المقاومة الفلسطينية: «حماس» في الصدارة
خلال أكثر من ثلاثة عقود، لعبت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» الدور القيادي في المواجهة مع إسرائيل على كل الأراضي المحتلة في 1967 وداخل الخط الأخضر. لم يكن هذا الدور منفصلًا عن التحولات الجذرية التي طرأت على منظمة التحرير الفلسطينية وأهم حركاتها «فتح»، ولا منفصلًا عن التحولات في الشرق الأوسط التي وضعت التوجه الإسلامي في صدارة المشهد السياسي.
وبعد السابع من أكتوبر الماضي، عادت «حماس» وجناحها العسكري كتائب عز الدين القسّام، إلى قلب المشهد كقائدة للمقاومة، وكتنظيم قادر على تنفيذ عمليات كبرى، وأصبح الوضع في غزة، والقضية الفلسطينية بشكل عام، في المركز من السياسة العالمية، الأمر الذي يقتضي منّا نظرة فاحصة على هذا التنظيم وقدراته واستراتيجياته.
«الإخوان» في غزة
تأسست حركة حماس في 1987 باعتبارها جناحًا من أجنحة جماعة الإخوان المسلمين. تعود علاقة «الإخوان» بفلسطين إلى منتصف الثلاثينيات، حينما عرض حسن البنا إرسال متطوعين للقتال مع الفصائل الفلسطينية في حرب العصابات في مواجهة مشروع الانتداب البريطاني لرعاية الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وهو العرض الذي رفضه مفتي القدس، وقتها، الحاج أمين الحسيني. وفي عام 1945، تأسس فرع للجماعة في القدس تحت قيادة سعيد رمضان، تلاه افتتاح عديد من الفروع في فلسطين، بلغت 25 فرعًا في غضون عامين. وكان من بينها فرع غزة الذي افتتح في 25 نوفمبر 1946، مع بداية السنة الهجرية 1366. وفي أواخر 1947، عندما أعلنت سلطات الانتداب البريطاني الانسحاب من غزة، بدأ المتطوعون المصريون، بالتعاون مع الفلسطينيين، في شن هجمات على المستعمرات اليهودية بالقرب من القطاع. وفي الأشهر التالية، تسللت مجموعات من «الإخوان» لمساندة الفلسطينيين في حربهم ضد المستوطنين اليهود، ولعبوا أدوارًا في بعض العمليات.
في تلك الفترة، وفد إلى غزة نحو 200 ألف لاجئ نزحوا من المناطق التي احتلتها إسرائيل، لينضموا إلى سكانها الذين كانوا نحو 80 ألفًا. ونتيجة الصدام مع الحكومة المصرية، تم حل الجماعة في مصر وغزة. وأسس الأمين العام للجماعة في غزة ظافر الشوا جماعة التوحيد، والتي تركزت أهدافها في الدعوة والأنشطة الثقافية، إلى جانب تنظيم معسكرات الشباب وتدريب الأكثر إخلاصًا من بينهم على السلاح.
بعدما أطاح تنظيم الضباط الأحرار بالملكية في يوليو 1952 -وكانت غزة آنذاك تحت الإدارة المصرية وفقًا لاتفاق جرى توقيعه في رودس سنة 1949- قاموا بتعيين الشيخ عمر صوان، المنتمي للجماعة، محافظًا للقطاع، ونظّم «الإخوان» نقل المعونات الدورية إلى غزة عبر السكة الحديد، وتوزيعها على السكان. وفي الوقت نفسه، تعهدت الجماعة للحكومة المصرية بمنع تسلل أعضائها للقيام بعمليات داخل إسرائيل، مما دعا عدد من شباب القطاع إلى تكوين جماعات منفصلة عن الإخوان، ومن بينهم خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد).
وفي ظل التعاون بين «الإخوان» و«الضباط الأحرار» ونجاحهم في الحفاظ على منع التسلل من القطاع، عزّزت الجماعة نفوذها داخل غزة، حيث وصل عدد الأعضاء إلى نحو 1000 عضو عام 1954، حينما بدأ العداء بين الطرفين في أعقاب محاولة اغتيال عبد الناصر في المنشية بالإسكندرية. بعدها أُقيل الشيخ عمر صوان، وأصبحت الجماعة في عداء صريح مع النظام الحاكم في مصر، وحدث تعاون في بعض الأحيان بينهم وبين الشيوعيين، واعتقلت السلطات المصرية أعضاء من المعسكرين. كما جرى حظر جماعة التوحيد عام 1958. وتشكلت في العام التالي حركة تحرير فلسطين (فتح) بقيادة ياسر عرفات وصلاح خلف وخليل الوزير، وكان الثلاثة قد توجهوا للعمل في الكويت.
بعد احتلال إسرائيل لقطاع غزة في 1967، اقتصر نشاط «الإخوان» في الضفة والقطاع لنحو 20 عامًا على الأنشطة الدعوية والاجتماعية. في المقابل، تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية في 1964 بمبادرة مصرية، وبقيادة أعضاء «فتح»، واستطاعت تجنيد الآلاف في غزة. لكن الإخوان ظلوا بعيدين عن أي مشاركة في ظل العداء المستحكم مع نظام عبد الناصر. من جهتها، كانت منظمة التحرير متسقة في توجهاتها الوطنية والعلمانية مع المناخ العالمي آنذاك، من حيث انتشار حركات التحرر في آسيا وإفريقيا التي تتبنى الكفاح المسلح وتعتمد على مساعدات من الاتحاد السوفيتي ودول العالم الثالث المعادية للمعسكر الغربي. ولم يكن أي من هذه التوجهات متناسبًا مع مبادئ ولا أهداف «الإخوان».
في تلك الأثناء، كان أحمد ياسين، المولود عام 1939 في قرية الجورة بالقرب من عسقلان، قد انضم لـ«الإخوان» وبدأ يحظى بدعم واسع داخل القطاع. كان ياسين، والذي أصبح قعيدًا بسبب حادث في بداية شبابه، يعمل مدرسًا في مخيم الشاطئ، وكان يؤم صلاة الجمعة في مسجد المخيم، بالرغم من أنه لم يتلق تعليمًا دينيًا، بل درس اللغة العربية والإنجليزية بجامعة عين شمس في مصر. ألقت السلطات المصرية القبض على ياسين في ظل الحملة الأمنية على «الإخوان» عام 1965، لكنه خرج بعد فترة وجيزة حيث لم يكن له نشاط سياسي. وفي عمر الثلاثين، بدأ ياسين في ملء الفراغ التي تسبب فيه اختفاء القيادات الأكبر، سواء بسبب الاعتقال أو السفر. ولم تكن جماعة الإخوان طرفًا في الصراع المسلح في غزة بين قوات الاحتلال وفصائل المقاومة.
أسس الشيخ أحمد ياسين سنة 1973 المجمع الإسلامي، والذي كان يقوم بأنشطة دينية وثقافية وأحيانًا اجتماعية، مثل تنظيم الأعراس الجماعية للتخفيف عن الأسر في القطاع. تسامحت إسرائيل مع هذه الأنشطة، بينما ركزت جهدها في مواجهة جماعات المقاومة المسلحة. وكان من بين قيادات المجمع الإسلامي عبد العزيز الرنتيسي ومحمود الزهار وعبد الفتاح دخان، الذين أصبحوا بعد ذلك من قيادات «حماس». طوّر «المجمع» علاقته مع «الإخوان» في الأردن، في ظل تراجع العلاقة مع «إخوان مصر» الذين أدى تنكيل النظام الناصري بكثير منهم إلى الهجرة للعمل في الخليج. وفي 1979، منحت إسرائيل ترخيصًا رسميًا للمجمع الإسلامي كجمعية خيرية مثلها مثل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. وظل الصراع مع جماعات المقاومة الرافضة للتسوية بين مصر وإسرائيل.
صعود الإسلام السياسي
تحول «إخوان فلسطين» من العمل الدعوي والاجتماعي إلى المقاومة المسلحة في ظل صعود تيار الإسلام السياسي في الشرق الأوسط. فقد تعرض المشروع القومي لضربة قاتلة مع هزيمة 1967. وتلاها أحداث «أيلول الأسود» عام 1970 في الأردن، التي أودت بحياة آلاف المقاومين وأجبرت منظمة التحرير على التوجه إلى لبنان. وفي 1982، احتلت إسرائيل الجنوب اللبناني وأجبرت قيادات منظمة التحرير على التوجه إلى تونس. وفي العام التالي حدث انشقاق كبير داخل منظمة التحرير برعاية سوريا، اتهم فيه المنشقون قيادة «فتح» بالفساد. وبالتوازي مع ذلك، قررت مصر الخروج من الصراع العربي الإسرائيلي مقابل استرداد سيناء عبر اتفاقية السلام سنة 1979، وتغيّر توجه النظام من الكتلة السوفيتية إلى المعسكر الغربي. وبالتزامن مع انهيار المشروع القومي، والانتكاسات التي شهدتها حركة التحرير الوطنية الفلسطينية، نشطت حركات الإسلام السياسي، على اختلاف توجهاتها، في مصر ودول المنطقة، حيث أعطى انتصار الإسلاميين في الثورة الإيرانية دفعة كبيرة لمشروع الدولة الإسلامية الذي أصبح في الإمكان تحققه. وفي هذا السياق، ظهرت حركات مقاومة داخل فلسطين تحمل توجهًا مختلفًا، ومتعارضًا في الأغلب، مع الحركات التي تصدت للاحتلال خلال العقود الثلاثة السابقة.
في أواخر السبعينيات، توجه نشاط المجمع الإسلامي نحو العمل السياسي، الذي ركّز في البداية على التصدي لأصحاب التوجهات اليسارية خاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. ونتج عن ذلك عدة مواجهات بين الطرفين، أبرزها مهاجمة دور السينما والمقاهي والبارات التي قام بها أعضاء «المجمع» عام 1979، عندما خسر مرشحهم انتخابات قيادة «الهلال الأحمر» في غزة، لصالح حيدر عبد الشافي القريب من الشيوعيين. وفي الأعوام التالية، اتخذ «المجمع» نهجًا عدائيًا تجاه «فتح» أيضًا.
على صعيد آخر، تشكّلت حركة الجهاد الإسلامي في 1981 بقيادة فتحي الشقاقي، لتقوم بعمليات مسلحة ضد الاحتلال. وفي هذا السياق، بدأ التحول في توجه نشاط المجمع الإسلامي نحو إسرائيل، حيث كلف الشيخ ياسين عام 1983 مجموعة من كوادر الحركة، هم إبراهيم المقادمة وعبد الرحمن تمراز وأحمد الملح ومحمد شهاب وصلاح شحادة، بتشكيل خلايا عسكرية. غير أن الاحتلال استطاع اعتقال هذه المجموعة ومصادرة السلاح الذي كان بحوزتهم. وجرى القبض على أحمد ياسين في العام التالي، وحكم عليه بالسجن 13 عامًا، لكنه خرج عام 1985 في صفقة لتبادل الأسرى. وفي العام نفسه، تم تأسيس جهاز أمني عسكري باسم منظمة الجهاد والدعوة (مجد)، وترأَّسه يحيى السنوار، القائد الحالي لحركة حماس في قطاع غزة، وجهاز عسكري باسم المجاهدون الفلسطينيون برئاسة صلاح شحادة.
تأسيس «حماس»
في 8 ديسمبر 1987، أدى تصادم شاحنة إسرائيلية مع سيارات تقل عددًا من العمال الفلسطينيين عند معبر إيريز إلى مقتل عدد منهم، وهو الحادث الذي فجّر الانتفاضة الأولى، المعروفة بانتفاضة الحجارة. وفي اليوم التالي للحادث، عقد الشيخ ياسين اجتماعًا في منزله مع ستة قادة بارزين للمجمع الإسلامي، هم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي (40 عاماً). وهو طبيب من سكان خان يونس، والدكتور إبراهيم اليازوري (45 عاماً)، وهو صيدلي من سكان غزة، والشيخ صلاح شحادة (40 عاماً)، وهو موظف في الجامعة الإسلامية في غزة، والمهندس عيسى النشار (35 عاماً)، وهو من سكان رفح، ومحمد شمعة (50 عاماً)، وهو مدرس من سكان مخيم الشاطئ، وعبد الفتاح دخان (50 عاماً)، وهو مدير مدرسة من سكان مخيم النصيرات. وكان هدف الاجتماع دراسة رد الفعل على حادث إيريز، وترتب عليه تأسيس حركة المقاومة الإسلامية والتي اختُصرت في حينه بأحرف ثلاثة هي: ح، م، س، ثم أصبحت «حماس»، ودعا البيان الأول للحركة الوليدة، في 14 ديسمبر 1987، الشعب الفلسطيني إلى الانخراط في النضال ضد الاحتلال، وذُيِّل بشعار «إنه لجهاد.. نصرٌ أو استشهاد». وفي الفترة التالية أنشأت الحركة فرعًا لها في الضفة الغربية، وأصبحت تشارك في الانتفاضة مستقلة عن القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة التي كانت تضم الفصائل المنضوية تحت منظمة التحرير. واقتصرت أنشطة الحركة على الداخل الفلسطيني، بخلاف منظمة التحرير التي كان قسم كبير من أنشطتها ينطلق من الخارج.
يشير ميثاق الحركة الصادر في 18 أغسطس ،1988 وصاغه عبد الفتاح دخان، إلى أن حركة المقاومة الإسلامية «جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين»، ويؤكد على الطابع الديني للنضال الفلسطيني، معتبرًا أن «أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط فيها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها»، كما أن «الوطنية من وجهة نظر حركة المقاومة الإسلامية جزء من العقيدة الدينية». ويرى الميثاق أن حل المسألة الفلسطينية يتحقق بإزالة دولة إسرائيل وإقامة الدولة الإسلامية في فلسطين. ولا يفرق الميثاق بين اليهود والصهاينة، وأن «معركتنا مع اليهود جد كبيرة وخطيرة، وتحتاج إلى جميع الجهود المخلصة». ويرفض الميثاق بحسم المسار التفاوضي، قائلاً إنه «تتعارض المبادرات، وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية»، وإنه «لا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد».
الثابت والمتغير في مسار الحركة
خلال 36 عامًا، شهدت «حماس» تغيرات شملت الخطاب السياسي والعلاقة مع «الإخوان المسلمين» والتحالفات الإقليمية والموقف من الانتخابات وغيرها. لكن ظل هناك عدد من الثوابت تمسكت بها الحركة خلال هذه العقود.
ظل العمل المسلح داخل فلسطين التاريخية -مع دخول الحركة فترات من الهدنة مع الحكومة الإسرائيلية- استراتيجية ثابتة لـ«حماس». في البداية، كان «المجاهدون الفلسطينيون» يمثلون الجناح العسكري للحركة، لكنهم تعرضوا لحملة من سلطات الاحتلال في 1989، بعد عملية أسر جنديين إسرائيليين، بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين. وفي أول يناير 1992، تمت الإشارة للمرة الأولى إلى «كتائب الشهيد عز الدين القسّام». واستخدمت الحركة السلاح الأبيض في «انتفاضة الحجارة»، ثم بدأت تستخدم الأسلحة النارية التي صنعتها بنفسها. ففي 1992، أعلنت الحركة عن حيازة عناصرها مسدس 9 ملم. وبعد ذلك بعام، كشفت عن رشاش باسم «عوزي حماس»، صنّعت منه مئات القطع داخل القطاع. وفي أواسط التسعينيات، طوّرت الأحزمة الناسفة التي اُستخدمت في العمليات الانتحارية. وكانت «حماس» أول حركة إسلامية تستخدم تكتيك العمليات الانتحارية الذي كان قد استخدم في الماضي في فيتنام ومن جانب حركة التحرير الوطنية الفلسطينية. إضافة إلى ذلك، طوّرت الحركة القنابل اليدوية محلية الصنع التي استخدمت في عمليات هجومية ودفاعية.
وفي أعقاب اندلاع انتفاضة عام 2000، ردًا على قيام آرييل شارون باقتحام المسجد الأقصى، أنتجت الحركة العبوات الناسفة محلية الصنع، والتي تحتوي على مواد شديدة الانفجار قادرة على الإضرار بالعربات المصفحة. واتخذت الحركة قرارًا بالمشاركة في الانتفاضة عبر العمليات التفجيرية، والتسلل إلى المستوطنات، والهجمات الصاروخية على المدن والقرى المحتلة منذ عام 1948. كما استهدفت الحركة الجنود والمستوطنين والمدنيين على كل من الأراضي المحتلة في 1967 و1948. وتوسّع استخدام السلاح أثناء الانتفاضة، وأعلنت عن استخدام قذائف «الأنيرجا» المضادة للدروع الخفيفة، ثم مدافع الهاون.
كانت بداية إنتاج صواريخ القسّام في عام 2001، وهي صواريخ قصيرة المدى يتراوح مداها بين كيلومترين و10 كيلومترات. لكن الأجيال التالية من صواريخ القسّام تطورت بحيث أصبحت قادرة على حمل 10 كيلوجرامات من المواد المتفجرة. وتطورت الصواريخ لتصل إلى مسافات متوسطة المدى، نحو 75 كيلومترًا. ومع استمرار عمليات التطوير، استطاعت الصواريخ التي تحمل اسم «عياش 250» الوصول مسافة 211 كيلومترًا عند المنطقة الشمالية لإسرائيل. وطورت الحركة القذائف المضادة للدروع، فصنعت قذيفة «الياسين 105»، واستخدمت أول مرة في 2009، وهي نسخة معدلة من قذائف أر بي جي. وطوّرت الحركة أيضًا الطائرات المُسيّرة، حيث استخدمت في معركة 2021 طائرات «شهاب». وفي الحرب نفسها، أُعلن عن امتلاك طائرة «زواري» التي تتعدد وظائفها من المهام الاستطلاعية إلى التهديف الدقيق، واستُخدمت «زواري» في بداية عملية طوفان الأقصى. ولم تتوقف عمليات تطوير الأسلحة خلال الهدنات التي تم التوصل إليها بين الحركة وإسرائيل.
الاستراتيجية الثانية التي لم تحِد عنها الحركة منذ نشأتها هي رفض المسار التفاوضي. وكانت البداية سنة 1988، حينما أعلن ياسر عرفات إقامة دولة فلسطين من جانب واحد على الأراضي المحتلة عام 1967، فجاء ميثاق الحركة يؤكد أن هدفها إنشاء دولة على كامل التراب الفلسطيني. ورفضت الحركة اتفاق أوسلو، كما رفضت التخلي عن سلاحها مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في 1994، واستمرت في عملياتها مما خلق عداء بينها وبين السلطة. ولم تشارك «حماس» في الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أُجريت في 1996، لأنها كانت رافضة لكل ما يترتب على اتفاق أسلو. وأظهرت قمة كامب ديفيد في 2000 -بين ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والرئيس الأمريكي بيل كلينتون– فشل المسار التفاوضي، حيث رفضت إسرائيل بحسم مطالب الفلسطينيين حول وضع القدس وعودة اللاجئين وإزالة المستوطنات. ورفض عرفات الضغوط الأمريكية لتوقيع اتفاق لا يضمن الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، وهو ما مهّد لانطلاق الانتفاضة الثانية.
تبنت «حماس» بعد ذلك تكتيكًا مختلفًا تجاه العمل السياسي تحت مظلة «أوسلو»، فقررت المشاركة في الانتخابات التشريعية في 2006. وفي حوار مع موقع الجزيرة قبيل الانتخابات، قال القيادي البارز في الحركة محمود الزهار إنه «ليس هناك أي تغير في موقف حركة حماس، ولكن هناك إضافات لمجالات عمل الحركة... مشاركة حماس بالانتخابات تضيف بُعدًا جديدًا باتجاه تصليب المجتمع الفلسطيني ومواقفه تجاه العدو في استكمال برنامج المقاومة». وفازت الحركة بـ74 مقعدًا من 132، في حين حصلت «فتح» على 45 مقعدًا. وبعد رفض الفصائل الأخرى المشاركة في حكومة «حماس»، شكّلت الحركة حكومة منفردة برئاسة إسماعيل هنية في مارس، لكنها قوبلت بحصار إسرائيلي مشدد. وفي فبراير 2007، وقّعت «فتح» و«حماس» اتفاقًا برعاية سعودية لتشكيل حكومة وحدة وطنية، لكن الخلاف تجدد بين الجانبين، وتحول إلى صدام مسلح، انتهى بوجود حكومة لـ«فتح» في الضفة الغربية، وحكومة لـ«حماس» في غزة.
وثيقة المبادئ
وبعد عشر سنوات من الحصار على غزة، وتعدد أشكال التطبيع مع الدول العربية، صدرت «وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس» في 2017 لتحمل تغيرات واضحة في لغة الخطاب، وشهدت غياب بعض جوانب الاستراتيجية النهائية. بينما استمرت الوثيقة في التأكيد على أن حدود فلسطين من النهر إلى البحر، إلّا أنها أعلنت موافقة مرحلية على إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 في مقابل هدنة عشر سنوات. وعلى خلاف ميثاق 1988، أكدت الحركة أن «الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعًا مع اليهود بسبب ديانتهم». وبينما ركّزت على أهمية الحركات والدول الإسلامية، قالت وثيقة المبادئ إن الحركة «ترحب بمواقف الدول والمنظمات والهيئات الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، وتحيّي أحرار العالم المناصرين للقضية». كما تضمنت وثيقة المبادئ خطابًا مساندًا لنضال شعوب العالم من أجل التحرر، حيث تقول إنها ترفض «محاولات الهيمنة على الأمة العربية والإسلامية، كما ترفض محاولات الهيمنة على سائر الأمم والشعوب، وتدين أيّ شكل من أشكال الاستعمار والاحتلال والتمييز والظلم والعدوان في العالم». كما لم تُشر وثيقة إلى العلاقة مع «الإخوان»، ولا إلى هدف إقامة الدولة الإسلامية. واختلفت لغة الخطاب جوهريًا عنها في ميثاق 1988، الذي سيطرت عليه اللغة الدينية والآيات القرآنية بصورة واضحة، وهو ما تجنبته الوثيقة الأخيرة التي ركزت على الأهداف العملية.
لا يبدو أن الوثيقة تحمل تغيرات استراتيجية بقدر ما تعكس استجابة لمستجدات المنطقة، ومحاولة للتعامل مع التحديات التي واجهتها خلال 10 أعوام من الحكم المنفرد في غزة. فمن المؤكد أن إسرائيل ليست على استعداد لقبول اقتراح الهدنة مقابل دولة على حدود 1967، لكن الطرح يمثل مسعى لإظهار المرونة، وزعزعة الحصار المفروض على القطاع. من ناحية أخرى، فإنه من غير المفيد إعادة التأكيد على الارتباط بجماعة الإخوان في ظل حالة التفكك والضعف التي يواجهها التنظيم الدولي للإخوان، والعداء المستحكم مع النظام الحاكم في مصر، التي تلعب دورًا أساسيًا في المفاوضات بين الحركة وإسرائيل، وبينها وبين الفصائل الفلسطينية الأخرى. ويهدف تطوير لغة الخطاب بعيدًا عن الرطان الديني والطائفي إلى توسيع قاعدة التأييد للحركة خارج المنطقة، عبر طرح نفسها كحركة تحرر وطني.
قيادات الحركة
اغتالت إسرائيل عديدًا من قيادات الحركة منذ بداية الألفية. فقامت في يوليو 2002 بقتل صلاح شحادة، مؤسس «المجاهدون الفلسطينيون»، أول جهاز عسكري للحركة، واغتالت القيادي البارز إسماعيل أبو شنب في أغسطس 2003. وفي فجر 23 مارس 2004، قتلت الشيخ أحمد ياسين ومساعديه بهجوم صاروخي على كرسيه المتحرك قرب منزله.
تولى عبد العزيز الرنتيسي قيادة الحركة بعد اغتيال أحمد ياسين، وهو من مواليد ريف عسقلان ولجأت أسرته إلى قطاع غزة بعد حرب 1948. ودرس الرنتيسي الطب في جامعة الإسكندرية، قبل أن يعود إلى القطاع منتصف السبعينيات. جرى اعتقاله عدة مرات من جانب إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وأطلقت مروحية إسرائيلية صاروخًا على سيارته في 17 أبريل 2004. وبعد اغتياله امتنعت الحركة عن إعلان رئيس لها.
تولى خالد مشعل رئاسة المكتب السياسي للحركة في 1996، وتعرض في العام التالي لعملية اغتيال فاشلة في عمان على يد عميلين للموساد. واعتقل في 1999 في الأردن بعد عودته من إيران، وبعد ذلك أُبعد إلى قطر في العام نفسه، ثم اختار الإقامة في دمشق مع التردد على الدوحة من حين إلى آخر. ترك مشعل دمشق بعد اندلاع الثورة السورية التي أيدتها «حماس»، واستقر في الدوحة بصورة نهائية. وفي أبريل 2013، أعادت «حماس» انتخاب خالد مشعل رئيسًا لمكتبها السياسي بالتزكية، خلال اجتماع لمجلس الشورى المركزي -الذي يمثل الحركة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات- في القاهرة. وفي مايو 2017، انتُخب إسماعيل هنية رئيسًا للمكتب السياسي للحركة.
تعود أصول أسرة إسماعيل هنية إلى عسقلان، لكنهم هاجروا إلى غزة وقت النكبة. درس في الجامعة الإسلامية وكان على علاقة وطيدة بالشيخ أحمد ياسين. اعتقلته السلطات الإسرائيلية عدة مرات، ونفته مع الرنتيسي وآخرين إلى منطقة مرج الزهور في جنوب لبنان عام 1992. ترأس إسماعيل هنية «قائمة الإصلاح والتغيير» التي فازت في انتخابات 2006، وتولى رئاسة الحكومة الفلسطينية في فبراير من ذلك العام. أقاله رئيس السلطة الفلسطينية في يونيو 2007، وظل يشغل منصب رئيس الوزراء في حكومة حماس في غزة حتى 2017.
أسس يحيى السنوار منظمة الجهاد والدعوة (مجد)، وهي الجهاز الأمني الموازي لتنظيم المجاهدون الفلسطينيون، وتركزت مهمته في تتبع العملاء، والقيام بعمليات استخباراتية تجاه إسرائيل. وفي يناير 1988، حكم عليه بالسجن مدى الحياة أربع مرات إضافة إلى السجن 30 عامًا بتهمة تأسيس جهاز أمني والمشاركة في تأسيس تنظيم المجاهدون الفلسطينيون. أُفرج عنه في 2011، فيما عُرف بـ«صفقة شاليط». وفي العام التالي، فاز بعضوية المكتب السياسي للحركة، وتولى مسؤولية الإشراف على الجهاز العسكري لكتائب عز الدين القسّام. ووضعته الولايات المتحدة على قائمة الإرهاب مع محمد الضيف القائد العام لـ«القسّام»، كما وضعته إسرائيل على رأس قائمة المطلوبين للتصفية. وانتخب رئيسًا للمكتب السياسي لحماس في غزة خلفًا لإسماعيل هنية.
العلاقات الخارجية
في السنوات الأولى لتأسيس «حماس»، تمتعت الحركة بعلاقة جيدة مع المنظمات الإسلامية في الخليج وخاصة السعودية، التي كان بعض قيادات وأعضاء «الإخوان المسلمين» قد توجهوا إليها أثناء حكم عبد الناصر. لكن بعد فترة وجيزة، تعززت علاقة الحركة بالمعسكر الذي تقوده إيران، حيث قدّم لها الدعم المالي والعسكري، وافتتحت الحركة مكتبًا لها في طهران. تمسكت «حماس» خلال مسارها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكن تم خرق هذا المبدأ بإعلان تأييد الثورة السورية في 2012، مما خلق توترًا مع دمشق استمر عدة سنوات. حافظت الحركة على علاقة متوازنة بمصر، التي ظلت وسيطًا أساسيًا خلال المساعي للوفاق مع «حماس» وللمفاوضات بين الحركة وإسرائيل، حيث وقعت أربع حروب منذ 2008. وفي 2013، تدهورت العلاقة مع مصر بسبب عداء النظام الجديد لـ«الإخوان»، لكن سرعان ما عادت القاهرة للعب دور الوساطة بين الحركة والأطراف الأخرى. من ناحية ثانية، تحظى الحركة بعلاقة وثيقة مع قطر التي تمول رواتب الموظفين في حكومة حماس، ولدى المكتب السياسي للحركة فرعًا في الدوحة منذ 2012، وأصبحت تلعب أدوارًا متزايدة في التفاوض بسبب علاقاتها الجيدة بالولايات المتحدة والغرب.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد