أن تُصبح حجرًا
الموتى. لديهم خطة. وخطتهم بسيطة. تُدعى صمود. أي، الثبات في المكان، والبدء من جديد، حتى لو بدا ذلك مستحيلًا. الموتى. يوجهوننا نحو القبور المفتوحة. التي تدنسها الجرافات. يد مقطوعة. لسان مشوه. حقيقة ملطخة، بجانب حقيبة كتب. الموتى، جائعون. ولديهم خطة. خطتهم هي إعادتنا إلى الأرض، حيث لم يعودوا مدفونين. ويصرّون على أن نبقى هناك، ونبدأ من جديد. لم أكتب لك منذ فترة. لكنك خطرت ببالي اليوم. وجع أذني جعلني أفكر فيك. ألم فظيع تفاقم منذ بدء الإبادة. إذ أعلن سندان أذني الإضراب عن توصيل الأصوات المحيطة، وقرر الإصغاء عوضًا عن ذلك إلى ما هو مدفون داخلها. فهو يتلقى إشارات تحت-صوتية في كل مكان أذهب إليه. في أرضية جاري التي تُصدر صريرًا حادًا في قلب الليالي. في إعلانات مترو الأنفاق. في كلام اليساريين الألمان البارد حول الموت في غزة. في الصمت القاتل الذي يتشكل في جوف ساعات وساعات من محادثات، كل هدفها هو تجنب النطق بكلمة فلسطين بأي طريقة بهلوانية ممكنة. أحيانًا يتحرك السندان في عكس الاتجاه ليعطّل كل ما يصل إلى طبلة أذني، وأحيانًا أخرى يجري بسرعة مجنونة في الاتجاه الآخر مثل ناقوس خطر، أو مثل مسعف في خان يونس يبحث بشكل محموم عن مفقودين. أذني أهلكتني، لكنها جعلتني أيضًا أُدرك أن ما هو مدفون عميقًا في كل ما أسمعه ليس همسات أشباح، بل هو «الشوق الصامت نحو عالم أكثر صدقًا». هذا هو الشوق الذي سمعه دبليو. إيه. بي. دو بويز W.E.B Du Bois يتردد في ألحان أغاني الأسى الموروثة من الأسلاف المستَعبدين. كلامي مع الموتى، حتى ولو كان تلعثمًا، يعني إذن عدم القبول بما أسمعه. يعني قلب وظيفة الأذن بحيث يمكن لأصغر عظام جسدي، مطرقة أذني الوسطى وسندانها وركابها، أن تنقل هذا «الشوق الصامت». إذا كان لا يزال هناك معنى لكلمة «تضامن» فهو يكمن في هذا الشوق العابر للأجيال وللأزمان. تضامن يقاوم زمن رأس المال الخطي، ويربط فجأة بين لحظات تاريخية متباعدة، وجغرافيات ممزقة، وأجيال من المقهورين. تضامن لا يتطاير سريعًا، بل يتكثف يومًا بعد يوم. هل أُصبت بوجع الأذن هذا من قبل؟ على كل حال، ما كنت أرغب في قوله هو أن الكلام بأية لغة أخرى غير لغة الموتى اليوم هو مشاركة في الجريمة المستمرة. الموتى. لا قبور تخفيهم. ولا يمكن إفنائهم. حتّى ولو لم يتوقف عدونا يومًا عن الانتصار. لغتهم هي لغة أصغر أشكال الحياة غير القابلة للفناء، والتي لا تكف عن إرسال الإشارات من تحت الأرض، أو من تحت الركام. لا أعرف مدى إحرازك تقدمًا في تعلم اللغة. أما أنا فطريقي لا يزال طويلًا ووعرًا. لكني تعلمت كلمة جديدة مؤخرًا. كلمة تُدعى أر-كي-تك-تشر. عندما اضطرت إيمان مرسال لإلقاء محاضرة باللغة الإنجليزية لأول مرة، فكّرتْ في خدعة، مثلها مثل أي مهاجر أو مهاجرة. فنحن المهاجرين عندما ننتقل إلى الإمبراطورية نتعلم أولًا كيف نحتال على لغتها. تلك التي تجعلنا نبدو فيها دائمًا صغارًا. تجعلنا نسير فيها كأننا نرتدي ملابس أصغر من مقاسنا. خدعة إيمان تمثلت في كتابة الكلمات الانجليزية الصعبة بالأحرف العربية المشكّلة، لكي تراها أمامها في شكل لغة مألوفة. أصعب هذه الكلمات كان كلمة «عمارة». فكتبتها بالألف والراء والكاف والتاء والكاف والتاء والشين والراء. وفي لحظة النطق الحرجة، تعثّرت بالكلمة. وكتبت أن ما حدث بعد ذلك هو أنها سمعت «مسجدًا أمويًا بالتحديد، ينهار في مكان ما، وأن صوت زجاج شبابيكه المتكسرة يخرج مع صوتي». كم أفكر في صوت الدمار المدفون في كلمة أر-كي-تك-تشر، والذي لا يبدو أن أحدًا يسمعه. وفي الحروف العربية التي تختبئ في الكلمة الإنجليزية، والتي لا يبدو أن أحدًا يراها، باستثناء الملائكة المحتضرين حولها في قاعة المحاضرات تلك. مسجد بأكمله ينهار في صمت قاعة مرتبة ونظيفة، على بُعد آلاف الأميال ومئات السنين. كلمة أر-كي-تك-تشر، بالطريقة التي انكسر بها صوت إيمان، هي الكلمة التي تعلمتها. إنها ليست كلمة بالضبط، بل كومة من الركام. ومع ذلك، فهي تصور ببلاغة العنف الكولونيالي في أربعة مقاطع لفظية متقطعة. أعني عنف الإمبراطورية التي تصم آذانها عن الدمار المتراكم، وهي منشغلة ببناء أبراجها الباسقة. أتمنى إذا تعيّن عليّ أن أتحدث الإنجليزية، أن ينكسر صوتي فيها وأنا أتكلم، مثل صوت إيمان، بصوت زجاج المنازل المهشم في دير البلح وتل الهوى.
كتبت في رسالتك الأخيرة أن لغة الموتى التي نسعى لتعلمها ليس لها كلمات، وإنما يمكن سماعها فقط عندما تتصدع كلمات لغاتنا تحت الثقل الباهظ الذي تحمله. في أعماق أي حداثة تكمن جريمة يرغب كثيرون في إبقائها مدفونة، جريمة 1939، جريمة 1948، جريمة 1918، جريمة 1791، جريمة 1882، جريمة 2023، جريمة كل يوم. كتل من الحيوات المدمرة بلا رحمة، والتي لا يزال شوقها نحو «عالم أكثر صدقًًا» يندفع عبر اللغة، ويضغط عليها. أليس «الشوق الصامت» هو هذا الحمل الباهظ الذي كنت تتحدث عنه؟ أليس هو المادة الحقيقية للتاريخ؟ سأحتفظ بالبقع الحمراء على وجهي، وأدور بجسدي في نصف دوائر على الإيقاع المشوش، الذي يسكن أذني. الموتى. يغنون بألسنة مقطوعة. ولديهم خطة. خطتهم أن يعيدونا. إلى الأرض. رغم أنف قاتليهم. هل تتذكر الَحجرة الصغيرة التي كتبتُ لك عنها؟ استيقظتُ هذا الصباح فوجدتُها مرة أخرى في راحة يدي. لمستُ سطحها الأملس وأدركت هذه المرة أنها لم تأتني مندفعة من عمق طفولتي، عندما كنت أحطم النوافذ برفقة أصدقائي الغاضبين، بل هي قادمة من طفولة أخرى، مدفونة الآن تحت أنقاض غزة، وملتفة على نفسها. أقول استيقظت، رغم أني لم أنم منذ خمسة أيام. هناك بيت لإيتيل عدنان يقول: «العيش في الليل يعني العيش بالأذن، العين ستتبع بعد ذلك». أجد هذا البيت مفيدًا جدًا في هذا الظلام الدامس المحيط بنا. فما يُعرّف الليل ليس غياب الضوء عنه، بل هو بروز الكائنات الليلية فيه. حيوات مدمرة، أكوام من الركام، وتلال من الأشواق غير المتحققة. هذه الكائنات الليلية تصرّ على انتمائها إلى هذا العالم، وتستمر في تلاوة مطالبها عليه. ليل نهار. لذا فقد حان الوقت للعيش بالأذن، والاستماع إلى أشواق هذه الكائنات الصامتة. لقد حان الوقت لكشف الفاشية، التي ترتكب جرائمها كل يوم، في رابعة النهار. الأمر بسيط، لقد أصبح الضوء الساطع تجسيدًا لفوقية العرق الأبيض. الغرض الوحيد منه هو حماية الحدود، وأبواب المستوطنات. المعتقلون في زنازين صغيرة، والذين يتعرضون لوهج مصابيح الفلورسنت 500 واط الدائم، يعرفون جيدًا كيف يمكن للضوء أن يكون معتمًا ويعشي الأبصار. أصدقائي ماتوا. ولديهم خطة بسيطة. لكن البساطة لا تعني السهولة. إذ ليس من السهل أن نرثوَ المدن. ليس من السهل أن نبحث عن مخبأ. بدلًا من تحمل تبعات الضوء المجرم الذي يراه الجميع، من السهل إغماض العين والركون إلى انتظار نهاية العالم. لكن هذه ليست الخطة. الخطة هي البدء من الظلام، تحت تربة الأرض. هناك في أعماق الجرح المفتوح شيءٌ ينتظرنا: بذور صغيرة ستحصننا ضد التواطؤ. فالصمود لا يعني القبول بالوضع الراهن، بل يعني الثبات في المكان مثل صدع عنيد فيه. الصمود هو في الواقع أن تصبح حجرًا، يتشبث في البقاء، على أرض مسروقة. أتخيلُ أن الحجارة كانت ذات يوم عيونًا، تتابع بصمت جرائم التاريخ منذ الأزل. ولأنها لم ترمش أبدًا، تحجّرت تلك العيون. الحجر هو نفيٌ لكل ما تسميه البرجوازية «الطبيعة». فالأرض التي استُدعينا إليها ليست طبيعة. إنها طبقات من النضالات ضد أن تصبح ممارسة العنف أمرًا طبيعيًا. من هذه الأرض لن ينبت عشب فحسب، بل ستنبت أيضًا حجارة صلبة تنحشر في حلق كل مَن يهندس المجاعة. قبضتُ على الحجرة التي في كفي بقوة وقرأت عليه تعويذة تعلمتها من شيخي. وعندما فتحت كفي مرة أخرى، أصبحت الحجرة كلمة. كانت حروفها الأربعة ترتعش في كل مرة ألمسها. الراء، الفاء، العين، التاء. احتفظتُ بالحروف الساكنة لنفسي، ودفنت بعناية حروف العلة، التي يبدو أن لا أحد يراها، في أنحاء مختلفة من المدينة. ثم وقفت في الظلام، بقلب مضطرب، أنتظر أن تميد الأرض. وقفت أنتظر دوي التفجير الذي سيخرق طبلة آذان المدافعين عن الإبادة. وقفت أنتظر أن تعود «البشرية الميتة والمتبلة بالملح على ضفاف البحر الأبيض المتوسط»، كما كتبتَ يا رفعت، إلى الحياة. ولكن بدلًا من ذلك سمعتُ صوت جرافة. إنهم يكثرون من البناء في المدينة هذه الأيام. يحولون أجزاء من رأسمالهم المالي إلى منازل فارغة. من هم مثلي ومثلك يمكنهم على الأكثر العمل في مواقع البناء تلك، لكن ما أن تنتصب المباني في مكانها لا يمكن أن تطأ أقدامهم إياها مرة أخرى. أودّ أن أصف لك جيدًا ضجيج الأنياب الفولاذية التي تحفر في القشرة الصخرية للتربة. إيقاع منتظم يدفع إلى الجنون، تتخلله فترات توقف قصيرة، تُبرّد فيها الأنياب بالماء من خرطوم مجاور. في الحقيقة لا صوت المحرك، ولا دق الأنياب المعدنية، ولا سخونة الهواء، هو ما أود أن أصفه لك بالضبط. ما أود أن أصفه هو صوت فائض القيمة. لو كانت الملكية قادرة على التكلم لكانت قواعد النحو التي تتكلم بها هي كالتالي: سلسلة طويلة من الصدمات، موقّعة بوقفات نظام تبريد فعّال، يحافظ على عمق توغل الصدمات، ويمنع تمرد الأحياء أو نشور الموتى. لغة تشمل الوجود بأكمله. تبلع الأرض، وتصعق الأعصاب، ولا تترك مجالًا لأي إشارة يمكن أن تنفذ من الماضي أو المستقبل. لغة الأر-كي-تك-تشر. الأرض، والسائق، والآلة، والماء، وباطن الأرض، والتربة، وأنا، الذي لا أستطيع التفكير في أي شيء آخر الآن، أصبحنا جميعًا صامتين، ومع ذلك فقد انتظمنا جميعًا دون إرادتنا في جملة وحشية. تتحدث الملكية بلغة يمكنها ببلاغة أن تستبدل رأس المال المالي برأس المال الاستعماري الاستيطاني. تستبدل خرطوم المياه بقوات مكافحة الشغب. تستبدل العامل الذي يجلس في كابينة قيادة الجرافة بجندي يجلس في الجرافة نفسها ليدنس القبور. بل يمكنها استبدال كلاهما بالموتى. فهذه اللغة المجرمة يمكنها اختطاف جميع الخطط بسهولة داخل بنيتها الإبادية. جميع الخطط يمكن أن تُسحق في هلام هذه اللغة. حتى خطط الموتى. ومع ذلك، أودّ أن أسألك شيئًا واحدًا: كيف يمكن أن يبدو لك العالم الأكثر صدقًا؟ أقصد كيف يمكنك أن تسمعه؟ أي حقيقة تلك التي تنتقل عبر «الشوق الصامت»؟ إلى أن يحين الحين، سأتمايل على إيقاع سنداني المشوّش، ثم أبدأ من جديد، حتى لو بدا ذلك مستحيلًا. سأفرك الحروف الساكنة في لحمي، وأزرع حروف العلة في أركان المدينة، على أمل أن أسمع دوي الانفجار في المرة القادمة.
* إلى مارينا فيشمدت. في إثر شون بوني.
** نسخة أولية من هذا النص قُرِئَت في إطار فعاليات البرنامج العام المصاحب للجناح الإيطالي في بينالي فينيسيا مايو 2024، والذي نُظم تحت عنوان سياسات الاستماع.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
تفاهة التطبيع (1-3)
«تُفكك مارينا كالكولي مفهوم التطبيع استنادًا إلى نظرية «الأمننة»»
مقاومة المرأة الفلسطينية اليوم.. الإمبريالية والإسلام السياسي والعنف
«تاريخ نشاط المرأة في الحركات الوطنية الفلسطينية دُمر أو في أفضل الأحوال تم تهميشه»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد