تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

باسم الأم.. الحل الذي لا تذكره الدولة

أحمد سمير سنطاوي
7 دقيقة قراءة
باسم الأم.. الحل الذي لا تذكره الدولة

حين كتبت على «فيسبوك» أنني أجري بحثًا عن الإجهاض في مصر، وطلبت ممن لديهم خبرة بالموضوع مراسلتي، وصلتني ردود عديدة أغلبها من أصدقاء أو معارف، لكن رسالة واحدة كانت مختلفة. جاءت من رجل سأطلق عليه اسم «عصام»، ليس صديقًا لي على «فيسبوك»، ولا يربطني به أي أصدقاء مشتركين.

كتب يقول: «في كارثة في مصر إن مفيش دكتور أو مستشفى بيرضى يعمل عملية إجهاض حتى لو كانت أسرة الزوج والزوجة مش عايزين الطفل لأسباب تخصهم والحمل في أوله. يعنى شرع وقانون مفيش مشكلة. لكن مستعدين يعملوها من الباطن بفلوس أكثر وبورق مضروب إن الزوجة عندها مشكلة في القلب».

يبدو عصام في مطلع الأربعينيات من عمره، متزوج منذ 15 عامًا، ولديه طفلتان: الأولى سبع سنوات، والثانية أربع. في عام 2017، وبعد أن أنهت زوجته إجازة طويلة لرعاية طفلتيها وعادت إلى عملها، شعرت بتعب مفاجئ، فأجرت فحصًا لتكتشف أنها حامل في شهرها الثاني. 

يقول: «طبيعى لظروفنا الخاصة ما ينفعش طفل ثالث في التوقيت ده». سألته إذا كانت الأسباب مادية؟

- «كلُه حضرتك.. ظروف شغل الأب والأم، ووجود طفلين في مدرسة، منهم واحدة في الحضانة، وبالتالي مفيش وقت أو مجهود أو فلوس، ولو زوجتي كانت قدمت على إجازة تاني كانوا هايعملوا لها مصيبة في شغلها».

بينما كان عصام يبحث عن حل لمشكلة حمل زوجته، كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يشارك في جلسة حول «رؤية مصر 2030» خلال المؤتمر الوطني الرابع للشباب، حيث احتلت الزيادة السكانية جزءًا واسعًا من النقاش. علّق السيسي على خطة وزير الصحة لتنظيم الأسرة قائلًا: «أكبر خطرين بيواجهوا مصر في تاريخها هو الإرهاب والزيادة السكانية، حطينا الناس اللي بتحاول تقتلنا مع الزيادة السكانية كتحدي بيقلل فرص مصر في إن هي تطلع لقُدام»، مضيفًا أن «مَن لديه عشرة أبناء سيعجز عن تعليمهم وعلاجهم ورعايتهم، بينما أتصور إن اللي عنده اتنين، بالكتير تلاتة، ممكن يقدر يقوم بدوره حتى في الرعاية الإنسانية، إنه يتكلم معاهم وينشئهم تنشئة كويسة».

يتفق عصام والسيسي على كارثية المشكلة: الأب على مستوى أسرته الصغيرة، والرئيس على مستوى الوطن الكبير، وكلاهما يسعى إلى الهدف نفسه: الحد من الزيادة السكانية والاكتفاء بطفلين للأسرة. لكن كيف يتحقق ذلك في الواقع؟ 

لم يجد عصام وزوجته سبيلًا لتحقيق هذا الهدف سوى عبر الإجهاض، إلا أن الدولة تركتهما وحدهما يدوران بين العيادات والمستشفيات التي رفضت استقبالهما، بحجة أن الإجهاض جريمة وغير قانوني، أو أنه حرام. وفي بعض الأحيان، عرضت على الزوجين طرق بديلة خطيرة، منها أن تتناول الزوجة حبوب إجهاض في البيت حتى تبدأ بالنزيف ثم تذهب إلى المستشفى، أو توجيههما إلى عيادات «سيئة السمعة».

في النهاية، توصلا إلى طبيب زوّر لهما تقريرًا طبيًا يثبت أن الزوجة تعاني من مشكلة صحية في القلب، لتجري الإجهاض مجانًا على نفقة التأمين الصحي. يقول عصام: «الموضوع طبيًا سهل جدًا، دخلت الساعة عشرة طلعت الساعة عشرة ونص مثلًا، وفاقت بعدها عادي جدًا وروحنا تاني يوم البيت».

يتماشى هدف الحكومة في الحد من الإنجاب إلى طفلين لكل أسرة مع تفضيلات كثير من النساء المصريات، فبحسب المسح السكاني لعام 2021، يبلغ متوسط عدد الأطفال الذي ترغب فيه النساء 2.14 طفل، أي أقل بنحو 0.7 طفل من معدل الإنجاب الفعلي البالغ 2.85. كان هذا واضح أيضًا في مقابلاتي، فقد أعربت الكثير من النساء عن رغبتهن في إنجاب طفلين فقط، بينما أرادت أخريات تأخير الإنجاب -وهو هدف تروج له الحكومة أيضًا- أو تجنب الإنجاب نهائيًا. وهكذا تتوافق الرغبات الفردية للنساء مع الأهداف الرسمية. 

خلال جلسات المؤتمر الأول للصحة والسكان والتنمية الذي عُقد في العاصمة الإدارية الجديدة عام 2023 بحضور السيسي، عاد الحديث من من جديد عن أزمة الزيادة السكانية. شرح وزير الصحة والسكان، خالد عبد الغفار، أن 13% من احتياجات تنظيم الأسرة في مصر لا تزال غير ملبّاة، وأن طفلًا واحدًا من كل خمسة أطفال غير مرغوب فيه، مشيرًا إلى أن حل هاتين المشكلتين سيكون كافيًا لتحقيق أهداف الحكومة الإنجابية.

يتنافى تجريم الإجهاض مع رغبة الحكومة في الحد من الزيادة السكانية، كما يتنافى مع رغبات المواطنين الذين لا يريدون الاحتفاظ بالطفل ﻷسباب متباينة. كذلك يتعارض مع عشرات الدراسات التي تشير إلى أن تقنين الإجهاض ضرورة، أولًا لحماية صحة النساء والأطفال، مثل دراسة مامفورد وكيسل (1986) التي قارنت بين معدلات النمو السكاني ومعدلات حدوث الإجهاض (القانوني وغير القانوني) في أكبر 116 دولة حول العالم، ولاحظت أن الدول التي تنخفض فيها معدلات الإجهاض الآمن مثل الدول النامية خصوصًا في إفريقيا، ترتفع فيها معدلات وفيات الأمهات والأطفال. وثانيًا، لأن تقنين الإجهاض ضرورة ﻷنه أداة فعّالة وضرورية لتنظيم الأسرة كما تلاحظ دراسة هودجسون (2009) التي خلصت إلى محورية الإجهاض في الحد من الزيادة السكانية، ولا منطقية الفصل بين الأمرين. وثالثًا، تُظهر تجارب الدول المختلفة حول العالم فعالية الإجهاض كأداة لتنظيم السكان وتحسين حياتهم بشكل عام، كما في دراسة مجموعة باحثين في جامعة برشلونة (2018)، حيث تتبعوا المؤشرات السكانية بعد تقنين الإجهاض في إسبانيا عام 1985، ووجدوا أنه أدى إلى انخفاض فوري في عدد المواليد، وعلى المدى الطويل كان لهذا التحول القانوني أثر واضح على تقليل نسب تسرب النساء من التعليم، والزواج المبكر، والطلاق، ورضا النساء عن حياتهن بشكل عام بفضل قدرتهن على تنظيم رغباتهن الإنجابية.

ورغم أن الإجهاض يعد مفيدًا بل ضروريًا لاستراتيجيات الدولة في مواجهة الزيادة السكانية، فإنه لا يظهر أبدًا في هذه الاستراتيجيات، ربما تأثرًا بتوجه عالمي يتجنب اقتراح الإجهاض كوسيلة لتنظيم الأسرة.

لكن الأهم ربما هو الخطاب الداخلي الذي تظهر فيه المرأة دائمًا بصورة الأم، ففي اللحظة ذاتها التي يحذر فيها الرئيس من مخاطر الإنجاب، يرسخ في خطاباته الأخرى صورة المرأة كأم، ضمن خطاب أسري لا تبقى فيه الأمومة مجرد دور اجتماعي، بل إطار متجذّر في السياسات والخطاب العام حول دور النساء في المجتمع. 

من منظور هذا الإطار، يُعتبر الإجهاض فعلًا ينتهك رمزية «الأم المثالية»، وأي فعل ينتهك هذه الرمزية يُعد محظورًا، حتى وإن كان يحقق الأهداف الديموغرافية للدولة. 

تتحكم هذه السردية الأسرية، التي تُحصر فيها النساء في دور الأمومة، في السياسات السكانية، فقد أُعيد تسمية المسح الديموغرافي الرسمي الذي تنشره الحكومة إلى «المسح الصحي للأسرة المصرية» بعدما كان اسمه «المسح السكاني الصحي»، في تأكيد على مركزية وحدة الأسرة. ولا تهدف السياسات الإنجابية إلى تفكيك هذا الإطار المتمركز حول الأسرة، بل تعمل داخله.

يتجلى ذلك في خطابات السيسي، التي كثيرًا ما تُلقي باللوم على الرجال -لا النساء- في كثرة الإنجاب، فيما تُحصر النساء باستمرار في أدوار الأمومة، بينما يُخاطب المواطنون الذكور على أنهم المكلفون بإدارة تنظيم الأسرة والتحكم في الإنجاب.

في ظل هذا الخطاب الأسري المهيمن، الذي يسعى إلى الحد من الزيادة السكانية مع الحفاظ على مركزية الأسرة، يُترك الإجهاض للتنظيم الاجتماعي بصمت، فالقانون يحظر الإجهاض، لكن الدولة نادرًا ما تلاحقه شرطيًا وقضائيًا. 

ويخدم هذا الغموض القانوني غرضًا وظيفيًا، إذ تحل عمليات الإجهاض السري مشكلة الحمل غير المرغوب فيه، دون الحاجة إلى تدخل مباشر من الدولة أو تعديل في التزاماتها تجاه الأسرة ودور النساء الأمومي. والنتيجة هي موقف سياسي متناقض: تُصوَّر النساء على أنهن أمهات، وفي الوقت نفسه يُطلب منهن التوقف عن إنجاب المزيد من الأطفال، لتبقى الأمومة رمزية لا تحتاج إلى التحقق بالإنجاب، بل هي بالأساس أمومة اسمية. 

يكشف موقف الحكومة المصرية (أو غياب موقفها) من الإجهاض عن تناقض بنيوي، فالدولة تمجّد الأمومة وتعتبرها الدور الطبيعي للمرأة، لكنها ترى في المواليد تهديدًا خطيرًا يصل إلى حد مساواته بالإرهاب. وبدلًا من معالجة هذا التوتر من خلال سياسات واضحة، تتجنب الدولة موضوع الإجهاض تمامًا، فلا تُطبّق التجريم القانوني ولا تلغيه لتُشرعن الإجهاض. وفي هذا التناقض تنشأ مساحة رمادية يُترك فيها الإجهاض كحل لمشكلة تتفق حولها الحكومة والشعب، لينظَّم اجتماعيًا في صمت.

وأخيرًا تلعب هذه المساحة الرمادية للإجهاض دورًا في كبح تحول المطالبة بتقنين الإجهاض إلى تحرك علني، فبقاء الإجهاض ممكنًا يعفي الدولة من تحمل مسؤوليته، وفي الوقت ذاته تُلقي الدولة بالمسؤولية على المواطنين، فتُصبح مسؤولية إيجاد سبل لتحقيق تنظيم النسل -الذي يرغب فيه المواطنون والدولة- واقعة على عاتق المواطنين وحدهم، لكنه كذلك يعفي النساء من المطالبة العلنية به ومواجهة الدولة والمجتمع، ليبقى الموضوع خارج النقاش العام، مما يعيد إنتاج سلطة المجتمع على الجسد النسائي من جهة، ويمنع من جهة أخرى انفجار المطالبات الاجتماعية بتغيير القانون.

 .لقراءة السلسلة اضغط هنا

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
أحمد سمير سنطاوي

باسم الأم: أفعال الطبقة

«يمكن رؤية الإجهاض بوصفه شبكة تتقاطع فيها بوضوح الذكورية والتمييز الجنسي»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).