تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

جئنا إلى الإسكندرية بحثا عن …

نرمين نزار
4 دقيقة قراءة

 

كانت تلك ثالث جولة في سلسلة ورش العمل التي تنظمها المؤرخة الثقافية علياء مسلم حول التاريخ الشفاهي والهامشي، بعنوان "احكِ يا تاريخ". وفي أول لقاءات الورشة، المقامة في الإسكندرية في أبريل الماضي، تسلَّم كل مشارك بيانًا لملئه: "جئنا إلى الإسكندرية بحثًا عن ...".

في ورش العمل السابقة على مدار العامين الماضين، كانت مسلم تختار إطارًا زمنيًا لمنطقة جغرافية معينة في مصر وتبحث عن المصادر الأساسية المتعلقة بها، سواء في ذلك التواريخ الشفاهية، أو المقالات الصحافية، أو الوثائق القضائية، أو اﻷغاني وغيرها من أشكال الإبداع الفني التي يتصادف أن تكون سائدة في المكان والزمان.

ويجري توزيع هذه المواد على مجموعة المشاركين المختارين على أساس مدى اهتمامهم بالورش والتزامهم بها، بدون اشتراط خلفية أكاديمية، إذ كان الهدف تيسير الحصول على مواد التواريخ الشفاهية للجميع وإتاحة الفرصة أمامهم لقراءة المصادر التاريخية بشكل نقدي من وجهات نظرهم، ومن ثم مناقشة الخطابات المستقرة.

كانت ورشة الإسكندرية تتعلق بتاريخ المدينة في الفترة ما بين عامي 1880 و1920، وهي فترة الانهيار التام التي أعقبت إعادة بناء المدينة وما طرأ على حدودها وحجمها من تغيرات كبرى. كان الأسطول البريطاني في البحر الأبيض المتوسط قد قصف المدينة في عام 1882 دعمًا للخديو توفيق (حاكم مصر والسودان في ما بين 1879 و1892) ضد ثورة أحمد عرابي. كما شهدت المدينة تغيّرات اجتماعية أثناء هذه الفترة التي شهدت هجرات كثيفة، إذ توافد الناس من الشام بأعداد غفيرة، إما لتكون المدينة مقصدهم النهائي، أو محطة على طريقهم إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، ثم لم يكمل كثير منهم الرحلة. فاستقر في الإسكندرية يونانيون وإيطاليون ومالطيون، وكان مصطلح "الجنسية”" لا يزال غائمًا في تلك الفترة السابقة على صعود الدولة القومية.

اهتمامي أنا بالورشة كان شخصيًا إلى حد كبير، لأن لديَّ فضولًا شديدًا تجاه التاريخ الاجتماعي، وافتتانًا محدَّدًا بالعلاقة بين الأرقام المعلنة والناس العاديين. غير أنه كان ثمة سببان إضافيان لحضوري الورشة: أولهما أنني بصفة شخصية نتاج هجرة القرن التاسع عشر، فقد جاء أسلافي من أماكن متعددة، تعدد لبنان وفلسطين والشيشان وألبانيا، وثانيهما الحاجة لإعادة استكشاف المدينة التي اخترت أن أعتبرها وطني لما يزيد على عشر سنوات من الزمن.

كان لنا في المصادر التي أمدتنا بها الورشة عونٌ على التنقيب في طبقات المعلومات الدفينة. ومن ذلك أن الصحفي اليهودي المصري يعقوب صنوع (1839 ـ 1912) يبدو لي الآن أكثر وطنية من الصحفي المصري الرائد عبد الله النديم (1842 ـ 1896) الذي طالما اعتُبر زعيمًا وخطيبًا ثوريًا من رجال ثورة عرابي سنة 1882. فمن خلال مجرد نظرة عابرة على الجرائد التي كان يصدرها صنوع والنديم، يتبين لي أن الأول كان أشجع الاثنين في الدفاع عن عرابي والتعبير عن ازدراء الخديو. قد تكون سنوات هرب النديم العشر هي التي أعطته تلك الهالة، لكن جرائد صنوع ثورية بلا مواربة في مضمونها، لا سيما في استعماله السخرية، واستخدامه راويات من النساء، وريادته في توظيف الكاريكاتير، لدرجة نشره قصصًا مصورة [كوميكس] كاملة في وقت مبكر يرجع إلى عام 1888.

غالبا ما تكون صعوبة الوصول إلى مثل هذه المصادر الأساسية هي السبب في ترسيخ النسخة الرسمية من الأحداث في أذهان الناس. والأراشيف في مصر لا تتاح للجميع، بذريعة حماية الأمن الوطني. بل إن الوثائق التاريخية التي لا تحتوي أي مضمون يتصل مباشرة بالأمن محظورة هي الأخرى. وعقلية أمن الدولة فيما يتعلق بالمصادر الأساسية تشكّل محاولة صارخة لاحتكار كتابة التاريخ، إضافة إلى الارتياب في الباحثين، بل وفي كل من يجرؤ على مساءلة الخطاب التاريخي المهيمن. وهذه فائدة أخرى من فوائد الورش التي تُناقَش فيها المصادر التاريخية وتُتداول علنًا.

استمتعنا أيضًا بالتنقيب في الشكاوى والجرائد العلمية المستقبلية، والأغنيات العاطفية الخاصة بالكاتب الأيقوني "جورجي زيدان" (1861 ـ 1914). واستمعنا إلى أغنيات لنسمة حامد تنبذ العنصرية ضد النوبيين، ومونولوج ساخر خام للمونولجست سيد قشطة، وكتاب إرشادات للممثل (لا توجد منه الآن نسخة في العالم العربي). وكان من أهداف البحث في هذه المواد ما يتمثل في مقاومة النوستالجيا المتجذرة. فالماضي، كما يظهر في هذه المواد، لم يكن خلوقًا، أو جميلًا، أو جليلًا، بل حافل بالعنصرية والطبقية، في حقبة كانت الحدود فيها في طور الترسيم، وجوازات السفر وتصاريحه في طور التفاوض، والحركات السياسية موضع ارتياب وشك. وقد أنتج بعض المشاركين رسومًا جرافيكية مستوحاة من هذه المواد الأرشيفية، ونفّذ آخرون عروضًا مسرحية.

إنها جريمة أن يكون الاطلاع على الوثائق والكتب والصور الفوتوغرافية مشروطًا بتصريح أمني، وأن يكون الباحثون في أغلب الحالات موضع شك. فلا بد أن يكون الوصول المجاني للأراشيف حقًا، ولا بد أن تيسّره الدولة.

إن تاريخنا وثيق الصلة بحاضرنا. والتشابهات مذهلة بين الحقبة التي درسناها في الورشة والحاضر. وطالما أن أمامنا معركة على حرية تداول المعلومات، فلا بد أن تتاح هذه النوعية من ورش التاريخ للجميع.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
كارم يحيى

لبنان الذي رأيت على طريق حرب 2026

«قبل شن واشنطن وتل أبيب حرب 28 فبراير 2026 على طهران، وجر لبنان إليها بعدها بيومين، أطللت على المخيف المحير، الذي لم أكن رأيت بهذه القسوة…»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).