عزاء متأخر في علاء الديب
عند قراءة رسالتي لعلاء الديب للمرة الأولى بعد تسع سنوات من لحظة كتابتها المتعجّلة المشحونة، وجدتها أقرب لموضوع تعبير لتلميذ في إعدادي، مشحونة بالعاطفة والمبالغة، صدقها وحده ليس عذرًا، لكنّ لها حكايةً لا أستطيع تجاهلها.
كان علاء عبد الفتاح يطلب مني بإلحاح «اقرأ مقال علاء الديب؛ هتحبّه، وأنت مهتم بنوع كتابته» فأردّ «لا يا عم ده، راجل جد وعنده مشاعر وأنا مش عاوز أقرأ حاجة عميقة ولا فيها مشاعر الفترة دي». لم أخبره أنني حين قرأت الرجل قديمًا، سكنني حزنٌ مقيم، جعلني أشفقُ عليه، وأحبه، لكنّي أتجنّبه خاصّة في زنزانة انفراديّة في المعتقل. لم أكن أعرف سوى أنّه روائي مهم وعذي، وقرأت له عملين قبل سنين.
علاء يُذكّر، وأنا أتجنّب، إلى أن نشرنا «جرافيتي لشخصين»، نص طويل كتبته مع علاء في المعتقل، وكتب الأستاذ علاء الديب في عموده بـ«المصري اليوم»: «أصدر الثائران أحمد دومة وعلاء عبدالفتاح، من سجن طرة، شهادة بعنوان "جرافيتى لشخصين" عن ثورة 25 يناير وما تبعها من أيام، أعتقد أنها أهم الوثائق الفكرية والأدبية التي صدرت عن الثورة حتى الآن»، ارسل لي علاء المقال معلّقًا: «كده هتقرأه غصب عنك».
بعدها بفترة، نشرتُ نصوص وقصائد كتبتهم في المعتقل، وكتب الأستاذ علاء في عموده أن حريّته، هو، لن تكتمل سوى بحريّتي.
كانت متابعته تشبه القدر، تورّطتُ فيها بكل الحب، لما يستحقّه وتعويضًا عن جحودي السابق.
كتبتُ له رسالة طويلة، أحكي له حكايتي معه، وعلاء، والشعر، والكتابة، والسجن، وأشياء كثيرة، لكنّها لم تصل. نهرّبُ الرسائل، إن استطعنا، ونترك مصيرها بيد القدر.
يوم وفاته، 18 فبراير 2016، كنتُ في زنزانة انفراديّة أخرى، مقابل نظارتها (وهي فتحة صغيرة في باب الزنزانة تغطيها قضبان حديديّة) جدار قبيح، ولا زنزانة يسكنها علاء (كنّا، علاء وأنا، نسكن زنزانتين متقابلتين، ولا يتوقّف الحكي والنقاش والغناء والشعر بيننا من نظارتي الزنزانتين في 2014)، ولا أحد حولي يعرف الرجل لنتشاركَ الوجيعة والحزن. لم أبكِ، فقد جفّت القنوات الدمعيّة وتوقّفت عن عملها احتجاجًا منذ زمن. لم يعزّني علاء، وحده كان سيعرفُ بحزني، ويحاول التعزية. كان سيقرأ لي مقطعًا للراحلِ فيها ما يريد قوله غالبًا.
لديّ غدًا جلسة محاكمة، وقد أنجح في تهريب رسالة عزاء عن الرجل أو له، انتبهت. لكن مراحل التفتيش التي أمرّ بها في الطريق إلى جلسات المحاكمة يستحيل معها إخراجُ حرفٍ، فما بالي برسالة. أحضرتُ «فانلة حمّالات» بيضاء من ملابسي، وكببتُ عليها حزني وغضبي بخط صغير، ثم ارتديتها ونمتُ فيها، وعندما فتحوا الزنزانة في الصباح، وجدوني كما أنا، فلم يشكّوا في ما ألبس على الأقل. وقد كان، تفتيش وراء تفتيش، حتى وصلتُ مقر المحاكمة في معهد أمناء الشرطة، الذي غيّروا يافطته لمجمع محاكم طرة، لكنّه ظلّ ثكنة عسكريّة يحدد الضابط فيها من يدخل ومن يخرج، للمعهد أو للمعتقل.
وبعد الكثير من المحاولة، وصلت الفانلة إلى يدٍ تُخرجها من الثكنة ومنها لأهلي. ورغم فقد غالب أشيائي في سنوات المعتقل العشر، إلا أن هذه نجت، وما زلتُ محتفظًا بها. استدعيها الآن، بعد أن حكيت لـعصّومة، زوجة علاء، عنها، ووعدتها باصطحابها في الزيارة القادمة. أنشرها على حالها، محبّةً للرجل، وامتنانًا للصحبة والدعم، ووفاءً لوعدٍ قديمٍ لم أوفِّه.
كل نفسٍ إباؤها سلطان
عزاء متأخّر واعتذار لازم
تجرّني حماقتي كالعادة إلى منحدر الأسف، دومًا بعد فوات الأوان، بعد أن يغدو الكلام غير ذي قيمة. صفعة الفراق وحدها تفيقني من التعامي والغفلة اللتين أغرقُ فيهما، كسلًا ربّما ثم عادةً، لكنّي أكون وقتئذٍ خسرتُ ما لا يعوّض، وبقي ما يُثقل نفسي ألمًا وندمًا بقيّة العمر.
فور ما علمتُ بمرضه الأخير الذي خذله جسده فيه، لفرط ما بأجسادنا من وهن، لا تحتمل وطأة الأحلام ولا الخيبات، خاصّةً إن كانت من وطنٍ بأسره على مدار تاريخه، سارعت لأكتب له باعتبار الكتابة حبلًا سريًّا يبقيني على قيد الحياة في عتمة السجن والوطن.
حكيت له ساعتها عن شوقي للقاء وامتناني للتقدير الذي أبداه لنصّ مشترك كتبته مع علاء في السجن منذ قرابة عامين. كان له -النصّ وعلاء- الفضل في اكتشافي المتأخر للرجل وجلاله، وعن حقيقة كوني لم ألتفت عنه ولا عن كتابته حتى الآن. وحدّثته في رسالتي التي لم تصل عن عصير كتبه الذي سقاني بأثر رجعي، رغم كون وِرده لا يزيد إلا عطشًا، وعن شجنه الذي أوجعني، هل كان وجع فعلًا أم مشقّة هروب من حقائق الانكسار والهزيمة؟ وعن خلوته التي حسدته عليها وتمنيتُ مثلها إن عشتُ، خشية انزلاقٍ في أوحال الغرور والطمع، خلوة طالما اعتبرتها صيام زهد لا يسمو إليه إلا من شبعت روحه وعفّت نفسه. حدّثته عن سعادتي حين كتب على هامش مقالٍ له أن حريّته لن تكتمل قبل خروجي من السجن، عن فخرنا، علاء وأنا، حين اعتبر نصّنا المشترك «جرافيتي لشخصين» أهم نص أدبي وفكري لحالة الثورة، باعتبارها شهادة جرّاح، تعرف دقائق الحالة وتستطيع تشريحها والوصول لمواطن علّتها.
لم احكِ لعلاء وقت أن تحدّثنا في سهرات النضارة في السجن عن كتابات الرجل وتاريخه، ووجدني أهرب ممّا يكتب، وأنني قرأت له مرتين أو ثلاث من قبل، وراعني هذا الحزن الفائق من كلماته، وتشرَّبت كل نقطة فيها تفاؤله وتمسكه بالأمل. لم يخفِ هذا الأمل الألم بقدر ما رسّخ وجوده، حسب ما ظننت وقتها. خفت ساعتها من تضخم ورم الشعور بالمأساة الوطنية والإنسانية القديمة المتجددة، وربما كنت أهرب من حكمته الرّاسخة التي دفع ثمنها باهظًا، أهرب منها بغرور، أهرب منها كالراغب في حكمة أخرى أخفّ وطأة وأرخص ثمنًا، أو لعلي كنت كعادة الحمقى أهرب من الوقوف أمام مرآة حُفر عليها وجه الحقيقة بالغربة والدم ومرارة الهزيمة.
لم أعرف الرجل حتى الآن كما يليق ويجب، رغم كوني أؤمن بضرورة أن لا نكتب إلا عما نعرف جيدًا، لكني أنقل الآن انطباعًا لا أكثر. صخب الأحداث، ونزق الصغار، وربما عدمية الصراع الذي سحل أدمغتنا ولم يزل، جعلتني والكثير من أبناء جيلي لا نلتفت لدرر كمنت في العمق رسوخًا، وتحصنت بالأصداف تعفّفًا، فلم يزدها بعد العمق ولا قسوة الأصداف إلا انغماسًا في هموم الوطن واكتشافًا لآماله، وربما كان صخب الأحداث هو المختبر بعد التجارب القاسية، للبحث في الكتب أو في الكتابة عن شيء حقيقي، وعن الصوت باعتباره هو الموقف بغض النظر عن مصدره أو صاحبه.
رحل الرجل الذي كان «يعيش اللحظة مرتين»، يذوق المرارة مرتين، فيندر أن يبقى في فمه طعم لحلاوة. رحل تاركًا لنا الإحساس بالتخلف، وترقّب الفرحة. رحل وترك جيلًا موعودًا بالفقد، رفاقه برصاص، وأساتذته بحسرة، يبحث عن دليل ينير شمعة التجربة، وسط عتمة اللايقين، في الوقت الذي نافست فيه الخيانة القمع، في وقت أمسى التنازل فيه مصعدًا كهربائيًّا أو صاروخًا يصل المرء به على قدر فُجره، كما أصبح التعامي عن المصائب وإنكارها دون بذل أي جهد لتبين هو السبيل الوحيد في عُرف المعاتيه -معاتيه بحق، أم مجرمون ضالعون؟- لإنقاذ الوطن من مؤامرات اصطنعوها وحرصوا على إبقائها، ولو على جثث أبناء الوطن وحرياتهم وكرامتهم؟
عاش الرجل ثورتين تبين له أن «لهم أصحاب آخرين… » ونكستين (1967- 2013) صاحبا الكلّ غصبًا. ذات السيناريو باختلاف المؤدين، ذات الادعاءات لتكذيب الجرائم والهزيمة التي لا ختام سواها.
رحل علاء الديب مثقلًا بخيبة وطن، وانكسار جيل، لكنّه خلّف لنا المزيد من الانتماء، المزيد من الارتباط بالحلم الساذج البسيط المستحيل بأن يعيش ويعيش الناس حوله واقعًا جديدًا. خلف لنا شمسًا انحفر نورها في النفس وارتسم قرصها على حبة العين، نتمسك بها لنرى.
رحم الله الرجل ورحمنا رحمة واسعة وألهمنا الصبر على الفقد الذي كأنما يعاقبنا على تخاذلنا وغفلاتنا بانتزاع الأحبة لنفيق.
«ما لسلطانهم على الحرّ حكم … كل نفس إباؤوها سلطان».
أحمد دومة
معتقل طرة، فبراير
2016
آراء أخرى
أن تُصبح حجرًا
«لمَن لم يعودوا في جوف الأرض»
لماذا يُعتبر فوز عبد الرزاق قرنح بنوبل للأدب مهمًا؟
«لا يوجد من هو أكثر استحقاقًا لهذا الشرف والامتياز غير عبد الرزاق قرنح.»
«غلاف مراد» ومخاوف الحقل الأدبي
«ما منحته الدورية الأدبية لأحمد مراد»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد