أموال لا تنام.. الاستثمارات الساخنة بعد كورونا
في تقريره الصادر في أغسطس بمناسبة القرض الجديد المقدم لمصر، تحدث صندوق النقد الدولي عن ثلاثة عوامل ساهمت في زيادة احتياج مصر للتمويل الخارجي بعد وباء كورونا، وهي ضعف موارد النقد الأجنبي من السياحة وتحويلات العاملين في الخارج ومن استثمارات الأجانب في الأوراق المالية المصرية والمعروفة بـ «استثمارات المحفظة».
يمكن أن نفهم بسهولة سبب ضعف السياحة وتحويلات العاملين مع الشلل الذي أصاب حركة السفر ورغبة العديد من البلدان في الانغلاق على نفسها حتى لا تصاب بالعدوى، ولكن لماذا يخرج مستثمرو الأوراق المالية من السوق المصري مع أنهم يديرون أعمالهم عبر حواسبهم؟
هذا النوع من الاستثمار يسمى بـ«الأموال أو الاستثمارات الساخنة» بسبب تحركاته المفاجئة في أوقات الأزمات مثل كورونا. وفي حالة مصر يقدر الصندوق أن أكثر من 15 مليار دولار خرجت من استثمارات المحفظة من مصر في مارس وأبريل فقط، وهي أحد العوامل التي قادت البلاد لطلب قرض مرتبط ببرنامج إصلاح بعد فترة قصيرة من إنهاء اتفاق القرض الأخير.
فما هو حجم الاستثمارات الساخنة في مصر، وإلى أي مدى تمثل تحركاتها مخاطر على الاقتصاد المصري؟
أرباح ضخمة من فرق الفائدة
في الفيلم الأمريكي الشهير wall street يُجري قناص الصفقات المحنك (يقوم بدوره مايكل دوجلاس) اتصالًا هاتفيًا بمضارب شاب يطمح لأن يتعلم منه أسرار صنع الثروة.
وبالرغم من أن خيوط الفجر الأولى تبدو في خلفية المشهد، لكن المستثمر الخبير كان متيقظًا لإنجاز صفقات مهمة. يرد الشاب بلسان ثقيل وقد استيقظ لتوه من النوم، فيعطيه دوجلاس درسًا جديدًا في عالم أسواق المال، وهو يقول إن «الأموال لا تنام أبدًا».
استخدم صناع الفيلم، الذي تم إنتاجه في أواخر الثمانينيات، هذا الحوار للإشارة إلى عولمة أسواق المال وحركة صناعة الثروات التي باتت لا تتوقف أبدًا، فقد ينتهي العمل بتوقيت أمريكا ويتم افتتاح جلسة أخرى بعدها ببضع ساعات بتوقيت مصر، ويجب على المستثمر في الأوراق المالية أن يكون يقظًا 24 ساعة لأن استثماراته منتشرة في مختلف أرجاء العالم.
تنطبق حالة المستثمر اليقظ بشكل كبير على نمط من المستثمرين في الديون ممن يُطلق عليهم مستثمري الـ carry trade، وهي الفئة التي سنركز عليها في هذا المقال فيما يتعلق بالأموال الساخنة، بالنظر إلى دورهم المتنامي في الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة.
والمقصود بـ carry trade هو الاستفادة من فارق سعر الفائدة بين بلدين، وعادة ما يكون الفارق بين دول العالم المتقدم والنامي، ففي الوقت الذي تتدنى فيه أسعار الفائدة في بلد مثل الولايات المتحدة، بحيث تقترب من الصفر، فإن مصر وغيرها من الأسواق الناشئة تقدم عائدًا على ديونها يتجاوز هذا المستوى بكثير، يمهد هذا الفارق الطريق أمام المستثمرين للاقتراض بفائدة متدنية من الولايات المتحدة وشراء الديون بعائد مرتفع من بلد مثل مصر.
العائد المرتفع في مصر يقتصر على الديون المقومة بالعملة المحلية (الجنيه) والتي عادةً ما تطرحها الحكومة داخل البلاد عن طريق البنك المركزي المصري، أما الديون المقومة بالدولار (أي الديون التي يجب أن تسددها الحكومة المصرية بالعملة الأمريكية) فالعائد عليها لا يكون بنفس ارتفاع ديون الجنيه.
وتتم ممارسات الـ carry trade بكثافة في سوق أذون الخزانة المصري، وهو سوق تطرح فيه وزارة المالية (عن طريق البنك المركزي) صكوكًا لديون الحكومة، يشتريها المستثمر بأجل محدد، وبعد انتهاء الأجل يكون قد حصل على أصل الدين والعائد، والأذون هي ديون قصيرة الأجل، أي أن أجلها لا يتجاوز العام الواحد.
يمثل هذا السوق إذن فرصة جيدة للغاية للدولة في مصر لكي تجني عوائد دولارية بجهد أقل بكثير مما تحتاجه مثلا لكي تُقنع مستثمرًا غربيًا ببناء مصنع للتكنولوجيا المتقدمة في مصر، أو لإقناع فئة جديدة من السياح بنقل وجهتهم إلى المزارات المعروفة في الأقصر أو شرم الشيخ.
ولكن، هذه العوائد تنطوي على مخاطر كبيرة أيضًا، حيث يسهل للغاية على المستثمر أن يخرج باستثماراته من سوق الديون المصرية، إما عن طريق أن يبيع إذن الخزانة لمستثمر آخر (بنك مصري مثلًا) من خلال ما يُعرف بالسوق الثانوية، أو أن ينتظر حتى ينتهي أجل الدين ولا يقوم بشراءه لمدة جديدة فيما يعرف بـ Roll over.
ويكون قرار المستثمر بالخروج من السوق المصري إما لأنه يشعر بأن أرباحه في مصر ستكون أقل من السابق، أو لأنه يرى فرصًا أكبر للربح في سوق آخر، أو لأن هناك أزمة في بلده الأم وهو يحتاج للسيولة، فالأموال لا تنام أبدًا.. علينا أن لا ننسى نصيحة مايكل دوجلاس.
أزمات متلاحقة
استحوذ المستثمرون الأجانب على حوالي 20% من سوق أذون الخزانة المحلية في مصر خلال الفترة الأخيرة، وهو ما منح تحركاتهم تأثيرًا مهمًا على الوضع المالي، وعلى سعر الصرف أيضًا، فهذا المستثمر منح مصر الدولارات ليشتري ديونًا بالجنيه، وعندما يريد أن يخرج بأمواله من مصر سيطلب تحويل جنيهاته إلى دولار مجددًا، وعلى القطاع المصرفي أن يوفر هذه الدولارات، وإذا عجز عن ذلك سيتدخل البنك المركزي ويوفر الدولار من احتياطي النقد الأجنبي.
إذا نظرنا لاستثمارات الأجانب في الأذون المصرية خلال السنوات الأولى من الألفية، سيظهر تنامي حجم نشاطها بشكل واضح في الفترة من 2005 إلى 2008، لكن السنوات التالية ستشهد العديد من الأزمات التي ستكشف عن هشاشة هذه الاستثمارات واستعدادها للخروج السريع من السوق.
بدأت الأزمات بما جرى في الولايات المتحدة عام 2008 مع إفلاس القطاع المصرفي نتيجة التوسع في إقراض فئات غير مؤهلة للاقتراض، في ما عرف بأزمة الرهون العقارية والتي تحولت لاحقًا لأزمة مالية عالمية.
خلال تلك الأزمة اتجه الأجانب للتخارج من مصر في ظل اضطراب الأسواق العالمية، وما أن استقرت الأوضاع نسبيًا في 2010، وبدأت تنتعش هذه الأموال في مصر مجددًا، حتى بدأ القلق بشأن الوضع السياسي في مصر، وقد تصاعد هذا القلق بطبيعة الحال مع ثورة يناير.
ومع الاضطرابات التي واجهت عملية التحول الديمقراطي كان الدائنون الأجانب ينسحبون تدريجيًا من سوق الأذون المصري، خاصة وأن الجنيه كان تحت ضغوط قوية والكل يتوقع انخفاض قيمته في الأجل القريب، لذا كان الأجانب يتخوفون من شراء ديون بجنيه مرتفع بشكل مصطنع أو من عدم قدرتهم على تحويل أرباحهم للدولار في ظل أزمة نقص العملة الصعبة.
ومع تعويم الجنيه في 2016، والذي تزامن مع رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة بقوة، انعكست سياسات المركزي على أسعار عائد الأذون، مما جذب الأجانب مجددًا بقوة للديون المصرية.
ومنذ تلك الفترة ومصر تنافس الأسواق الناشئة على مركز أعلى دولة من حيث سعر العائد على ديونها، بالرغم مما يعنيه ذلك من إثقال على كاهل الموازنة وما يستلزمه من إجراءات تقشفية.
لم تنتهِ أزمات هذا السوق مع التعويم، ولكنها عادت مرات أخرى، مرة عند انسحاب الأجانب خلال النصف الثاني من 2018 نتيجة اتجاه الولايات المتحدة لزيادة أسعار الفائدة، مع بدء شعورها بالتعافي من تداعيات الأزمة المالية، والمرة الثانية في أجواء الهلع من أزمة كورونا وما أنتجته من حالة شلل في الاقتصاد العالمي.
وكما يظهر من الشكل التالي، الذي يستعرض نصيب الأجانب من الأرصدة القائمة لأذون الخزانة المصرية، كيف واجه هذا السوق خلال السنوات الأخيرة منحنيات صعود وهبوط قوية لاستثمارات الأجانب.

في تقريره الأخير عن مصر، قدر صندوق النقد الدولي أن صافي تدفقات استثمارات محفظة الأوراق المالية خلال العام المالي 2019-2020 كان تدفقًا للخارج بقيمة 7.5 مليار دولار.
والصافي هو الفرق بين التدفقات الداخلة والخارجة، وبالتالي يعني ذلك أن الاستثمارات الخارجة أكثر من المتدفقة للداخل.
وتشمل استثمارات المحفظة تعاملات الأجانب في أذون الخزانة المحلية، بجانب تعاملاتهم في أوراق مالية أخرى مثل السندات وأسهم الشركات.
يمثل ذلك تحولًا عنيفا في تقديرات الصندوق، فقد كان يتوقع قبل أزمة كورونا أن يكون صافي التعاملات تدفقات للداخل بمبلغ 4.4 مليار دولار.
ويبدو أن آثار الأزمة تمتد إلى العام المالي الجاري، 2020-2021، والتي خفض فيها الصندوق توقعاته لاستثمارات المحفظة من صافي تدفقات للداخل من خمسة مليارات دولار إلى 3.5 مليار دولار فقط.
وإذا نظرنا إلى توقعات الصندوق لصافي استثمارات المحفظة على مدى أطول، سنجد أننا لن نعود إلى مستويات 2017-2018 في الأجل القريب، كما يظهر من الرسم التالي.

سياسة العائد السخي
خروج الأجانب القوي من الاستثمارات الساخنة خلال أزمة كورونا يحمل دلالات كثيرة، فهي أزمة لا تقتصر على مصر فقط، وإنما تعكس تحولات كبيرة في الاقتصاد العالمي كانت تجري خلال العقود الأخيرة، ونحتاج لأن نبني رؤية جديدة للتفاعل معها.
تحدثت مدونة لصندوق النقد في أكتوبر الماضي، أي قبل فترة وجيزة من اجتياح الوباء للعالم من شرقه لغربه، عن ظاهرة تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر (أي الاستثمار في عمل إنتاجي قائم مثل بناء مصنع أو مخزن) في الأسواق الناشئة خلال الفترة التالية للأزمة المالية العالمية مقابل زيادة استثمارات المحفظة.
ويقول الصندوق إن الاستثمار الأجنبي المباشر في الشرق الأول وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى تراجع بقوة من بعد 2008 بينما كانت تدفقات استثمارات الأجانب في المحفظة في صعود، واستحوذت المنطقتين على 20% من كل التدفقات الذاهبة لاستثمارات المحفظة في الأسواق الناشئة بين 2016 و2018 بعد أن كان نصيبها نحو 5% قبل الأزمة المالية.
حاولت مصر أن تواكب هذه الموجة لكي تعوض ضعف الاستثمارات المباشرة، ودفعت ثمنًا غاليًا لذلك تمثل في الفائدة المرتفعة وما استدعاه ذلك من تقشف في الإنفاق الاجتماعي لسداد الديون.
لكن العائد السخي على الديون المصرية لم يمنع خروج الأجانب القوي وقت أزمة كورونا، كما جرى في كل الأسواق الناشئة.
وقال الصندوق في تقرير الاستقرار المالي الصادر في يونيو الماضي إنه «بعد استئناف قوي لتدفقات المحفظة إلى الأسواق الناشئة في بداية 2020 مدفوعة بزيادة التفائل بالتعافي الاقتصادي وسط هدوء التوترات التجارية، تبدلت أحوال تدفقات المحفظة الإجمالية بشكل درامي في مارس، مع وجود تدفقات خارجة بأكثر من 100 مليار دولار منذ 21 يناير».
وقد بادر البنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة بعد انتشار الوباء، ولكن الولايات المتحدة قامت هي الأخرى بخفض الفائدة، مما جعل العائد في مصر لا يزال مرتفعًا مقارنة بالولايات المتحدة.
على أي حال، لم يستمر هذا الوضع طويلًا، فقد عاد الأجانب مرة أخرى إلى السوق المصري في يونيو بعد أن اطمئنوا للوضع المالي في مصر، ربما يدعونا ذلك للاطمئنان والتقاط الأنفاس، لكن علينا أن لا ننسى المشكلات الهيكلية التي وضعتنا في مواجهة مع موجة الخروج الأخيرة.
وسيظل الوضع ضاغطًا بالنظر إلى الضعف المتوقع في إيراداتنا من النقد الأجنبي، وفقًا لتقديرات الصندوق ستقتصر إيرادات السياحة خلال العام المالي الجاري على 2.7 مليار دولار، مقابل عشرة مليارات دولار في العام السابق، كذلك ستتراجع تحويلات العاملين في الخارج من 21.6 مليار دولار إلى 18.7 مليار دولار، والصادرات من 46.7 مليار دولار إلى 34.7 مليار دولار.
وعلينا أن لا ننسى أيضًا أن استعادة الأجانب لسوق الأذون لم يكن مجانيًا، ولكنهم عادوا مقابل العائد السخي، والذي يؤثر على أولويات إنفاق الحكومة في الموازنة.
وفقًا للقاعدة الكلاسيكية، تزيد الفائدة عند ارتفاع وتيرة صعود الأسعار بهدف جذب الأموال إلى الودائع البنكية، ومن ثم الحد من قدرة الناس على الشراء وكبح الأسعار، وفي المقابل تنخفض الفائدة وقت هدوء التضخم.
وبالرغم من هدوء حدة التضخم في مصر مؤخرًا، إلا أن المركزي لم يخفض أسعار الفائدة، وقد ربط محللون ذلك برغبته في جذب التدفقات الأجنبية بعائد مرتفع على الجنيه.
في هذا السياق، يقول محلل بالمجموعة المالية هيرميس لوكالة بلومبرج، إن صناع السياسات في مصر قد يتمهلون (بشأن خفض الفائدة) حتى تُظهر مصادر النقد الأجنبي تعافيًا واعدًا.
وأخيرًا، علينا أن لا ننسى أن الاعتماد على الاستثمارات الساخنة بدلًا من الإيرادات الحقيقية يعني أعباء مستمرة من الديون، وهو الوضع الذي تدفعنا إليه أزمة كورونا بشكل أكبر.
يحاول البنك المركزي في مصر أن يقلل من مخاطر تذبذب الاستثمارات الساخنة بأن لا يسمح لها أن تنعكس بشكل كامل على احتياطي النقد الأجنبي، حتى لا يرتفع الاحتياطي بقوة بسببها في أوقات الانتعاش ثم يهوى بعنف.
لكن، ما يتضح من الأزمات الأخيرة هو أن خروج التدفقات بقوة من استثمارات المحفظة يمثل ضغوطًا غير هينة على الاقتصاد، وهو من العوامل التي دفعتنا إلى طلب قرضين من الصندوق، أحدهما stand by agreement وهو نوع من القروض المشروطة بتطبيق سياسات.
النصيحة التي تُقدم في المعتاد للحد من مخاطر الاستثمارات الساخنة، هو تشجيع الإيرادات الحقيقية من الاستثمار الإنتاجي مثلًا أو من النشاط الخدمي مثل السياحة، ولكن في عالم يهيمن عليه وباء كورونا ولا يزال أمامه وقتًا طويلًا للتعافي حتى في حال ظهور المصل بنهاية 2020، يبدو اتباع هذه النصائح أمرًا صعبًا.
لكن، جني الإيرادات الحقيقية لن يكون صعبًا للغاية إذا ما طبقنا إصلاحات حقيقية تعزز من قدرة الاقتصاد الإنتاجي، الالتفات لأنشطة مثل الزراعة ودورها في توفير الغذاء للطلب المحلي المتنامي، الاهتمام بالإنفاق على البحث والتطوير لتعزيز إنتاجنا من التكنولوجيا وتقليل وارداتنا من العالم المتقدم، الإنفاق بشكل أكبر على التعليم لتحسين قدرة الشباب على الوصول لفرص العمل، ومن ثم تعزيز الاستهلاك المحلي، وهي إصلاحات لن تجدها على رأس أولويات الموازنة العامة.
آراء أخرى
إلغاء الديون السيادية مطلب بيئي
«دعونا نعيد ترتيب الحركة العالمية لإلغاء الدَّيْن السيادي، مع ربطها بالحركة البيئية»
هل ننتظر تعويمًا آخر للجنيه؟
«يطرح بعض المتخصصين فكرة أن الجنيه مقوم بأكبر من قيمته الحقيقية»
أكبر موازنة في التاريخ مكبلة بالديون
«لماذا لا نشعر بتغير ضخم في حياتنا اليومية يليق بأضخم موازنة في التاريخ؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد