تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

لماذا يُعتبر فوز عبد الرزاق قرنح بنوبل للأدب مهمًا؟

بهاكتي شرينجاربور
6 دقيقة قراءة
لماذا يُعتبر فوز عبد الرزاق قرنح بنوبل للأدب مهمًا؟

نُشر النص الأصلي لهذا المقال بالإنجليزية على موقع سكرول إن في 9 أكتوبر 2021.  

نجح السويديون مرة أخرى في إدهاش الجميع باختيار مباغت للفائز بجائزة نوبل في الأدب هذا العام. أُعلن أن عبد الرزاق قرنح (المولود عام 1948) هو الفائز هذا العام. وهو الكاتب السادس فقط من القارة الإفريقية الذي ينال هذه الجائزة المرموقة. بالنسبة للساخرين المتشائمين، والمقامرين، والقراء ديدان الكتب، ومتذوقي الأدب الإفريقي، يأتي هذا الخبر كنسمة هواء منعشة. ويوضح اندهاش قرنح نفسه من حصوله على الجائزة مقدار الحب القليل الممنوح للمدى الواسع والمتنوع والمذهل من الأدب القادم من إفريقيا.

في الحقيقة، سيكون هذا سحر جائزة نوبل في أفضل حالاته: فجأة، روائي مجهول نسبيًا يصبح اسمًا جماهيريًا وكُتب قرنح -التي من الصعب الوصول إليها خارج المملكة المتحدة وشرق إفريقيا- تُباع على نطاق واسع.

سيتم الاحتفاء بقرنح ككاتب تنزاني، وبالتالي من الضروري إلقاء الضوء فورًا على هويته المتشابكة والمعقدة. قرنح في الحقيقة من زنجبار؛ وهي مجموعة من الجزر المتمتعة بالحكم الذاتي في المحيط الهندي، والتي اندمجت مع كتلة اليابس عند الاستقلال عن الحكم البريطاني في ستينيات القرن العشرين تحت اسم تنزانيا.

لكن العلاقة مع كتلة اليابس كانت دائمًا مشحونة ثقافيًا وسياسيًا، وقد ذكر قرنح أنه انتقل إلى المملكة المتحدة في الستينيات كي يهرب من إرهاب الدولة ضد العرب في زنجبار. منذ ستة أشهر فقط، حلفت سامية صولحو حسن اليمين الدستورية كرئيسة لتنزانيا، أول امرأة وأول قائدة في هذا المنصب من زنجبار. يقدم لنا كلٌ من قرنح وسامية فرصة لتأمل التواريخ التي جرى إسكاتها.. تواريخ «الأماكن الصغيرة» التي تعاني من أثر الكولونيالية، لكنها تظل غالبًا خاضعة للأمة المهيمنة كذلك.

ينتمي قرنح أيضًا إلى المجموعة المسماة بالكُتاب البريطانيين السود، والمتألفة من أشخاص هاجروا إلى المملكة المتحدة من مناطق مستعمَرة سابقًا، والذين يميلون إلى استكشاف موضوعات النزوح والاستيعاب في الثقافة الجديدة. بالنظر إلى كونه قد وصل إلى المملكة المتحدة بدون تأشيرة، فإن كتابة قرنح بتركيزها على الذاكرة واستحالة العثور على انتماء تُعتبر إسهامًا هامًا في هذا التقليد.

الكآبة والاغتراب المعوِّق، كلاهما في القلب من أغلب أعمال قرنح. لقد قال إن «الوحدة والغربة صارتا أرضًا خصبة للتأمل وقادتاني إلى كتابة القصص» مشيرًا إلى خبراته الخاصة بالنزوح إلى المملكة المتحدة، وشعوره بالصدمة إزاء العنصرية الصريحة التي قابلها.

اليوم، هناك كُتاب مثل ليلى أبو العلا من السودان، شيماماندا نجوزي آديشي وتيجو كولي من نيجيريا، نوفيوليت بولاوايو من زيمبابوي، أشهر بكثير لتركيزهم على موضوعات الهجرة والنزوح. لكن قرنح هو من يجب أن يُنسب إليه الفضل لكونه واحدًا من أوائل الكُتاب الذين أوضحوا خبرات الرحلة من إفريقيا إلى الغرب.

روائي ما بعد كولونيالي

كان قرنح تقريبًا في الأربعين من عمره عندما نشر روايته الأولى «ذكرى الرحيل» (1987)، ورغم أنه كان قد عاش في المملكة المتحدة لسنوات عديدة وحصل على دكتوراه في الأدب قبل ذاك، إلا أن الرواية تبدو نابعة من مقام الرحيل عن الوطن. في لقاء مع الصحفية راضية إقبال، منذ عامين فقط، قال: «كنت ما زلت أرحل».

في الحقيقة، كانت هذه الرواية قد اكتملت قبل عِقد من وقت نشرها، لكنها رُفضت من سلسلة «كُتاب أفارقة» التي تنشرها دار نشر هينمان، وكان ذلك -كما أدرك قرنح لاحقًا- بسبب أنه لم يكن من السهل تحديد موقع عمله كإفريقي أم بريطاني أم من كتابات الشتات. بعد أربعة أعوام، كانت روايته الرابعة «فردوس» هي التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر، وعندئذ بدأت أعمال قرنح تحقق مقروئية أوسع وتجتذب اهتمامًا نقديًا.

أعمال قرنح ليست سهلة القراءة بالضرورة، بشخصياتها التي غالبًا ما تكون فاقدة للمرسى ومثقلة بالخسارة. أبطال روايات يتصارعون مع العيش على هوامش المجتمع، وحب بين الأعراق محكوم عليه بالهلاك، وهالة خانقة من الاقتلاع تحيط بأعماله. ليس للأماكن أسماء غالبًا ومناطق الحسم السردية قليلة بشكل مفرط.

هناك أيضًا تناص ثري؛ إشارات إلى شبكة من النصوص الأدبية تجعل من المخيف للقراء الخوض فيها. إن عبارة فيرجينيا وولف البسيطة، لكن المثيرة للأفكار والمشاعر، هي خير تعبير لوصف كتابات قرنح: «تمرر الذاكرة إبرتها داخلة وخارجة، صاعدة وهابطة، هنا وهناك». إن روايته، رغم كونها ذهنية، إلا أنها تميل أيضًا إلى أن تكون شعورية بعمق وتستدعي بتمكن عوالم متلاشية.

تحدثت لجنة جائزة نوبل عن إسهام قرنح في الأدب ما بعد الكولونيالي، واستشكافه لتأثيرات الكولونيالية الوخيمة. هذا صحيح بالتأكيد، لكن من المفيد بشكل أكبر بكثير تأمل الأطياف الفريدة التي يضيفها إلى دراسات ما بعد الكولونيالية. تضع أعمال قرنح المحيط الهندي في المركز كمكان، وخلاله تتخلق التواريخ والهويات والعلاقات والصلات والسياسات. إن الساحل الشرق إفريقي السواحيلي العريض، والذي لا يحظى بما يستحق من استكشاف مع ذلك، هو موطن مزيج ثري من أشكال التراث الإفريقي والآسيوي والعربي، وهذه العوالم هي التي يرسم قرنح خرائطها في رواياته. 

قال قرنح للأكاديمية تينا شتاينر: «الشعور بالانتماء إلى ذلك العالم الخاص بالمحيط الهندي، على الأقل الجزء الذي عرفته منه، والذي هو إلى حد كبير عالم إسلامي اندمج نوعًا ما في الإبستمولوجيا الإسلامية، حتى إذا كنتِ تتحدثين عن الهند أو الثقافات الهندوسية. لذا فهذه إحدى طرائق الفهم، كما أقول. لكن هناك أيضًا تلك الأشياء الأخرى التي تتصل فعلًا بأمور أكثر تعقيدًا. إنه تاريخ العنف، إنه تاريخ الاستغلال، تاريخ أناس جاؤوا من أماكن أخرى، خاصة ذلك الجزء من ساحل شرق إفريقيا الذي جئت منه». إذًا لا عجب، بالطبع، من أن أعمال قرنح تقدم تحديًا استثنائيًا واستنفارًا لطرائق القراءة والتفكير المعتادة عن الأدب ما بعد الكولونيالي.

ثمة اعتبار ثانٍ، هو الطريقة التي يسرد بها قرنح دواخل رائعة لشخصية المسلم على عكس الشائع عنها. لا يكتب قرنح بالضرورة أو يتأمل في الإسلام على نحو خاص، لكن في ظل التشهير دون رحمة بالمسلمين في جميع أنحاء العالم وبتأثيرات الحرب على الإرهاب التي ما زالت تخيم بظلها الكبير على هؤلاء الناس، من المهم للغاية الاعتراف بأن روايات قرنح تقدم للقراء مدخلًا إلى مجموعة من الشخصيات المسلمة المجسدة بعناية وإنسانية وتعقيد.

متوج إفريقي

ثمة مشكلة كبيرة يجري تجاهلها في غرفة مداولات نوبل هذا العام: المصير المثير لكثير من الجدل لعملاق الأدب الكيني نجوجي وا ثيونجو الذي لم يفز مرة أخرى، بينما جرى الاعتراف فجأة بأعمال كاتب مختلف من شرق إفريقيا. إن الأدب الإفريقي في العالم المتحدث بالإنجليزية تهيمن عليه كتابات من جنوب إفريقيا ونيجيريا. ثمة مؤشر بسيط هو حقيقة أن كاتبين من جنوب إفريقيا: جي إم كوتزي ونادين جورديمر، قد فازا بالفعل بجائزة نوبل، بالإضافة إلى وولي سوينكا من نيجيريا.

يكتب نجوجي كثيرًا بالإنجليزية، لكنه مدافع مُفوَّه وملتزم بإبقاء اللغات الأصلية حية، وقد أنتج أعمالًا بلغته الأم: الجيكويو. تنزانيا، مثل كينيا، هي أيضًا بلد تظل فيه الثقافة والأدب والتعليم السواحيلي نابضين بالحياة.

ثمة مفارقة تبرز في المشهد ببطء: يكتب قرنح بالإنجليزية رغم أنها ممزوجة بالسواحيلي ورغم أن السواحيلي هي لغته الأم. يبدو أن جائزة نوبل قد اختارت مرة أخرى أن تكافئ أولوية الكتابة باللغة الإنجليزية عن القارة، وتجاهلت الكاتب الوحيد الذي حارب دون كلل ضد هذه الهيمنة.

لكن، لو أن الفكرة واسعة الانتشار عن «الجدارة الأدبية» هي الشيء الوحيد الذي يوضع في الحسبان، كما تقول لجنة نوبل، فلا يوجد من هو أكثر استحقاقًا لهذا الشرف والامتياز غير عبد الرزاق قرنح.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
هيثم الورداني

أن تُصبح حجرًا

«لمَن لم يعودوا في جوف الأرض»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).