لبنان الذي رأيت على طريق حرب 2026
قبل شن واشنطن وتل أبيب حرب 28 فبراير 2026 على طهران، وجر لبنان إليها بعدها بيومين، أطللت على المخيف المحير، الذي لم أكن رأيت بهذه القسوة والوضوح منذ زيارتي الأولى مع وفد الصحفيين المصريين بمناسبة تحرير مقاومة حزب الله للجنوب صيف 2000.
أبصرت كيف تتأهب الطائفية للاحتفال بالذكرى الخمسين للحرب الأهلية، في 13 أبريل 2026، ولما هو آتٍ من حسابات كبرى بعد طوفان الأقصى وحرب الإبادة على غزة وصعود اليمين الأمريكي المتطرف بترامب رئيسًا للولايات المتحدة.
هذه الطائفية التي لم تنهزم وتندحر بنهاية الحرب الأهلية، إذ ظلت تغذيها ولاءات ومنافع من الخارج، واستدعاء أحقاد وميراث تخلف، يجتر تاريخًا مريضًا سحيقًا بين أتباع الديانات والمذاهب والطوائف في المشرق العربي، وحتى بين مسلمين سنة وشيعة في دوائر متشابكة بين دول الخليج العربي وإيران والعراق وسورية ولبنان وجنوبًا إلى اليمن.
خمسينية حرب لبنان ضد لبنان بتدخلات إقليمية ومن خارج الإقليم، وبما رأيت، خشيت ألا تأتي من أبواب التعقل والرحمة التي كانت بالبلد والنفس، إذا جرى التخلي عن إعلاء إرادة «العيش المشترك» في ظل الاختلاف والخلاف وتطويق انفلات هنا أو هناك وتجنب بشاعة ما كان، فدفعتني وغيري في السابق للكتابة باطمئنان وثقة عن اللبنانيين ولبنان الذين/الذي لن يعيدوا/يعيد السيرة الدموية المجنونة بين 75-1990.
على سبيل المثال، كتبت بعد زيارة في صيف 2016: «لبنان المنقسم سياسيًا وطائفيًا ومناطقيًا وبروابط الولاء الإقليمي والدولي حول نخبة تقرأ (النهار) وأخرى (السفير) و(الأخبار) لم يعد متحمسًا كثيرًا لجدال قد ينتهى بعراك واشتباك وتدمير ودم. وكأن الجميع عليهم القفز فوق الانقسام وتجاهله كي تستمر عجلة الحياة اليومية في الدوران، أو أن الناس هنا ملّت النقاش مع هذا الانقسام، وأدركت تكاليفه في بروفات عراك طائفي إقليمي باهظ الأثمان، أو ببساطة لأنه لم يعد لديهم المزيد أو الجديد ليقال، وقد تمترس كل منهم حول قناعاته وانحيازاته ومصالحه، وليذهب البحث عن الحقيقة إلى الجحيم».
كيف يفكر باراك في صور نصر الله وقادة «الإرهاب»؟
هذه المرة عندما بدأت زيارة لبنان في 11 نوفمبر 2025 وإقامة امتدت لشهرين، لاحظت عند التوجه في سيارة التاكسي من مطار رفيق الحريري/بيروت الدولي إلى «الحمرا» صورًا عملاقة للسيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، الشهيد قبل أكثر من عام، وعلي خامنئي، مرشد الثورة الإيرانية وعدد من قادة المقاومة، ترتفع فوق الطريق الذي يخترق الضاحية الجنوبية، وعلى جنباته.
بدا المشهد وكأنك في مدينة العجائب، أو تعيش حلمًا خارج المكان والزمان، وخاصة مع حكومة، رأسيها العماد جوزاف عون، رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، نواف سلام، تتجه بسرعة إلى فك الارتباط مع طهران وحزب الله، وتحجيم حضورهما وثقلهما على الساحة وبمؤسسات الدولة اللبنانية.
وفي 2 ديسمبر 2025، أعلنت هذه الحكومة عن ترؤس موفد مدني للجانب اللبناني في جلسات «الميكانيزم» وهي اللجنة العسكرية المشرفة برعاية أمريكية على «وقف الأعمال العدائية» وفق اتفاق 27 نوفمبر 2024، ومع العدو الإسرائيلي الذي ينتهك «السيادة» يوميًا، وحتى خلال الجلوس إلى مائدة التفاوض المباشر.
عندما رأيت صور «سادة المقاومة» على طريق المطار، جال بالخاطر حينها، كيف ينظر ويفكر المبعوث الأمريكي، توم باراك، عندما يمر بالطريق نفسه، ويجد هذا الاحتفاء بقادة من يصمهم القاموس الصهيوني الأمريكي الإسرائيلي بـ«قادة الإرهاب»، وهو يتجه إلى اجتماعات بقصر بعبدا الرئاسي أو السراي الكبير، مقر رئاسة الحكومة، وغيرهما من مقارات الحكم. ولعل الارتباك في الإجابة عن سؤال باراك، مع سرعة حركة المرور في يوم عطلة الأسبوع، حال دون التقاط الصور هنا.
لكن المطار نفسه الذي غادرت، كان من أوائل علامات ساعة أفول نفوذ الحزب وطهران، حين جرى الإعلان رسميًا عن منع طائرة إيرانية من الهبوط، في 28 سبتمبر 2024، استجابة لتهديدات إسرائيلية بزعم أنها تنقل سلاحًا لحزب الله.
هذه السابقة تكررت، بل وأخذت تتعاظم أبعادها برسائل علنية من الحكومة الجديدة، التي تسلمت مهامها في فبراير 2025، بأنها الأكثر تشددًا مع إيران، وتطهرًا من نفوذ الحزب السابق على الحكومات وفي الدولة، وبعدما فقد وحلفاؤه بحركة أمل الثلث المعطل عند التصويت على قرارات مجلس الوزراء.
حافظت حكومة سلام على المحاصصة الطائفية لاتفاق الطائف بالسعودية 1990، فظل للموارنة والسنة والشيعة النصيب الأوفر، وتتوزع بينهم رئاسات الجمهورية والوزراء والنواب، بخمس وزراء لكل منها، فالروم الأرثوذكس ثلاثة، ثم الدروز والروم الكاثوليك باثنين لكل منهما.
لكن في الممارسة، ومع إنهاء صيغة الثلث المعطل مع حكومة سلام، أصبحت السلطة التنفيذية برأسيها في بعبدا والسراي مطواعة لواشنطن، على نحو لم يعرفه لبنان منذ نحو ربع قرن ويزيد، وتطلب بإلالحاح ود السعوديين، ومعها شرائح من البرجوزاية، وبالأخص الملونة بالطائفية المارونية والسنية، في انتظار عودة تدفق سائحيهم والمزيد من استثماراتهم.
برجوازية تتشبه بكفلاء الخليج
تغيرات قمة هرم السلطة بلبنان وأزمة الاقتصاد والمصارف التي تطبع الحياة والأخلاق بلبنان وعند العديد من أهله منذ صيف 2019، لا تمنع جانبًا معتبرًا في برجوازيته من الاستمرار في التشبّه بممارسات كفلاء أبنائها في الخليج، فلا ارتفاع مخاطر حرب كانت تلوح، ولا أزمة اقتصادية يتفاقم تأثيرها على مستوى المعيشة، ولا الآثار الكارثية الممتدة لانهيار الليرة أمام الدولار على نفقات المعيشة والحياة اليومية، تحول دون الاستمرار في استقدام عمال الخدمات اليدوية من الخارج.
رأيت، قبل أن اجتاز حاجز جوازات مطار بيروت، صفًا طويلًا من الأفارقة، وليس الآسيويين هذه المرة، المشحونين عبر مكاتب «بزنس» استقدام الخدم وعمال الأشغال الدنيا زهيدي الأجرة، بينما ينهي وكلاء المكاتب إجراءات دخولهم جماعيًا.
إلا أن عمال الخدمات الدنيا المستوردين إلى لبنان يجرى السماح لهن/لهم بالخروج خارج جدران البيوت والقصور يوم العطلة الأسبوعية، ليجتمعن/وا ويأكلن/وا من وجبات بلادهن/م في سوق أسبوعي.
لقاءات تتجدد كل أحد بفضاء مفتوح أمام كنيسة بشارع جانبي في الحمرا، إلا إذا سخت السماء بالأمطار على فضاء الاستثناء المؤقت هذا غير المسقوف. وفي يوم عطلة الأسبوع ذاته، يمكنك أن تلتقي بعاملات وعمال الخدمات المستوردين هؤلاء في سيارات البوسطة (الحافلات الأهلية الأقل تكلفة في التنقل داخل بيروت). وفي الذاكرة أن إطلاق مسلحي حزب الكتائب اليميني على إحداها «بوسطة عين الرمانة» في 13 أبريل 1975 الشرارة والمقدمة المباشرة لاندلاع الحرب الأهلية.
مع هذا، فإن تقارير منظمات دولية كالعفو الدولية و«هيومان رايتس ووتش» توثق خلال السنوات القليلة الماضية ما يشير إلى ظروف غير إنسانية وممارسة للعنف في معاملة عمال آسيويين وأفارقة خلف الأبواب، وفي غياب أي رقابة، ومع الإبقاء على نظام الكفيل.


طوبى للمنادى عليهم بـ«حرقناها»
في ختام زيارة بابا الفاتيكان، لاون الرابع عشر، إلى لبنان في 2 ديسمبر 2025 ، قال الرئيس عون عند وداعه: «البابا حمل رسالة سلام ومصالحة إلى وطن صغير بمساحته، كبير برسالته.. سمعنا رسالتكم وسنسعى إلى تجسيدها، شعبنا مؤمن يستحق الحياة»، وأضاف أن الزيارة «ستبقى محفورة في ذاكرة لبنان وشعبه».
الاستقبال والوداع المثيران لاهتمام أكبر عند صحفيين زائرين لبيروت كحالي، كان عندما خرج للقائه أهل الضاحية الجنوبية ونساؤها غير محجبات وفي ملابس الحجاب السوداء، ومعهن صبية «كشافة المهدي» التابعة لحزب الله، ملوحين بالكثير من أعلام لبنان والفاتيكان والقليل من أعلام الحزب، بينما ارتفعت فوق طريق المطار لوحات معدنية بعبارات من قبيل: «اللبنانيون مسلمون ومسيحيون يرحبون بقداسة البابا».
في الحمرا ووسط بيروت، كانت اللوحات المعدنية الإلكترونية الكبيرة الأكثر حضورًا، تلك التي تحمل إلى جانب صورة البابا في زيه الكنسي الأبيض مبتسمًا بغموض وحيرة عبارة: «طوبي لفاعلي السلام». سرعان ما اختفت بعد مغادرته، ليبقى ما يجمع بين الإنجليزية والعربية، ويحتفظ بعبارة لا تخلو من مخزون عنف يتخفى تحت نداء التسوق، وبإغراء تخفيضات شهر نوفمبر: «حرقناها .. بلاك نوفمبر (نوفمبر الأسود)». كلمة «حرقناها» تحتل المساحة الأكبر باللوحات حد التوحش والفحش، وعلى خلفية من لهب.
في المعاملات اليومية، مثلًا عند شراء المعجنات الشعبية «المناقيش»، أنتبه هذه المرة إلى جرعة خشونة زائدة عن ذي قبل تظهر في الأقوال والأفعال، وتتبدى في علو الصوت وحدة النبرة وانتقاء ألفاظ غير مناسبة، وكذا أنتبه إلى عدوانية غير مبررة عند طلب بعض سائقي السرفيس والتاكسي للزبائن المتناثرين فوق الأرصفة.
أما وجوه العديد من المارة ولغة الجسد في فضاء الشارع، فيطبعها ما يتجاوز جدية السعي والكد في حياة أصبحت أكثر مشقة وقسوة. هذه المرة ألاحظ على وجوه عديدة، وعند الشابات والشبان وفي بداية اليوم، ظلالًا من كآبة، بل واستعدادًا لعراك، ربما تفرضه محض مصادفات أو أحداث تافهة عابرة.


طلب يتزايد على المغادرة
لا جديد في القول بأن بلبنان شعب اشتهر منذ القرن التاسع عشر بالهجرة، وإلى بعيد عن محيطه الجغرافي الثقافي اللصيق، وأصبحت التقديرات تشير إلى أن الباقين على تراب لبنان نحو نصف مَن بالمهجر. لكن ما لاحظته مؤخرًا واستمعت إليه عن أحوال الناس يسهم في فهم لماذا يزداد طلب شباب لبنان على المغادرة، على الرغم من المستجدات غير المواتية وغير المرحبة في أسواق العمل بالخارج.
تظل الهجرة، ولو كانت حلمًا أو وهمًا وسرابًا، حلًا ليس على مستوى الفرد فقط، بل لفك ضائقة أسر تفاقم اعتمادها على تحويلات الدولار واليورو من الأبناء وأقارب الدرجة الأولى القادمة عبر مكاتب «أو. إم. تي.. الوسترن يونيون» وأخواتها المنتشرة في أنحاء لبنان، وبعدما سحق انهيار العملة المحلية واحتجاز المصارف للمدخرات بالعملات الأجنبية قيمة وجدوى الرواتب ومعاشات التقاعد.
«زَعْب» يتجدد للأشقاء بالوطن
كان منبئًا بالمخيف، الذي أصبحنا نسمع ونشاهد بحلول مارس 2026 مع نزوح وتشريد مئات آلاف الجنوبيين إثر انفلات العدوان والقتل والتدمير الإسرائيلي المعمم مع هذه الحرب، ما استمعت إليه من زميل صحفي ذات غروب في نوفمبر 2025، ونحن نمشى الهوينى بكورنيش «عين المريسة»، عن كيف جرى «زعب»/طرد النازحين المقتلعين بفعل العدوان الإسرائيلي خلال حرب خريف 2024 من فنادق خالية وحتى فضاءات عامة، وقد أدركنا الآن بحلول الحرب الجديدة كم كان هذا «الزعب» أو «الزعبة» بروفة مصغرة.
ينكأ الاقتلاع الجاري ذاكرتنا الجماعية، وكلنا هنا بهذه المنطقة المنكوبة بالصهيونية وبالعجز عن تقويضها، أو حتى التعايش معها، جرحًا مفتوحًا منذ اقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين مع مجازر 1948، وقد عاد مع خريف 2024 ويعود في 2026 يدمي ويؤلم اللبنانيين الجنوبيين النازحين، سواء من مدن وقرى حدود فلسطين والبقاع، أو بضاحية بيروت المكتظة بالسكان تمامًا كغزة، والأقل حظًا في الخدمات ومظاهر الرفاهية عمارةً وسلعًا وبهاء طرقات ونظافة مقارنة بأحياء بيروت الأخرى، وإن ظل اللبنانيون كافة بلا تمييز ينعمون بالمساواة في تحلل الدولة من مسؤولية ضمان كهرباء تكفي البيوت والمنازل.
يعود اليوم الجرح النازف إلى لبنان مع مواطنيه المقتلعين بمئات الآلاف من بيوتهم وقراهم ومدنهم، فيعاد اقتلاعهم من فنادق خالية مهجورة، ومن طرقات بقلب بيروت الذي كان لعقود عنوانًا للتعايش بين الناس من مختلف الانتماءات والأديان والمذاهب والجنسيات.
يتكرر فعل الاقتلاع، وربما مرة تلو أخرى خلال يوم واحد أو أيام معدودة، وصولًا إلى هذا الكورنيش، وكان قد عاد مفتوحًا حين كنت وزميلي هناك، بلا عوائق أو حواجز من لحم ودم ومشاعر مقتلعين آدميين ومصائر عائلات، أمام ممارسي «السبور»/الرياضة، وبخاصة الجري، والحريصين على الحمية/الرجيم والرشاقة.
وكيف ألا نلاحظ الآن في مارس 2026 التشابه ووحدة اللغة والحال بين فيديوهات متداولة بشبكات التواصل الاجتماعي للبنانيين «أوادم» يصرخون بأنهم لا يريدون «نازحي حزب الله» في مدنهم وبلداتهم وبفنادقهم وبيوتهم، ولو كمستأجرين مجبرين على الخضوع لجشع ملاك من نسل «الأم شجاعة» في مسرحية بريشيت، وبين العنوان الرئيسي للموقع الإلكتروني لصحيفة «جيروزاليم بوست» بالإنجليزية صباح اليوم الخامس من حرب العدوان المجنون على اللبنانيين، في 6 مارس 2026، عن إخلاء نحو 500 ألف من «مؤيدي حزب الله» من جنوب لبنان بينما يكثف «جيش الدفاع الإسرائيلي» الضربات.
هذا الانفجار المخيف، الذي رأيت إرهاصاته في بيروت بين نهاية 2025 وبداية 2026، يأتي مستدعيًا ومحمولًا على تعبئة طائفية بغيضة سحيقة التخلف والماضوية ضد الشيعة/المقاومة/حزب الله/حسن نصر «اللات»، هكذا وليس «الله»، ووجد ضالته المنتظرة في ما يعتبره لبنانيون «تهور» الحزب بإطلاق صواريخ على إسرائيل، والمؤكد أنه جاء فقط بعد اندلاع الحرب ضد إيران و15 شهرًا من صمت سلاحه التام على عدوان يومي يستهدفه ولبنان.
أعطت قيادة حزب الله/المقاومة، المنغلقة على الطائفة الشيعية، الضوء الأخضر للمتربصين بها وبالحزب والمقاومة، وبالطائفة الشيعية وبلبنان، ومن داخل لبنان أيضًا. ومنحت الحجة الأمضى في اللحظة الأخطر لإدانة الحزب بأن قراره من عند ملالي وولاية الفقيه بطهران، وليس من لبنان ولصالحه.
وبالتالي تأتي هذه التوسعة غير المسبوقة لجبهة خصوم حزب الله داخل الحكومة والحكم وفي المجتمع. وبلغة هادئة من خارج الاستقطاب اللبناني اللبناني بالإمكان القول بأن قيادة الحزب غلبت حسابات الخارج الإقليمي على حسابات الداخل المحلي الوطني، أو لنقل اختارت البدء من الخارج إلى الداخل، مفعلة ما يمكن اعتباره «دينامية ثقافة الاستشهاد الحسينية».
ترجمة هذه الثقافة بإطلاق ستة صواريخ على شمال فلسطين المحتلة، فعل يصفه الخصوم «انتحار حزب الله»، مؤملين ومراهنين على استئصاله وفنائه، مع توجس القاعدة الشعبية الطائفية للحزب من إعادتهم، إعادة شيعة لبنان، إلى ما يقال بأنه «ثلاثة قرون من الحرمان والإذلال الممنهج»، لا مجرد تحجيم الحزب على الساحة اللبنانية، وفوق هذا وذاك نسيان ومحو دور الحزب والطائفة المقدر في تحرير جنوب لبنان، والتصدي لمشروع الهيمنة الصهيوني على قرار بيروت.
هذا «التهور الاستشهادي/الانتحاري»، نلمس اليوم، كيف يقذف إلى السطح بتقيحات صديد طائفي لا يعبأ بالوطن أو الوطنية عند لبنانيين من خارج دائرة الولاء للحزب/المقاومة/الطائفة الشيعية، مع استدعاء المخزون غير المشرق، بل والطائفي البغيض بدوره، لسياسات وممارسات الحزب، التي تراكمت وتفاقمت منذ انتفاضات وثورات الربيع العربي، وصولًا إلى انتفاضة المواطنة اللبنانية 2019.
خارج حسابات وصراعات الأتباع والمخدوعين بقيادات بطركية، وخطابها الطائفي، التي أنهكت لبنان استثمارًا في السياسة والمال والوساطة وأصوات الناخبين، ثمة ماضٍ يتم استدعاؤه الآن بقوة من خصوم حزب الله/المقاومة/الشيعة، ليلاحق الوجه الآخر لبطولات هذه المقاومة وتضحياتها ووقوفها في وجه إسرائيل، وعلى نحو عجزت عنه جيوش الدول العربية.
من علامات هذا الماضي المستدعى بكثافة مع «فرصة» الحرب الجارية، تلك الأقرب إلى الذاكرة: تورط الحزب وأنصاره ضد سوريين غير شيعة، وبالأخص من السنة، وفي فظاعات خدمة للتحالف السوري البعثي مع إيران حكم دكتاتورية الملالي، الذي نشأ منذ نهاية السبعينيات وحتى سقوط دكتاتورية عائلة الأسد، ديسمبر 2024، والتحول إلى قوة محافظة شريكة في الحكم بلبنان تؤمن استمرار فساد نخبة الطوائف وهيمنتها على الدولة، ولو تطلبت هذه الشراكة والحماية القيام بمهمة قمع شباب انتفضوا مطالبين بالتغيير والمواطنة في خريف 2019.
بضعة صواريخ أطلقها الحزب يوم 2 مارس 2026، جرأت الحكومة فورًا على ما لم يكن ممكنًا من قبل، فوضعت الجيش وقوات الأمن في مواجهة حزب الله بإعلان أنشطته العسكرية والأمنية غير قانونية ومحل ملاحقة. عندما كنت في بيروت، علمت من مصادر موثوقة أن الجيش اللبناني رفض الانصياع لرغبة إسرائيل الدخول إلى المنازل جنوب الليطاني وتفتيشها بحثًا عن سلاح المقاومة، وإن أبلغتني مصادر، يصعب التحقق من صحة ما قالته، بتضييق على تحويلات اللبنانيين بالخارج إلى ذويهم لمجرد كونهم «شيعة».
لكن رئيسي الجمهورية والوزراء العماد عون وسلام، مع حلفائهما من تعبيرات سياسية للسنة والموارنة بالأخص، ليسوا بدورهم ببعيدين عن شبهة الانقياد للخارج الأمريكي السعودي، ومع كون الجيش لا يملك، عسكريًا وبلا غطاء من إرادة سياسية، أن يحفظ «سيادة الدولة»، ويحمي أهل البلد ضد العدوانات والانتهاكات الإسرائيلية، التي لم تتوقف، وكانت بالأصل سابقة لحزب الله واستضافة المقاومة الفلسطينية.
في كل الأحوال، لم تكن أخطاء الحلف المناهض لحزب الله/المقاومة بأقل خطورة وبؤسًا، كما سنوضح لاحقًا.


انحسار الغضب والأمل في التغيير
من رأس بيروت والحمرا إلى ساحة الشهداء وسوليدير، أقارن تجليات خطاب السخط والثورة فوق الجدران مع ما كان في زيارتي وإقامتي السابقة، فأستنتج التراجع وانحسار الأمل في التغيير نحو المواطنة ودولة متعافية من الطائفية والزبونية والفساد وغيرها من روابط متخلفة مشدودة إلى زعيم الحزب/الجماعة/الطائفة، فوريث الزعيم برابطة الدم في الأغلب، وكذا استمرار الهشاشة الداخلية إزاء تدخلات دول إقليمية وخارج الإقليم، بما في ذلك من يشغل المناصب العليا بالدولة.
أقارن بين ما كان محفوظًا بخط اليد على الجدران في ذاكرتي وذاكرة الحاسوب من صور لمدينة بيروت بين 23-2024، فأنتبه كيف اختفى تراث غني متنوع من خطاب السخط والتمرد والثورة والصراحة والجرأة نادر المثال في المدن العربية، ولم يتبق منه إلا أقل القليل.




في الحمرا، حيث يمتد شارعها الرئيسي باتجاه مقرات حكومية ومصارف عكس اتجاه البحر، اختفت آثار كل هذا الغضب حد السباب ولمحافظ البنك المركزي السابق، رياض سلامة، بالاسم، وصورته وصور أعلام طبقة حاكمة متنفذة بأسرها. بالكاد أعثر في الطريق المتفرع الصاعد إلى حي عائشة بكار على كلمة «رياض» منسية أو ناجية من شطب لبقية الاسم، ثم: «يسقط حكم المصرف».

كأن المحو وتعمد المحو، شاء من خطط له ونفذه لأجل إعادة تنظيم وضبط جرافيتي الجدران بقلب بيروت، ومن خلفه الرؤية البصرية للفراغات ولنقل تجاوزًا سينوغرافيا المكان، أن يعوضه بمرواغة ورمزية تلك اللوحة الملونة لوجه فتاة مغمضة العينين تبدو حالمة، يجاوره زهرتان كبيرتان باللونين الأحمر القاني والفاتح الهادئ، مع عبارة مدجنة مقارنة بما كان، هي: «لا يمكنك أكل المصاري!»، وكأن المعزوفة البصرية هنا تنشد كبح جماح الغضب وتهدئة أعصاب محترقة، كي يتجاوز اللبناني الضحية وينسى.

إلى ساحة الشهداء ومحيط سوليدير المستحدث في زمن المليادير رفيق الحريري، رئيس الحكومة سعودي الهوى والمصالح وشهيد اغتيالات 2005، امتدت أيدي إعادة تنظيم وضبط جرافيتي الجدران بحسم أكبر لتمحو هذا التراث الهائل لانتفاضة خريف 2019 الذي أبصرت. لكن الذاكرة والحاسوب بين 23-2024 ظلا يختزنان تجلياته مرسومة بكثافة ووضوح، وإن لم يبق إلا أقل القليل عند العودة للأماكن نفسها بين 2025-2026.

تفريغ بيروت من علامات الغضب والثورة الاجتماعية والمواطنية تجلى هذه المرة أمامي جليًا، وإن أفلتت بضع بقايا هامشية هنا أو هناك، من قبيل عبارة «لبنان ينتفض»، يحفظها هذا الانزواء والتواري إلى خلف الواجهة فوق حائط بشارع جانبي في الحمرا.
الأمر نفسه ينطبق على علامات الجدران تضامنًا مع فلسطين وغزة، كما «غزة غزة فلسطين حرة حرة». وقد أصبح هكذا تضامن بدوره يتخفى في زاوية جدار هنا وهناك، متجنبًا الظهور في إطلالة مباشرة على مجرى الشارع. بينما كان قبل أقل من عامين صامدًا وعلى صلة وثيقة بالانتفاضة/الثورة اللبنانية، كما وثقت بالعدسة في زيارة 23-2024.



أما إذا أردت أن تعثر اليوم على ما كان من قبل ظاهرًا جليًا بقلب بيروت من تضامن جدران الفضاءات العامة مع المقاومة ورموزها المرتبطة بالقسام وأبو عبيدة، فعليك بالتوجه إلى مخيم مار إلياس للاجئين الفلسطينيين، صعودًا عبر درج مرهق يعلن مع كل خطوة الانفصال عن المدينة، والدخول إلى عالم «الزواريب»/الأزقة مستدامة البؤس، أو هبوطًا عند الخروج من المخيم، أين استجدت صور الشهداء محمد السنوار وأبو عبيدة ونصرالله وغيرهم، إلى جانب ما كان من صور للشهداء عرفات ورموز عديدة من منظمة التحرير الفلسطينية.



عودة إلى القسوة
رأيت كيف ينتعش بيزنس طعام وعلاج القطط والكلاب، ويزداد حضورًا في سلاسل السوبر ماركت الشهيرة، فيحتل مساحات أكبر وأكثر تميزًا، وكيف أصبح يشغل عددًا أوفر بين صفوف الحوانيت بالشوارع الرئيسية، هكذا أصبحت بيروت كغيرها من مدن العالم العربي التي يخيم عليها الإحباط واليأس من التغيير بعد فشل أو إفشال انتفاضات وثورات الخمس عشرة سنة الأخيرة.
يتقوض حلم بلوغ المواطنة، ويتمزق معه ما تبقى من علاقات إنسانية واجتماعية تحت وطأة تراجع الحل الجماعي وأمل التغيير، وهتك الاستبداد والفساد لأنسجة وروابط إنسانية وعائلية، وبين الأصدقاء والزملاء، ومن كانوا ينعمون بجيرة طيبة في البناية أو الحي.
يستثمر هذا البزنس في انتشار تربية القطط والكلاب في حيز الشقق السكنية، ولو صغيرة محدودة الأمتار المربعة. في بيروت الذي رأيت مؤخرًا، صادفت أيضًا الوجه الخفي لظاهرة تزايد ارتباط الإنسان بالقطط والكلاب تعويضًا عن علاقة مفقودة تبدو مستحيلة مع إنسان آخر، أو طلبًا للتسلية والسلوان، وعوضًا عن الانشغال بعلاقات وقضايا مكلفة مجهدة، يقف أمامها عاجزًا بلا حول ولا قوة.
صادفت هذا الوجه المخفي، عندما أبصرت ملصقًا يحمل صورة قط ابن شوارع ملقى ميتًا، مع عبارتين بخط اليد: «في ناس شغلتها تسمم القطط بشارع الحمرا.. شو عملت حتى تسممها». ولاحظت في برد منتصف الليل، تزايد أعداد من بلا مأوى، يفترشون نومًا بلا غطاء أرائك حجرية أو خشبية على الأرصفة، يمر بهم العائدون إلى دفء البيوت فلا يلتفت أو يكترث أحد.
صادفت يومًا ما في ظهيرة خروج المدارس بشارع «بلس» أمام الباب الرئيسي للجامعة الأمريكية، طفلًا جلس إلى الرصيف وأمامه وردة ملقاة، وقد أخفى وجهه بين ركبتيه، «متقنفدًا» على نفسه، نائيًا عن حركة الناس والعالم، حتى تخاله مات متجمدًا على هذه الهيئة في المكان، بينما مر به غير رجل أو امرأة يصحب/تصحب أطفالًا عائدين من يوم دراسي، وسيدة محجبة ترافقها بناتها الصبيات، فلا يلتفت أحد أو يهتم، كأنه مرور «كريم» أمام تمثال مهمل بذات المكان منذ زمن.
أتكلم مع من بيني وبينهم معرفة وقدر من ألفة، فيعللون عدم الاكتراث ببساطة بأن الناس لم تعد تثق بأحد، وربما توجس من مرور «الكرام» من الوقوع في مصيدة من يختفي خلف براءة طفل في وضع الأزمة، ولو في واضحة النهار.


لا تنسوا أسرانا فمن يهتم؟
لآثار الأحداث الجسام المتلاحقة التي أضعفت حزب الله بصماتها على جدران بيروت التي رأيت بين 25-2026. هذه الأحداث التي تعاظم أثرها على اللبنانيين بدءًا من «تفجيرات البيجر» إلى حرب الستة والستين يومًا، وصولًا إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 26 نوفمبر 2024 المنتهك يوميًا من جانب إسرائيل وحدها، وكما هو تاريخ طويل ضد لبنان واللبنانيين، وقبل حزب الله والمقاومة الفلسطينية.
تسلل الاستعداد للتطبيع إلى لبنانيين، وأصبح يجاهر بطلبه من تصادف في معاملات يومية معيشية خارج نخب السياسة والثقافة، وبدعوى أن «كفى تعبنا»، وبمنطق لماذا نحمل وحدنا عبء المواجهة غير المتكافئة مع إسرائيل، ويصيبنا الدمار مرة تلو أخرى، فيما قامت مصر والأردن بالتطبيع، وصولًا إلى الإمارات والبحرين والمغرب، وفي الطريق السعوديين والسوريين، فلماذا يظل لبنان استثناءً؟
لكن عندما رأيت بيروت قبل حرب 2026 بأسابيع معدودة، لم يكن الاستعداد للتطبيع أو طلبه قد وضع بصماته على جدار قلب المدينة بعد. تمامًا كما غاب عن الجدران التحريض الطائفي وخاصة بين السنة والشيعة.
لم أبصر علامات لهذا أو ذاك، لكن هول ما جرى لمقاومة حزب الله في خريف 2024 ترك ما يمكن وصفه بإطلالات هامشية بجرافيتي الجدران والرؤية البصرية لفراغات شارع الحمرا الرئيسي، الذي عرف مظاهرات لنخب مثقفة متعاطفة مع القضية الفلسطينية وضد إبادة غزة، وإن غابت عنها تعبئة جماهيرية، كان لحزب الله وحلفائه أن يبادروا بها، ولديهم مخزون يسمح. وبصفة عامة، يلاحظ كون الحزب ما زال يحصر مثل هذه التعبئة داخل شرنقة الطائفة، ويحصرها بأماكن تركزها، مع التمسك بحمولة الخطاب الديني المذهبي الشيعي.
بين الإطلالات الهامشية بشارع الحمرا، رأيت ملصقات مطبوعة ملونة متواضعة بصور وأسماء أسرى تصدوا للعدوان في جنوب لبنان أو جرى اختطافهم دون مقاومة أو حيازة سلاح. ولا تستثني هذه الملصقات شهداء من خارج حزب الله، بل تتجاوزه إلى منتسبين لتنظيمات كانت في طليعة المقاومة الوطنية قبل احتكار الحزب للمقاومة بصفة «الإسلامية»، مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي.
هذه الملصقات بعنوان «الحرية لأسرانا» تبدو كأنها تجاهد للفت انتباه مارة في الأغلب غير مكترثين، متجاورة بتواضع مع إعلانات قديمة لشقق مفروشة أو عروض فنية مضت مواعيدها.
يحتفظ شارع الحمرا بذكرى الشهيد خالد علوان من الحزب السوري القومي الاجتماعي بطل عملية «الويمبي»، 24 سبتمبر 1982، التي تؤرخ لأول عمل مقاوم ضد الغزاة الإسرائيليين لبيروت الغربية، باسم الجبهة الوطنية «جمول»، حيث أطلق علوان النار على ضباط وجنود الاحتلال، فقتل وأصاب بينهم.
فوق الرصيف أمام ما كان «الويمبي»، وأصبح مطعمًا يحمل تسمية أخرى، يحمل عمود لافتة معدنية زرقاء صغيرة تحفظ الذكرى، لكن من الصعب الانتباه إليها بين استعراض مظاهر الاستهلاك الطاغية بالشارع، فتضطر لتسأل سكان الحي القدامى: أين كانت عملية الويمبي؟
القول بمساعٍ لإعادة بناء جبهة مقاومة وطنية عابرة للطوائف والأحزاب، استمعت بشأنها للمرة الأولى من المناضل اللبناني الشيوعي، جورج عبد الله، عندما التقيته في 5 يناير 2026. حينها بدا العائد بعد ما يزيد على 40 سنة في سجون فرنسا متفائلًا واثقًا. لكن مجريات الواقع بعدها وإلى حين حرب 2026، تؤكد أن الفعل المقاوم المسلح لم يغادر مربع احتكار حزب الله والطائفة الشيعية بعد، وهذا على الرغم من تضييق الخناق على هذه المقاومة باستغلال أخطاء حزب الله، وإضعافه إثر استهداف إسرائيل لقدراته وقادته منذ خريف 2024.


رأيت ملصقات بالأبيض والأسود تنبه وتحذر من استخدام إسرائيل سلاح المعلومات المكشوفة لضرب لبنان واللبنانيين، فضلًا عن المقاومة: «لا تتناقلوا الأسماء.. لا تتحدثوا عن الأماكن.. لا تستخدموا الكاميرا.. العدو يراقب»، و«صار العدو بكل بيت.. الحكومة تبيع معلوماتنا للصهيونية من خلال أوجيرو» (شركة تجهيز البنية الأساسية لشبكات الاتصالات).


تحريض طائفي وبنكهة سنية سعودية
خلال هذه الزيارة/الإقامة الأخيرة في بيروت، لم ألتفت كثيرًا لخطورة ارتفاع منسوب التحريض الطائفي ضد متتالية «الدومينو» على هذا النحو: حزب الله/المقاومة/الشيعة، وبالأخص في صفوف السنة.
لم أنتبه بالقدر الكافي عندما أمطرني أصدقاء من لبنان بوسائل التواصل الاجتماعي بكم وافر من فيديوهات ونصوص، في معظمها مصطنعة وبعضها مفبرك يقينًا، لهدف واحد هو تمريغ سمعة حزب الله، فالمقاومة، فالشيعة في التراب، وبأسوأ الاتهامات والموبقات.
لم أكن أدرك أبعاد وخطورة ما فاجأني هذه المرة، واكتفيت بألا أعير اهتمامًا لهذه الحرب الضروس في الفضاء الأزرق، فلم أعد أفتح ما يصلني من رسائل تحريض وتشويه سمعة، بعدما تيقنت وسريعًا بعدم مصداقية الكثير منها، وكونها بلا أساس من معلومات صحيحة تذكر في الصحف اللبنانية الشهيرة المناهضة بالأصل لحزب الله، وبأنها لا تصمد لاختبار تدقيق بسيط.
لم تكن هذه الموجة القوية من التحريض السابق لعدوان إسرائيل على لبنان تتورع عن توظيف أسوأ ما في التاريخ الإسلامي بين السنة والشيعة، والصراع بين رموز من الطائفتين على السلطة منذ نحو 13 قرنًا.
لاحظت عند المبادرين بهذا التحريض، وتابعيهم المتورطين، غياب الاكتراث بالعدوان اليومي الإسرائيلي على لبنان وأشقائهم في الوطن، أو بمخاطر تطبيع يلوح في الأفق. وعندما بحثت في شبكة الإنترنت، عثرت على بيانات لنشطاء سياسيين ومثقفين صدرت في تأييد توجه الحكومة لنزع سلاح حزب الله بعنوان «حصر السلاح وقرار السلم والحرب» بيد الدولة. حسنًا، ولكن ماذا عن احتلال العدو الإسرائيلي لأرض في جنوب الوطن، واعتداءاته الدموية التي لا تتوقف، وانتهاكاته المستمرة لكل التراب والأجواء؟ لا شيء.. تقريبًا لا شيء.
كما تبينت أن بين المنصات والصفحات الإلكترونية الشخصية المتورطة في هذا التحريض الطائفي البغيض سنة ضد شيعة ما له تاريخ في خدمة غايات الحكم بالسعودية ونفاقه. والأكثر إثارة للدهشة أن يكون من بينهم من ينتسب بماضيه إلى الناصرية والقومية العربية، وغيرها من تنظيمات تقدمية حداثية كانت بلبنان وشماله على خصومة مع السعودية، وذلك قبل شراء الحريري لعناصر قيادية بين هذه النخب.
خطورة هذا التحريض الطائفي، وبين السنة بالأخص، تظهر بوضوح مع الحرب ضد إيران وانعكاساتها على لبنان، وإن كان هذا لا يعني القبول بالتعميم على كل السنّة أو التقدميين أو من كانوا جميعًا، كما لا ينفى أيضًا كون بين الشيعة وغيرهم من الطوائف خارج السنة، كالطائفة المارونية، من كان بدوره يتورط ويمهد لإشعال نيران الطائفية ببلده.
الأكثر إثارة للدهشة أن تجد بين المحرضين السنة، وبالأخص «المتسعودين»، ضد حزب الله/المقاومة/الشيعة من أبناء الوطن من يروج لسمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية اليميني، الذي يحمل على ظهره تاريخًا ثقيلًا خلال الحرب الأهلية ضد الفلسطينيين والعروبيين والمسلمين وضد لبنان، ومن يراهن عليه بوصفه أصبح رأس الحربة في الداخل ضد الحزب/المقاومة/الشيعة، والممثل السياسي الأول للموارنة، والذي جاء حزبه أولًا بين كتل البرلمان (19 نائبًا من إجمالي 128 مقعدًا).
الرهان على جعجع بين بعض السنة، الذي رأيت وسمعت خلال زيارتي الأخيرة للبنان، ربما يعود إلى أن سنة لبنان أصبحوا في وضع أضعف من قبل، بعد تآكل تمثيل «آل الحريري» للطائفة، وتدهور نفوذ سعد الحريري ومكانته داخل لبنان وفي الإقليم، وحتى عند السعوديين.
ونظرًا لانسحاب الابن سعد من الساحة السياسية واختياره الإقامة بالخارج، فإن الرهان على القوات اللبنانية وزعيمها جعجع يتعاظم بين هذه الفئة من السنة، مع العودة للعب بورقة خطر النمو الديموغرافي للشيعة وبغرض الإجهاز على حزب الله.
وكذا من أجل بناء تحالفات مع حزب جعجع وقواعده على مستوى دوائر الاقتراع بحلول انتخابات مجلس النواب القادمة، التي كان مقررًا لها العام الحالي 2026، واتخذ مجلس النواب مؤخرًا قرار تأجيلها لعامين جراء الحرب. هذا وإن كان ما زال من غير الواضح إلى أي مدى سيقف الداعم السعودي إلى جانب جعجع، أو هل يمكن للرياض مستقبلًا العودة بقوة ووضوح إلى لبنان؟
ويظل من الصعب الإجابة عن السؤال: هل جعجع بمثابة خيار ورهان مستقر عند السعوديين؟ ولو بدا في لبنان قبل نشوب حرب 2026 نوع من الاصطفاف بين قطاعات من السنة خلفه.
«المعدة الفاضية ما بتسأل عن الطائفة»
عندما اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية 2026 ضد إيران، ثم لبنان، تذكرت ما صادفت في الزيارة الأخيرة من تحريض طائفي، كأنه كان يستشرف اقتراب لحظة تصفية حساب في الصراع السعودي السني/الإيراني الشيعي بعد الثورة الإيرانية 1979 على أرض لبنان، وبالاعتماد على تغول الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة المدعومة أمريكيًا، ومستثمرًا في أخطاء وخطايا حزب الله.
أيام معدودة، وانفجرت بوسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام مشاهد تفيد محنة المقتلعين من أهل الجنوب والبقاع والضاحية في إيجاد مأوى أمام خطاب ومواقف طائفية تحمل ملامح التنكر والخذلان، وأحيانًا التشفي.
وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعي هذا المشهد المؤسف لشباب في شوارع طرابلس يتوعدون بالعنف من قد يلجأ إلى المدينة من المهجرين/المتقلعين من الجنوب والبقاع. إلا أن الرابطة الثقافية بطرابلس بادرت بدعوة مكونات المجتمع المدني بالمدينة لتوقيع بيان في 6 مارس 2026 يحمل عنوان: «احتضان النازحين وحماية السلم الأهلي في مواجهة العدوان على لبنان». لكن إلى أي حد يمكن لمثل هذه المبادرات المقدرة سواء في طرابلس أو غيرها منع الانزلاق للأسوأ، بدفع وتهيئة من هذا الشحن الطائفي الذي كان بين السنة ضد دومينو: حزب الله/المقاومة/الشيعة.
في زيارتي الأخيرة لبيروت بحثت عن عبارتين تركهما شباب انتفاضة 2019 بجدران شوارع سوليدير: «المعدة الفاضية ما بتسأل عن الطائفة قبل ما تغني.. الشعب اللبناني»، و«الدولة البوليسية عم تحمي الحرامية»، كنت وثقتهما في صور فوتوغرافية خلال الزيارة السابقة، لكنني فشلت في العثور عليهما، ويبدو أن يد المحو المنظم انتبهت إليهما أيضًا.


** هذا النص لكاتب وصحفي مصري يتردد على لبنان منذ 2000، وكتب عنه تقارير إخبارية ومقالات تحليلية منذ فبراير 1986 بصفحة «الحوار القومي» في صحيفة «الأهرام»، ونشر تقريرًا مصورًا بعنوان «لبنان 2016: ماكدونالدز ولاجئون سوريون ولا سياسة» بموقع «مدى مصر» بتاريخ 27 سبتمبر 2015، والاقتباس هنا من هذا التقرير
** كنا كصحفيين مصريين يعملون في ترجمة وتحرير الأخبار العربية والعالمية بالصحافة المصرية بين الثمانينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة نحرص على تجنب الانسياق خلف مصطلحات التوصيف بالطائفة عند معالجة أحداث لبنان، لكن للأسف أصبح اللجوء إلى مصطلحات «سنة» و«شيعة» و«موارنة» مع تجنب التعميم لا مفر منه، مع التشديد مرة أخرى على أن التعميم غير صحيح وغير دقيق.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
خريف حزب الله
«يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية»
رسالة لن يقرأها زياد الرحباني
«خبر رحيلك جاء كالرصاصة التي أصابت المقتل فأطلقت خيطًا من الشجون لا ينقطع وحزنًا لا عزاء له»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد