ثلاثة أسابيع على العملية البرية في غزة.. قراءة في المشهد الميداني
بعد ثلاثة أسابيع من القصف المتواصل على قطاع غزة، بدأ الجيش الإسرائيلي عمليته البرية ردًا على هجمات 7 أكتوبر التي نفذتها كتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة المقاومة الفلسطينية حماس، إلى جانب عدد من الفصائل الفلسطينية الأخرى، على رأسها حركة الجهاد الإسلامي وذراعها العسكرية «سرايا القدس».
استهدفت هجمات 7 أكتوبر الفرقة 143 «الثعلب الناري»، المعروفة سابقًا بـ«فرقة غزة»، وأحدثت فيها خسائر كبيرة بلغت بحسب الإحصاء الإسرائيلي أكثر من 300 قتيل على رأسهم العقيدان جوناثان ستاينبرج، قائد لواء ناحال، وروي ليفي، قائد وحدة العمليات الخاصة متعددة الأبعاد «الشبح».
مثلت عملية السابع من أكتوبر أو «طوفان الأقصى» كما أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية، عملية عسكرية فريدة من نوعها يمكن أن توضع بمصاف بعض كبرى العمليات الخاصة الخاطفة للمشاة الخفيف في التاريخ العسكري، وقد جاءت بعد سنوات من تجميع المقاومة الفلسطينية في غزة معلومات استخباراتية دقيقة عن تشكيلات الجيش الإسرائيلي العسكري في محيط غزة، ومن التخطيط والتدريب فوق الأرض وتحتها في الأنفاق، ومراكمة الأسلحة والقدرات التصنيعية العسكرية لفصائل المقاومة التي تصنع جزءًا ضخمًا من أسلحتها الخفيفة.
سعت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة منذ معركة 2014 على نحو واضح إلى بناء القدرة على توجيه ضربات قوية لإسرائيل تنقل المقاومة من قوة دفاعية في قطاع غزة إلى مقاومة على طريق التحرير الوطني لكامل التراب الفلسطيني. وشهدت الانتخابات السياسية لحركة حماس في 2017 حلول وجوه جديدة في قيادة الحركة تحمل حماسًا كبيرًا نحو هذا الهدف، على رأسها، يحيى السنوار، الذي تولى قيادة تنظيم غزة منذ ذلك الوقت.
مثلت عملية 7 أكتوبر تتويجًا باهرًا لتلك المساعي، لكنها استتبعت بالضرورة ردًا إسرائيليًا تجاوز العنف إلى الإبادة، وهو ما يطرح سؤالًا مهمًا عن قدرات المقاومة الفلسطينية من الناحية العسكرية على مواجهة هذا الرد الإسرائيلي، وهو السؤال الذي تمثل إجابته شرطًا لبناء التصورات الاستراتيجية عن تلك المعركة.
القوات الإسرائيلية
حشد الجيش الإسرائيلي للعملية ثلاث فرق هي الفرقة 162 المعروفة باسم «تشكيل الصلب»، وهي القوة الضاربة للقيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي بجانب فرقة غزة، والفرقة 252 المعروفة سابقًا بـ«فرقة سيناء»، وهي فرقة احتياط للقيادة الجنوبية استُدعيت لأول مرة منذ حرب لبنان الأولى، والفرقة 36 المعروفة باسم فرقة «الغضب» التي جرى سحبها من الشمال، علاوة على عدد من الوحدات الخاصة وألوية الاحتياط والتدريب.
يقود كل فرقة من هذه الفرق ضابط برتبة عميد (Brig. Gen.)، وتتشكل غالبًا من لواءي مدرعات أو أكثر ولواءي مشاة أو أكثر وتشكيل مدفعية ووحدة إشارة. يقود كل لواء ضابط برتبة عقيد (Col) ويتشكل اللواء من عدد من 3-6 كتائب يقود كل منها ضابط برتبة مقدم (Lieu. Col.)، فيما يتراوح حجم كل كتيبة من كتائب المشاة على الأرجح بين 300-1000 جندي، بينما تضم كل كتيبة مدرعة أقل من 50 دبابة.
تضم الفرقتان 162 و36 القوة الضاربة للمدرعات الإسرائيلية، وهي ألوية: الأعقاب الحديدية 401 الذي يتبع الأولى، والعاصفة 7 والبرق 188 اللذان يتبعان الثانية، كما تضمان القوة الضاربة للمشاة، وهي اللواءان 84 جفعاتي و933 ناحال اللذان يتبعان الأولى، وجولاني 1 الذي يتبع الثانية.
لم يعلن الجيش الإسرائيلي عن أهداف عملياتية محددة للعملية، لذلك لا يبدو واضحًا إلى الآن هل الهدف الأساسي منها هو تحرير الرهائن أم تصفية طاقم قيادي محدد لحركة حماس في قطاع غزة أم تحييد شبكة الأنفاق في الشمال أم إعادة احتلال شمال قطاع غزة لمدة محددة وتحويله إلى مسرح أمني للجيش الإسرائيلي أم تهجير سكان شمال غزة بالكامل.
الغموض الذي يحيط بأهداف العملية يجعلنا بالضرورة عاجزين ليس فقط عن توقع الخطوات التالية للقوات الإسرائيلية، وإنما عن تقييم نجاعتها وقدرتها على تحقيق أهدافها. الغموض نفسه يحيط بالخطط العملياتية للمقاومة الفلسطينية خاصة بعد التوغل الإسرائيلي في عمق غزة. هل تعمل المقاومة على صد الاجتياح الإسرائيلي أم أن استراتيجيتها تقوم على تحويل المعركة إلى حرب مدن؟ يرتبط ذلك بضبابية على الصعيد السياسي، فغموض الأهداف العملياتية يجعل من الصعب الجزم بالتصورات السياسية للطرفين عما يجب أن تنتهي إليه المعركة، لذلك يبقى تحليلنا محدودًا بالرصد والقراءة.
التكتيكات والمنطق الاستراتيجي
من خلال تتبع التوغل الإسرائيلي، تتضح معالم الاستراتيجية الإسرائيلية للعملية البرية، وهي التوغل في المساحات الفارغة وعلى الشوارع الرئيسية وحواف الأحياء لتحقيق وصول سريع إلى المناطق الأكثر حيوية داخل قطاع غزة دون الاضطرار إلى خوض حرب شوارع مع المقاومة الفلسطينية ستكون خسائرها كبيرة بلا شك للقوات الإسرائيلية.
ففي الشمال، تقدمت القوات الإسرائيلية من الشمال الغربي بمحاذاة الساحل لتحقيق وصول سريع إلى مشارف مدينة غزة، وخاض اللواء 401 مدرع (الأعقاب الحديدية) معركة عنيفة مع المقاومة في 10 نوفمبر الجاري على مشارف مخيم الشاطئ عند فندق «بلو بيتش» الذي تحصنت به مجموعة من المقاومة الفلسطينية.
أما في الجنوب، قطع الجيش الإسرائيلي محور صلاح الدين في شرق غزة سريعًا، وواصل تقدمه نحو الشاطئ وأعلن وصول طليعة قواته من لواء الجولاني في 6 نوفمبر. لاحقًا، شنت الفرقة 162 هجومًا على ما أسماه جيش الاحتلال الإسرائيلي «المربع الأمني» في حي تل الهوى، وهو المربع الذي يضم مقر وزارة الداخلية في قطاع غزة، تمهيدًا للتوغل السريع إلى قلب غزة.

قررت القوات الإسرائيلية أن تتجنب الدخول إلى القطاع من الشمال الشرقي، خلافًا لما حدث في 2014 عندما حاولت التقدم عبر الشجاعية، وكانت النتيجة معركة حامية خسرت فيها أكثر من 15 جنديًا، علاوة على إصابة العقيد غسان عليان قائد لواء جولاني.
لذلك، قامت القوات الإسرائيلية هذه المرة بالتفاف ذكي يسيطر على المدينة من جهة الغرب الساحلي عبر التقدم من الشمال الغربي والالتفاف كذلك من الجنوب الغربي. وهكذا تحركت في المساحات الفارغة التي يمكنها أن تتقدم فيها بسرعة دون الاضطرار إلى التوغل في مناطق سكنية تعطل تقدمها وتهددها بخسائر كبيرة عبر قتال شوارع ضار.
مع ذلك، قررت القوات الإسرائيلية أن تشن هجومًا محدودًا نسبيًا عبر الشمال الشرقي، وخصصت لذلك الفرقة 252 احتياط التي تم استدعاؤها للمعركة، مع دعم من لواء ناحال ذي الخبرة في ساحة غزة، بينما جرى تفريغ الفرقتين 162 و36 للعمل في المحاور الأساسية بجانب لواء 551 من المظليين.
على المحور الجنوبي، كان تقدم القوات الإسرائيلية على طريق 10 يعني انكشاف خاصرتي القوات المتقدمة: الخاصرة الشمالية تجاه الأحياء الجنوبية لمدينة غزة (الزيتون وتل الهوى)، والخاصرة الجنوبية تجاه المناطق الواقعة جنوب مدينة غزة قرب وادي غزة (جحر الديك والمغراقة والزهراء ووراءها مخيم النصيرات ومخيم البريج وشمال خان يونس).
حاولت إسرائيل حماية خاصرتي قواتها عن طريق أمرين: أولًا القصف الإبادي لتلك المناطق خلال الأسبوع الأول للعملية البرية، وثانيًا قيام القوات الإسرائيلية البرية بمناوشات متكررة تجاه مخيم البريج وشمال خان يونس، لتثبيت قوات المقاومة في تلك المنطقة ومنع إغارتها على القوات الإسرائيلية العاملة على تطويق المدينة من الجنوب.

على المستوى التكتيكي، تعتمد القوات الإسرائيلية بشكل شبه كامل على ثلاثة عناصر: القصف التمهيدي، والكثافة النيرانية، والإسناد الجوي القريب (Close Air Support). بالنسبة للقصف التمهيدي، فإن القوات الإسرائيلية تدمر بشكل كامل المنطقة المراد التقدم فيها لضمان القضاء على أي مقاومة محتملة فيها، وهو ما يعرف باستراتيجية الأرض المحروقة، التي أوجدت إسرائيل لها اسمًا جديدًا منذ 2006 هو «عقيدة الضاحية». ورغم لا أخلاقيتها، تظل الخيار الأمثل للقوى العسكرية التي تتمتع بتفوق جوي كبير تجاه خصومها.
كذلك تحافظ القوات الإسرائيلية خلال تقدمها على كثافة نيرانية عالية جدًا باستخدام القصف المدفعي والجوي الكاسح أمام القوات المتقدمة، بما يمنع المقاومين من التعرض لها. وأخيرًا، تؤدي القوات البرية مهام استطلاعية وتأمينية بالأساس، بينما تتجنب المهام الاشتباكية والاقتحامية حيث تتقدم المدرعات الإسرائيلية وعندما تواجه اشتباكات، تحاول تحديد مواقع المقاومين، والاتصال بالقوات الجوية لضرب المباني التي تحددها، أو استهداف أي عناصر بشرية تبدو متحركة في نطاق العمليات.
يظهر هذا الفيديو الذي نشره جيش الاحتلال الشكل العملياتي للإسناد الجوي القريب الذي تقدمه القوات الجوية الإسرائيلية للقوات البرية.
كما تظهر الفيديوهات الأخرى التي يبثها الجيش الإسرائيلي لقوات المشاة الإسرائيلية واستيلائها على المواقع المزعومة للمقاومة أنها تؤدي أدوارًا تأمينية لا اقتحامية، وإن كان من الممكن استثناء بعض المعارك، كمعركة الموقع 17، وهو موقع مزعوم لـ«حماس» في جباليا، يوم 8 نوفمبر الجاري، التي زعم جيش الاحتلال أنها استمرت عشر ساعات وقادتها قوات من لواء ناحال.
أما على مستوى المقاومة الفلسطينية، فالمنطق الدفاعي لم يكن واضحًا في بداية المعركة، فقد التحمت قوات المقاومة في معارك عنيفة مع القوات الإسرائيلية المتقدمة في بعض المواقع، خاصة في المحور الشمالي الغربي على مشارف مخيم الشاطئ والشيخ رضوان، بما يوحي بأن المنطق الدفاعي كان يتضمن منع القوات الإسرائيلية من التوغل في تلك المناطق، لكن أغلب المواجهات التي خاضتها قوات المقاومة اعتمدت على تكتيكات الضرب والاختفاء (hit-and-run)، وعلى رأسها الإغارة والكمين على القوات الإسرائيلية المتقدمة، بما يقلل خسائر المقاومة البشرية، ويحيد قدر الإمكان التفوق الجوي الإسرائيلي، ويزيد الخسائر الإسرائيلية، وهي تكتيكات لا تكفي لمنع التوغل البري.
كلمة السر على المستوى التكتيكي للمقاومة، علاوة على المعطى الأساسي وهو غياب الدفاعات الجوية، هي غياب المدفعية الثقيلة التي تسمح للقوات المدافعة بإبطاء تقدم القوات المهاجمة بشكل فعال، وإحداث خسائر عالية فيها، خاصة مع استخدام مضادات الدروع، دون الاضطرار إلى انتظار القوات المتقدمة والاشتباك معها.
أما في غياب المدفعية وفي ظل غياب كامل للغطاء الجوي، يجد المدافع نفسه مضطرًا إلى انتظار اشتباكات الشوارع متى سنحت الفرصة، أو استخدام تكتيكات الضرب والاختفاء التي لا يسهل من خلالها إيقاف تقدم القوات.
معركة المدرعات
من بين أهم الأسئلة العسكرية في هذه المعركة هو سؤال المدرعات. تتوغل المدرعات الإسرائيلية في قطاع غزة دون مرافقة قوات المشاة، وهو ما يسمح للمدافعين بمهاجمة تلك المدرعات من مسافات قريبة جدًا.
تعتمد قوى المقاومة على مضادات دروع «الياسين 105» وهي نسخة من قاذف PG-7VR بالأساس، وهي قواذف ذات رأس حربية زنة نحو 1.4 كيلوجرام ومدى فعال أقل من 150 مترًا. يعتمد هذا النوع من مضادات الدروع على استخدام حشوة ترادفية (tandem charge) أي حشوتين متفجرتين، الأولى تخترق درع الدبابة أما الثانية فتنفجر داخل الدبابة، ما يفترض أن يتسبب في تدميرها.
لدى المقاومة أشكال أخرى من مضادات الدروع، سواء من نوع RPG كقاذف تاندوم (RPG29)، أم من الصواريخ المضادة للدروع كصاروخ Bulsae-2s الكوري الشمالي المؤسس على صاروخ فاجوت الروسي، وصاروخ كونكورس 9M113 Konkurs وهو نسخة مطورة من الفاجوت، وأخيرًا والأهم صاروخ كورنيت 9M133 Kornet الذي يبلغ مداه أكثر من كيلومتر وزنة رأسه المتفجرة نحو 4.6 كيلوجرام.
أما السلاح الأكثر فاعلية بجانب الكورنيت في مواجهة المدرعات الإسرائيلية فهو العبوات المتفجرة التي تحتاج إلى أن تثبت يدويًا على الدبابة، وهذه مشكلتها الأساسية، لكن تثبيتها في الموضع المناسب كباطن الدبابة أو قرب مخزن ذخيرتها قد يؤدي إلى انفجار الدبابة بالكامل ومقتل طاقمها. ومن المنتظر أن يزيد استخدام العبوات ضد الدبابات الإسرائيلية حال توسع قتال الشوارع في غزة.
في الأيام الأولى للعملية البرية، استخدمت المقاومة صاروخ كورنيت ضد «مدرعة النمر» ناقلة الجنود الإسرائيلية، وهذه المدرعة هي جسد دبابة ميركافا تتمتع بكامل التحصينات التي تتمتع بها الميركافا بما في ذلك نظام التدريع TROPHY system الذي زعمت إسرائيل في حربها ضد قطاع غزة سنة 2014 أنه قادر على اعتراض صواريخ كورنيت، لكن ما حدث هذه المرة وجرى تصويره هو تدمير كامل للمدرعة باستخدام هذا الصاروخ، وهو ما اعترف به الجيش الإسرائيلي وقال المتحدث الرسمي باسمه إن هذا درس جديد يتعلمه الجيش الإسرائيلي أثناء المعركة. أدى ذلك إلى مقتل 11 جنديًا كانوا بداخل المدرعة كلهم من لواء المشاة جفعاتي.
لكن الأيام التالية شهدت عزوفًا تامًا عن استخدام كورنيت، وهو ما يمكن تفسيره بصعوبة استخدامه أثناء الاشتباكات، وسهولة التقاطه جويًا، ومع ذلك هذه التفسيرات لا تكفي للإجابة عن هذا التساؤل.
تعتمد المقاومة على قواذف الياسين التي حامت شكوك بشأن فعاليتها تجاه دروع دبابات ميركافا 4 شديدة التحصين، لكن وفقًا للخبير العسكري اللواء سيد غنيم، أخلت إسرائيل مؤخرًا 200 معدة عسكرية من غزة، وهو ما يعني إصابة عدد كبير من الدبابات وعربات نقل الجنود والجرافات.
علاوة على ذلك، فقد اعترف المقدم تومر، قائد الكتيبة 50 في لواء ناحال، أن قذيفة «آر بي جي» هي التي أودت بحياة أحد ضباط المدرعات الإسرائيلية من اللواء 460، بما يعني أن القذيفة بمقدورها فعلًا أن تحدث تدميرًا جزئيًا على الأقل في الدبابة حال استخدامها بشكل مناسب.
إذن حققت قذائف «الياسين» على الأرجح نجاحًا معقولًا تجاه الدبابات الإسرائيلية، خاصة مع التعليمات التي وزعتها المقاومة على مقاتليها لتحدد لهم كيفية استخدام القذائف بالشكل المناسب الذي يزيد فعاليتها تجاه الدبابات الإسرائيلية.
قراءة بسيطة في إحصاءات الخسائر البشرية الإسرائيلية المعلنة إلى يوم 20 نوفمبر وغير الكاملة باعتراف الجيش الإسرائيلي، تفيدنا بمقتل 17 جنديًا في كتائب المدرعات، بينهم جندي من المهندسين وآخر في حادث انقلاب دبابة يمكن استبعادهما، وجنديان من اللواء 7 مدرع في انفجار عبوة بدبابتهما، وقائد كتيبة في اللواء 188 مدرع، المقدم سلمان حبكة، كما قتل في نفس اليوم ملازم في هذه الكتيبة، ما يعني أنه ربما كان معه في نفس الدبابة.
تلا ذلك الإعلان عن مقتل 4 جنود من الكتيبة 52 في اللواء 401 مدرع، بينهم قائد دبابة وسائق دبابة، وقد نفترض أن الأربعة قتلوا في حادث أصاب دبابة واحدة. تلا ذلك مقتل 8 جنود في ألوية المدرعات بكتائب مختلفة وأيام مختلفة باستثناء جنديين، أي لدينا 7 إصابات مدرعات مختلفة على الأقل، يعني ذلك أن لدينا 10 دبابات دمروا كليًا أو جزئيًا خلال القتال إلى الآن بشكل قطعي.
يمكن القول إذن إن إسرائيل تكبدت خسائر مرتفعة في قتال المدرعات إلى الآن، ويعود ذلك علاوة على كفاءة وبسالة مقاتلي المقاومة الفلسطينية، إلى تقدم المدرعات الإسرائيلية في غياب أي رفقة من المشاة، ما يسهل استهدافها.
ما القادم؟
رغم توغل القوات الإسرائيلية داخل القطاع وتحقيقها بعض الإنجازات الميدانية كتطويق غزة والوصول السريع إلى عمقها، لم تتمكن إلى الآن من تحقيق مكاسب عسكرية محددة، كتمشيط مناطق وتأمينها بشكل كامل، فكل ما أعلنته القوات الإسرائيلية إلى الآن هو مقتل عشرات المقاومين، الذين وفقًا لبيانات الجيش الاحتلال التقديرية نفسها، لا يبلغون 350 قتيلًا إذا استثنينا القتلى الذين لا يمكن تمييزهم من عناصر المقاومة ضمن القصف الجوي الإسرائيلي للمباني المدنية في القطاع.
قدرت إسرائيل مقتل 130 مقاتلًا من المقاومة يوم 2 نوفمبر، ثم قدرت مقتل 50 مقاتلًا في معركة المربع الأمني بتل الهوى يوم 9 نوفمبر، ثم 150 في معركة مخيم الشاطئ يوم 10 نوفمبر، ومن المرجح أن لدى المقاومة الفلسطينية خسائر بشرية مرتفعة بالفعل، لكنها لا تبدو إلى الآن أكثر من المتوقع، وتبدو التقديرات الإسرائيلية جزافية ودعائية على نحو واضح.
أما عن الأنفاق، أعلنت إسرائيل مع انقضاء الأسبوع الثاني للقتال (يوم 8 نوفمبر) أنها حيدت 130 فتحة نفق، ورغم أن الرقم يبدو مرتفعًا، فإنه على افتراض صحته يعني أن إسرائيل لم تقترب حتى إلى الآن من جوهر شبكة الأنفاق المعقدة التي تستخدمها المقاومة في شمال قطاع غزة.
من المنتظر إذا كانت القوات الإسرائيلية تهدف فعلًا إلى القضاء على المقاومة أو تقويض بنيتها في قطاع غزة أن تسعى خلال الفترة المقبلة إلى الانتشار التدريجي في القطاع، وخلق مربعات أمنية يجري تمشيطها وتأمينها والتأكد من تحييد فتحات الأنفاق بها، والتحدي الأساسي في ذلك أمام القوات الإسرائيلية هو الحاجة إلى استخدام القوات البرية وعدم الاكتفاء بالتفوق الجوي بما يضاعف الخسائر الإسرائيلية المرتفعة بالفعل، علاوة على عامل الوقت مع زيادة الضغوط الدولية لوقف إطلاق النار.
في المقابل، فإن انخراط القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة يعني فرصة كبيرة للمقاومة الفلسطينية لتكبيدها خسائر ضخمة، خاصة مع زيادة استخدام سلاحي القنص والعبوات المتفجرة ضد الأفراد والآليات على الترتيب. فالسلاحان هما الأكثر فعالية وقدرة على تحقيق خسائر فعالة وحاسمة في القوات الإسرائيلية.
ومن الملاحظ أن يوم الثلاثاء 14 نوفمبر شهد إعلان المقاومة عن قتل تسعة جنود إسرائيليين من المسافة صفر، بينما لم تعلن إسرائيل عن مقتل أكثر من ضابطي مشاة وإصابة أربعة جنود بجراح خطيرة، وهذا بحد ذاته يطرح تساؤلًا لأن مقتل ضابط برتبة ملازم يعني أن الفصيل الذي يقوده قد تعرض لخسائر أخرى على الأرجح.
هنا يجب أن نتوقف عند الخسائر الإسرائيلية لنوضح أن إسرائيل لا تلتزم بإعلان العدد الكلي لخسائرها من قتلى وإصابات، وإنما تنعي جنود فرادى، ما يفترض أنها تنعي كل جندي مات، لكن لن يكون مفاجئًا أو مناقضًا لذلك أن يكون هناك جنود قد قتلوا ولم يتم الإعلان عنهم بسبب صعوبة سحب جثثهم أو أي أسباب أخرى يمكن تخيلها بما في ذلك الرغبة في عدم الإعلان عن خسائر مرتفعة. إلى الآن، يمكن إحصاء مقتل 59 جنديًا إسرائيليًا في غزة ومحيطها منذ بدء العملية البرية، واحد منهم في حادث انقلاب دبابة، لكن هذا لا يعني أنه ما من قتلى آخرين.
أما عن الإصابات، فقد أعلنت إسرائيل بعد انقضاء الأسبوع الأول أنها قامت بـ260 عملية إخلاء لجنود مصابين، ثم أعلنت مؤخرًا إخلاء 60 آخرين، لكنها لم تصدر خلال الأسبوعين الفاصلين بين هذين الإعلانين أي بيانات عن عمليات الإخلاء في هذه الفترة.
تخلق هذه ا لخسائر بلا شك ضغوطًا مرتفعة على جيش الاحتلال الإسرائيلي سواء في طموحه بالاستمرار في القطاع لمدة طويلة أو حال كان هنالك طموح في مواصلة عملياته البرية جنوب قطاع غزة. فمع هذه الخسائر، ورغم الحشود الإسرائيلية الهائلة والقصف الإبادي، لا يمكن تصور قدرة القوات على مواصلة القتال.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن