تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

 تدوينة: أنا وأنا ومكان لا يصلح للأحلام

عبد الرحمن الجندي
7 دقيقة قراءة
 تدوينة: أنا وأنا ومكان لا يصلح للأحلام

«اضطراب تبدد الشخصية-تبدد الواقع»: يوصف مرض تبدد الشخصية بأنه الشعور بالانفصال أو بعد الشخص عن الجسم أو الأفكار أو العواطف. فالأفراد الذين يعانون من مرض تبدد الشخصية قد يكون شعورهم كما لو أنهم في حلم أو يشاهدون أنفسهم في فيلم ما. أو قد يشعرون وكأنهم مراقبين خارجيين لأفكارهم الخاصة أو لأجسامهم، وغالبًا ما يوصف شعورهم بفقدان السيطرة على الأفكار أو التصرفات التي يقومون بها في بعض الحالات، قد يكون الأشخاص غير قادرين على تقبل انعكاساتهم كما لو أنها ليست لهم، أو قد يكون لديهم تجارب بالخروج عن أجسادهم.

في حين أن تبدد الشخصية هو شعور بالانفصال عن الذات، بالمقابل فإن شعور تبدد الواقع هو الانفصال عن الواقع والمحيط الخارجي. ويصف الأشخاص الذين يعانون من الشعور بالغربة عن الواقع بأنهم يرون العالم من حولهم ضبابيًا كأنهم في حلم والمحيط من حولهم خيالات.

أغلقت شاشة حاسبي المحمول في بطء وتمددت على السرير في ظلام الغرفة. الساعة الثالثة قبل الفجر. يبدو أني أخيرًا وجدت ضالتي.

ماذا كان شعورك لحظة أن لمست قدماك الشارع؟! بم أحسست عند أول مرة رأيت فيها البيت بعد ست سنوات؟! كيف كانت أول ليلة في سريرك؟؟ ما المشاعر التي امتلأت بها عندما دخلت ملعب كرة السلة لأول مرة بعد كل هذه السنين! ما أول طعام ترغب في أكله؟ما الذي تتحرق لتجربته بعد الخروج؟؟

سيل من الأسئلة كان ينهمر عليّ منذ لحظة خروجي. الكل ملئ بالفضول والانبهار. الكل يرغب في معرفة فيضان المشاعر والأحاسيس التي تتفجر بداخلي. فرحين جميعهم لا شك. متحمسين من أجلي ويتخيلون ما يدور بخلدي الآن من رغبات وحماس. لم أشعر بالضيق من أي من هذا. تماما. لم أشعر بأني مختنق من كثرة الأسئلة. لم أشعر بالحصار ولا تأذيت. لم أشعر بأي من هذه المشاعر. لم أشعر بها؛ لأني بكل بساطة، لم أشعر من الأساس.

منذ خطوت خطوتي الأولى خارج قسم الشرطة بعد ست سنوات وأربعة أشهر من السجن، وأنا في حالة عجيبة لا أفهمها. لا أشعر بطعم شيء. لا أشعر برغبة حقيقية في شيء. لا أجد الحماس الذي تخيلته مرارًا لكثير من الأنشطة. لا أشعر بالضيق، بالخوف، بالحزن، بالألم، بالفرح، بالراحة، بالامتنان، ولا بأي شيء. أمشي في الشوارع ممتلئًا بإحساس غريب وكأني لست في وعيي. وكأني سأستيقظ في السجن مرة أخرى.

لا استوعب أن محيطي هو محيطي، وأن ما يحدث الآن يحدث لي. أشعر حرفيًا و«كأني في حلم أو أشاهد نفسي في فيلم ما».

لم أشعر بشيء عندما خطوت أول خطوة في الشارع. لم يهتز في شيء عندما ظهر البيت في الأفق. كانت أول ليلة في سريري غريبة ومقبضة. لم أفكر في أي طعام ولم أتحرق شوقًا لأرى شيئًا بعينه. لم أشعر بشيء عندما دخلت ملعب كرة السلة التي عشقتها منذ الصغر إلا بشعور من فارق حبيبته من زمن، وانا جاد في أحلام اللقاء ومناه، حتى حان أوان التلاقي فصدمت ببرودة اللقاء واختفاء ما ظنه مكنونًا في القلب.

جال بخاطري إحساس مثير للاشمئزاز كنت أشعر به طوال طفولتي عند الذهاب لطبيب الأسنان لخلع سن من أسناني، فيقوم بتخدير فمي وقلع السن، فأشعر بشعور عجيب بانتظار ألم متوقع لا يأتي وتحرك مقزز لعظام أسناني في اللثة بلا توجع. شعور لا يمكن وصفه إلا بأنه شعور خاطئ ومقرف. كنت دومًا أتخيل إذا نشرت ساقي بمنشار وهي مخدرة هكذا كيف سيكون الشعور- أو عدمه.

هذا هو أقرب وصف لما أحسه اﻵن. كل هذه المدخلات تستلزمها مشاعر متعددة موجعة ومفرحة على السواء، أنتظر أيًا منها وأترقب صدمته، فلا يأتي. فيملؤني هذا الشعور المزعج المقزز طيلة الوقت بالترقب لما لا يأتي مع علمي التام بافتراض وجوده.

في السجن يحدث قتل مستمر ممنهج للمشاعر. لا يقوم به السجان بشكل مباشر، ولكن على النقيض تمامًا، تقوم به أنت لنفسك على مدار حبسك.

في السجن يبحث المسجون باستماتة عن أي مصدر أمان يتعلق به. تجد دومًا مجموعات تظهر وصداقات قوية تتكون باستمرار، تكاد تجزم أنها لم تكن لتحظى بفرصة للنشأة لولا تلك الظروف. أغلب هذه العلاقات الإنسانية المتشابكة منبعها في الأساس غريزة البقاء والنجاة. يعلم المسجون أنه بلا أي سند يتكئ عليه سيؤول حتمًا للجنون. فيحدث كثيرًا أن يحاول الانتماء لأقرب مجموعة أو شخص ليتبادلوا جميعًا الاتكاء على بعضهم البعض. وليس هذا خاطئًا بالمرة، وهو حتمًا يساعد الكثير على النجاة لمدة معتبرة. ولكن المسجون المبتدئ تخونه خبرته فيقع في خطأ قاتل. خطأ التعلق.

يتعلق المسجون بالشخص أو المجموعة مصدر الأمان بالنسبة له، ويبدأ الاعتماد عليها كليًا وجزئيًا في إمداده بالأمان، ناسيًا القاعدة الأولى التي تتعلمها في السجن، وهي أنه مبني على الفراق.

ومع أول فراق لمصادر أمانه وتعلقه سواء بانتقالهم الفجائي لزنازين أو حتى سجون مختلفة كما يحدث دومًا بلا سابقة إنذار، أو بخروج بعضهم للعالم الخارجي مرة أخرى، يجد المسجون نفسه في الهواء الطلق وحيدًا مرتعبًا بلا متكأ أو سند، ولا يعلم ألم الفراق إلا من خاضه، ولا يعلم ألمه المضاعف الناتج عن ظروف بائسة جعلته تعلقًا مستميتًا إلا من خاضه أيضًا.

ثم يسوء الأمر في البداية عندما يقرر المسجون أن يستبدل مصادر أمانه بمصادر جديدة غيرها، فيصير كما المدمن لمخدر لا يقدر على الحياة بدونه، وكلما نفد استبدله بغيره لعدم احتمال فترة الانسحاب من انتهاء المخدر السابق.

بعد انقضاء عدة أعوام من الألم المبرح وتعرض المسجون أحيانًا للانسحاب جبرًا، يتعلم درسًا في شدة القسوة- وهو ألا يتعلق أبدًا وتحت أي ظرف بأي شخص أو شيء. ويبدأ من بعدها رحلته كسجين صاحب خبرة جديدة مهمة للبقاء، وهي أن التعلق بعدما كان مصدر أمان، بات أكبر مصادر عدم الأمان والأذى المستقبلي. تتكون لديه عندها آلية دفاع ضد أي شيء يمثل تهديدًا لهذا الأمان. يميل دومًا للانعزال والوحدة. يصد أي شخص يحاول التقرب منه. ويشعر بالتهديد والريبة من أي علاقة تتخطى السطحية التي يقتضيها التعايش المشترك. ثم يتطور الأمر للقضاء على التوقعات تمامًا بعد خيبات الأمل المتتالية الموجعة التي تنهال عليه تباعًا ما دام في السجن، وانقلاب أي استقرار في لحظة لفزع وهلع كابوسيين. يعلم أن لحظة شعوره بالسعادة هي احتمال ألم مستقبلي. وأن هفوة الأمل ستنتهي حتمًا بوجع قاتل. فتبدأ رحلة التخلص من الشعور بشكل عام باعتباره مصدر ضعف وتهديد. يسعى باستمرار أن يكون على استعداد دائم للفقد، فقد الناس والأحباب والدفء والونس والاستقرار وأي طعم مؤقت للحياة، حتى ينجح بالفعل في جعل كل الأحداث والتقلبات على قدم السواء. فيعيش مع الناس ما داموا هناك، وحيدًا ما اضطر، يأكل ما وجد الطعام والشراب ولا يهتز له جفن إذا انقطعا، ينام ما أتيح المكان ويسهر إذا ما ضاقت الزنزانة عن مساحة تحتويه، يضحك إذا ما وجد الضحك، ثم يودع الضاحكين الراحلين عنه ويجبر نفسه على نسيانهم فور انغلاق الباب المصفح وراءهم.

 ثم على حين غفلة يخرج

يجد نفسه على حين غرة في الحياة مرة أخرى. يتوقع منه المحيطون جميعهم أن يخوض طوفانًا من المشاعر المتفجرة السعيدة والحزينة. يقولون إنهم يتفهمون كونه بالطبع مصدومًا الآن من شعوره بالغرق في المشاعر، غير عالمين أنه يشعر بالغرق في الخواء. يشعر بالعظم المنشور واضطراب الألم الذي لا يأتي. ويتضاعف شعوره بالخلل من أنظار الجميع الموجهة إليه ترقبًا وانتظارًا لردود أفعاله. حتى إنه في كثير من الأحيان يتظاهر بالشعور بأشياء مزيفة ليرضى نظرات التوقع السعيدة في أعينهم ويتفادى خيبة الأمل لغيبة فرحته المنتظرة.

يكون وقتها أكثر أرض خصبة لنشأة «اضطراب تبدد الشخصية-تبدد الواقع» كما أسلفت وعرفته في البداية. يسير مراقبًا لحياته من الخارج. يظهر ردود أفعال لا يشعر بها لكنها متوقعة منه. لا يجد أي استجابة من عقله لأي مؤثرات خارجية فيشعر بالانفصال عن جسده وشخصه. يشعر دومًا أنه في حلم أو يرى العالم من عيني شخص آخر. يقف في منتصف الشارع أحيانًا غير مستوعب أنه بطل هذا المشهد. أن هاتين الساقين ساقاه، وتلك الخطوات خطواته، وأنه عائد الى منزله الآن. هذا المشهد الذي خاضه في خياله سنين وسنين مرارًا وتكرارًا متخيلًا في كل مرة شعورًا جديدًا أعنف وأجمل وأكثر شغفًا. توقف عن الشعور بالداخل لأن الخارج سيعوض كل ما فات من أحاسيس. إذا فخلوّ الخارج من الأحاسيس الآن دليل على أنه ما زال يتخيل. ما زال بالداخل.

في لحظة من اللحظات على مدار السجن، يكون السجين مهتزًا ومضطربًا لدرجة البدء في الشك في كونه كان بالخارج يومًا ما من الأصل. لا يستطيع استرجاع المشاعر والأحاسيس. تتلاشى ذكرياته من الوجود. تتحول إلى أشياء أقرب إلى الأحلام منها إلى الذكريات. ينقلب ماضيه بالكامل إلى سلسلة من الصور المهزوزة الباهتة التي تتفلت من بين أصابعه.

لهذا عند الرجوع المفاجئ للحياة، يكون منفصلًا عن الواقع تمامًا.

لأن الأحلام لا تتحقق بكل هذه البساطة، أليس كذلك؟

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
أحمد سمير سنطاوي

الحديث عن الأشجار 

«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»

اقرأ →
رأي
سناء سيف

تدوينة: عنبرة

«يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، حيل التأقلم تنهار أمام العدم لتجد نفسك وحيدا في مواجهة الظلام»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).