الاستراتيجية الوطنية للتغير المناخي.. قراءة وإشكاليات
في نهاية يوم ممتد من الكلمات والنقاشات، اقترحت على ممثل وزارة البيئة أن تخصص الوزارة جلسة نقاش للاستراتيجية الوطنية للتغير المناخي حتى نتمكن من إيصال النقاط التي نرى أنها بحاجة لإعادة نظر ونسمع أيضًا ما خفى علينا في تلك الورقة. قلت له أيضًا إننى دعوت الخبير المسؤول عنها، ولكنني لم أتلق أي رد.
رد على ممثل الوزارة أنهم قاموا بالفعل بدعوة العديد من الجهات للاستماع لها قبل إصدار الاستراتيجية. وبدا أن هذا بالنسبة له كافيًا. لم أخبره أن عشرات من منظمات المجتمع المدني التي أعرفها، والتي يقع التغير المناخي في صلب اهتمامها لم تتلق دعوة لنقاش الاستراتيجية، وربما لم تسمع بهذا النقاش أصلًا. قلت له إنه لا مانع من المزيد من النقاش فربما يصدر من تلك الاستراتيجية لاحقًا نسخًا معدلة وسيكون ذلك لمصلحة الجميع، لم نصل إلى اتفاق للأسف.
قرأت تغريدة المسؤولة الأممية السابقة، التي تحتفي فيها بالتزامات مصر والتي مقارنةً بتلك الصادرة في عام 2015 تمثل بالطبع نقلة كبيرة، ولكنني أيضًا قرأت احتفاء نفس المسؤولة بالتزامات دولة الجابون، والتي تعهدت فيها بأن تكون محايدة كربونية بحلول العام 2050، وهو ما يتوافق مع الخطوط العريضة التي وضعتها اللجنة الدولية الحكومية للتغير المناخي. لم أر في التزامات مصر وضع يتماشى مع هذه الخطوط.
يزداد القلق الذي انتابني من مراجعتى الأولية للاستراتيجية عندما بدأت في قراءة الإسهامات الوطنية المحددة، والتي نشرت على صفحة الاتفاقية الأممية الإطارية للتغير المناخي «UNFCCC» في يوليو. ويحيلنا التقرير في أجزاء هامة منه للاستراتيجية الوطنية للتغير المناخي. وفى تقرير أخير لأحد المراصد التي تراقب العمل المناخي، كٌتب بعد مراجعته لما قدمته مصر: «أطلقت مصر استراتيجية وطنية للتغير المناخي في مايو 2022، ولكنها لا تحتوي على أهداف لتخفيض الانبعاثات»، ويمثل ذلك إشكالية تتضح من خلال مقارنة الاستراتيجية المصرية بالاستراتيجيات والالتزامات الوطنية للدول الأخرى، والتي تتبنى نفس الفهم الشائع للتغير المناخي المرتكز على مقدار الانبعاثات وتحدد أهداف محددة وفق آفاق زمنية واضحة.
وجاء في مقدمة الاستراتيجية٬: «تلتزم مصر بتقديم نصيبها العادل من الإجراءات المناخية كجزء من العمل العالمي للتصدي لتغير المناخ»، ولا شك أن تقييم نصيب مصر العادل يحتاج لدراسة السياق الطبيعي هنا والتدخلات التي حدثت خاصة في القرنين الماضيين. كما يحتاج التقييم لدراسة النماذج الرياضية التي تختبر تأثير الغازات المنبعثة من الأنشطة المختلفة، وأيضًا صور تدهور الطبيعة والحياة البرية. ومن المهم هنا ملاحظة أن المنظومة المركبة لكوكب الأرض تتأثر بأي قدر من التدخلات السلبية وخاصة إزالة المناطق الطبيعية، ما يجعل حتى النسب التي قد تبدو قليلة لا تزال مهمة وأحيانا تكون حاسمة في إحداث تحولات جوهرية في المنظومات الطبيعية.
ولأن عدم فهم التغير المناخي في السياق المصري هو جانب مهم من جوانب غياب رؤية محلية لمواجهته، فلنا أن نتساءل: هل يجوز وجود استراتيجية بدون رؤية واضحة للقضية الهامة التي تتعامل معها؟ غياب تلك الرؤية المحلية ربما أدى إلى ارتباك في صياغة وترتيب أهداف الاستراتيجية، وهو ما نلحظه فى تركيب الأهداف وترتيبها. يظهر ذلك بوضوح في تبنى الهدف الأول، والذي ينص على تحقيق نمو اقتصادي ومنخفض الانبعاثات في مختلف القطاعات، والهدف الثاني الذي ينص على بناء المرونة والقدرة على التكيف مع تغير المناخ وتخفيف الآثار السلبية المرتبطة بتغير المناخ كأهم الأهداف، وهو ما يعبر عن تبني الرواية السائدة للتغير المناخي، وما يمثله ذلك من تبعية للطريق الذي تسلكه الدول المتقدمة.
تناول المياه في الاستراتيجية الوطنية للتغير المناخي ذو دلالة أيضًا على غياب الرؤية المحلية. فهي بصورة تندرج تحت التحديات: «وجود تهديد لموارد مصر المائية نتيجة الأزمات الخاصة بحصة مصر من نهر النيل مع دول المصب وانخفاض توافر المياه الجوفية وزيادة ملوحة المياه الجوفية وزيادة الإجهاد المائي». في المقابل، لا يوجد تناول صريح لمنظومة المياه في الأهداف الخمسة الرئيسية للاستراتيجية أو الأهداف الفرعية لكل منها، ولا تظهر منظومة المياه أو جزء منها بصورة مباشرة في البرامج الرئيسية للتخفيف من أثر التغير المناخي. في الوقت نفسه، يخصص لقطاع الري والموارد المائية حوالي 52% من إجمالي التمويل المخصص للتكيف، ما يبدو اهتمامًا كبيرًا في ملف التكيف.
يوضح هذا الاختلال الكبير بين التمويل المخصص لمشروعات المياه التي تتناول التخفيف غياب فهم لدور منظومة المياه في تنظيم درجة حرارة الأرض، كما أوضحت في مقالي السابق «للتغير المناخي رواية أخرى بطلها الماء»، خاصة إذا ما جرت مقارنته بالتمويل المطلوب للمشروعات الخاصة بالطاقة والتنقل، والتي تمثل في مجموعها ما يقرب من 95% من إجمالي التمويل المطلوب. ويظهر ذلك اعتماد الرواية السائدة للتغير المناخي والتي بتركيزها على الانبعاثات وحدها تدفع باتجاه الطاقات المتجددة أساسًا ووسائل النقل الكهربية، وهو بالتالي ما لا يصب في أولوياتنا الحياتية ومواجهة التغير المناخي معًا. كما أن ذلك يدفعنا والدول المشابهة باتجاه التكيف نظرًا لعدم الفهم الكافي لدور منظومة المياه وبالتالي حصر أدوارنا في المطالبة بتمويل التكيف، وهو ما يمثل إشكالية كبرى حيث إنه بدون مواجهة حاسمة وسريعة للتخفيف من آثار التغير المناخي، فإن أي جهد باتجاه التكيف لن يكون كافيًا.
ما يزيد من التحديات التي تواجه تحويل الاستراتيجية المقترحة إلى خطة واقعية وعملية هو الطابع شديد المركزية. حيث لا يتناسب الإطار المؤسسي شديد المركزية مع طبيعة وتعقيد التغير المناخي. ليس هناك ذكر لأهمية اللامركزية والمجتمعات المحلية والأصلية خاصة فى المناطق الطبيعية مثل جبل علبة والمحميات الأخرى.
بدلا من التركيز على التقنيات المتقدمة، فإن الحلول المرتكزة على الطبيعة والتي تترجم الرؤية المركبة للتغير المناخي تعد أكثر ملائمة لقدراتنا، كما أنها لا مركزية، وهي بالتالي تتطلب طرقًا أخرى لإدارة المحليات تعتمد على كفاءات وقدرات ومهارات. أتصور أن تطوير قانون الإدارة المحلية يصبح في هذا الإطار إحدى الأولويات الرئيسية للتمكن من تحول حقيقي تقوده كفاءات وتساهم فيه المجتمعات المحلية دون إقصاء وتتمكن تلك المجتمعات من محاسبة القائمين عليه.
كما توضح القراءة المركبة لرواية التغير المناخي، إننا بحاجة للاستثمار في البنية التحتية التي تمكننا من التحول، ولأن هذا التحول يعتمد بصورة كبيرة على البحث والابتكار، سيكون منطقيًا أن يكون الهدف الخامس المتعلق بتعزيز البحث العلمي، ربما بعد صياغة تتضمن الابتكار، هو الهدف الأول. يدعم ذلك الورقة الصادرة في نفس شهر صدور الاستراتيجية الوطنية للتغير المناخي، والتي كتبها هشام هداره بعنوان: «سياسات التكنولوجيا والابتكار في مصر»، والتي خلصت إلى أن «مصر لیس لدیھا سياسة وطنية للابتكار والتكنولوجيا». يشير الكاتب إلى أن اكتمال «دورة الابتكار بتحویل مخرجات البحث والتطوير إلى منتجات أو خدمات تمثل قيمة مضافة للاقتصاد في مصر يحتاج إلى تعديل بعض السیاسات واستحداث سياسات جديدة حتى لا تضيع مخرجات البحث والتطویر في ما یسمى وادي الموت». وتختتم الورقة بتوصية هامة تتمحور حول «إعادة تعريف دور الجامعات والمراكز البحثية لتصبح مراكز نقل للعلم والمعرفة والتكنولوجيا إلى المجتمع وقطاعات الإنتاج والخدمات والشركات التكنولوجية الناشئة».
تظهر مشاكل أيضًا بوضوح عندما نراجع ما هو مطلوب لتمويل تلك الاستراتيجية، وما يظهره توزيع التكلفة على القطاعات، خاصة في مجال التخفيف. نصيب قطاع الإسكان الضعيف يوحى بتجاهل أهمية كفاءة استخدام الطاقة من خلال عزل المباني لتخفيض استهلاك الكهرباء، وهو ما يمكن أن يوفر من مقدار التمويل المطلوب للطاقة المتجددة. ولا يظهر أي تمويل لدعم واستعادة البيئات الطبيعية والنباتات كوسيلة رئيسية لامتصاص الكربون، وأيضًا دعم جودة الحياة كأساس للتخفيف وليس فقط للتكيف.
الفجوة التمويلية الهائلة التي تحددها الاستراتيجية تقدر بأكثر من 250 مليار دولار، أي حوالي خمسة تريليونات جنيه مصري موزعة على السنوات القادمة. السؤال هنا يتعدى ببساطة كيف ستغطي مصر تلك الفجوة لأننا نعرف جميعًا أن تعهدات الدول المتقدمة بتوفير مليارات الدولارات للدول الأقل تسببًا في تغير المناخ والأكثر تأثرًا به لم يتم الوفاء بها. وإذا أخذنا في الاعتبار ما حدث بعد جائحة كورونا وأضفنا إليه تأثير الحرب في أوكرانيا، ستكون النتيجة ببساطة أن المساعدات، أو لنسمها التمويل المطلوب، لو أتى سيكون ضعيفًا للغاية وربما أيضًا متأخرًا للغاية.
ولأنه كما أكدت التقارير الدولية الأخيرة، فإن النافذة الزمنية المتاحة أمامنا تضيق فإننا بحاجة لتسريع التدخلات الخاصة بالتغير المناخي من خلال مراجعة للمشروعات القائمة مثل مشروع التكيف مع التغيرات المناخية القائم عليه جهاز حماية الشواطئ بوزارة الري، ومشروع تعميم التنوع الطبيعي، القائم عليه وزارة البيئة، ومشروعات المياه في المناطق الريفية، القائم عليها البنك الدولي، ومشروع تحسين جودة الهواء، القائم عليه البنك الدولي أيضًا، وغيرها من المشاريع، بحيث يمكن ضم مشروعات تجريبية صغيرة في إطارها لتعزيز وتعظيم النتائج. كما أننا بحاجة لدعم إطلاق مبادرات محلية لمواجهة التغير المناخي.
كما نحتاج للتعامل بشفافية مع الأوضاع البيئية في مصر، وتوفير البيانات والخرائط التي تحتوي على البيانات المحدثة عن حالة ونوعية البيئات المختلفة وطبيعة التغيرات ومعدلها، وهو ما ينشر ثقافة علمية نحن في أشد الحاجة لها، كما يدعم النقاشات الجادة ومراجعة وتدقيق وتطوير المجهودات القائمة والمستقبلية.
آراء أخرى
الهيدروجين الأخضر في مصر: تقويض السيادة الطاقية وتكريس التبعية لأوروبا
«الانتقال الطاقي العادل لا يتحقق بمراكمة الاستثمارات الأجنبية، بل بتوزيع عادل للسلطة والثروة»
قبل الـ«كوب».. رواية أخرى للتغير المناخي بطلها الماء
«الرواية الواسعة المركبة للتغير المناخي برؤية واسعة ومركبة للعالم»
قبل الـ«كوب»: السلطة المستدامة
«يمكننا أن نقرأ الشبكة الكهربائية من أجل حقيقة عن السلطة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد