تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

جباليا صورة تتلاشى.. عن الوجوه والبيوت

عمر موسى
5 دقيقة قراءة
جباليا صورة تتلاشى.. عن الوجوه والبيوت

عرفنا عمر في الأكاديمية العربية للصحافة البديلة. كنا معًا يوم 7 أكتوبر. وعمل معنا طوال 45 يومًا في تغطية إبادة ناسه وتدمير أرضه. عمر من جباليا، من الشمال الذي تمحوه إسرائيل بشرًا وأمكنة ومعالم. كنّا في دورية التغطية الإخبارية الجمعة الماضي. قال لنا عمر: دعونا نكتب عن كيف يتلاشى مخيم جباليا يومًا بعد آخر من التغطية، مع نزوح مئات الآلاف. اتفقنا وكتَب في الحال، وحررنا النَص ليُنشر اليوم، ليصلنا قبل دقائق من النشر، خبر تلاشي أسرته هو وبيته هو. مات والده ووالدته وشقيقته وثلاثة من أبنائها تحت القصف.

مضت أيام على آخر اتصال مع عائلتي وأصدقائي في مخيم جباليا، أكبر مخيمات اللاجئين الذي شُيد شمالي قطاع غزة عام 1948، بعد أن لجأ إليه المهجّرين من مناطق مختلفة من فلسطين، وأكثر المخيمات اكتظاظًا بالسكان وصخبًا في الحياة

الصور والأصوات القادمة من شمال قطاع غزة تلاشت تمامًا إثر عدوان الاحتلال المستمر، والقنوات الإخبارية الكبيرة التي تمكنت من الحفاظ على مصدر في المكان لا تنقل سوى صورة لا أعرفها. أنا أبحثُ عن  صورة أهلي وناسي وجيراني وحارتي في شارع العجارمة والهوجا في المخيم، لكن الصور والفيديوهات التي تعنونها وسائل الإعلام الكبيرة بـ«الحصري من غزة» لا تحمل سوى مشهد واحد: بيوت وجدران مهدمة، شهداء تحت الأنقاض، صراخ الناس المكلومة. 

وها أنا، أقف عاجزًا عن تحديد هوية الأماكن التي تحملها الصور والفيديوهات من شمال قطاع غزة، الأماكن ذاتها التي أمضيتُ فيها 26 عامًا متنقلًا في حاراتها وأحفظها كما أحفظ اسمي. لقد غيّر الاحتلال خلال 45 يومًا فقط ملامحّ القطاع والأماكن. ألا يبدو هذا الإحساس بما يحمله من تغريب مقصود، شكلًا من أشكال عدوان الاحتلال ضدنا؟

يظهر في الفيديوهات والصور أطفال ناجين من المجازر. أقف في كل مرة أمام حديث هؤلاء الأطفال، وأسمع ما يقولونه. بقدر ما يتعلم الأطفال الكلام، يتمرنون أيضا على صناعة الذكريات مع الأشخاص والأماكن. 

يُعيدني صوت الأطفال المرتعش إلى أحد أيام 2008، حين ركضت مع أهل حارتي نحو بيت جيراننا الذي دمره الاحتلال. حين وصلنا، وخطوت أول خطوات نحو البيت المهدم، داهمتني قشعريرة شديدة. ارتعشت أطرافي وتجمدت في مكاني: لقد دُست على أطراف الرجل الذي اعتدت رؤيته مبتسمًا. في لحظة حولته صواريخ الاحتلال هو وعائلته إلى أشلاء. مضت الأيام، وفي كل مرة أمر فيها من أمام البيت، أتجمد لدقائق، تخترق فيها الأصوات رأسي كأن الأمر حدث للتو. 

كانت أول مرة أدرك فيها أن إسرائيل تحتل ذاكرتي. أتذكر ذلك الآن، وأنا أتفحص المنشورات والفيديوهات وأحاول تتبع الأخبار قدر الإمكان على وسائل التواصل، وأرى التعليقات والأخبار والصور، كلها بيانات نعي وفقد. 

أدقق في الصور: كلها لبيوت وأماكن كانت في لحظة ما، محطة انتظار لي أو مَعلمًا أنتظر قربه أصدقائي، وقد تحولت الآن إلى أكوام ركام وإلى سؤال في الذاكرة: ما الذكرى التي عشتها قرب هذا المكان، أم أني لم أكن قربها أبدًا؟ 

أحدق أيضًا في وجوه الأشخاص الذين كنت أراهم يوميًا في شمال غزة وفي مخيم جباليا، وقد حملتهم بيانات النعي بعد أن قتلوا في مجازر الاحتلال. لم يخطر على بالي أبدًا أن الوجوه التي كنت أراها بشكل عابر في الشوارع وفي مفترقات الطرق وأمام البيوت والأبنية، ستصير في لحظة، جرحًا في جسديّ ومصادر ألم لم أكن أتخيلها. كنت أمر عنهم، أراهم، نبتسم في وجوه بعضنا البعض دون حتى أن نعرف أسماء بعضنا البعض. هكذا، ارتبط وجودهم ورؤيتهم في المكان نفسه، المكان يدل عليهم وهم يدلون على المكان. 

الآن، كما كل مرة يشن فيها الاحتلال عدوانا على غزة، أسأل نفسي الكثير من الأسئلة. في الحرب لا أتوقف عن السؤال، ما الذي يتبقى لنا أساسًا غير السؤال في شكله الاحتجاجي؟ كيف يستعمر الاحتلال ذاكرتنا؟ وكيف يُعيد صياغة علاقاتنا العاطفية مع الأشخاص والأماكن ويحولها إلى مصادر ألم وأذى جديد بحقنا؟ أو بالأحرى أدوات عقاب جديدة لنا؟ كيف يمكن أن أفهم صدمة نسيان الأماكن التي يمسحها الاحتلال بهدف تغريبنا عن المكان وتغيير خارطة المكان في ذاكرتنا؟

كيف يمكن أن نفهم علاقتنا مع الأبنية والبيوت المهدمة في غزة؟ ما الذي يدفع شخص ما دمّر الاحتلال منزله إلى العودة مساء اليوم ذاته كي يبيت تحت سقف مهدم؟ 

تتجاوزّ العلاقة مع البناء هذا الشكل الجامد، وتبدو في سياق ما، أقرب إلى كونها  علاقة عاطفية عميقة تربط الناس بشكل عام، والغزيين معهم مع الأبنية والبيوت، ربما لأن مساحة قطاع غزة الصغيرة حوّلت علاقتنا مع شوارعه وبيوته وأبنيته إلى علاقة تتجاوز معناها العادي إلى شيء يكون فيه البناء أقرب إلى كونه جزءًا من معنى العائلة. لهذا، أكاد أختنق في كل مرة أرى فيها صور الدمار الذي مسح الأحياء والبيوت التي عشت فيها والوجوه التي كبرت إلى جانبها. 

يسألني صديقي من غزة: «وين رح نتفق نلتقي إن نجونا من هذه الحرب؟»، معظم الغزيين يتفقون في كل مرة ينوون فيها الخروج من البيت على حي الرمال وسط مدينة غزة كنقطة التقاء وتجمع. أتذكر حالة التيه التي عشناها بعد عدوان عام 2021 حين دمر الاحتلال جزءًا من الحي وبدا أن قلب قطاع غزة قد غرق في عتمة شديدة، ولم يعد الناس الذين اعتادوا الذهاب إلى حي الرمال لتمضية الوقت ولقاء الأصدقاء، يعرفون إلى أي وجهة عليهم أن يذهبوا. الآن وقد دمر الاحتلال كل هذه الأحياء، أحاول أن أهرب من السؤال الذي يداهم رأسي: أي عتمة وتيه تنتظر الناس في غزة؟.

أحاول أن أتفحص كل الصور والفيديوهات التي نجحت في الوصول إلى خارج القطاع، أولًا للاطمئنان ولسماع أصوات الناس، ثانيًا، كي أعرف إلى أي حد وصل الاحتلال في عدوانه على ذاكرتي. كل قصف طال غزة، طال مساحة ما من ذاكرتي.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).