المقايضة الكبرى.. خيال من داخل الصندوق
قبل ما يقرب من عام، طرح رجل الأعمال المصري حسن هيكل مقترحًا لـ«تصفير الدين المحلي في مصر». ظل المقترح حبيس نقاشات بين قليل من المؤيدين وأغلبية معارضة اعتبرت الحل غير واقعي. وفي الأسابيع الأخيرة، عاد الاهتمام بالمقترح مع حديث رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن إجراءات لخفض الدين خلال الفترة القادمة، ما فتح الباب أمام التكهن بأن مقترح هيكل أضحى ضمن تفكير الحكومة نفسها.
لم تتوفر نسخة مكتوبة مفصّلة للمقترح. لكن الجدل الذي أثاره، وأهمية ملف الديون بشكل عام، تحتم مناقشتها بشكل جدي، وتفكيك الآثار المختلفة لها وتحديد مدى واقعيتها. جوهر الفكرة في ما يتعلق بضرورة إعادة هيكلة الدين المحلي مبدأ اتفق معه، ولنفس الهدف: زيادة الحيز المالي للموازنة العامة عبر خفض ما ندفعه سنويًا من فوائد. إلا أن ما أحاول طرحه لا يتعامل مع الدين بوصفه مشكلة تتعلق بمالية الحكومة فقط، ولكن بوصفه مشكلة هيكلية تعبر عن خلل في النموذج الاقتصادي. ومن ثم، فإن حل مشكلة الدين المحلي أو الخارجي يكون من خلال إجراءات اقتصادية تضمن الاستدامة والخروج من الدائرة الشريرة لإعادة تمويل الدين الخارجي والداخلي في مصر، وهي عملية ساهمت في تفاقم أزمة الديون ومعها الأزمة الاقتصادية في مصر.
في البداية، لنتعرف على مقترح هيكل، والمعروف بـ«المقايضة الكبرى». يهدف المقترح، بحسب هيكل، إلى «تصفير» أو «تخفيض» الدين العام المحلي في مصر، من خلال مبادلة الدين العام المحلي، والذي حدده هيكل بقيمة 11 تريليون جنيه، بأصول مملوكة للدولة. من المفترض، بحسب المقترح، تحويل هذه الأصول إلى صندوق جديد يُنشئه ويديره البنك المركزي المصري. لاحقًا، حدد هيكل قناة السويس كبديل أو مكمل للأصول التي يُفترض أن تنتقل لـ«المركزي»، والتي من المفترض أن تكون قيمتها الإجمالية مساوية للدين المحلي، حوالي 200 مليار دولار، بحسب تقييمه.
بحسب اقتراح هيكل، يستخدم «المركزي» عائدات القناة السنوية التي تؤول إلى الصندوق في دفع فائدة تقارب 5-6% على الدولار، مقابل شطب التزامات الحكومة بالعملة المحلية من ميزانيتها العمومية، مما يُخفض الدين المحلي فعليًا إلى الصفر. يفترض أن يتيح ذلك الحيز المالي المطلوب للإنفاق على التعليم والصحة من خلال إلغاء مدفوعات الفوائد من الموازنة العامة، وهو البند الذي يستهلك ما يقرب من نصف الإيرادات سنويًا خلال السنوات الأخيرة.
يبدو مقترح هيكل للوهلة الأولي جذريًا بشكل كبير. منطقيًا، يبدو أيضًا أن المقترح يمكن تحقيقه. عمليات نقل الأصول تقوم بها الحكومة المصرية بجرة قلم، وتمت بالفعل في صفقات بيع الأراضي مقابل الديون مثل رأس الحكمة. كما أن عمليات إعادة هيكلة الديون ليست حدثًا اقتصاديًا شديد الاستثنائية كما يعتقد البعض.
لكن فحصًا أكثر دقة للمقترح يكشف مجموعة من مشاكله.
أولًا مشكلة الدولرة. عمليًا، يعني المقترح تحويل الفائدة المدفوعة على الدين المحلي من الجنيه، وهو العملة السيادية في مصر التي يمكن ببساطة تخليقها من العدم، وربط مدفوعات الدين المحلي بالدولار، وهي للمفارقة عملة تواجه مصر ما يكفي من المشاكل في الحصول عليها بشكل مستدام. لا يمكن فهم ذلك الجانب من المقترح إلا أنه يدفع في اتجاه دولرة الدين بالكامل، ومن ثم دولرة الاقتصاد بالكامل. هذه إحدى نقاط الغموض في المقترح. ما المنطق، في حالة إعادة هيكلة الدين المحلي بسبب فوائده المحلية المرتفعة، وراء ربط تلك الفوائد بالدولار هي الأخرى؟ هل لدى مصر الحيز الدولاري الكافي أساسًا لذلك؟ بالطبع لا.
عمليًا، يؤدي المقترح إلى نقل عبء الدين من وزارة المالية إلى البنك المركزي، بما يعني إعفاء الموازنة العامة من فوائد الديون، عبر إخراج مصروفات فوائد الدين من الموازنة إلى البنك المركزي. لكن هذا لا يغير من حقيقة أن قيمة الدين ثابتة وتستحق الفوائد عليها، والحكومة -متمثلة في السيناريو الجديد في البنك المركزي- هي من ستتحمل في النهاية هذه التكلفة. ولهذا يبدو المقترح مجرد ألعاب محاسبية إلى حد كبير، ولا تختلف كثيرًا عن المنطق الذي تتبناه الحكومة بالفعل في إدارة المالية العامة، والذي يعتمد على استخدام الهيئات الاقتصادية في إخفاء الدين العام.
توسعت الحكومة المصرية خلال السنوات الماضية في الاقتراض من خارج الموازنة، سواء من خلال الهيئات الاقتصادية أو من خلال البنك المركزي نفسه. يشكل دين الهيئات الاقتصادية، بحسب آخر البيانات، ما يقرب من 13.7% من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، وهو دين تراكم عبر سنوات من الاقتراض بضمان أصول تلك الهيئات مثل هيئة المجتمعات العمرانية وهيئة قناة السويس وغيرها من الهيئات الاقتصادية. بالتالي، فإن نقل عبء الدين خارج الموازنة هو استراتيجية توسعت الحكومة في تبنيها خلال السنوات الأخيرة، وهي استراتيجية ينتقدها هيكل نفسه، لتأثيرها على مبدأ وحدة الموازنة العامة، وهي الخطوة الأولى في معالجة مشكلة عجز الموازنة العامة في مصر، بحسب اتفاق الجميع.
وسواء كان الدين مملوكًا للبنك المركزي أو مضمونًا من قبل وزارة المالية، فهي مجرد مسميات، إذا يبقي في النهاية الدين حكومي محلي يتعلق بتمويل عملياتها الأساسية داخل أو خارج الموازنة.
لكن هذا لا يعني عدم جدوى التفكير في آليات لإعادة هيكلة الدين المتضخم.
هناك مستويات من الضغوط الناتجة عن الدين سواء المحلي أو الخارجي تستلزم فعلًا في حالات كثيرة تنفيذ عمليات إعادة الهيكلة. يشير تقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي إلى أنه خلال المدة من 1999-2024، رصد الصندوق عمليات إعادة هيكلة واسعة للدين تمت في 89 دولة حول العالم. كثيرًا من تلك الدول هي دول جزرية صغيرة، لكن هناك حالات مختلفة في الأسواق الناشئة، يعتبر أهمها الأرجنتين واليونان وقبرص. تحتاج كثيرًا من تلك الدول التي تضطر لعمليات إعادة الهيكلة في الغالب لتكرارها أكثر من مرة. المثال الأبرز على ذلك هو عمليات إعادة هيكلة الدين في الأرجنتين، والتي تمت في 2001 و2014 و2019 على التوالي. وفي المرات الثلاث، كانت التكلفة الاقتصادية لعمليات إعادة الهيكلة كبيرة، ولم تستطع بناء المرونة والصلابة اللازمة لعدم الدخول في أزمات ديون مرة أخرى.
لكن أي نوع من الديون يتم إعادة هيكلتها؟ يوضح الرسم التالي توزيعات عمليات إعادة هيكلة الديون على الأشكال المختلفة من إعادة الهيكلة. يمكن ملاحظة أن عمليات إعادة هيكلة الدين المحلي (DDR) مثلت فقط حوالي 20% من الحالات، فيما بلغت نسبة عمليات إعادة هيكلة الدين الخارجي حوالي 55% من الحالات.

النسبة الكبرى إذًا تتجه لإعادة هيكلة الدين الخارجي. أحد الأسباب هو أن كثيرًا من الدول النامية تعتمد على الديون الخارجية لسد الفجوة الدولارية لديها إذا كانت تلك الدول لا تمتلك موارد دولارية كافية. وبالتالي، تصبح تكلفة الدين الخارجي أكبر على المستوى الاقتصادي. فمدفوعات الفوائد بالعملات الأجنبية تضغط على ميزان المدفوعات، ومن ثم تفاقم من الفجوة التمويلية. لكن، السبب الأهم في أهمية إعادة هيكلة الدين الخارجي وليس المحلي، في رأيي، هو أن الدين المحلي يمكن تخفيض قيمته باستمرار كقيمة حقيقية أو كنسبة للناتج المحلي من خلال التضخم.
يستخدم التضخم تاريخيًا، والذي يحدث مثلًا في حالة خفض سعر الصرف، كأداة غير مباشرة لإعادة هيكلة الدين المحلي من دون الإعلان الصريح عن إعادة هيكلة رسمية، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تآكل القيمة الحقيقية للديون المقومة بالعملة المحلية. على سبيل المثال، كان الدين المحلي في مصر في 2020 حوالي 4.6 تريليون جنيه مصري أي حوالي 295 مليار دولار بأسعار الصرف السائدة وقتها للدولار. أما اليوم تبلغ قيمة الدين المحلي 11 تريليون جنيه، أي نحو 234 مليار دولار بحساب سعر الصرف الحالي. يعني هذا أن القيمة الحقيقية للدين العام المحلي عند حسابها بالدولار انخفضت بالفعل.
يرتبط هذا المسار غير المباشر بما يسمى «الكبح المالي/ Financial Repression» -وهو ببساطة مجموعة من السياسات النقدية والمالية والتنظيمية التي تستخدمها الدولة لتوجيه المدخرات المحلية قسرًا نحو تمويل الدين العام بتكلفة منخفضة، غالبًا على حساب المدخرين والقطاع الخاص، ومن دون اللجوء إلى إعادة هيكلة صريحة أو تخلف رسمي عن السداد.
هناك استراتيجيات عديدة لهذا الكبح المالي. استخدمت الحكومة بعض هذه الاستراتيجيات بالفعل، وأهمها التخفيضات المتكررة للعملة بما يعزز الأثر التضخمي محليًا، ويقلل من القيمة الحقيقية للدين المحلي. هذا إلى جانب إجراءات تتعلق بالتحكم في حركة رأس المال مثل فرض قيود على تحويل العملات أو الاستثمار الخارجي أو تحويلات الأرباح. لكن هناك استراتيجيات أخرى لم تتبناها الحكومة (في محاولة لاستمرار جذب الأموال الساخنة بالأساس)، ومن بينها أسعار فائدة حقيقية سالبة (أي تضخم أعلى من فائدة البنك). في النهاية، الدين هو عمليات تفاوض بين مجموعات مصالح مختلفة قبل أن يكون اختلالًا على مستوى الإيرادات.
لكن عمليات الكبح المالي تلك تتسبب في تكاليف مرتفعة اجتماعيًا واقتصاديًا، كما أن خطرها الأساسي يكون التحول وقت الأزمة لتضخم انفجاري، وبالتالي تضاعف التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لعمليات إعادة الهيكلة غير المباشرة.
ما يجعل فكرة هيكل شديدة المحدودية داخل صندوق الحلول الحكومية هي أنها تطبق بالفعل، لكن بشكل واقعي وعلى الدين الخارجي الذي يحمل مخاطر أكبر كثيرًا من الدين المحلي. تمثل صفقات مثل «رأس الحكمة»، وغيرها، محاولة لإعادة هيكلة الدين الخارجي. في «رأس الحكمة»، تنازلت الإمارات عن وديعة بقيمة 11 مليار دولار كجزء من الصفقة، وهو رقم اختفى مباشرة من الدين الخارجي، قبل أن يعود الدين نفسه للارتفاع مرة أخرى بعد الصفقة من 152.9 مليار دولار، وهو أقل مستوى خلال الأزمة، إلى ما يقرب من 163.7 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من 2025، بحسب أحدث البيانات.
ومن ثم، فإن ما يطرحه هيكل هو تنفيذ عمليات مبادلة الأصول لمرة واحدة، ولكن بدلًا من الدين الخارجي، يمثل الدين المحلي بالنسبة لهيكل الهاجس الأكبر. يبدو أن الهدف المباشر لمقترحه هو التخلص من مدفوعات فوائد الدين المحلي (وإلا لن يكون هناك معنى لنقل الدين للبنك المركزي إذا استمرت الحكومة في دفع نفس الفوائد)، وهو هدف مشروع بالطبع.
تمثل مدفوعات الفوائد هاجسًا للسياسة المالية للحكومة. ويظهر هذا في تكرار الحديث عما يُعرف بـ«الفائض الأولي»، وهو الفارق بين الإيرادات والمصروفات في الموازنة دون حساب فوائد الدين.
نظريًا، يمكن للفائض الأولي أن يساهم في تخفيض الدين العام، لأن زيادة الفائض الأولي يعني احتياجًا أقل للاقتراض. لكن هذه الاستراتيجية لم تنجح تاريخيًا في مصر.
يمكن أن نلحظ هذا من الجدول التالي، والذي يستعرض أهم المؤشرات المالية للعجز الكلي والفائض الأولى خلال سنوات الأزمة. على الرغم من الزيادة المطردة في نسبة الفائض الأولي، إلا أن نسبة العجز الكلي (بحساب فوائد الديون ضمن المصروفات) تزيد هي الأخرى، نسبة وحجمًا.

المصدر : البيان التمهيدي للموازنة العامة 2024-2025
جزء من هذا العجز يأتي بسبب استمرار سياسة الاقتراض نفسها، وجزء آخر بسبب رفع أسعار الفائدة الذي قدمه «المركزي» كحل للتضخم المنفلت بفعل تخفيض العملة. لكن هذا الحل لم يكن في الحقيقة استهدافًا للتضخم، لكنه كان محاولة للحفاظ على تنافسية أدوات الدين المصرية المحلية. يمكن أن يفسر ذلك بشكل كبير زيادة حيازة الأجانب من أذون الخزانة المحلية (أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل)، والتي وصلت لما يقرب من 42 مليار دولار بنهاية نوفمبر 2025، أي ما يعادل 1.9 تريليون جنيه. هذا الحجم الكبير من الأموال الساخنة موجود هنا فقط بسبب ارتفاع الفائدة الحقيقية. كلما انخفضت الفائدة بوتيرة أسرع، ستنخفض معها تكلفة إعادة التمويل للدين المحلي، وبالتالي مدفوعات الفوائد على الدين ككل.
ينقل هذا الحديث إلى هيكل سوق الدين نفسه، والذي تضخم بشكل كبير، وتعتمد عليه قطاعات اقتصادية مهمة أهمها القطاع البنكي. خلال العام الماضي فقط، بحسب بيانات البورصة المصرية، كان إجمالي قيمة التداولات في البورصة حوالي 17 تريليون جنيه خلال 2025، منها ما يقرب من 14 تريليون جنيه تداول على أذون الخزانة. أي أن البورصة تشهد سنويًا بيع وإعادة تمويل كاملة للدين المحلي. كل تلك العمليات ترتبط بمدفوعات من الفوائد والمصروفات الأخرى التي تغذي ربحية القطاع البنكي. ومن ثم يمكن أن نفهم مشكلة مؤثرين في القطاع، مثل هشام عز العرب، مع مقترح هيكل، إذ أن مقترح تصفير الدين العام يعني توقف تلك البنوك كلها تقريبًا عن تحقيق مكاسب طائلة كما حدث خلال السنوات الماضية. يعد تحقيق البنوك لمكاسب ريعية هائلة من تجارة الدين الحكومية خللًا اقتصاديًا هيكليًا بالفعل، إلا أن علاجه لا يجب أن يجري من خلال شل القطاع البنكي بضربة مفاجئة، وإنما عبر عمليات الهيكلة وإعادة الهيكلة للدين العام يجب أن تجري على فترة زمنية طويلة.
في ما يتعلق بإعادة الهيكلة، يحيل هيكل لتجربة اليونان. لكن عددًا من رافضي مقترح هيكل أشاروا إلى اختلاف الحالة بين اليونان ومصر. في الحالة اليونانية، تدخل «المركزي الأوروبي» كضامن لعمليات إعادة الهيكلة، وفرض على الحكومة اليونانية الكثير من الإجراءات قبل هيكلة الدين. كما أن عملية إعادة هيكلة الدين في اليونان شملت الدين المحلي والخارجي معًا.
يعبر استدعاء اليونان عن قراءة خاطئة لما تم خلال أزمة الديون السيادية الأوروبية. فاليونان لم تحل أزمتها من خلال مناورة محاسبية أو إعادة توزيع للديون نحو البنك المركزي اليوناني، بل دخلت أزمة سيادية كاملة منعتها من الوصول لأسواق التمويل الدولية، واضطرت بعدها لطلب المساعدة من صندوق النقد، والذي ضخ مع البنك المركزي الأوروبي 110 مليار يورو (حوالي 48% من الناتج المحلي وقتها). كما أن عملية إعادة الهيكلة في اليونان جاءت شاملة وإجبارية. في بعض الحالات، جري تحميل المودعين في البنوك من حملة الدين خسائر تتراوح بين 50-65% من القيمة الحقيقية للدين.
لكن لا توجد عمليات إعادة هيكلة دون تكلفة كما يعتقد البعض. كانت تجربة اليونان مع إعادة الهيكلة مؤلمة. ورغم الخفض الإجمالي الكبير للدين العام، والذي قدر بـ106 مليارات يورو بعد عمليات إعادة الهيكلة، إلا أنه في المقابل تولدت ديون أخرى بقيمة 30 مليار يورو، فضلًا عن 36 مليار يورو استخدمت لإعادة رسملة البنوك اليونانية، لتصبح القيمة الصافية لخفض الدين حوالي 40 مليار يورو. ورغم كل هذا، لم تؤد تلك الإجراءات إلى نتائج ملموسة على مستوى تحسن ثقة المستثمرين في الديون السيادية في اليونان، كما لم تتحسن الكثير من المؤشرات الاقتصادية الأخرى، ما دفع الحكومة اليونانية للتدخل لإعادة شراء الديون بحلول نهاية 2012، وذلك لمحاولة التقليل من نطاق ارتفاع أسعار الفائدة على الديون اليونانية.
إذًا، وعلى عكس ما توحي به المقارنات، لم تتمكن اليونان من الخروج من أزمة الديون السيادية بتكلفة بسيطة. ولا يمكن أن يكون المقترح المطروح على أنه مقايضة محاسبية شبيهًا باليونان. لم تقم اليونان بعمليات نقل للأصول، وإنما إعادة هيكلة جذرية تحمّل خسائرها جميع الفاعلين الرئيسيين في السوق، سواء الحكومة أو القطاع البنكي والمودعين بشكل أساسي. فالتخفيف الحقيقي من عبء الدين يتطلب تحميل الدائنين خسائر صريحة، وتصميمًا دقيقًا لنطاق إعادة الهيكلة، والاستعداد لتحمل كلفة مالية كبيرة لحماية النظام المصرفي. أما نقل الالتزامات داخل الدولة أو رهن الإيرادات السيادية مثل قناة السويس لا يلغي الدين، ولكن يعيد إنتاجه خارج الموازنة العامة فقط.
كما أن عمليات إعادة هيكلة الدين المحلي بالشكل الشامل الذي يطرحه هيكل تتطلب الكثير من التغييرات القانونية والتنظيمية. فعلي الرغم من أن الدين المحلي يمكن تعديل شروطه بسهولة أكبر من الدين الخارجي، بسبب ميزة القانون المحلي وأحقيته في التطبيق على حملة الدين من المواطنين المصريين، إلا أن ذلك لا ينفي أن حجم التغيرات القانونية والهيكلية المطلوبة كبير جدًا، وتأتي بتكلفة ضمنية تتعلق بالاقتراض في المستقبل. قد تؤدي تلك التغييرات القانونية من قبيل إنشاء صندوق «الأجيال القادمة» تحت مظلة المركزي كضامن للدين، كما يقترح هيكل، إلى تقويض الثقة في الدين نفسه، ورفع كلفة الاقتراض المحلية مستقبلًا. ورفع مخاطر تفضيل تجار الدين لأدوات الدين بالعملة الصعبة، والتي تخضع لقانون أجنبي لما تقدمه ذلك من إمكانية الطعن على إجراءات إعادة الهيكلة أمام المؤسسات الاقتصادية لحل النزاعات. وبالتالي فإن مثل تلك التغييرات يجب أن تتم بعد حساب تلك التكاليف المتوقعة لعملية تخفيض الدين، ومقارنتها بالتأثيرات المختلفة على الدائنين والقطاعات المرتبطة بالدين وأهمها القطاع البنكي.
التفكير في إعادة هيكلة الديون الحكومية مهم لكنه يتطلب فهمًا عميقًا للأزمة الهيكلية للديون في مصر. هناك عاملان مهمان لفهم الأزمة، وهما المدخرات المحلية القليلة، وكذلك ضعف معدلات الاستثمار اللازمة لتوليد معدلات أكبر من النمو. فعلى الرغم من أن سردية الحكومة عن الحاجة للاستثمار لتوليد فرص العمل، والحفاظ على معدلات نمو اقتصادي جيدة تبدو صحيحة، إلا أنها شديدة التكلفة، خصوصًا إذا تم حبس تلك المدخرات في قطاع العقارات والبنية التحتية، بدلًا من توجيهها لقطاعات أكثر إنتاجية.
يظهر هذا بوضوح عند مقارنة معدلات الاستثمار الحكومية (والتي زادت فعلًا بشكل مضطرد خلال العقد الماضي وكانت سببًا أساسية في الاستدانة الواسعة)، وعائداتها على مستويات الدخول الحقيقية. هذه الفجوة لا تُعد مشكلة في حد ذاتها إذا جرى تمويلها عبر تدفقات مستقرة وطويلة الأجل مثل الاستثمار الأجنبي المباشر أو زيادات مستدامة في الصادرات، لكنها تصبح مصدر خطر حين يُغَطَّى الجزء الأكبر منها عبر الاقتراض الخارجي والداخلي.
الدين المحلي ليس نتيجة اختلال محاسبي بين الإيرادات والمصروفات، والمشكلة ليست في جوهرها هي عجز الموازنة الكلي. المشكلة الأساسية هي أن معدلات الادخار أقل من الاستثمار المطلوب لكي ينمو الاقتصاد، وهو ما سينتهي حتميًا إلى اختلالات على مستوى الدين المحلي والخارجي.
يمكن واقعيًا أن تبدأ عملية إعادة هيكلة واقعية للدين المحلي في مصر من خلال تخفيض أسعار الفائدة، ما سوف يدعم مسار نزولي للدين المحلي، لكن الإبقاء على أسعار فائدة منخفضة لفترة طويلة يجب أن يظل هدفًا لـ«المركزي» من أجل تقليل مدفوعات الديون. كما يمكن إعادة التفاوض على مدفوعات الفوائد مع البنوك الكبرى المقرضة للحكومة، وهي أحد أكبر ملاك الديون المحلية في مصر، وزيادة آجال الدفع أيضًا هو شيء يمكن التفاوض حوله بسهولة مع تلك البنوك. والأهم أن تتوقف الحكومة عن استخدام أذون الخزانة بكثافة في الاقتراض والاعتماد على أدوات مالية أطول مثل السندات المحلية.
يمثل الاعتماد المكثف على أذون الخزانة عرضًا كبيرًا لانعدام الثقة في الديون السيادية الحكومية في مصر. ومن ثم، فإن استعادة الثقة في المسار الاقتصادي ككل أمر شديد الأهمية من أجل نجاح عملية إعادة هيكلة الديون، يمكن النظر لإعادة هيكلة الدين المحلي أنه نتيجة لمسار إصلاحي أوسع للاقتصاد المصري، وهو مسار لا مفر منه، لأن إعادة الهيكلة التي تتم في ظل استقرار نسبي، ونمو أعلى، ونظام مصرفي سليم، تكون أقل كلفة وأكثر قابلية للاستدامة. أما القفز مباشرة إلى حلول جذرية من نوع «المقايضة الكبرى» أو نقل الدين بين مؤسسات الدولة، فهو لا يقلل العبء الحقيقي، بل يعيد توزيعه بطريقة أكثر غموضًا، وقد يفاقم المخاطر وبالأخص المتعلقة بالثقة في أسواق الدين المحلية بدل احتوائها.
آراء أخرى
إلغاء الديون السيادية مطلب بيئي
«دعونا نعيد ترتيب الحركة العالمية لإلغاء الدَّيْن السيادي، مع ربطها بالحركة البيئية»
هل ننتظر تعويمًا آخر للجنيه؟
«يطرح بعض المتخصصين فكرة أن الجنيه مقوم بأكبر من قيمته الحقيقية»
أموال لا تنام.. الاستثمارات الساخنة بعد كورونا
«ما هو حجم الاستثمارات الساخنة في مصر؟ وإلى أي مدى تمثل تحركاتها مخاطر على الاقتصاد المصري؟ »
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد