تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

خلط خطير: رسالة مفتوحة من كتّاب يهود

Yahia Wagdy
6 دقيقة قراءة
خلط خطير: رسالة مفتوحة من كتّاب يهود
Photo by Zachary Schulman.

هذه الرسالة، صاغها مجموعة من الكتاب اليهود، بعد أن شهدوا ادعاءً قديمًا يكتسب زخمًا جديدًا، وهو أن انتقاد إسرائيل يعتبر معاداة للسامية. ينشر الكُتَّاب هذه الرسالة تضامنًا مع من يستمرون في الإعلان عن دعمهم لحرية الشعب الفلسطيني.

 النسخة الإنجليزية من الرسالة هنا.

نحن كتَّاب، وفنانون، ونشطاء يهود، نرغب في إبداء رفضنا للسردية المنتشرة، وفحواها أن أي انتقاد لإسرائيل يندرج بالضرورة تحت معاداة السامية. لقد استخدمت إسرائيل والمدافعون عنها منذ فترة طويلة هذه التكتيكات الخطابية لحماية إسرائيل من المساءلة، وتبرير استثمار الولايات المتحدة لمليارات الدولارات في آلة الحرب الإسرائيلية، والتعمية على الواقع القاتل الناتج عن الاحتلال، وإنكار حق الفلسطينيين في السيادة على أرضهم. والآن، يُستخدم هذا لقمع حرية التعبير وتبرير القصف العسكري المستمر لقطاع غزة، ولتكميم أفواه الانتقادات من المجتمع الدولي.

نحن نستنكر الهجمات الأخيرة على المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين، وننعي فقدان الأرواح المُفجع. وفي غمرة الحزن، نشعر بالغضب أمام استخدام الكفاح ضد معاداة السامية كذريعة لارتكاب جرائم حرب، بنية الإبادة الجماعية.  

إن معاداة السامية هي جزء مؤلم للغاية من تاريخ وواقع مجتمعنا. لقد هربت عائلاتنا من الحروب والمذابح والاعتداءات ومعسكرات الاعتقال، وقد درسنا التاريخ الطويل للاضطهاد والعنف ضد اليهود، ولهذا فنحن نأخذ بجدية شديدة معاداة السامية التي تهدد أمان اليهود في جميع أنحاء العالم. تزامن أكتوبر مع مرور خمس سنوات على أسوأ هجوم مدفوع بمعاداة السامية ارتُكب في الولايات المتحدة، حيث قتل 11 من المصلين في معبد «شجرة الحياة - أور لسيمخا» في بيتسبرج على يد مسلح يعتنق نظريات المؤامرة التي تلوم اليهود على وصول المهاجرين من أمريكا الوسطى، وبذلك نزَع الإنسانية عن هاتين الجماعتين. نحن نرفض معاداة السامية بكل أشكالها، بما في ذلك عندما تتنكر في شكل انتقاد الصهيونية أو سياسات إسرائيل. كما ندرك أيضا، كما كتب الصحفي بيتر بينارت في عام 2019 إن «معاداة الصهيونية ليست بالضرورة معاداة للسامية، وأن الزعم بذلك يستغل معاناة اليهود لمحو ما يمر به ويعيشه الفلسطينيون».

تتعارض هذه التكتيكات اللغوية والتلاعب بالألفاظ مع القيم اليهودية، التي تعلمنا أن نُصلح العالم، ونضع السلطة في موضع المساءلة، وننتصر للمظلوم على الظالم. إن التاريخ المؤلم لمعاداة السامية وتعاليم الكتب اليهودية هو بالتحديد ما يدفعنا لدعم كرامة وسيادة الشعب الفلسطيني. نحن نرفض الاختيار الزائف بين سلامة اليهود وحرية الفلسطينيين، بين الهوية اليهودية وإنهاء قمع الفلسطينيين. في الواقع، نعتقد أن حقوق اليهود والفلسطينيين تمضيان يدًا بيد، وأن سلامة كل شعب تعتمد على الآخر. نحن بالتأكيد لسنا أول من يقول هذا، وفي أعقاب هذا العنف نعبر عن امتنانا نحو من أسسوا لهذا الفكر.

نحن نفهم كيف خلط الناس بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل أو الصهيونية. لسنوات عديدة، اعتمدت العديد من الدول تعريف «التحالف الدولي لحفظ ذكرى الهولوكوست» لمعاداة السامية، الذي يحتوي على 11 مثالًا معظمهم يتناول تعليقات على دولة إسرائيل، وبعضها غير محدد أو قابل للتفسير، بما يؤدي لتقييد إطار النقد المقبول. ما هو أكثر من ذلك، تصنف جمعية مكافحة التشهير [الأمريكية] معاداة الصهيونية على أنها معاداة للسامية، على الرغم من تحفظ العديد من خبرائها أنفسهم على ذلك. ساهمت هذه التعاريف في تعزيز العلاقات الإسرائيلية العميقة مع القوى اليمينية المعادية للسامية، من المجر إلى بولندا إلى الولايات المتحدة وأبعد من ذلك، مُعرضة اليهود في الشتات للخطر. لمواجهة هذه التعاريف الفضفاضة، نشر مجموعة من العلماء المتخصصين في معاداة السامية إعلان القدس عام 2020، حيث قدموا مبادئ إرشادية أكثر تحديدًا للتعرف على معاداة السامية والتمييز بينها وبين الانتقادات والنقاش حول إسرائيل والصهيونية.

إن الاتهام بمعاداة السامية عند أقل اعتراض على سياسة إسرائيل قد سمح لإسرائيل لفترة طويلة بإقامة نظام فصل عنصري، حسب وصف مجموعات حقوق الإنسان، وأكاديميين، وخبراء في القانون، ومنظمات فلسطينية وإسرائيلية، وهي اتهامات تلقي بظلال مرعبة على واقعنا السياسي بصورة مستمرة. وهذا يعني القمع السياسي في غزة والضفة الغربية، حيث تخلط الحكومة الإسرائيلية بين مجرد وجود الفلسطينيين، وكراهية اليهود حول العالم. وفي الدعاية الموجهة داخليًا نحو مواطنيها وخارجيًا نحو الغرب، لطالما أكدت الحكومة الإسرائيلية أن مظلومية الفلسطينيين لا تتعلق بالأرض أو حرية الحركة أو الحقوق أو الحرية، بل تنبع من معاداة السامية. وفي الأسابيع الأخيرة، استمر قادة إسرائيل في استغلال تاريخ الآلام اليهودية كأداة لنزع الإنسانية عن الفلسطينيين. في تلك الأثناء يُعتقل إسرائيليون أو يُوقفوا عن العمل لدفاعهم عن غزة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما يخشى الصحفيون الإسرائيليون عواقب انتقاد حكومتهم.

إن تصوير كل انتقاد لإسرائيل بأنه معاداة للسامية يؤدي أيضاً إلى حدوث خلط بين إسرائيل وكل اليهود في أذهان الناس. في الأسبوعين الأخيرين، رأينا الديمقراطيين والجمهوريين كالواصين على الهوية اليهودية بناء على دعم إسرائيل. وجاء خطاب مبهم المعالم وقعه عشرات من الشخصيات العامة ليردد نغمة الرئيس جو بايدن الذي نصّب نفسه مدافعًا عن الشعب اليهودي استنادًا إلى دعمه لإسرائيل.  وعندما قرر مركز 92NY بنيويورك تأجيل فعالية مع الكاتب فييت ثانه نجوين، الذي وقّع مؤخرًا على خطاب يدعو إلى وقف هجمات إسرائيل على غزة، بدأ المركز بيانه بالتركيز على هويته كـ«مؤسسة يهودية». كما لاحظ آخرون، فإن محاولة فهم السياق التاريخي لهجمات السابع من أكتوبر يراها البعض إنكارًا لمعاناة اليهود بدلًا من كونها ضرورية لفهم وإنهاء مثل هذا العنف.

فكرة أن كل انتقاد لإسرائيل هو معاداة للسامية، تعكس رؤية الفلسطينيين والعرب والمسلمين على أنهم بطبيعتهم مشتبه بهم، وكأنهم وسطاء لمعاداة السامية إلى أن يقوموا بنفي ذلك صراحة. منذ السابع من أكتوبر، واجه الصحفيون الفلسطينيون قمعًا غير مسبوق. في إسرائيل، طُرد مواطن اسرائيلي من أصل فلسطيني من وظيفته في مستشفى إسرائيلي بسبب نص نشره على فيسبوك في عام 2022 ذكر فيه الركن الأول للإسلام، كما حظر قادة أوروبيون الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين وجرّموا رفع العلم الفلسطيني في العلن. في لندن، أزال مستشفى مؤخرًا عملًا فنيًا لأطفال من غزة بعد ادعاء مجموعة مؤيدة لإسرائيل أن هذا العمل أشعر مرضى يهود بأنهم في «موقف ضعف» و«يسيء لهم» ويجعلهم في موضع «الضحية». بطريقة أو بأخرى، يبدو أنه حتى الأعمال الفنية لأطفال فلسطينيين ترافقها هلاوس عن العنف.

رحب الزعماء الأمريكيون بهذه الفرصة للخلط بين سلامة اليهود، وتقديم التمويل العسكري لإسرائيل، بتصميم لا يتزعزع ولا يخضع للمناقشة، دون أدنى نية للسعي لإحلال السلام. في الثالث عشر من أكتوبر، وزعت وزارة الخارجية الأمريكية مذكرة داخلية حثت فيها المسؤولين على عدم استخدام مصطلحات مثل «التهدئة/ وقف التصعيد/ وقف إطلاق النار»، «وقف أعمال العنف/ حقن الدماء»، أو «استعادة الهدوء». في الخامس والعشرين من أكتوبر، شكك بايدن في عدد الوفيات الفلسطينية ووصفها بـ«الثمن» لحرب إسرائيل. هذا المنطق القاسي سيستمر في تقوية معاداة السامية والإسلاموفوبيا على حد سواء، بينما تستعد أجهزة الأمن لارتفاع متوقع في جرائم الكراهية ضد اليهود والمسلمين معاً، وهو ما بدأ يحدث بالفعل.

بالنسبة لكل منا، الهوية اليهودية ليست سلاحًا يجوز استخدامه في معركة ترسيخ سلطوية الدولة، بل يجب أن تكون ينبوعًا للحكمة التي عاشت عبر الأجيال والتي تقول: العدالة، العدالة، يجب أن تكون مسعاكم. نحن نعترض على استغلال آلامنا وإخراس حلفائنا.

نحن ندعو إلى وقف لإطلاق النار في غزة، وايجاد حل لعودة الرهائن المحتجزين في غزة آمنين وكذلك المعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي القائم، كما ندعو الحكومات والمجتمع المدني في الولايات المتحدة وفي جميع أنحاء الغرب للوقوف ضد قمع داعمي فلسطين.

ونحن نرفض السماح باستغلال اسمنا في قمع هذه المطالب العاجلة والضرورية، وعندما نقول «لن يتكرر ما حدث مرة أخرى أبداً»، فنحن نعني ذلك.

 

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).