تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

بناء صحراء نسيان منظمة لغزة

مي المغربي
6 دقيقة قراءة
بناء صحراء نسيان منظمة لغزة

قصف الاحتلال الإسرائيلي عددًا من المكتبات في غزة مثل مكتبة سمير منصور التي تعد واحدة من كبرى المكتبات ودور النشر في القطاع المحاصر، كما قصف مبنى الأرشيف المركزي بمقر بلدية غزة الذي يضم آلاف الوثائق والخرائط التي يزيد عمرها على مئة عام.

يبدو من الخارج، وفقًا لمنطق النزعتين القومية والعسكرية العدوانية لإسرائيل، أن قصف مستودعات الثقافة في غزة قهر لهذه الثقافة ونزع هالة المجد عنها، لكن تاريخ إسرائيل المليء بالاستيلاء والتدمير والتلاعب بالأرشيف الفلسطيني والمحاولات الدؤوب لرمي الفلسطينيين في صحراء نسيان منظمة، يدخلنا من باب آخر لفهم أهمية تدمير الذاكرة والثقافة الفلسطينية بالنسبة لإسرائيل. 

وعلى قدر ما يبدو الاهتمام بالأرشيف في اللحظة التي تتعرض فيها غزة للإبادة، وقوفًا على الهامش، إلا أن أهمية الأرشيف للعدو تكمن في ساحة المعركة السردية والبروباجاندا التي يحاول ضمانها. ولأن الأرشيف سلاح ضد الذكريات الانتقائية، والذكريات الانتقائية هي ما تريده إسرائيل، نتأمل في هذا المقال السيناريوهات التي تحاول بها إسرائيل تفكيك البنى التحتية المعلوماتية الفلسطينية عبر الاستيلاء على الأرشيف، تعمد تدميره أو التلاعب به لضمان استمرار سرديتها.

على طول خط التعمد

تقول ريبيكا نوث في كتابها «Libricide»، إنه في أثناء الحرب قد تُرتكب خطايا السهو، حيث تقع الكتب والمكتبات ضحايا عندما تضل القنابل طريقها.

لكن هذا التكتيك الذي تتحدث عنه نوث، المبني على أغراض دفاعية، لا مقاصد أو أغراض سياسية، لا يتناسب مع القصف الاستراتيجي الذي يشنه الاحتلال الإسرائيلي على غزة منذ 7 أكتوبر الماضي.

يستخدم الاحتلال نظام «حبسورا- habsora» وهو نظام مبني إلى حد كبير على الذكاء الاصطناعي. «حبسورا» ليس مجرد جهاز كمبيوتر يحقق الأهداف التي يتلقاها، إنما هو نظام تعلم ذاتي يستطيع مع الوقت توليد أهداف جديدة، بمعنى أنه إذا تعلم أن قتل المدنيين مقبول، فإن تدمير المكتبات والأرشيفات التي تحتوي على ذاكرة هؤلاء المدنيين مقبول أيضًا. «حبسورا» كما وصفه ضابط مخابرات إسرائيلي سابق لمجلة +972 Magazine الإسرائيلية «يسهل بشكل أساسي إنشاء مصنع اغتيالات جماعية». 

ومع تعرض غزة للإبادة الجماعية الآن، وبحسب نوث، تتطلب الإبادة الجماعية سيطرة تامة على الأدلة أو محوها، لأنها تثبت وجود جماعة أو ثقافة تقف ضد مقترف الإبادة التي تسوق ادعاءات لتبرير التمييز ضد الآخر وإفنائه، يأتي التدمير العمدي للمكتبات والوثائق التي تضفي الشرعية وتعدد الرؤى المضادة لرواية المحتل.

بؤس ثقافي

أضفى النازيون طابعًا منهجيًا على القتل الجماعي وتحطيم القوة الجمالية والثقافية لليهود عن طريق تدميرها والاستيلاء عليها، ومع احتلال بولندا عام 1939، وفي مدن مثل بيدزين وبوزنان، كُلفت فرق إحراق ألمانية بإضرام النيران في المعابد والكتب اليهودية. 

تفسر نوث هذا الحدث بأن الحل النهائي للنازيين لم يكن ليبلغ تمامه عندما يباد اليهود فقط، بل عندما تقع ذاكرة تلك الثقافة الكامنة في بطون الكتب والمكتبات في قبضة الألمان، وتلفظ نصوصها في النهاية لتصبح وثائق مهجورة لثقافة ضائعة.

في النهاية، تفكيك البنى التحتية المعلوماتية هي وسيلة للإخضاع والإعداد لاحتلال طويل الأمد وضم إقليم/أرض على الفور.

فبقصف مكتبات غزة، لا تحذو إسرائيل حذو النازيين فقط، بل تنتج أشكالًا جديدةً من الإبادة الثقافية. يبيد الاحتلال الإسرائيلي إمكانية قراءة الأرشيف الفلسطيني بكل الطرق، كونه لا يترك فرصة للاستيلاء على هذا الأرشيف إلا واقتنصها.

يحتوي أرشيف الدولة الإسرائيلية على نحو 4000 متر طولي من الوثائق الفلسطينية ما قبل عام 1948 تم الاستيلاء عليها من المعهد العثماني والأرشيف البريطاني، بالإضافة إلى أوراق مجمعة من مصر والأردن وفلسطين ومن «أملاك الغائبين»، وعليه، يُقرأ الأرشيف الفلسطيني بشكل مختلف عبر إمعان النظر من خلال المفقود وغير المتسق مع السياق. ومع الاستيلاء ومحاولات محو المكتبات والأرشيفات في غزة، تصبح قراءة الأرشيف أصعب، فضلًا عن شتات الأرشيف المتاح في أماكن متعددة. 

ولا يسعنا إلا أن نتأمل تتبع الباحثة هنا سليمان لأرشيف مركز أبحاث منظمة التحرير وما حدث للأرشيف الفلسطيني بعد اتفاقية أوسلو، كمثال صارخ لنفهم كيف تعمل الوثائق المستولى عليها.

التلاعب بالأرشيف عبر الأرشيف

مع اجتياح الجيش الإسرائيلي لبيروت في سبتمبر 1982، داهمت إحدى وحداته مقر مركز منظمة التحرير الذي أنشأته اللجنة التنفيذية للمنظمة في بيروت-لبنان عام 1965، ونهب الجنود الإسرائيليون محتويات المكتبة نهبًا منهجيًا ولاحقوا العاملين بالمركز في أنحاء المدينة.

وفي فبراير 1983، زلزل تفجير بسيارة مفخخة مبنى المركز، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 14 شخصًا، منهم ثمانية موظفين بالمركز، وجرح نحو 107 آخرين، وسرعان ما أغلق المركز أبوابه للمرة الأولى منذ تأسيسه.

وفي عام 1983، نشر المؤرخ رافائيل يسرائيلي كتابًا بعنوان «منظمة التحرير في لبنان-PLO in Lebanon» انتقى فيه بعناية بعض وثائق منظمة التحرير التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي، وركب سردية تصور إسرائيل على أنها «توغلت» في لبنان «من أجل تحرير سكانه المدنيين في شمال الجليل من تهديد الهجمات المدفعية التي تشنها منظمة التحرير الفلسطينية المتمركزة في لبنان وغارات حرب العصابات». 

يصور يسرائيلي منظمة التحرير الفلسطينية كطفيل فرض نفسه بالقوة على لبنان، وجعله مركزًا لعملياتها الإرهابية ضد الجيش والشعب الإسرائيلي، وعلى طول الكتاب وبصيغ مختلفة، يصف يسرائيلي منظمة التحرير الفلسطينية بـ«الإرهابيين» وأحيانًا بـ«مغتصبي النساء» -دون أي دليل-، وفي فصول متعددة بـ«مستغلي الأطفال»، ونشر إثر ذلك وثيقة بتاريخ 8 مايو 1981 فيها «أمر تعبئة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 لـ39 عامًا، من أجل تعزيز الجبهة ضد العدو».

اختار يسرائيلي بشكل كبير وثائق تعود إلى عامي 1980 و1981، وهي -حسب رأيه- «مخصصة للاستهلاك الداخلي»، وتعكس الأهداف الحقيقية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي باختصار القضاء على إسرائيل. فيقول في كتابه: «لقد قيل وكتب الكثير عن الميثاق الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية، سواء في نسخته الأصلية أو التعديلات التي أدخلت عليه لجعله يبدو أكثر قبولًا لدى الرأي العام الغربي. إن الخلافات حول ما يعنيه العهد، والمفاهيم المعتدلة التي يُحقن بها أو يقرأ فيها أحيانًا ممثلو منظمة التحرير الفلسطينية والمتعاطفون معها في أوروبا، قد أدت إلى تشويش القضايا المطروحة إلى حد كبير وأضعفت المضمون الصريح للوثيقة المناهض لإسرائيل».

كتاب يسرائيلي الذي نشر في الثمانينيات يشبه البروباجندا الإسرائيلية الآن على مواقع التواصل الاجتماعي، فنرى مثلًا فصلًا كاملاً في كتابه يحتوي على خطابات بين مناضلين غير فلسطينيين على سبيل المثال من إيران وكردستان وبنجلاديش والهند انضموا إلى منظمة التحرير على أنها مؤامرة ضد إسرائيل وضد السامية، وحينما لا يجد شيئًا ليتهم منظمة التحرير بكره إسرائيل، يضع يسرائيلي بوسترات أقرب لـ«الميمز» الآن، تصور مثلًا شخصًا فلسطينيًا يقف فوق علم إسرائيل.

يدعي يسرائيلي أن سرديته صادقة بشكل خاص لأنها مبنية على وثائق منظمة التحرير نفسها، وتكشف عن صورة منظمة التحرير كما ترى نفسها.

توضح سليمان في بحثها أنه «هنا يكمن لب المسألة: فالأراشيف لا تخدم إلى الأبد سردية منشئها، بل تؤول إلى خدمة سردية آسرها. عند إنشائها، أريد بالوثائق الكائنة في مكاتب منظمة التحرير أن تخدم الأغراض اليومية، وما إن سرقها الجيش الإسرائيلي، حتى كان قد استخلصها من نطاق إدارة منظمة التحرير ووضعها داخل نطاق سردية إسرائيل».

مر أرشيف منظمة التحرير بسلسلة من المغامرات انتهت بغموض مصيره حتى هذه اللحظة، ومنها عندما دشنت السلطة الفلسطينية، بعد اتفاقية أوسلو، أرشيفًا مؤسسيًا جديدًا همّش كل ما قبله، واختزل فلسطين الكاملة في غزة والضفة الغربية. هذا الأرشيف يحفظ كل ما يخص الدولة الجديدة المبتورة، والآن تم تدمير جزء كبير من أرشيف أحد هذه الأطراف -غزة- المبتورة من فلسطين.

ربما يكون طرح الأسئلة المتعلقة بالأرشيف غير مهمة أمام الإبادة التي تتعرض لها غزة الآن، لكن لا يسعنا أمام إلحاحه إلا أن نطرحه: بعدما تنتهي الحرب، ما نوع الأرشيف الذي سيُسمح بوجوده في غزة؟

مراجع:

1- ريبيكا نوث، إبادة الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين،

ت: عاطف سيد عثمان/ سلسلة عالم المعرفة/ يونيو 2018

2- هنا سليمان، تأملات في الغياب: الأرشيف الفلسطيني من حركة التحرر إلى دولة أوسلو،

ت: م. ف. كلفت

عن الكاتب

مي المغربي

كاتبة وصحافية من مصر. تخرّجت في كلية الآداب من جامعة الإسكندرية - قسم علم نفس عام 2019، وتفرّغت للكتابة بعد عملها لعامين كأخصائية نفسية. كتبت عددًا من المقالات والنصوص والحوارات…

آراء أخرى

رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).