تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

درس عن العالم لمراهِق قلِق

محمد الحاج
2 دقيقة قراءة
درس عن العالم لمراهِق قلِق

أعتقد أني احتمال جيد من شخصيتي بفضل كتابة أحمد خالد توفيق.

أؤمن أنه لا توجد حياة عاقلة وفاضلة دون وعي حقيقي وأصيل بتعقيد الوجود. وفي رأيي فالأدب الجيد – أيًا كانت شريحة قرائه ودرجة تقدمهم في التعلم النظري- يطرح على قارئه باستمرار هذه الإشكالية باستمرار؛ الوجود معقد وغير مطروح للتفسيرات المسطحة.

وفي اعتقادي، فأول من قدمني لهذه الفكرة، حتى وإن لم أعِها في حينه بهذا الوضوح، كان أحمد خالد توفيق.

حينما أنظر للعالم الذي نشأت فيه، أفكر أن أسوأ ما تركته التسعينيات في ذاكرتي هو سيادة السرديات القطبية؛ حياة كاملة من الأبيض والأسود تطل من جميع المنافذ المتاحة. لا ظلال ولا ألوان أخرى. وفي هذا العالم امتدت يد أحمد خالد توفيق لتفتح نافذة على حيوات أخرى، حيوات تحتضن التناقض وتحفل بالتنوع.

caption

في «أسطورة اللهب الأزرق»، يقدم لنا أحمد خالد توفيق حكاية جين وباتريك عاملي النظافة في فندق ببنسلفانيا. جين مهملة وسارقة وباتريك أحمق وقاتل، لكني أكاد أجزم أن قصة الحب المبتورة هذه هي واحدة من أكثر القصص الرومانسية التي قرأتها في مراهقتي التي علقت بذاكرتي. لم يكتف أحمد خالد توفيق بتقديم بطل مضاد، بروعة وجمال رفعت إسماعيل، لكن إدراكه لتعقيد الوجود امتد للحبكات التي قدمها في صفحات ما وراء الطبيعة، وفي سواها.

في «أسطورة البيت المسكون» يقدم طفلة مخيفة ومحببة في آن، في «أسطورة التوأمين» يقيم حبكته بالكامل على مشاعر الغيرة الأخوية، في «أسطورتنا» يجلس القاتل مع القتيل ليتشاركا جلسة الدخان نفسها في تصالح أخروي لا أستطيع أن أتذكر له مثيلًا فيما قرأت في تلك الأعوام، وفي «أسطورة الفصيلة السادسة» المخيف هو فظائع الماضي، متجسدة في فصيلة من الجنود الأطفال الذين تواطأ الجميع على قتلهم.

شخصيات تتملكها تناقضاتها لكنها تظل أصدق وأقرب إلى النفس من تلك المصنوعة على عين السلطة والأجهزة وبرعايتها.

caption

ما الذي تمتلكه عبير عبد الرحمن لتكون بطلة لسلسلة قصصية موجهة لمراهقين، وهي فتاة متوسطة الجمال متوسطة التعليم تعيش ظرفًا لا يبدو منه فكاكًا؟ ما الذي يملكه رفعت إسماعيل بشريانه التاجي وصفاته الجسمانية المتواضعة؟

في عالم أبطال الطفولة اللامعين، المتخمين بالقدرة، مفرطي الوسامة والفاعلية، أتى أحمد خالد توفيق بأبطاله ليذكرنا أن لنا مكانًا في العالم وإن كنا غير جذابين، وإن شعرنا بالوحدة أحيانًا ووطأة الخيارات التي تفرضها الإمكانات المحدودة دائمًا.

لم تكن هناك دروس أقيَم لمراهق قلق، يعيش في شقة من غرفتين لا تتجاوز مساحتها السبعين مترًا مربعًا في بولاق الدكرور، مما منحني إياه أحمد خالد توفيق بأبطاله.

شكراً يا دكتور، سأتذكر دروسك دائمًا.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
هيثم الورداني

أن تُصبح حجرًا

«لمَن لم يعودوا في جوف الأرض»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).