باسم الأم.. الإجهاض في نظر القانون
بعد أن أنجب الزوجان «س» و«ص» ثلاث بنات، شعرا أنهما لم يعد بمقدورهما تربية طفل رابع. يبدو لي من أوراق القضية أن رغبتين متناقضتين كانتا تتنازعهما: الأمل في أن يكون المولود المنتظر ذكرًا، والقلق من أن دخلهما المحدود لا يكفي لتغطية مصاريف كل هؤلاء الأبناء، فاستقرا على الإجهاض.
اختارا يوم الأحد ﻹجراء العملية، لسببين: الأول أنه يوم العطلة الأسبوعية لعيادة طبيب النساء، لذا ستكون خالية ولن يراهم أحد من المرضى أو العاملين. والثاني أنه عطلة مدرسية للبنات. وبالفعل، أرسل الزوجان بناتهما إلى منزل عمتهن، ومعهن ملابس المدرسة ليذهبن إليها في اليوم التالي، متوقعان أن تستغرق العملية يومًا واحدًا، وتعود الأم إلى البيت قبل عودتهن من المدرسة.
لكن ذلك لم يحدث. فالطبيب الذي وافق على إجراء العملية، كان شابًا قليل الخبرة، وافق على إجرائها مساعدةً للزوج، ربما بدافع الشهامة بعدما شكا له الأخير غلاء المعيشة وعجزه عن تلبية مطالب الأسرة، أو مقابل الوعد بدفع مقابل جيد. خلال العملية، ارتكب الطبيب خطًأ تسبب في نزيف المريضة، وحين أدرك حجم الكارثة التي تسبب فيها، استدعى زميلًا أكبر سنًا وأكثر خبرة. وصل الأخير، وحاول إيقاف النزيف دون جدوى، قبل أن ينقلا الزوجة إلى المستشفى، حيث مكثت خمسة أيام، وأجريت لها عدة عمليات جراحية لم تنجح في إيقاف النزيف، ففارقت الحياة في النهاية.
وهكذا، فإن الزوج الذي كان يحاول التخلص من عبء مولود جديد يثقل كاهله هو وزوجته، وجد نفسه أرمل، وبناته الثلاث يتيمات الأم، بل هو نفسه متهم بمساعدة زوجته على الإجهاض، وهي تهمة قد تقوده إلى السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. غير أن محكمة جنايات القاهرة كانت رحيمة به، فرغم إدانته هو والطبيب بتهمتي الجرح المفضي إلى موت والإجهاض، جاء حكمها مخففًا «الحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة، مع وقف تنفيذ هذه العقوبة لمدة ثلاث سنين، وإلزامهما بأن يدفعا متضامنين للمدعين بالحق المدني [والدي الزوجة] مناصفة مبلغ ألفي جنيه على سبيل التعويض والمصروفات المدنية المناسبة ومقابل أتعاب المحاماة».
طعن الطبيب والزوج على هذا الحكم، واستند الزوج إلى المادة 60 من الباب التاسع: «أسباب الإباحة وموانع العقاب» في قانون العقوبات، والتي تنص على ألا تسري «أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتُكب بنية سليمة عملًا بحق مقرر بمقتضى الشريعة». وهي المادة التي تجعل بعض الأفعال المجرمة في قانون العقوبات مباحة بشرطين: أن يكون الفاعل حسن النية، وأن يكون فعله مبنيًا على حق أقرّته الشريعة، وتستخدم كثيرًا في حالة ضرب الزوجة بحجة أن تأديب الزوجة حق منصوص عليه في الشريعة «إعلاء لمصلحة الأسرة على حق الزوجة فى سلامة جسدها».
لكن في حالة الإجهاض، رفضت محكمة النقض تطبيق هذه المادة، معللة رفضها بسببين: الأول أن إباحة إجهاض الجنين الذي لم يتجاوز عمره أربعة شهور ليست محل إجماع بين الفقهاء، بل مختلف عليها بينهم، والثاني أن المادة 60 من قانون العقوبات إنما تبيح الأفعال التي ترتكب عملًا بحق قرره القانون بصفة عامة [مثل تأديب الزوجة]، بينما اختيار الزوجين للإجهاض ليس حقًا يقرّه القانون، وبالتالي يعلو التجريم القانوني على الإباحة الشرعية*.
كما ذكرنا في المقال السابق، فإن تجريم الإجهاض في القانون المصري لم ينشأ من مصدر ديني، فالجدال الفقهي حول نفخ الروح ومراحل الحمل غائب تمامًا في مواد تجريم الإجهاض، بل إن موقع الإجهاض في قانون العقوبات، المستمد من قانون نابليون الفرنسي، وليس في قانون الأحوال الشخصية الذي يتناول القضايا المتعلقة بالزواج والنسب والميراث وغيرها من شؤون الأسرة، وهو الفرع الأكثر تأثرًا بالشريعة الإسلامية في القانون المصري، يبرز الطبيعة الحداثية العقابية لهذا النقاش وبُعده عن الشريعة.
جاءت المواد 260- 264 التي تجرم الإجهاض في قانون العقوبات المصري من ترجمة حرفية للمادة 317 من قانون العقوبات الفرنسي القديم الصادر عام 1810 والذي عُرف بقانون نابليون، وأدرجتها في قانون العقوبات الصادر في 13 نوفمبر 1883 في عهد الخديوي توفيق، وانتقلت نفس النصوص مع تعديلات طفيفة إلى قانون العقوبات الساري حاليًا رقم 58 لسنة 1937.
يعاقب القانون في المادة 260 التعدي الذي يؤدي إلى إسقاط (اللفظ القانوني للإجهاض) الحامل بالسجن المشدد. المواد الأخرى التي يركز عليها هذا البحث تختص بالإجهاض القصدي الذي يتم باختيار المرأة، فالمادة 261 تعاقب مَن يعطي المرأة أدوية أو يستخدم وسائل للإجهاض أو يدلها عليها برضائها أو لا، بالحبس، وهي المادة التي استخدمتها محكمة الجنايات لمعاقبة الطبيب والزوج.
وتعاقب المادة 262 المرأة نفسها التي رضيت بالإجهاض بالحبس كذلك، وقد استخدمت محكمة النقض هذه المادة للرد على دفع الطبيب والزوج بأنهما كانا يلبيان رغبة المرأة المتوفية، فقالت في حيثيات الحكم إن «رضاء المجني عليها بالإجهاض لا ينفي مسئولية من أجهضها ولا من اشترك معه في الإجهاض، بل إن رضاء المرأة بالإجهاض هو في حد ذاته عمل مؤثم بحكم المادة 262 من قانون العقوبات».
وتشدد المادة 263 الحبس إذا كان المُسقِّط طبيبًا أو جراحًا أو صيدليًا أو قابلة، ليصير سجنًا مشددًا (تصل مدته إلى 15 عامًا). أما المادة 264 فتنص على أنه «لا عقاب على الشروع في الإسقاط».
يعد قانون الإجهاض المصري من أكثر القوانين على مستوى العالم تشددًا في تجريم الإجهاض، ففرنسا التي جاء منها القانون ألغته عام 1975، بعد ملاحظتها أن تجريم الإجهاض لا يمنع حدوثه بل يؤدي إلى إجرائه على يد أطباء غير أكفاء وفي ظروف خطرة قد تؤدي للوفاة (كما حدث في هذه القضية). وسبقتها تونس في 1973 بسماح القانون التونسي لأي امرأة راشدة بلغت العشرين بإجراء الإجهاض للحمل غير المرغوب، مهما كانت حالتها الاجتماعية (متزوجة أو عزباء)، بلا مقابل مادي، ودون الحاجة لموافقة أي شخص، بشرط أن يكون عمر الجنين أقل من 3 أشهر.
كما قننت تركيا الإجهاض حتى الأسبوع العاشر منذ عام 1982. ومؤخرًا، قننت الإمارات الإجهاض في حالة الاغتصاب أو زنا المحارم أو بموافقة الزوجين قبل مرور 120 يومًا على الحمل. حتى الدول العربية التي تجرم الإجهاض تسمح باستثناءات أوسع مثل السودان الذي يبيح إجهاض حمل الاغتصاب.
أما القانون المصري، فلا ينص على أي استثناء يبيح الإجهاض، فالاغتصاب حتى لو وقع على طفلة قاصر أو ذات احتياجات خاصة لا يبيح الإجهاض. الاستثناء الذي يستخدم في قضايا الإجهاض هو الاستثناء العام الموجود في المادة 61 من الباب التاسع «أسباب الإباحة وموانع العقاب» في قانون العقوبات، والتي تنص على أنه «لا عقاب على من ارتكب جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس». وتفسر هذه المادة في حالة الإجهاض على أنها تبيح إجهاض الحامل إذا كان الحمل يهدد حياتها أو صحتها.
يعزز هذا التفسير المادة 29 من لائحة آداب المهنة الصادرة عن النقابة العامة لأطباء مصر: «لا يجوز للطبيب إجراء عملية الإجهاض إلا لدواعي طبية تهدد صحة الأم، ويكون ذلك بشهادة كتابية من طبيبين متخصصين، وفي الحالات العاجلة التي تتم فيها العملية لدواعي إنقاذ الحياة يجب على الطبيب المعالج تحرير تقرير مفصل عن الحالة يرفق بتذكرة العلاج». وتشير المقابلات والأبحاث إلى أن بعض الأطباء يوسعون تفسير مفهوم الدواعي الطبية في الممارسة ليشمل السماح بالإجهاض بسبب تشوه الجنين أو معاناته من مشكلات صحية.
رغم تشدد نصوص القانون في تجريم الإجهاض، والعقوبات القاسية التي يفرضها على من تجهض أو من يساعدها، فإن القانون لا يطبق في الواقع، فالجريمة يصعب اكتشافها، كما يشرح رئيس قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، فتوح الشاذلي، في كتابه «جرائم الاعتداء على النفس والأموال» (2002)، ﻷنها تجري بشكل سري، كما في قضية الزوجين «س» و«ص».
لكن حتى في حالة اكتشاف الواقعة، فإن إثباتها أمام المحكمة شديد الصعوبة، فعلى الادعاء أن يثبت أولًا أن المرأة كانت حاملًا، وثانيًا إثبات حدوث الإجهاض، وثالثًا إثبات أنه تم دون ضرورة طبية لإنقاذ حياة المرأة.
يضيف الشاذلي سببًا آخر فهو يشير إلى «أن قلة أحكام الإدانة قد يكون سببها تفهُّم القاضي للظروف الاجتماعية أو الاقتصادية التي قد تدعو بعض الأمهات أو العازبات للإجهاض، الأمر الذي يدفع القاضي إلى محاولة تلمس أسباب البراءة».
في 2015 ، أجرى موقع اليوم السابع مقابلة مع مقرر لجنة آداب المهنة بنقابة الأطباء، أكد فيها أنه لم يتم إحالة أي طبيب للمساءلة بسبب إجرائه عملية إجهاض خلال العام الماضي، مضيفًا: «النقابة تتحرك بناءً على شكوى ترد إليها، فإذا تم تقديم شكوى ضد طبيب يجري هذه العمليات، وتم التأكد منها، سيتم شطبه من النقابة وحرمانه من ممارسة المهنة».
تحضر قوانين الإجهاض فقط عندما تكون مرتبطة بجرائم أخرى، أشهرها وأكثرها انتشارًا هو حالة موت المرأة المجهضة جراء خطأ طبي أو تلوث عيادة الطبيب الذي نفذ عملية الإجهاض غير القانوني، كما تُشير الباحثة داليا عبد الحميد: «عادةً ما تُطبّق العقوبة عند وفاة امرأة نتيجة مضاعفات الإجهاض، واكتشفت السلطات أن طبيبًا هو من أجرى العملية». وقبل قرابة 30 عامًا، سجّل فريق بحثي ملاحظة مماثلة، حيث أفادوا بأن الأطباء الذين أجريت معهم المقابلات أكدوا أن القانون «لا يُطبّق عمومًا إلا في حالة وفاة امرأة أو العثور على جثة».
لكن حتى في هذه الحالة، عندما تموت المرأة، وتكون المحاكمة بتهمتي الإجهاض والجرح المفضي إلى موت، تأتي الأحكام مخففة ولا تعكس تشدد النص القانوني. فكما في القضية التي بدأنا بها وعشرات القضايا الأخرى، التي تم الإجهاض فيها برغبة المرأة لكنها توفيت بسبب خطأ طبي أو تلوث عيادة الإجهاض، كانت العقوبات الموقعة على الطبيب ومن ساعد المرأة على الإجهاض، بسيطة، تراوحت بين ستة أشهر أو سنة سجن، مع وقف التنفيذ في جميع القضايا التي اطلعت عليها.
رغم حدوث آلاف حالات الإجهاض في مصر كل عام دون عواقب قانونية، فإن هذا لا يعني غياب دور مؤثر للقانون. فكما يشير فابريس كاهن (2011) في دراسته عن تجريم الإجهاض في فرنسا القرن العشرين، لا ينبغي الخلط بين انخفاض معدلات الملاحقة القضائية، وعدم الأهمية القانونية. يجادل كاهن بأن القانون غالبًا ما يعمل بشكل رمزي لا قسري، إذ يحدد قواعد السلوك المقبول اجتماعيًا، حتى عندما لا يطبق. يُعزز التجريم القانوني القيم الأخلاقية السائدة، ويقاوم التغيير الاجتماعي، عبر تعريف الإجهاض كجريمة.
بهذا المعنى لا يُعد القانون مجرد أداة للعدالة الرسمية، بل خطاب اجتماعي يُسهم في إنتاج المعايير الأخلاقية السائدة حول الأسرة والأدوار المتوقعة من النساء في المجتمع، كأمهات، عبر تجريم ما ينتهك هذا الدور مثل الإجهاض.
ما سبق وناقشناه عن منهجية دراسة النصوص الفقهية يصلح للتطبيق أيضًا على القانون، فقراءة القانون كقواعد محددة تطبقها المؤسسات التنفيذية والقضائية يحجب كثيرًا من تفاعلاته الأوسع مع المجتمع ومعاييره الأخلاقية والأعراف غير الرسمية وانحيازات الأفراد في السلطة أو خارجها مثل القضاة والأطباء. كي نفهم القانون بشكل أنثروبولوجي، ينبغي دراسته كظاهرة اجتماعية وثقافية، لها تاريخ وعلاقات متشابكة بالمجتمع والسلطة والعرف والممارسة اليومية.
لقراءة السلسلة اضغط هنا
* [الطعن رقم 1193 - لسنة 29 - تاريخ الجلسة 23 / 11 / 1959 - مكتب فني 10 رقم الجزء 3 - رقم الصفحة 952 ]
آراء أخرى
باسم الأم: مقاومة سرية ويومية
«تتعدد الأسباب التي تدفع النساء للإجهاض، لكن الدافع الأكثر حضورًا هو الاضطرار»
باسم الأم: أفعال الطبقة
«يمكن رؤية الإجهاض بوصفه شبكة تتقاطع فيها بوضوح الذكورية والتمييز الجنسي»
باسم الأم.. الحل الذي لا تذكره الدولة
«يتنافى تجريم الإجهاض مع رغبة الحكومة في الحد من الزيادة السكانية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد