المهم في بيان «العدل الدولية» بخصوص عمليات إسرائيل العسكرية داخل رفح
أصدرت محكمة العدل الدولية بيانًا بخصوص «طلب عاجل بإصدار إجراءات مؤقتَّة إضافية» كانت جنوب أفريقيا قد تقدَّمت به، في 12 فبراير الجاري، بهدف التصدِّي قضائيًا لما أعلنته إسرائيل، خلال الأيام القليلة الماضية، بشأن نيتها تطوير عمليَّاتها العسكريَّة بشكل مكثَّف في الجانب الفلسطيني لمدينة رفح.
في المُجمل، لم تصدر المحكمة إجراءات مؤقتة إضافية، وبالتالي من الممكن قراءة البيان الصادر باعتباره رفضًا لطلب جنوب أفريقيا، إلا أن هذه القراءة قاصرة. تُغفل هذه القراءة أمران، الأول: إقرار المحكمة ضمنيًا بأن إسرائيل قد أخلَّت بالتزاماتها طبقًا لأمر الإجراءات المؤقتة الصادر، في 26 يناير، والثاني: إقرار المحكمة التزام جديد على عاتق إسرائيل وهو «ضمان أمن وأمان الفلسطينيين في قطاع غزة».
في طلبها، تروي جنوب أفريقيا روايةً تتطوَّر فيها الأحداث على إثر قيام الفاعل القوي والمهيمن –الجيش الإسرائيلي ودولته– بشن عمليَّات عسكريَّة ضد رفح، ثم إعلان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، عن خطة لتطوير الهجوم في المدينة بشكل مكثَّف، وما سيصحبه ذلك من عمليات تهجير جماعي. تستعين جنوب أفريقيا بتصريحات وتقارير المؤسسات الدولية الحكومية وغير الحكومية لترسم صورة الوضع الإنساني في رفح، وطبيعة جرائم القتل والدمار والتهجير التي قامت بها إسرائيل بالفعل، والوشيك تفاقمها بشكل خطير للغاية.
من جانبها، تروي إسرائيل في ردها على طلب جنوب أفريقيا رواية مغايرة تمامًا، تظهر فيه جنوب أفريقيا باعتبارها طرف سيء النية يسعى إلى إساءة استخدام القانون الدولي ومؤسساته وتسييسهما. كما ترسم صورة مستقرة تمامًا لسير الأعمال العسكرية في غزة ورفح تحديدًا. مثلًا في خطابها، تقول إسرائيل: «تشير جنوب أفريقيا في طلبها إلى تطور خطير في الوضع في غزة، لكن لا شيء من هذا القبيل يحدث». عن مجرزة 11 فبراير في رفح، تقول إسرائيل إنها كانت عملية محدودة بهدف تحرير رعاياها المحتجزين في غزة. وعن إعلان نتنياهو عن خطة تطوير الهجوم، تقول إسرائيل إنها خطة مربوطة بضمان احترام القانون الدولي الإنساني وعدم الإضرار بسكان غزة أثناء تهجيرهم بشكل يخالف القانون. إذن، لا داعيَ للقلق، هكذا صاغت إسرائيل روايتها للمحكمة.
أما البيان الصادر عن المحكمة، فيقر بثلاثة أمور.
أولًا، ترفض المحكمة بشكل كامل الرواية الإسرائيلية. فلا جنوب أفريقيا طرف سيء النية، ولا الوضع الإنساني كما كان عليه قبل ثلاثة أسابيع عند إصدار أمر الإجراءات المؤقتة، وغير حقيقي أنه ليس هناك ثمة ما يدعو للقلق، ولا إسرائيل طرف لا تشوب رغبته في احترام القانون شائبة، بل على العكس تمامًا. في بيانها، تُعلن المحكمة تبنيها بشكل كامل لرواية جنوب أفريقيا بأن ثمة تطورات قد طرأت على الوضع، وبأنه الوضع الآن «محفوف بالمخاطر»، إذ تنتبه المحكمة «للتطورات الأخيرة» في غزة و«رفح على وجه الخصوص»، وتستعين بتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة المنددة باجتياح رفح. بذلك ترفض المحكمة ما تصوره إسرائيل من أنه «لا شيء غير مسبوق يحدث في رفح، كما تدَّعي جنوب أفريقيا» وأنه ليس هناك ما يدعو للقلق.
ثانيًا، تقول المحكمة إن الوضع الخطير هذا يستدعي تنفيذ أمر الإجراءات المؤقتة الصادر بالفعل، في 26 يناير، أي قبل حوالي ثلاثة أسابيع، وذلك بشكل «فوري وفعَّال»، لكن لا يستدعي إصدار إجراءات إضافية. من ناحية، يمكن قراءة هذا الأمر باعتباره رفضًا لطلب جنوب أفريقيا الرئيسي بإصدار إجراءات مؤقتة إضافية. لكن من ناحية أخرى، بوسعنا قراءة البيان بشكل مختلف ينطوي على إدانة جديدة لإسرائيل. فإذا كان الوضع قد تفاقم عما كان عليه قبل ثلاثة أسابيع، وإذا كان ما يستدعيه الوضع الراهن –الخطير هذا– أن تقوم إسرائيل بـ «التنفيذ الفوري والفعَّال» لما أصدرته المحكمة من إجراءات مؤقتة ضد إسرائيل، إذن نستنتج من هذا أن إسرائيل قد أخلَّت بالفعل بالتزاماتها، وأن ما عليها الآن فعله لوقف الخطر هذا، هو «التنفيذ الفوري والفعَّال» لما صدر بالفعل قبل أسابيع. أيضًا، يمكن قراءة البيان باعتباره توكيد على ما صدر، في 26 يناير، على غرار ما فعلته المحكمة في دعوى الإبادة الجماعية ضد جمهورية يوغسلافيا السابقة بسبب مزاعم الإبادة في البوسنة والهرسك، إذ أصدرت المحكمة أمرًا بإجراءات مؤقتة، في أبريل 1993، ثم عادت، في سبتمبر، من العام ذاته، لتصدر أمرًا إضافيًا كان عبارة عن استدعاء لما كانت أقرته بالفعل في أمرها السابق وتوكيد له. الجديد هنا أنه في حالة البوسنة والهرسك، انتظرت المحكمة أربعة أشهر لتؤكد على أمرها السابق، أما في حالة فلسطين فقد استغرق الأمر ثلاثة أسابيع فقط، ما يشير لخطورة الوضع في غزة بشكل خاص.
ثالثًا، أكدت المحكمة في الفقرة الأخيرة من بيانها على التزام إسرائيل باتفاقية الإبادة الجماعية وببنود الأمر، الصادر في 26 فبراير، «بما في ذلك ضمان أمن وأمان الفلسطينيين في قطاع غزة»، وهو أمر في غاية الأهمية. فقد حاول مناصرو إسرائيل –وأهمهم القاضي الإسرائيلي المعيَّن خصيصًا للمشاركة في نظر القضية (Judge ad hoc) أهارون باراك وذلك في رأيه المنفصل– إعادة سرد الأمر الصادر عن المحكمة، في 26 يناير، بفرض إجراءات مؤقتة ضد إسرائيل، إذ سعى إلى تصوير الأمر وكأن المحكمة لم تدن إسرائيل، وأنها ببساطة قد أشارت إلى التزام إسرائيل بنصوص اتفاقية الإبادة، وهو أمر مفروغ منه في إسرائيل، حالها كحال كل بلدان العالم الخاضعة للاتفاقية، ملتزمة بمنع ومعاقبة وعدم ارتكاب جريمة الإبادة.
الآن، أكدت المحكمة بأن محاولات باراك وغيره كانت مجرد حيلة وجزء من مجهودات «الهسبرا» الإسرائيلية لإعادة كتابة الأمر الصادر. فهناك دولة وحيدة يقع على عاتقها التزام إيجابي بشأن ضمان أمن وأمان الفلسطينيين في غزة: إسرائيل. فأي دولة في العالم ملتزمة بعدم ارتكاب أفعال تؤدِّي الى جريمة الإبادة (سواء ضد الفلسطينيين أو غيرهم)، لكن هناك دولة واحدة يعدُّ مجرَّد امتناعها عن القيام بأفعال محددة من أجل ضمان أمن وأمان الفلسطينيين هو في ذاته قد يشكل جريمة الإبادة الجماعية وهي إسرائيل. نعلم الآن، وبشكل قطعي بموجب البيان الصادر عن المحكمة، أن إسرائيل ليست فقط ملزمة بعدم إتيان أفعال تؤدي إلى الإبادة (negative obligation) مثل أي دولة ملزمة بمثل هذا الالتزام، بل هي ملزمة بإتيان أفعال، أي على عاتقها التزام إيجابي (positive obligation)، وصولًا إلى ضمان أمن وأمان الفلسطينيين في غزة. إذن، إسرائيل وحدها ملزمة بإتيان أفعال إيجابية بهدف ضمان أمن وسلامة الفلسطينيين طبقًا لاتفاقية الإبادة، لأنها وحدها بصدد ارتكاب جريمة الإبادة أو عاجزة عن منعها في حق الفلسطينيين.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد