بين التسوية الإقليمية والتسوية الوظيفية: كيف تنتهي الحرب على غزة؟
مر شهر ونصف على بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ردًا على الهجمات التي شنتها المقاومة الفلسطينية، في السابع من أكتوبر الماضي، على المواقع العسكرية والمستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وما زال السؤال قائمًا: كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟
يعود شق واسع من إجابة هذا السؤال إلى سؤال آخر أكثر محدودية، وهو: ماذا تريد إسرائيل من هذه المعركة؟ تبارت الأقلام في تحليل تصريحات المسؤولين الإسرائيليين خلال الفترة الماضية بحثًا عن إجابة لهذا السؤال، غير أن غموض تلك التصريحات وتقلبها وتضاربها أحيانًا أعطى إشارات من الصعب أن تفضي إلى مقولة تحليلية متماسكة يمكن على أساسها التعاطي مع الاستراتيجية الإسرائيلية في هذه المعركة، ما دعا كثيرين إلى القول بأن إسرائيل أصلًا ليس لديها خطة، وهو قول فيه قدر من المجازفة إذا ما تعلق الأمر بالخطة العسكرية.
ينطلق التحليل التالي من تمييز أساسي يمكن اعتباره خطوة أولى على طريق الإجابة عن هذا السؤال الواسع عما تريده إسرائيل، وهو التمييز بين الاستراتيجية العسكرية للجيش الإسرائيلي في هذه العملية البرية، وبين الرؤية السياسية التي تسعى إليها المؤسسة السياسية الإسرائيلية، ممثلة في الحكومة القائمة والكنيست من جهة، وفي بيروقراطية المؤسسات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية الإسرائيلية من جهة أخرى، وهو المُركَّب المسؤول عن صياغة الرؤية العامة للأمن القومي الإسرائيلي.
لا يعني التمييز هنا افتراض التعارض بين الخطة العسكرية للجيش الإسرائيلي في قطاع غزة والرؤية السياسية للحكومة، وإنما يعني أن الخطة العسكرية للجيش لا تتضمن بالضرورة أهدافًا سياسية تتعلق بمستقبل قطاع غزة كإعادة احتلال القطاع بالكامل أو تهجير سكانه، وإنما تركز على العمليات المباشرة التي يستهدف بها الجيش المقاومة المسلحة في القطاع وبنيتها المادية والبشرية، خاصة وأن الحكومة الإسرائيلية لم تحسم هذا الأمر إلى الآن على ما يبدو.
لا يمكن تصور أن الجيش الإسرائيلي، وهو جيش محترف ومتمرّس، قد اندفع إلى عمق قطاع غزة دون أن تمتلك قواته خطة عملياتية شبه متكاملة حول ما ينبغي أن تنجزه داخل القطاع من عمليات عسكرية، ولا يمكن تصور أن هدفًا لدى الجيش الإسرائيلي يسبق الهدف العسكري المباشر، وهو توجيه ضربة عنيفة إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ضربة من شأنها، إن لم تتمكن من القضاء على المقاومة وهو الأرجح، أن تصيبها بالارتباك على نحو يفقدها القدرة ليس فقط على المبادرة الهجومية، بل على ترميم الصفوف والتعافي سريعًا، بحيث يكون لدى الجيش الإسرائيلي من الوقت ما يسمح له بصياغة تصورات جديدة عن كيفية التعامل مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة بوصفها تهديدًا عسكريًا أساسيًا لإسرائيل.
تتسم خطة الجيش الإسرائيلي على الأرجح بشيء من المرونة والمرحلية. فربما كان لدى الجيش بالفعل خطة لاحتلال قطاع غزة بأكمله وتمشيطه، لكن الجيش لديه بالضرورة بدائل مرحلية في هذا الإطار تأخذ بعين الاعتبار عوامل موضوعية تمامًا من الناحية العسكرية، منها حجم القوات الإسرائيلية وخسائرها في كل مرحلة حسب ضراوة القتال واحتمالات التصعيد على الجبهة الإسرائيلية الشمالية، فضلًا عن العوامل الاستراتيجية مثل المدى الزمني للعملية وتمويلها والضغوط السياسية التي قد تعيق خطة طموحة وشاقة وطويلة الأمد من هذا النوع.
من هذه الناحية، قد نقول تحليليًا إن من الصعب جدًا بالنظر إلى حجم الخسائر الإسرائيلية المقدرة إلى الآن بعشرات الآليات وعشرات الجنود على الأقل، وانخراط الفرقتين الأكبر في الجيش الإسرائيلي في تلك العملية، وزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية باتجاه إنهاء هذه الحرب، أن يوسّع الجيش الإسرائيلي عملياته في جنوب قطاع غزة. بل إن من المشكوك فيه أن ينجح الجيش الإسرائيلي في إعادة احتلال شمال قطاع غزة على نحو كامل يسمح له بخلق آلية أمنية تمهد بعد ذلك لأهداف سياسية في هذه المنطقة، سواء بتهجير سكانها أو تقليلهم أو تحويلها إلى منطقة وسيطة (buffer zone) يستخدمها الجيش الإسرائيلي كمسرح عمليات أمنية جراحية على غرار الضفة الغربية، أو المنطقة (ب) منها قديمًا، وفقًا لاتفاقية أوسلو.
على كل حال، سيكون بإمكان الجيش الإسرائيلي نشر قائمة بإنجازات تفصيلية حقيقية أو مزيفة عن عدد القتلى في قطاع غزة بين المقاتلين من المقاومة مكلّلة بعدد من الأسماء التي سيزعم الجيش الإسرائيلي أنهم يمثلون الهيكل القيادي لكتائب القسّام العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية في القطاع (نشر الجيش الإسرائيلي إلى الآن عشرات الأسماء لقادة ميدانيين في كتائب القسّام زعم أنهم قد قتلوا في مواجهاتهم مع الجيش الإسرائيلي، ولا شك أن قيادة الجيش الإسرائيلي تحلم بأن يتصدر هذه القائمة بمرور الوقت اسم ثقيل بوزن يحيى السنوار أو محمد الضيف). ستشمل قائمة الإنجازات عدد الأنفاق والمواقع التي سيزعم الجيش الإسرائيلي أنه قام بتحييدها، وينتهي إلى أن الضربة قادت حتمًا إلى تحييد خطر المقاومة المسلحة في قطاع غزة بشكل مؤقت على الأقل.
لكن هذا سيترك السؤال السياسي للتعامل مع قطاع غزة مفتوحًا بالنسبة للمؤسسة السياسية الإسرائيلية، وأعتقد أن تلك المؤسسة بالفعل لم تحسم أمرها بخصوصه بعد، وأنها بالفعل مازالت متخبطة إزاءه، وهو ما يجعلها غير جازمة بالشكل الذي ينبغي أن تنتهي إليه هذه الحرب.
استراتيجية التهجير
عقب أقل من أسبوع واحد من هجوم المقاومة الفلسطينية على غلاف غزة، أصدرت وزارة الاستخبارات الإسرائيلية التي تتولاها الوزيرة الليكودية المخضرمة ذات الأصول العربية جيلا جامليل ورقة سياسات عن خيارات التعامل مع التهديد القادم من قطاع غزة. طرحت الورقة ثلاثة خيارات للتعامل مع القطاع كالتالي:
الخيار الأول: بقاء السكان في قطاع غزة، وإسناد الحكم إلى السلطة الفلسطينية.
الخيار الثاني: بقاء السكان في قطاع غزة، واستحداث سلطة عربية محلية من أوساطهم.
الخيار الثالث: إجلاء السكان المدنيين من قطاع غزة إلى سيناء.
وأضافت الورقة فيما يلي ذلك مباشرة: «من خلال فحص معمّق للخيارات المذكورة، يمكننا استخلاص الرؤى التالية: الخيار الثالث هو الخيار الذي سيحقق نتائج استراتيجية إيجابية وطويلة الأمد بالنسبة إلى إسرائيل، وهو خيار قابل للتنفيذ».
كان هذا هو أول إفصاح إسرائيلي رسمي عن خطة التهجير، التي لم تبد الولايات المتحدة ممانعة لها، بل توالت التقارير الصحفية عن ضغوط تبذلها الإدارة الأمريكية عبر وزير خارجيتها أنطوني بلينكن على قادة الدول العربية للقبول بهذا الخيار، لكن الرفض الصارم الذي أعلنته تلك الدول لهذا الخيار أحبطه على المستوى الرسمي، لكن لم يمنع هذا بقاءه مسيطرًا على مجموعة واسعة من النخبة الإسرائيلية.
في الواقع، لم يكن الأمر مجرد فكرة نبتت في عقل وزيرة يمينية متطرفة كجامليل، (فوصف اليميني المتطرف يكاد يكون من نافل القول في وصف أي سياسي إسرائيلي اليوم، مع استثناءات تثبت القاعدة)، وإنما فكرة تختمر منذ سنوات لدى اليمين الإسرائيلي المتطرف خاصة مع صعود الصهيونية الدينية الكاهانية (التيار الكاهاني الرافض لوجود العرب في دولة إسرائيل وعلى أرض فلسطين التاريخية والمصنف سابقًا كتيار عنصري في إسرائيل وكجماعة إرهابية في الولايات المتحدة).
في عام 2017، طرح الزعيم الأبرز في الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش الذي يتولى حقيبة المالية في الحكومة الإسرائيلية حاليًا ما أسماه خطة «الحسم» الإسرائيلية أو خطة «الأمل الواحد» في شعارها المخفف. تهدف تلك الخطة التي نشرها سموتريتش حينما كان نائبًا لرئيس الكنيست الإسرائيلي إلى حسم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس بإقامة دولة فلسطينية عربية وفق حل الدولتين، وإنما بالقضاء على حلم العرب بإقامة دولة في الضفة الغربية (يهودا والسامرة وفقًا للاسم التوراتي الذي يستعمله سموتريتش للمنطقة). يرى سموتريتش أن الحلم الفلسطيني بالدولة هو صورة مرآة للمشروع الصهيوني الذي سعى إلى إقامة دولة للشعب اليهودي على أرض فلسطين (إسرائيل بتعبير سموتريتش)، لذلك فلا يمكن أن تتعايش الحركتان، بل يجب القضاء على أحدهما.
يجري القضاء على الحركة الوطنية الفلسطينية، برأي سموتريتش، عبر ثلاث مراحل. المرحلة الأولى هي «الانتصار عبر الاستيطان»، وتعني توسيع الاستيطان في قلب الضفة الغربية بغرض القضاء على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية على أراضيها. المرحلة الثانية، استيعاب العرب في إسرائيل ليس بالطبع على أساس المواطنة، وإنما على أساس إعطاؤهم صفة سياسية تجري دراستها لاحقًا يمكنهم من خلالها انتخاب من يتولون شؤونهم المحلية، ليس كسلطة عربية، وإنما كبلديات معزولة عن بعضها. ضمن تلك المرحلة، سيقبل بعض العرب بهذا الحل، وهؤلاء هم من سيجري استيعابهم وسيستفيدون من المزايا الإسرائيلية كما يقول سموتريتش. أما من يرفضون، فستقدم لهم إعانة تساعدهم على الهجرة. أما المرحلة الأخيرة، فهي شن حرب على أولئك الذين سيحاولون مقاومة هذا المشروع بالقوة المسلحة.
ما يطرحه سموتريتش في الواقع ليس جديدًا بشكل كامل، وإنما هو تطوير أكثر جذرية للرؤية التي أخذ موشي ديان يطرحها منذ أواخر السبعينات عندما تولى حقيبة الخارجية في حكومة مناحم بيجين اليمينية بين عامي 1977-1979، وهي الرؤية التي أطلق عليها المفكر الفلسطيني عزمي بشارة «التسوية الوظيفية». بالنسبة لتلك الرؤية التي لا يزال يتمسك بها اليمين الصهيوني المتطرف الديني بالأساس، وجزء من العلماني، فلا مجال لدولة فلسطينية ولو في قطاع غزة، ولا بد من التخلص من السكان أو إخضاعهم ضمن نظام الفصل العنصري.
مشاريع التسوية بعد 1967
بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، أصبح مطروحًا لدى الدولة الصهيونية السؤال عن كيفية التعامل مع الكتلة السكانية العربية الضخمة التي أصبحت خاضعة بشكل مباشر للحكم الإسرائيلي، وعن الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل إما بضمها أو التخلي عنها. ظهر منذ هذا الوقت اتجاهان للتسوية: الأول هو خطة الجنرال إيجال يعلون، والذي كان وجهًا سياسيًا بارزًا في حكومة ليفي أشكول صبيحة النكسة في يونيو 1967 عندما قدم خطة تضمنت ضم ثلث أراضي الضفة الغربية على طول ضفة نهر الأردن لتشكل نطاقًا أمنيًا يحمي إسرائيل من الهجوم من جهة الشرق (الأردن)، أما المرتفعات غرب ذلك الشريط فيمكن أن تعطى للفلسطينيين لتأسيس كيان سياسي ضمن كونفدرالية مع الأردن.
كان هذا هو أول تصور لحل الدولتين، دولة فلسطينية ليس على حدود 1967 وإنما في بعض مناطق الضفة الغربية. ورغم أن طرح يعلون لم يلق آذانًا صاغية في حكومة أشكول ثم حكومة جولدا مائير. وحتى عندما تولى يعلون رئاسة الوزراء بشكل مؤقت بين الحكومتين، فقد ظل هذا الطرح يشكل أساس التفاوض الإسرائيلي حول حل الدولتين، وليس حدود الرابع من يونيو 1967 كما طرح العرب لاحقًا في مبادرة السلام العربية منذ عام 1982. لكن أول وثيقة إسرائيلية رسمية تضمنت ذلك الطرح وأقرته كانت صفقة القرن التي قدمتها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب بالاشتراك مع حكومة بنيامين نتنياهو في عام 2019، وتضمنت عمليًا إعطاء صفة دولة لبعض المدن في الضفة الغربية دون أي تغيير يذكر في الأوضاع الأمنية والإقليمية الجارية في الضفة الغربية عما هو قائم.
في مقابل خطة يعلون، ظهرت خطة موشي ديان التي حاولت أن تستبدل تلك التسوية الإقليمية (تقديم أراضٍ محدودة لدولة فلسطينية منزوعة السيادة) بتسوية وظيفية تقوم على التخلص من عبء السكان الفلسطينيين بتأسيس سلطة حكم ذاتي فلسطينية يجري ربطها بالأردن، دون أن تضطر إسرائيل للتخلي عن سيادتها ولو إسميًا عن أي أراضي في الضفة الغربية، وكان أول ظهور لذلك المقترح هو اتفاق الحكم الذاتي للضفة الغربية وقطاع غزة، الذي وقعه الرئيس أنور السادات، ضمن معاهدات كامب ديفيد للسلام في الشرق الأوسط (اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل) سنة 1979.
وضع هذا الاتفاق الأساس الذي قام عليه بعد ذلك اتفاق أوسلو 1993، وهو إقامة حكم ذاتي للفلسطينيين دون دولة أو حتى وعد بدولة، لكن اتفاق أوسلو تضمن تعديلًا هو ما صنع مشكلة بالفعل للاحتلال بعد ذلك، وهو ربط السلطة الفلسطينية الجديدة بدولة إسرائيل لا بالأردن وفقًا لمقترح ديان الأشد خبثًا. فاتفاق أوسلو، كما كتب المفكر الفلسطيني منير شفيق في نقده، لم يكن أكثر من أداة للاحتلال للتخلص من عبء إدارة سكان المستعمرة، وهو ما نراه اليوم في حالة تمويل السلطة الفلسطينية، حيث يدفع العالم بأسره والفلسطينيون أنفسهم بالطبع على رأس هؤلاء، تكلفة الاحتلال نيابة عن الإسرائيلي، بينما يقف الإسرائيلي كقناة وحيدة لعبور الأموال بعد سرقة ما تيسر منها بالتأكيد.
تتحرك إسرائيل بين هذين الرؤيتين فقط: تسوية إقليمية تتنازل بموجبها إسرائيل عن قليل من الأراضي في الضفة وغزة لدولة فلسطينية إسمية (صفقة القرن الأمريكية مثلًا)، أو تسوية وظيفية لا تتنازل فيها إسرائيل عن أي أراضي لدولة فلسطينية وإنما تدفع الفلسطينيين دفعًا إلى الهجرة، وتقيم للباقين سلطة حكم ذاتي هي في الواقع سلطة إدارة محلية، وتتعامل معهم كأفراد بدون حقوق سياسية ضمن نظام فصل عنصري.
الرؤية الإسرائيلية اليوم
يساعدنا إدراك هذين الاتجاهين الإسرائيليين على فهم كيف ستحاول المؤسسة السياسية الإسرائيلية في المرحلة المقبلة التعامل مع مشكلة غزة، وهو ما يظهر في مراجعة الخيارات التي طرحتها ورقة السياسات التي أصدرتها وزارة الاستخبارات الإسرائيلية. فالخيارات الثلاثة يمكن اختصارها إلى خيارين أساسيين.
الخيار الأول هو بقاء السكان ضمن دولة اسمية تخضع عمليًا لإسرائيل لكنها تتضمن وجود سلطة أخرى تتولى السيطرة على السكان وإخضاعهم وعبء إدارتهم (السلطة الفلسطينية أو سلطة محلية من قطاع غزة أو قوة عربية أو دولية) بمنطق ميشيل فوكو الذي يرى السكان كأساس لمعضلة السلطة السياسية الحيوية (عملية السيطرة على الأجساد).
هذا الخيار الذي سيقود إلى دولة إسمية سيميل إليه أبناء المؤسسة القدامى واليمين الليبرالي الحريص على علاقات إسرائيل وصورتها الدولية، ويمكن افتراض أن يائير لابيد سيكون عرّابه بين النخبة السياسية الإسرائيلية اليوم، وسيقود هذا الخيار على الأرجح إلى إعادة تدوير صفقة القرن ببناء دولة إسمية في غزة وبعض النقاط (هي حرفيًا نقاط وليس حتى مناطق متصلة) في الضفة الغربية، مع الاستعانة بقوى إقليمية أو دولية.
يدعم هذا الخيار أنه يحقق حل الدولتين المقبول دوليًا وإقليميًا وحتى بين كثير من الفلسطينيين، دون أن يتغير عمليًا أي شيء في الواقع، باستثناء نقل المهمة الأمنية في الدولة المزعومة إلى قوى تقوم بها بالنيابة عن إسرائيل، وهو ما عبّرت تركيا ومصر في بعض تصريحاتهما عن استعدادهما للمشاركة فيه بقدر أو بآخر، وربما تكون بعض المواقف الأوروبية الأكثر اعتدالًا تجاه الفلسطينيين مقدمة للعب بعض تلك الأطراف أدوارًا في تمرير ذلك الاتفاق.
ما سيميز هذا الخيار هو محاولة دمج «حماس» فيه مع اشتراط إلقاء السلاح في تكرار لسيناريو أوسلو مع «فتح»، ومحاولة استدعاء تركيا ومصر وربما قوى أخرى للعب دور الضامن لـ«حماس»، وقد نرى (على الأرجح) أصواتًا داخل «حماس» ترحب بهذا المقترح كما ينتظر من أي تنظيم سياسي كبير كحركة حماس.
يمكن كذلك أن نرى استغلالًا لبعض وجوه الأسرى الفلسطينيين ممن يتمتعون بقبول واسع في الشارع الفلسطيني للترويج لصفقة جديدة بوصفها أفقًا للشعب الفلسطيني تضمنه شخصيات وطنية وقوى إقليمية ودولية، وهي استراتيجية أيضا ليست بعيدة عما حدث في أوسلو 1993.
أما الخيار الآخر الذي سيظل اليمين الإسرائيلي المتطرف، من «الليكود» والأحزاب الدينية، متمسكًا به، فهو التهجير، ولن تخفت هذه النغمة داخل هذا الاتجاه مهما كانت المعارضة الدولية إذ يشكل هذا الحل الغاية الأيديولوجية لهذا التيار ويمثل التخلي عنه سقوطًا لمشروعه.
ما بعد الحرب
باختصار إذن، يمكن القول إن العملية العسكرية ستنتهي حين يرى الجيش الإسرائيلي أنه وجّه ضربة عنيفة بما يكفي لإنهاك المقاومة ولو مؤقتًا، وأن العملية لا تحمل طموحًا أكبر من ذلك على الأرجح في توجهها العملياتي المبدئي على الأقل.
لكن ما بعد العملية لم تحسمه بعد المؤسسة السياسية الإسرائيلية بسبب انقسامها أولًا بين التصورين السابقين، وبسبب غموض الموقف الدولي لما بعد الحرب ومدى الضغوط الذي ستطرح فيه على إسرائيل، وكذلك المشهد الفلسطيني عمومًا وفي قطاع غزة تحديدًا.
مع ذلك، فالأكيد بهذا الصدد هو أن إسرائيل ستعمل على تحويل الحياة في غزة إلى جحيم، ليس فقط عبر الحصار، وإنما عبر التخلي عن التزاماتها تجاه القطاع أيضًا، وهو ما عنته سابقًا بالمرحلة الثالثة التي تُخلي فيها إسرائيل مسؤوليتها عن القطاع، وعلى رأس تلك المسؤوليات تسليم السلطة الفلسطينية مخصصات غزة من الضرائب التي تجمعها إسرائيل من الفلسطينيين، وكذلك وقف إمدادات الكهرباء للقطاع. وسيمثل ذلك أداة للضغط على القطاع للتعامل معه لاحقًا سواء بشن حرب جديدة أو الضغط باتجاه تهجير سكانه أو فرض أي خيارات سياسية عليه أو حتى إنهاكه إنسانيًا وسياسيًا.
لذلك، فإن هذه الحرب لن تنتهي باتفاق تهدئة واضح، كما توقع الكاتب الفلسطيني ساري عرابي منذ بدايتها، على غرار ما حدث في الحروب الأربعة السابقة التي خاضتها المقاومة الفلسطينية مع إسرائيل، وإنما ستنتهي غالبًا إلى حالة من الهدوء غير المتفق عليه يفسح المجال لاتخاذ إسرائيل قرارها السياسي بعد استطلاع الموقف الدولي وصياغة رؤيتها العسكرية المتوافقة مع هذا القرار تجاه القطاع وتجاه التهديد الذي يمثله حزب الله على الجبهة الشمالية.
السلاح الأساسي الذي تمتلكه المقاومة في القطاع لتحجيم الطموحات الإسرائيلية عقب الحرب هو، علاوة على سلاح المقاومة بالطبع، سلاح الأسرى. فمجرد بدء التفاوض على الأسرى سيكون عملية تتطلب تنازلات إسرائيلية سيعمل الوسطاء أنفسهم (مصر وقطر علاوة على الولايات المتحدة، الراعي الأساسي لإسرائيل ولعلاقاتها مع الوسطاء) على فرضها لتجنب انفجار الوضع في قطاع غزة.
يبقى أخيرًا أن نؤكد أن أي حل للقضية الفلسطينية يجب أن يضمن حلًا حاسمًا لصالح الحقوق الفلسطينية في أربع نقاط كانت تسمى منذ أوسلو بقضايا الحل النهائي، وهي: تفكيك المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، واستعادة القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وأخيرًا قضية الحدود والأراضي. بدون حسم تلك القضايا، لا أمل بحل فعلي للقضية الفلسطينية سواء بدولة أو دولتين.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد