُ بمحاذاتِها يوميًا لأصلَ إلى الشارعِ العامِ الذي يُسمّونه «شارع الموت» لكثرةِ حوادثِ الدهسِ التي شهدها، في «شارع الموتِ» ينتصبُ قصرُ عبد ربّه منصور هادي الذي أصبحَ رئيسًا للبلادِ إثر تنحي علي عبد الله صالح عن الحكم كما اقتضت المبادرةُ الخليجيّةُ بعد ثورة فبراير/شباط 2011 التي شاركتُ بها. 

إنّ الفكرةَ تُضحكني الآن، لقد كان بيني ورئيسِ جمهورية بلادي مقبرةٌ بلا بوابة.

 لقد كُنّا، المقبرةُ وأنا، «الحديقةَ الخلفية» لقصرِ فخامةِ الرئيس.  

caption
تصوير: سهير عاطف

(7)

رغم مروري اليوميّ بجانبِ المقبرةِ/الجارةِ وبوابتِها المُشرعة، لم أجرؤ على دخولِها إلّا بعد شهرين من انتقالي إلى هناك.  

لم تكُن تلك المقبرة تحوي جسدًا شهيرًا، ليست مثل مقبرة «خُزيمة»، أو «الشهداء»، أو «جار الله» التي سأدخلها لأوّل وآخر مرة قُبيل اندلاع الحربِ الأخيرةِ بأقلّ مِن ثلاثةِ أيام. 

في «خُزيمة» يوجدُ الفيلسوفُ والرائي الكبيرُ عبد الله البردّوني، ود. رؤوفة حسن صاحبة الألف خطوة في تأسيسِ كليّة الإعلامِ في جامعةِ صنعاء، وفي كفاحِ النّسويات اليمنيّات؛ ورجلُ المدنيّة د. محمد عبد الملك المتوكّل الذي اغتيل في نوفمبر/ تشرين ثانٍ بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء.

 في «خُزيمة» أيضًا عشرات العلماء، والملوك، والأعيان. 

في مقبرةِ «الشهداء» دُفن الرئيسُ الراحلُ إبراهيم الحمدي، نبيُّ السياسةِ لدى اليمنيين بلا مُنازع، وقد اغتيل وشقيقه عبد الله قائد قوّات العمالقة في دراما سياسيّة تديرُ الرؤوسَ حتى تكسرها، وكذلك السياسيّ جار الله عمر، الأمين العام للحزب الاشتراكيّ اليمنيّ الذي شهد اغتيالَه آلاف اليمنيين وهو على المنصّة في المؤتمرِ الثالث لحزب الإصلاح الإسلاميّ، في الـ 28 من ديسمبر/كانون أوّل 2002، بعد أن اخترقته رصاصتان من قاتلِه الشاب الذي يحمل جَدُّه الثاني اسمَ مقتولِه الأوّل؛ جار الله، وقد خرجَ في تشييعه، جار الله عمر لا القاتل، مئاتُ الآلاف.

دخلتُ مقبرتي/جارتي في أحد أيامِ الربيعِ، لم يكن لها أبوابٌ، أو ربما لم أعد أتذكّر شكلَها، كانت المقبرةُ واسعةً، وقد تراصّت الشواهدُ في خطوطٍ مُتعرّجةٍ، شواهدٌ إسمنتيّة، مربّعةٌ أو مستطيلةٌ، كُتب عليها اسمُ المُتوَفَّى وتاريخُ وفاته، بالهجريّ والميلاديّ، بعض الشواهدِ حملتْ تاريخَ الميلادِ أيضًا، شواهدٌ أخرى حملتْ الاسمَ فقط، شواهدٌ قليلةٌ كانت بلا اسم ولا تاريخ.  

لا يمتلك معظمُ اليمنيين شهاداتِ ميلاد، محافظاتِ اليمن الشماليّ بشكلٍ خاص، وعند سؤالِهم عن أعمارِهم ينسبونها إلى تواريخِ الحروبِ والاقتتالِ، كأنّهم لا يتزاوجون قبلها أو بعدها: ثورة سبتمبر 1962، وأحداث 86، وحرب الوحدة في 1994. 

في اليمن الجنوبيّ كان تسجيلُ المواليدِ منضبطًا بعد أن فرضَه الاستعمارُ البريطانيّ، وتبعه في ذلك الحزب الاشتراكي الذي وقعتْ في عهدِه واحدةٌ من أسوأِ الحروبِ الأهليّة في تاريخِ اليمنِ الحديثِ وهي ما يُعرف بـ«أحداث 86» آنفة الذكر، في 13 يناير/كانون ثانٍ الجاري مرّت الذكرى الـ 35 لهذه الحرب. 

الشاهدُ الإسمنتيّ الوحيدُ الذي أتذكره كان في الصفّ الثالث تقريبًا، يُشير التاريخان المدوّنان عليه أن صاحبه مات وهو في التاسعةِ من عمرِه، كانت وفاتُه في نفسِ يومِ انتقالي للبيت أواخر شهر فبراير/شباط، كنتُ أرتدي في ذلك اليوم ملابسَ اشتريتُها من شارعٍ في وسط صنعاء اشتُهر بصالوناتِ التجميلِ ومَحَلّات فساتين السهرات والأعراس، في أحد تلك المَحَلّات رأيتُ أوّل يمنيّة ترتدي خلاخلَ غليظةً من الذهبِ الخالصِ في كلا الكاحليْن، قالت لنا الكوافيرةُ العراقيّةُ أنّها «زوجة رجل مهم»، وهو يُحبّها بشدّة لكنها لا تشعرُ بالسعادة لسببٍ خطير، لم تُفصح الكوافيرة عن المزيد.

 لقد طال شارع «الكوافيرات» هذا صواريخُ التحالفِ العربيّ بما فيه من دكاكين التجمّل، والأقمشةِ المُقصّبةِ، والفساتينِ المُرصّعة بالكريستال، والخيوطِ المّذهبة، والفصوصِ الملوّنة، والريشِ الطبيعي، فأحرقتْ البشرَ، والبضاعةَ، وروائحَ النساءِ متوسطات الحال اللاتي كُنّ يستأجرن تلك الفساتين. 

(8)

لقد مررتُ بجانبِ تلك المقبرةِ مئات المرّات وسمعتُ آلاف الأغاني، لكن هناك مرةً هبطتْ عليّ من سماءٍ ما، «توقيتٌ إلهيّ» كما يُسمِّه المستبصرون وقارئو بطاقاتِ التاروت، كانت الساعةُ بعدِ الثالثةِ مساءً، الشارعُ خالٍ تمامًا، إنّه وقتُ اختباءِ اليمنيين في بيوتِهم ليتعاطوا القات، في أذني مقطوعةُ «فانتازي فور فايلُن آند أوركيسترا» التي عزفَها البطلُ أندريه (دانيال برول) على المسرحِ في آخر فيلم «لايديز إن لافندر»، خرجتُ من منزلي مع بدايةِ المقطوعةِ الموسيقيِة وعند احتدامِ اللحنِ كُشف الحجابُ عنّي، ورأيتُ العُشّاقَ المتحسّرين يطفون فوق اللحنِ الفاتن، ورأيتُ الموتى يخرجون من المقبرةِ/الجارةِ، وكُلّهم يدورُ حولَ صنعاء التي تعملقتْ حتى غابَ رأسُها بين الغيوم، وانحسرَ ثوبُها المخمليّ الأسودُ عن الساقيْن اللتيْن زيّنهما الانتظارُ وقوفًا بدوالٍ خضراء من إحدى الحدائقِ السريّة، نغماتُ الكمان تتعالى وأنا أشهدُ صنعاء كما لم أشهدها من قبل، لم أقوَ على السير، هذا الجمالُ يُحدّق فيّ بعينيه النافذتيْن كمخالب طائر الشَبنَم، اتكأتُ على سورِ المقبرةِ وغرقتُ في بكاءٍ منحني فكرةً شاهقةً عن صنعاءَ، وعن نفسِي، وعرفتُ أنّ هذه المدينةَ قد دسّت في دمِي كلمةَ السرّ إلى الأبد. 

يحكي فيلمُ «لايديز إن لافندر» عن شقيقتيْن عجوزتيْن (ماغي سمِث وجودي دِنش) تقع إحداهُما في غرامِ شابّ بولنديّ قذفَه البحرُ إلى الشاطئِ المُحاذي لبيتِهما. 

(9)

فجر الـ24  من شهر مارس/آذار وصلتني رسالةٌ تُخبرني أنّ جنازةَ عبد الكريم الخيواني ستكون في الساعة الـ9 صباحًا. 

عبد الكريم الخيواني صحافيَ، وناشطٌ سياسيّ، كان رأسَ الحربةِ في مهاجمةِ الرئيس الراحل علي عبد الله صالح ورجالِ حكومته وأوّلهم الجنرال علي مُحسن الأحمر الرجل الثاني بعد صالح، وقد أسماه الخيواني «علي كاتيوشا» في أحد مقالاته التي تلقّفها المعارضون وغيرهم بفرحةٍ عارمة، وهو أوّل صحافيّ، أو ربما أشهر، كتبَ مقالاتٍ ثقيلةً عن التوريثِ، والفسادِ السياسيّ، وحروبِ صعدة الست، وقد تعرّض الخيواني للاعتقالِ والاختطافِ والتهديدِ، وقد لاقى تعاطفًا إقليميًا ودوليًا كبيرًا من منظماتٍ مثل «العفو الدولية» و«هيومان رايتس ووتش» و«مراسلون بلا حدود» وغيرهم، وهو أيضًا من انحاز بعد ذلك للحوثيين الذين اختطفوا السُلطة واستولوا على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وقد شكّل ذلك صدمةً كبيرة لأصدقائِه وأنا منهم. 

اغتيل عبد الكريم الخيواني ظهر الـ 18 من مارس/آذار 2015، أي في الذكرى الرابعةِ لجُمعةِ الكرامةِ حين فتح مُسلّحون النارَ على المتظاهرين السلميين في 2011، فقتلوا 45 متظاهرًا أعزلًا على الأقل، وجرحوا ما لا يقل عن 200 آخرين، كانت جمعةُ الكرامةِ موضوعَ الفيلمِ الوثائقيّ «ليس للكرامةِ جدران» للمُخرجةِ سارة إسحاق التي أوصلت اليمن إلى نهائيات حفل جوائز الـ«أوسكار» 2014. 

 تعرّض لعبد الكريم الخيواني شخصان على درّاجةٍ ناريّةٍ، الطريقةُ اليمنيّةُ المُثلى للاغتيال، بجوار بيتِه في شارعِ الرقّاص، وتم تأجيلُ الجنازةِ حين الانتهاء من التحقيقِ، الذي، كالعادةِ، لم يُسفر عن شيء، قال أحدُ شهود العيان أنّ دماء الخيواني قد غطّت الرصيفَ فلم يعد يتبيّن لونُه الأصليّ، أو ربّما هذا ما تخيّلتُه وهم يصفون المشهدَ لي، وبسبب هذه العبارةِ، أو هذه الصورةِ المُلفّقةِ، لم أستطِع النظرَ إلى أرصفةِ صنعاءَ حتى غادرتُها. 

اعتذرتُ من مديرتي الأوغنديّة، اللطيفة قليلة الكلام، عن الحضور مُبكرًا. قالت لي صديقتي أنّ الأوضاعَ الأمنيّةَ في أسوأِ أحوالها، ولا أفضل من جنازةِ رجلٍ مثل عبد الكريم الخيواني لتفجيرٍ إرهابيّ، ارتديتُ سلسلةً ذهبيةً بحروف اسمي ليتعرّفوا على جثتي بعد الانفجارِ، ارتديتُ أيضًا نظّارةً سوداءَ اشتُهرت بها سابقًا، تغطي نصفَ وجهي، لقد كانت مدونةُ السلوكِ في المنظمةِ التي أعملُ بها تمنعُ المشاركةَ في أيّ نشاطٍ سياسيّ، كان عبد الكريم الخيواني عضوًا في «الحوارِ الوطنيّ»3 عن مكوّن الحوثيين، هل هي جنازة سياسيّة؟ هل توجدُ جنازةُ إنسانٍ مقتولٍ ولا تكونُ سياسيّةً بشكلٍ أو بآخر؟

قَدِم تابوتُ الخيوانيّ كمن يسبحُ على الجموعِ البشريّة، قُبيل انطلاقِ الجنازةِ سمعتُ همهماتٍ حوثيّةً بأنّ مشاركةَ النساءِ غير مقبولة، لكنّ حضورَ ابنتيْ عبد الكريم الخيواني في صدارةِ الصفوفِ بلا غطاء للوجهِ قتل هذه الترّهات قبل أن تعلو، كانت الفتاتان مُتماسكتان، أكبرهنّ لا تتجاوز العشرين من عمرها، تتقدمان المجموعةَ الخشنة بحزنٍ لكن بشجاعة، تم ترديدُ شعاراتِ التشييعِ المعروفةِ: 

لا إله إلّا الله، والشهيد حبيب الله

لا إله إلا الله، والخيواني حبيب الله 

رفعتُ صوتي، لكن لم أسمعه، رفعتُه أكثر، ما زلتُ عاجزةً عن سماعِه، سرنا في أزقةٍ صنعائيةٍ لم أمشِها من قبل، خرجَ الناسُ من النوافذِ يلهجون بالدعاءِ للميّت الذي يبدو أنّه كان محبوبًا، في الجنازةِ مُراهقٌ ينتحبُ ويردّدُ الشعاراتِ مُتجاهلًا الجميعَ كأنّه يُشيّعُها فردًا، سألتُ عنه قالوا بأنّه بائعٌ متجوّلٌ، يبيع البطاطا المسلوقة خارج فندق موفنبيك4 وكان الخيواني يمنحُه مالًا وكُتُبًا. 

كانت شعاراتُ الحوثيين تترددّ من حينٍ لآخر بأصواتٍ جهورية، عندها كنّا، آخرون وأنا، نصمتْ تمامًا. 

داخل مقبرةِ «جار الله»، لا علاقة لتسميتها بجار الله عمر، جلستُ على ضريحٍ رُخاميّ، يغيبُ عن ذاكرتِي اسمُ صاحبه، بعد أن اعتذرتُ همسًا وأنا أمسحُ بكفّي على الإسمنتِ الخشنِ المُتْرَب. 

تحلّق الرجالُ حولَ بُقعةٍ فارغةٍ وبدأوا بالحفر، وسرعان ما تكوّنت هالةٌ ترابيّةٌ حولهم فلم أرَ سوى أشباح تُجاهدُ الغبارَ، والسعالَ، والدموعَ، بدوا لي في رقصةِ «بَرَع» لن ينتهوا منها.

كنتُ أحدّق في المشهدِ المهيبِ والحقيقةِ التي تنوء بجبلِ النبي شُعيب5: في هذه الحفرةِ سيرقدُ أحدُ أصدقائي ولن أراه مرةً أُخرى.  

شعرتُ كأنّ أحدَهم خفقَ مادةً ما وصبّها في تجويفِ جُمجمتي، أشعرُ بسائلٍ يموجُ ويتراخى، كم سيُصيبني الحرجُ لو سالَ الآن من أنفِي وعينيّ، خرجَ أحدُ الصبيةِ المشاركين في الحفرِ وسحبَني من يدي: «تعالي استأجري»، أي: تعالي لتكسبي أجرًا بالمشاركةِ في دفنِ الشهيدِ.  

هنا فاض السائلُ الرخو من رأسِي تمامًا، وشعرتُ به يُغطّي الترابَ، وخشبَ التابوتِ، وزملاءَ الحفرِ والأجرِ، دنوتُ من الحُفرةِ، وجثوتُ على رُكبتيّ وأهلتُ الترابَ، دخلَ الترابُ إلى جوفي، وغطّى وجهي، وسقطتْ النظارةُ السوداءُ، هنا رأيتُ نفسي التي أعرفُها تخرجُ من داخلِي وتراقبُ أنا جديدةً عليّ، لا أذكرُ كم بقيتُ هناك، لا أعتقد أنّ المُدّة تجاوزت الدقيقتيْن، خرجتُ من المقبرةِ، ومنها إلى مقرّ عملي المجاورِ لبِقالةٍ ومركزٍ لعلاجِ الصمّ والبكم. 

صعدتُ إلى مكتبي، وجلستُ خلفَ الجهازِ، أراجعُ الرسائلَ التي وصلتني من الإدارةِ المركزيّةِ المتواجدةِ في إحدى العواصمِ الأوربيّةِ التي تعاني الصقيعَ أغلب شهور العام، وبأصابعٍ تكدّس تحت أظافرِها ترابُ الدفنِ، وبعباءةٍ غطّى نصفَها غبارُ مقبرة «جار الله»، بدأتُ بالردّ مطمئنةً إياهم بأنّ الخططَ البديلةَ ستكونُ فاعلةً، وسننجو من أي تعقيداتٍ قادمةٍ، لم أنفض عنّي ترابَ القبورِ حتى عدتُ إلى البيتِ.

وعلى فراشي أغمضتُ عينيّ، لا شيء يتملكّني غير جنازة اليومِ، ولا صوتَ إلّا دبيبُ الموتِ الذي نشعرُ به يزحفُ نحونا منذ أن استولى الحوثيّون على صنعاء، وقد كان انسحابُ البعثاتِ الدبلوماسيّة، وإحراقُ المارينز لأسلحتِهم التي لوّثت رائحتُها مساءات صنعاءَ الباردة، نذيرَ شؤمٍ كدّر أيامَنا الصعبةَ أصلًا.

بعد ذلك بيومين تقريبًا، وتحديدًا في الساعةِ الـ 2:20 من صباحِ الخميس 26 مارس/آذار استيقظتْ صنعاءُ كُلّها دون استثناء على صوتِ أوّل غاراتِ التحالفِ العربيّ على اليمنِ. 

(10)

على بعدِ ربع ساعة من مدارسِ الثغر التي تخرّج منها أسامة بن لادِن والداعية الصوفي الحبيب علي الجفري، كانت تجلسُ باحةٌ مسوّرةٌ بالحَجَرِ الصناعيّ والأسلاكِ الشائكةِ، تحفها أشجارُ الغاف (البرسوبس) الكثيفةُ، بلا أيّ علامةٍ إلى بوابةِ الدخولِ، دخلتُ هذه الباحةَ في أحدِ أيام نوفمبر/تشرين ثانٍ، ورأيتُ هناك لأوّل مرة قبورًا تزيّنها الصلبانُ الرخاميّةُ والحجريّةُ في «بلادِ الحرمين»

كانت تلك مقبرة المسيحيين، أو مقبرة غير المسلمين حسب ويكيبيديا، أو مقبرة البرتغاليين حسب محرك البحث، أو «مقبرة الخواجات» وفقًا لبلديّةِ جِدّة التي اعتمدتْ هذه الاسمَ تحاشيًا للفتِ النظر، تمّ تخصيصُ تلك المقبرةِ لدفنِ غير المسلمين في جدة لقرونٍ عديدة، لم يكن موقعُها معروفًا، ولا حتى لسائقي الحافلاتِ العامةِ، وسيّاراتِ الأجرةِ الذين يعرفون، كما يُفترض، «حُفر الملح والزنوة مَن أبوه» كما يقول المثل اليمنيّ.  

تختلفُ المصادرُ في تحديدِ تاريخِ «مقبرة الخواجات»، يقولُ موقعُ ويكيبيديا أنّ المقبرةَ كانت موجودةً قبل دفنِ الجنود البرتغاليين الذين غزوا مدينةَ جِدّة في القرنِ السادس عشر الميلادي، بينما يقول البروفيسور عبد الرحمن سعد العرابي أستاذ التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز أنّها تعود للقرن الثامن عشر. 

دُفن في المقبرةِ بعض الأشخاص الذين وردت سيرتُهم في التقاريرِ التاريخيّةِ، والسياسيّةِ، والأعمال الروائيةِّ، منهم المُستكشفُ الفرنسيّ شارل-كزافييه روشيه ديريكور، ونائبُ القنصل البريطاني سيرل أوسمان الذي قُتل في 16 نوفمبر/تشرين ثانٍ 1951 برشّاش الأميرِ مشاري بن عبد العزيز آل سعود إثر خلافٍ حول الكحول أثناء حفلة أقامها الأوّل في بيته. 

دُفن في المقبرة أيضًا حوالي 21 شخصًا أوروبيًا قُتلوا فيما يُعرف باسم «مذبحة القناصل» في يونيو/حزيران 1858، نتجت المذبحةُ عن مشكلةٍ عويصةٍ بين أحد مُلّاك السفن وهو التاجر صالح جوهر والقنصل البريطانيّ، حول وضع علم الدول العثمانيّة من عدمه فوق سفينة تتبع الملكية البريطانيّة، وقد أسفرَ عن هذهِ المذبحةِ إرسالَ بريطانيا لمدمّرة قصفت مدينة جَدّة وقتلت 25 من سُكّانِها. 

يحكي أحد السُكان المحليين أن «مقبرة الخواجات» كانت تحوي صُلبانًا منتصبةً فوقَ بعض القبورِ، فقام بعض المتشدّدين في القرنِ الماضي بكسرِها ورميها لتستقرّ في قاعِ البحرِ الأحمر.

دخلتُ المقبرةَ بمناسبةِ إحياء بعض البعثاتِ الدبلوماسيّة الأوروبيّة لذكرى «يوم الهدنة» التي أنهتْ الحربَ العالميّةَ الأولى، وفيه يتم وضعُ عقودِ الورودِ على قبورِ الذين قضوا نحبَهم أثناء تأديةِ الواجبِ الوطنيّ، وقد كرّم القناصلُ آنذاك قبرَ جنديّ بريطانيّ اسمه جون آرثر هوغَن، يقول شاهدُه أنّه مات في 1944 وهو في الـ 34.  

بعد انتهاء المراسيم تجمّع المتواجدون للثرثرةِ، والضحكِ، وتبادُلِ الأخبارِ، بينما تمركّز الحُرّاسُ الشخصيّون في الأرجاءِ وأعينهم الصقريّة تجوبُ المكانَ، كنتُ المسلمةَ الوحيدةَ مع ثلاثة آخرين، والمرأةَ الوحيدةَ التي ترتدي حجابَ الشعر، لم يهتم أحدٌ سواي بالتجوّلِ والتقاطِ الصور. 

المقبرةُ صغيرةُ الحجمِ بالمقارنةِ مع المقبرةِ التي سكنتُ بجانبِها، كانت عبارة عن ثلاثةِ مستطيلات يغطيها الحصى وأوراقُ الشجر، يفصلُ بينهم ممرّاتٌ مرصوفةٌ بحجرٍ صغيرٍ خشن، حولَ الممراتِ أعمدةٌ حديديّةٌ قصيرةٌ يربطُ بينها جنازيرٌ يُمكن عبورُها بسهولةٍ، معظم القبور كانت عبارةً عن قطعةِ رُخام مستطيلة محفور عليها معلومات عن المُتوفَّى، بعض القبور كانت أكثر فخامة من غيرِها، وقد نُحت عليها، حفرًا أو إبرازًا، الصُلبان في إتقانٍ واضح، لم تكن زيارةُ المُسلمين مسموحة لكن «بادج» السفارة التي كنتُ أعملُ فيها كان جوازَ مروري. 

هناك عدة قبور تخصُّ أطفالًا من جنسياتٍ أفريقيّةٍ وآسيويّةٍ مثل الفلبين، وأريتيريا، والهند، أغلب الظنَّ أنّ عائلاتَهم لا تملكُ ثمنَ إرسالِ الجُثةِ إلى الوطنِ، فيفضلون دفنَها في الأرضِ الغريبةِ التي يعملون بها. 

تمّت إزاحةُ أماكنِ بعضَ الشواهدِ ذات المكانةِ إلى جدران المقبرة لخلق مساحة أكبر، وكان منها قبرٌ من الإسمنت على هيئة تابوت يعلوه الصليب تمّ إهداؤه للمستكشف الفرنسي تشارلز أوبير، وعمودٌ حجريٌ عتيقٌ على واجهتِه تجسيدٌ لصليبٍ، و رأسٍ وكتفين، و كتابةٌ باليونانيّةِ، لكن يبدو أنّ الوجهَ والصليبَ قد تعرّضا لمحاولةِ طمسٍ وتشويهٍ، في صورةٍ قديمةٍ للمقبرة نشرتها مجلة «لايف» الأمريكيّة تعودُ إلى مايو/أيّار 1943، يظهرُ هذا العمودُ وقد ابتعدَ عن الجدارِ الغربي بمسافةٍ تزيدُ عن الأربعةِ أمتار، بينما الآن يلتصقُ به، ويبدو أيضًا أنّ العمودَ قد تعرّض لقطعٍ جزءٍ منه فغدا أقصرَ بكثيرٍ مما بدا في الصورةِ القديمةِ. 

هناك قبرٌ عليه صورةُ رجلٍ كأنّه خرجَ مِن رسوماتِ إدوارد مانيه، مكتوبٌ على اللوحِ الرُخاميّ أنه يوناني وتوجد أمامه جرّةٌ رخاميّةٌ فارغةٌ، أكثرُ الشواهدِ أناقةً كان يخصُّ قُنصلًا هولنديًا توفي في القرنِ التاسعِ عشرِ، وتشيرُ حالةُ الشاهدِ أنّ سفارةَ بلادِه تبذلُ جهدًا مميزًا للحفاظِ عليه، أمّا القبرُ الذي وقفتُ عنده أكثر من غيره كان لرجلٍ اسكتلندي اسمه نيل براون  من مواليدِ بُرج الدلو، مِثلي، توفي في 1967 بنوبةٍ قلبيّة، كان شاهدُه مُهدىً من زوجتِه التي أزالت قلةُ الاهتمامِ اسمَها، يقولُ الشاهدُ أنّ السيّد براون كان يُحبّ الموسيقى وكان مسئولًا عن بثّ فقرات موسيقى الجاز، على الشاهدِ نُحتت آلة البوق (ترُمبِت) التي كان يُجيد العزفَ عليها.

 قطعَ استغراقي في تفاصيلِ الشواهدِ طلبُ القنصلِ الألمانيّ بأن التقطَ له صورةً مع رجليْن آخريْن. 

هناك قبرٌ صينيّ واحد، وقبرٌ كوريّ واحد. 

غادرتْ الوفودُ المقبرةَ بعدَ آذانِ الظهرِ بقليل، وقبلَ المغادرةِ منحتُ الحارسَ مالًا وسألتُه: ألا تخاف من النوم هنا؟ أجاب بالنفي وأضاف: أقوم بتشغيلِ القرآن طوالَ اليوم. 

أكثرُ القبور التي أثارت بداخلي حُزنًا خاصًا كان عبارةً عن رُخامتين مُتعامدتين كُتب فوق إحداهما كلمتان فقط: طفلٌ لبنانيّ. 

يجدرُ بالذكرِ أنّ «مقبرة الخواجات» قد تعرّضت لهجومٍ إرهابي العام الماضي، أسفر عن جرحِ رجلِ أمنٍ سعوديّ، وموظفٍ في القنصليةِ اليونانيّةِ. 

(11)

 في يوليو/ تمّوز 2018 تناقلتْ المواقعُ اليمنيّةُ صورًا لمدنيين يُغلقون بوّابة مقبرةِ «جار الله» بالطوبِ والإسمنت، تقولُ اللوحةُ الزرقاءُ المعلّقةُ أنّ المقبرةَ ممتلئةً ولا يوجد مكانٌ لأيّ قبرٍ جديد.

لقد كانت بوابةُ «جار الله» أبرز ما أتذكرّهُ من شوارعِ صنعاء، عند مغادرتي إيّاها صباح الـ 5 من إبريل/نيسان 2015، مازال ترابُ الجنازةِ في حلقي، فشعرتُ حينها أنّي أغادرُ صنعاءَ مرّتين.

لقد أُغلقتْ، إلى الأبدِ، البوابةُ التي عبرتُها في حياتي مرّتين فقط.  

(12)

عندما كان يسألني الآخرون عن عنوانِ بيتي يُطلقون آهة المفاجأة لأنّي أجاورُ مقبرةَ الحيّ الفّلاني، ثُمّ يبتسمون ويُطلقون النّكات، لا يُقيم اليمنيّون وزنًا للموتِ، وهذا عيبُهم الخطيرُ الذي طوّقتهم به مصادفات التاريخ والجغرافيا، كانت الشقةُ حديثة وأنا أوّل ساكنيها، لكنّها لم تتخلَّ ،رغم حداثتها، عن ميزةِ البيوتِ اليمنيّة التقليديّة في عدم وجود حمّام إفرنجي، باستثناء الديوان فقد كان البيتُ يُعاني عدمَ التهوية لالتصاقِه ببناياتٍ أخرى من جهاتِه الثلاث، كانت الشمسُ تُشرقُ من جهةِ الدّيوان/المقبرةِ تاركةً باقي البيتِ، يا للسخرية، حزينًا كالقبرِ، ولأنّه في الطابقِ الأرضيِ فقد كان دخولُ الصراصيرِ الكبيرةِ شائعًا، وأنا أخافُ الصراصيرَ أكثر من الجُثثِ بما لا يُقاس. 

انتقلتُ من ذلك البيت في 30 نوفمبر/ تشرين ثانٍ، أي في نفسِ يوم إجلاء آخر جُندي بريطانيّ من مدينتِي عدن، أتذكّرُّ ذلك البيتَ بكثيرٍ من الامتنان، وأُرسلُ، إلى الآن، الفاتحةَ لجيرانِي الصموتين الذين حمَوني من التحرّش، من يجرؤ على إيذاءِ فتاةٍ تسيرُ بجانب مقبرةٍ قُبيل منتصف الليلّ!

 لقد منحتني صنعاءُ في ذلك البيتِ أعظمَ عطاياها، وعلّقتْ على صدرِي مفتاحَ صندوقِها المطعّم بالفضة والعقيق دون أن أطلبه، غير أنّ لا مجال لذكرِ تفاصيلِ هذه العطيّة هنا، ولا في أيّ مكانٍ آخر. 

يناير/كانون ثانٍ 2021 

هوامش:

1- القنبوس عود قصير الزند نشأ في اليمن. 

2- الجَوْلة ميدان أو دوّار، قد يكون داخل الحارات أو في الشوارع الرئيسية.

3- الحوار الوطني هو مؤتمر استمر من مارس 2013 وحتى يناير 2014 جمع عدة أطياف وممثلين من المجتمع اليمني، وقد ناقش الحوار عدة قضايا منها: قضية الجنوب، وقضية صعدة، والحكم الرشيد. 

4- فندق موفنبيك في صنعاء كان موقعُ انعقادِ جلساتِ الحوارِ الوطنيّ. 

5- أعلى قمة جبل في الجزيرة العربية، يقع في مديرية بني مطر في صنعاء. 

مراجع: 

- مقطوعة Fantasy for Violin and Orchestra

https://www.youtube.com/watch?v=DOurQdMNUVA

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
هيثم الورداني

أن تُصبح حجرًا

«لمَن لم يعودوا في جوف الأرض»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن