تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس (1-5)

أحمد ع. منصور
12 دقيقة قراءة
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس (1-5)

كانت أنظار العالم ملتفة حول «إكسبو دبي 2020»، حين كنت أزور معرضًا في الطرف الآخر من المدينة الإمارتية يحمل اسمًا مشابهًا «كريبتو إكسبو» أو معرض العملات الرقمية. 

كنت مدفوعًا برغبة لفهم هذا العالم الجديد، بعد أن شهدت أصدقائي، واحدًا تلو الآخر، يودعون المزيد من مدخراتهم في منصات العملات المشفرة. سمعت ذات مرة من أحدهم مصطلحًا شائعًا بينهم: When Lambo؟ أي متى ستشتري اللامبورجيني؟ هل اشتريت عملة جديدة واعدة لا أحد يعلم عنها شيئًا بعد، إذًا، متى ستشتري اللامبورجيني؟ استثمرت في مشروع بهذا المجال مبكرًا.. متى ستشتري اللامبورجيني؟ سعر البتكوين تضاعف.. متى ستشتري اللامبورجيني؟ 

في السؤال مزج بين الكناية والمباشرة. الكناية تكمن في أن شراء العملات المشفرة طريق للثراء السريع، والمباشرة تعود لكون اللامبورجيني الوسيلة المفضلة لفصيل من المليونيرات الجدد لإعلان نجاحهم. لم أفهم حقًا مغزى المصطلح، بشقيه، حتى زرت المعرض. 

هنا قلب الاقتصاد الجديد، وكعبة رواد الكريبتو. هنا مجموعة من السويد تُبشر بابتكار ثوري يستخدم تقنية البلوكتشين في منافسة الخدمات السحابية لأمازون. مجموعة من الهند تُروج لمنصة تداول تغني عن كل منصات العالم الآن ومستقبلًا. شركة من بريطانيا تُطلق أول مجلة ورقية متخصصة في العملات المشفرة. عارضات أزياء يسوقن العملات الجديدة للمراهقين على تيكتوك. مجهولون يتحدثون عن «توكنز» تعطي لأصحابها دخلًا شهريًا مدى الحياة، ولا تعرف كيف. سماسرة عقارات يبيعون فيللًا فاخرة بجزيرة يونانية معزولة، ويقبلون الدفع بالبتكوين. باعة رسوم رقمية عجيبة  لصقور وخراتيت وأيائل وكلاب بحر ووحوش خيالية.. يسمونها NFTs، ويقسمون أن سعرها سيتضاعف خلال أسابيع قليلة. 

وإلى جانب ذلك كله، أرى المشهد المقصود. مرآب السيارات الفاخرة يعج باللامبورجيني، والفيراري، والمازيراتي، والبورشه، والأودي، والأستون مارتن، وكل أنواع السيارات الخارقة المصطفة جنبًا إلى جنب. تغوي القادمين: هنا فرصتكم كي تحجزوا مكانًا بجانبنا.

بعد عدة ساعات من الطواف داخل أجنحة المعرض الذي عج بأكثر من عشرة آلاف زائر، أشعر بالحاجة إلى لحظة هدوء وتأني، والانعزال عن السوق الصاخب، وفهم كيف بدأ الأمر كله. 

الملك والكتابة 

في عالم الكريبتو، السياسة والتكنولوجيا وجهان لعملة واحدة. لا يمكن فهم الجانب التقني دون الجانب الفكري والعكس. وقبل أن تسود أحاديث المضاربة والربح، كانت العملات الرقمية فكرة يوتيوبية، تهدف إلى تحرير البشر من سيطرة الحكومات وفساد المؤسسات المالية، وعبث البنوك المركزية. 

نشأت فكرة العملات الرقمية من قلب حركة الـ «سايفربانك» Cypherpunk التي نبتت جذورها في ثمانينيات القرن الماضي، واهتم أعضاؤها من المبرمجين وعلماء الكمبيوتر والنشطاء بنشر تقنيات التشفير والحفاظ على الخصوصية ومنع التلصص بين عامة الناس، لمقاومة القدرات المتزايدة للحكومات في الرقابة والتتبع. كانت الحركة تؤمن أنها إن استطاعت خلق نقود موازية، لا يصدرها بنك أو دولة، فستنتهي قدرة المؤسسات المركزية على مصادرة الأموال أو فرض الضرائب، ومن ثم تنهار سطوتها. 

هذه العملة الافتراضية ستكون محصنة من تقلبات البنوك المركزية التي قد تُفقِد الأموال قيمتها بين عشية وضحاها، مثلما حدث من قبل في فنزويلا أو يحدث الآن في لبنان. والأهم، لن يكشف متداول هذه العملة هويته الشخصية، بل سيحتفظ بخصوصيته، بعيدًا عن أعين الأخ الأكبر.

فكريًا، كان أغلب أعضاء الحركة، يعتنقون الفردية الجذرية Libertarianism، أو نسختها الأكثر تطرفًا، الفوضوية الرأسمالية Anarcho-Capitalism، التي ترى في الحكومات شرًا مطلقًا، وأن قواعد الملكية الخاصة واليد الخفية للسوق وقوانين العرض والطلب كافية لتنظيم المجتمع دون أي حاجة إلى سلطة مركزية. 

يقول مانيفستو «أناركية الكربتو» الذي تداوله أعضاء الحركة على نطاق واسع إن الحكومات ستحاول أن تُبطئ من تبني هذه التكنولوجيا، متعللة بإمكانية استخدامها من قِبل تجار المخدرات والمتهربين من الضرائب، وستسمح بتداول أسرار الدول بسهولة، وانتقال السلع الممنوعة وغير القانونية. إن وجود سوق رقمي، هوية المشاركين فيه مجهولة، قد يخلق أيضًا سوقًا للقتلة المأجورين والمبتزين، لكن ذلك لن ينجح في وقف انتشار أناركية الكريبتو. 

هم كانوا يعلمون المخاطر والتحديات، ومثل كل المغامرين والثوريين، مضوا قُدُمًا. 

نجاح هذا المشروع السياسي والمالي الجريء يحتاج إلى تقنية تحقق هدفين: الأول هو منح القدرة للأفراد على خلق عُملة محددة القيمة، يمكن للأفراد صناعتها في منازلهم دون الحاجة للدولة، ويتفق الناس على تداولها، وغير قابلة للتزوير. أما الثاني، فهو إنشاء بنية تحتية تُمكن الأفراد من تبادل هذه العملة مباشرة، دون وسيط. 

في 2008، عقب الانهيار الاقتصادي العالمي الذي زعزع الثقة في النظام المالي القائم، استطاع ساتوشي ناكاماتو، وهو الاسم المستعار لمبرمج مجهول، أن يمزج عدة تقنيات لم يكن لها علاقة ببعضها كي يصنع ابتكاره الشهير الذي حقق الهدفين معًا: البيتكوين. 

سعر السخام

في تسعينيات القرن الماضي، كان الإيميل قد انتشر، ومعه استغل المعلنون رُخص ثمن التقنية الجديدة لإرسال ملايين المنشورات الدعائية عشوائيًا. تروي الباحثتان سينثيا دورك وموني ناور أن إحداهما عادت من إجازتها، فوجدت 241 رسالة إلكترونية في انتظارها، أغلبها سخام غير مرغوب.

اقترحت العالِمتان حلًا، وهو أن يحدد صاحب كل بريد إلكتروني قائمة من العناوين الموثوقة التي يسمح لها بمراسلته مجانًا. أما من هم خارج القائمة، فلا يحق لهم إرسال إيميل إلا بعد أن يدفعوا ثمنًا يثبت جديتهم. 

هذا الثمن، لن يكون بالدولار أو اليورو، بل من خلال إجبار كمبيوتر المُرسِل على حل معادلات رياضية معقدة، تمنحه في المقابل حق الإرسال. رسالة واحدة لن تكلف الكثير، فعلى المُرسِل أن ينتظر حتى ينتهي جهازه من حل معادلة، قد تطيل أمد الإرسال من ثانية واحدة إلى عشر ثوان مثلًا. 

لكن هذا الثمن سيتضاعف حال إرسال مئات الآلاف من الإيميلات في وقت واحد. سيضطر المُرسِل وقتها أن يسخر جهازه لفترة طويلة قد تمتد لأيام، وسيصاحبها فاتورة كهرباء مرتفعة، فكلما اضطرت الكمبيوترات لاستخدام كامل قواها الحاسوبية أمام معضلة صعبة، كلما زاد استهلاكها للطاقة. 

في هذا الاقتراح، تصبح الطاقة الكهربائية المستهلكة لحل مسائل رياضية معقدة «قيمة» يدفعها فرد لآخر ويقبل بها الطرفان، وهي قيمة غير قابلة للتزوير أو خلقها من العدم، ولا تحتاج لوسيط.

على مدار السنوات، تطورت هذه الفكرة بعيدًا عن غرضها الأصلي، لتسفر عما يسمى «خوارزمية دليل العمل» Proof of Work، التي سيستخدمها ساتوشي ناكاماتو أساسًا لأول عملة رقمية في التاريخ.

نشأة البلوكتشين

أصبحت هناك قيمة يُمكن لأي فرد أن يصنعها في بيته، دون حاجة لحكومة تصدرها، أو صاحب عمل يمنحها آخر الشهر، بقيت البنية التحتية لتداولها، وكان الحل في البلوكتشين أو سلسة الكتل. 

باختصار، سلسلة الكتل هي تقنية حفظ تشبه سجلًا علنيًا، تُحمى المعلومات بداخله من التلاعب، دون الحاجة لتشفيره. هذه التقنية لا تخفي المعلومات أو تجعلها سرًا يستحيل الوصول إليه إلا بكلمة سر، بل هي تترك السجل مفتوحًا ومتاحًا للجميع، لكن المعلومات بداخله مربوطة ببعضها، فيستحيل تغيير معلومة واحدة في السجل دون كتابته كاملًا من جديد.

نشأت هذه التقنية في الأصل بهدف منع تزوير الوثائق الإلكترونية، خاصة براءات الاختراع. قديمًا، كان الباحثون يسجلون يومياتهم في المعمل وتفاصيل تجاربهم بدفتر خاص، صفحاته مربوطة بدبابيس محكمة، مرقمة، وبها مكان ثابت للتاريخ والوقت. بذلك، يسهل على العالِم أن يثبت ملكيته لبحثه وتسلسله المنطقي، إذ يصعب التلاعب بهذا الدفتر بالإضافة، أو الحذف، أو الكشط،، دون ملاحظة مواضع تزويره. 

لكن يمكن بالتأكيد فعل كل ذلك في ملف إلكتروني دون أثر على الإطلاق، فما الحل؟

في 1991، ناقش عالِما الكمبيوتر، ستيوارت هابر ودابليو ستورنيتا، هذه المشكلة في ورقة علمية تقترح إنشاء جهة تُسمى «خدمة الختم الزمني المركزية» يرسل إليها الباحثون مستنداتهم، فيحصلون على ختم إلكتروني يوثق البراءة بتاريخ ووقت واضحين. وأي تعديل على المستند يتطلب الحصول على ختم آخر، بزمن جديد. في حال تنازع اثنين حول أسبقية الوصول لبراءة اختراع، يمكنهما اللجوء للخدمة، للبت بينهما.

من أجل حماية الوثائق من التزوير والتلاعب، اقترح الباحثان ألا يحتفظ المكتب بنص براءات الاختراع نفسها، بل استبدالها برمز طويل يعبّر عن محتواها، وهو الرقم المعروف باسم Hash. الهاش هو مجموعة من الأرقام والأحرف المصطفة جنبًا إلى جنب، لتعبّر عن نص بعينه. أي تغيير في حرف واحد بالنص الأصلي، ينتج عنه هاش جديد كلية. على الإنترنت العديد من المواقع التي توفر خدمة مجانية لإنتاج الهاش لمَن يريد التجربة.

 كلمة madamasr مثلًا، سينتج عنها هذا الهاش:

CEB19A1CDEBC3F7833090D9E513EE61827B2DBDB

أما mada masr، بعد إضافة مسافة في المنتصف، سينتج عنها:

1ABCC39E864FE409EF682EB6EAA92D96B576CBE9

أما لو وضعنا النص التعريفي الطويل للموقع الموجود في قسم «من نحن» سينتج عنه:

DA24F661B47F4C9FFA3B6D2AAE0E6CF16888799B

للهاش خاصيتين هامتين. أولًا، هو يظل بنفس عدد الحروف والأرقام دون التأثر بطول النص، سواء كان كلمة واحدة أو آلاف الكلمات. والثاني، أن إنتاج الهاش سهل، لكن فكّه وتفسيره مستحيل. يمكن في لحظات تحويل اسم إنسان أو سلسلة تداولات مالية أو ثلاثية نجيب محفوظ إلى هاش، لكن يستحيل النظر لهذه السلسلة من الأرقام والحروف، واستنتاج الاسم أو كلمات الرواية. بهذه التقنية، يستقبل مكتب الختم الزمني الوثيقة ويمنحها هاشًا، ويختمه زمنيا ويرسله للباحث، بدلًا من الاحتفاظ بالوثيقة نفسها، فيضمن الجميع أن التلاعب في محتوى الوثائق مستحيل.  

لكن بقي السؤال الأهم، الذي عبّر عالِما الكمبيوتر عنه بمثل روماني: ​​Quis custodiet ipsos custodes؟ مَن يحرس الحراس؟ مَن يضمن أصلًا أن خدمة الختم الزمني أمينة؟ مَن يضمن أن القائمين على الخدمة يمكن رشوتهم لتزييف تاريخ استلامهم للوثائق؟

أزمة الثقة 

اقترح الباحثان تربيط الهاشات ببعضها. كل هاش لبراءة اختراع جديد، يتضمن جزءًا من هاش البراءة التي قبلها، وجزءًا من هاش البراءة التي بعدها. هذا يضمن استحالة تزوير الوثائق مستقبلًا أو استبدال واحدة مكان الأخرى.  

الأمر أشبه بدفتر العالِم الذي يستخدمه لتسجيل يوميات أبحاثه، إن كان يحوي خاصية تجبره أن يربط آخر كلمة في كل صفحة بأول كلمة في الصفحة التي تليها. إن أراد لاحقًا تزوير الصفحة رقم 19، فعليه تزوير 18 و20. وإن أراد تزويرهما، فعليه أن يزور 17 و21، وهكذا إلى أول الدفتر وآخره. 

لتطبيق هذه الفكرة على أرض الواقع، أسس العالِمان شركة Surety، لختم الوثائق زمنيًا. وتحدثا عن أهمية التقنية في توثيق المعاملات المالية وإثبات الملكية الفكرية للأغاني والأفلام وغيرها من المنتجات الإبداعية. ولضمان الشفافية، كانت الشركة تنشر الهاشات الجديدة دوريًا في صفحة الإعلانات المبوبة بـ«النيويورك تايمز»، وبذلك يستطيع الجميع الرجوع إلى سجل متاح، يمكنهم الإطلاع عليه، والتأكد أن كل الهاشات مترابطة ولا تلاعب فيها. شكلت هذه الهاشات المطبوعة تباعًا أول بلوكتشين في التاريخ. 

أول بلوكتشين كانت محفوظة بشكل ورقي على صفحات نيويورك تايمز

إلى جانب هذا الحل الواقعي، اقترح الباحثان ما كان وقتها اقتراحًا نظريًا عصيًا على التنفيذ، وهو«الثقة الموزعة» Distributed Trust. لماذا يحتاج المخترعون مكتبًا أو شركة تفصل بينهم، في حين أن أجهزة الكمبيوتر في معاملهم قادرة على تنفيذ المهمة؟ 

في هذا النموذج، صاحب براءة الاختراع، هو الذي سيصنع بنفسه هاش مُعبّر عن محتوى الوثيقة الجديدة باستخدام الكمبيوتر الشخصي، ثم يرسله إلى شبكة من الكمبيوترات المملوكة لمخترعين آخرين. يتولى برنامج على هذه الشبكة اختيار عدد من أعضائها عشوائيًا كي تتعاون أجهزتهم لإضافة الختم الزمني للوثيقة. الاختيار العشوائي يضمن بدوره ألا تتآمر مجموعة بعينها على تزوير السجل.  والهاشات التي تحفظ أعمالهم تظل محفوظة في سجل مفتوح، لكن بدلًا من وجود نسخة واحدة من السجل في جهة مركزية، أو طباعتها أسبوعيًا في جريدة، ستتواجد نسخ متطابقة للسجل داخل كل الأجهزة المشاركة في الشبكة. كل جهاز عند كل عالِم قادر وحده أن يجيب عن أسئلة المستفسرين حول تاريخ الوثيقة أو تلك. 

التعاون هنا هو أساس العلاقة، إذ يتحالف مجتمع المبتكرين أو مجتمع كُتّاب السيناريو، أو مجتمع مصممي العلامات التجارية، على حفظ سجل علني يغنيهم عن روتين الحكومة المعقد. في ذات الوقت، فهي لا تطالب المستخدمين بوضع ثقتهم في جهة مركزية حكومية أو خاصة، أو حتى في بعضهم. المشاركون في الشبكة جميعهم حراس وجميعهم مراقبون. 

التزوير يكاد يستحيل، إذ أن المزور عليه أن يقرصن، ويغيّر السجل في كل النسخ المحفوظة على أجهزة كل أعضاء الشبكة، أو على الأقل في أغلبها، وهو ما يتطلب قوة حاسوبية هائلة لن تتوفر أبدًا لشخص واحد.

الاقتراح إذًا هو نسخة مطورة من البلوكتشين لا تحتاج لشركة أو سجل مطبوع، تحتاج فقط إلى بنية إنترنت قوية وموثوقة، وانتشار أجهزة الكمبيوتر الحديثة في أيدي الجميع، كي تتحول إلى حقيقة يومًا ما. 

ولم يكن هذا اليوم بعيدًا. 

رسالة ساتوشي ناكاماتو 

ظهر ساتوشي ناكاماتو على منتديات الكربتوسايفر، ذلك الركن القصي على الإنترنت الذي لا يستهوي سوى عدد محدود من المتطرفين، والحالمين، والثوريين. نشر بينهم فكرته في «ورقة بيضاء» ليشرح كيف يمكن دمج كل هذه التقنيات المتنافرة التي لا يبدو بينها علاقة واضحة، وإنتاج شيء جديد كلية: البيتكوين.  

البيتكوين وسيلة لتحويل الطاقة الكهربائية التي يستهلكها الكمبيوتر في حساب مسائل رياضية معقدة إلى قيمة / عملة يُمكن تداولها، وتسجيل هذه التداولات في هاشات مرتبطة ببعضها يستحيل تزويرها، وحفظ هذه التعاملات في سجل عام محفوظ على شبكة من الكمبيوترات، تسجل تفاصيل وتاريخ ووقت حدوثها بدقة وشفافية أمام الجميع. 

هذه القيمة مثل الذهب. لا يمكن تزويرها، أو إنشائها من اللاشيء. فضلًا عن ذلك، صمم ناكاماتو كود البتكوين كي يصدر 21 مليون قطعة بتكوين فقط، بعدها يتوقف البرنامج عن خلق ذهب إلكتروني جديد. الهدف من الندرة هو الحفاظ على قيمة العملة، فلو استمر إصدار البتكوين للأبد، لصار مثل أوراق البنكنوت التي تخرج من مطبعة بنك مركزي في زمن تضخم مفرط. 

لم يستجب لناكاماتو كثيرون، لكن مؤمنًا واحدًا كان كل ما يحتاجه. لذا، أرسل ناكاماتو لأحد حوارييه الأوائل برنامج البتكوين في 2009. فور تحميل البرنامج، شرع الكود في إعطاء الكمبيوترات مسائل حسابية معقدة، تتنافس الكمبيوترات التي تستخدمه على حلها. الجهاز الذي ينجح أولًا، يحصل على ملفات / عملات، تشهد بأنها نجحت في حل المعادلة. 

هذه العملة هي «دليل العمل» POW الذي يثبت أن برنامج البيتكوين يشهد أن هذا الكمبيوتر قد نجح في حل المسألة المعقدة قبل الكمبيوترات الأخرى التي سعت لحل نفس المعادلة الرياضية، ويسجل المكافأة التي حصل عليها الفائز في سجل منسوخ ومحفوظ على الأجهزة كلها. كل عدد من هذه المعاملات هو كتلة / «بلوك» لها رقم خاص فريد، هاش، مرتبط بالكتلة التي بعدها والكتلة التي تليها، ما يجعل تزوير السجل مستحيلًا. 

المنافسة بين الأجهزة هي آلية تعدين الذهب الإلكتروني، وضمان لاستمرار أعضاء الشبكة في تسخير أجهزتهم لحل المزيد من المسائل وإنتاج المزيد من العملات. وهنا يظهر الفارق الواضح بين ابتكار ناكاماتو، والتصور الأصلي للبلوكتشين. 

تصور هابر وستورنيتا كان يعتمد على تعاون المشاركين في شبكة واحدة لإضافة الهاش الجديد، أما البتكوين فيعتمد على تنافسهم. في بلوكتشين البتكوين، لا تتحالف الأجهزة لإضافة معلومة جديدة للسجل، بل تتسابق كلها لإضافة المعلومة، وكل منها يحاول الوصول لخط النهاية قبل غيره. ومَن ينتصر، ويحصد مكافأة في صورة عملات إضافية. 

هذا الفارق ليس بسيطًا. إنه اختيار تقني وأيديولوجي أيضًا، نابع من إيمان صاحبه بأن المنافسة دافع إيجابي، وأن الوسيلة المثلى لإدارة شبكة معقدة، هي أن يسعى كل طرف فيها وراء مصلحته الشخصية، وأن المصلحة العامة ماهي إلا مجموع المصلحة الخاصة لكل فرد على حدة. وحين بدأت فكرة العملات الرقمية الجديدة تنتشر وتجذب عددًا متزايدًا من المبرمجين والمتحمسين، كان هذا اختبارًا عمليًا لمدى نجاح المبدأ أو فشله. 

 *استعان كاتب المقال بمهندس البرمجيات طارق بدر لمراجعة دقة التفاصيل التقنية

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).