تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

السياسة النقدية الأمريكية.. ترامب ضد حراس الدولار

عمرو رجب
9 دقيقة قراءة
السياسة النقدية الأمريكية.. ترامب ضد حراس الدولار
.دونالد ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جاي باول

مطلع الشهر الجاري، وقّع 600 اقتصادي رسالة دعم لعضوة مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، ليزا كوك، في مواجهة الرئيس دونالد ترامب، الذي توعد قبل أسبوع بعزلها من منصبها، بل ودفع وزارة العدل إلى فتح تحقيق لأسباب واهية ودون أي أدلة. وبالفعل علّقت المحاكم الأمريكية، الثلاثاء الماضي، قرار الإقالة مؤقتًا لعدم وجود أي أسباب تستوجب هذا. 

تُعد تهديدات ترامب ومحاولته تغيير تركيبة مجلس البنك الاحتياطي الفيدرالي امتدادًا لسلسلة انتقادات الإدارة الأمريكية الدائمة (بل والسافرة) للسياسات النقدية التي ينتهجها البنك ورئيس مجلسه، جيروم باول، إلى حد نعته بـ«البغل العنيد والغبي» بعد أقل من سبعة أعوام من ترشيحه ودعمه لنيل هذا المنصب.

وفعلًا، احتدمت خلال الشهور الأخيرة حدة الاختلاف في الآراء حول السياسة النقدية الأمريكية بين الرئيس ومحافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الجهة الحكومية المستقلة والوحيدة المخولة بوضع السياسة النقدية التي تحدد توافر العملة المحلية (الدولار) أو تكلفة الحصول عليها. وأصبح من الواضح أن الرئيس وحكومته يمارسان كل الضغوط الممكنة للتأثير على محافظ البنك، بداية من استخدام نبرة عدائية نادرة في الاعتراض على سياسة البنك في الإبقاء على معدلات الفائدة مرتفعة عند حدود 4% سنويًا، والتروي في تخفيضها، إلى التلويح بإيجاد طرق، ومنها المتعلق بمخالفات مالية وإدارية، كذريعة لعزل أحد الأعضاء السبعة أو حتى رئيس المجلس، قبل انتهاء ولايتهم، رغم الحصانة التي يتمتعون بها.

هذا الخلاف بين السلطتين ليس شيئًا جديدًا في حد ذاته، فالسياسة النقدية القائمة على استخدام معدلات فائدة مرتفعة نسبيًا كأداة لتحجيم وفرة السيولة النقدية بهدف تخفيض معدل تضخم الأسعار، أو ما يعرف بالتضييق (التشديد) النقدي، التي ينتهجها المجلس، تتعارض مباشرة مع أهداف الحكومة وتعرقل تطبيق رؤيتها السياسية، لأنها، بجانب خفض معدلات الاستهلاك والاستثمار والنمو، تكبل أيضًا يد الإنفاق الحكومي بدلًا من أن تساعده بزيادة السيولة من الدولار، وتخفيض تكلفة الفائدة على الدين الحكومي.

فبينما كانت تواجه الحكومة الأمريكية تحديات هائلة لتمرير ميزانية مالية «ضخمة وجميلة»، لكن من شأنها أن ترفع العجز والدين الحكومي لمستويات غير مسبوقة وغير متسقة حتى مع المزاج العام لقواعد الحزب الجمهوري الرافضة للتوسع في الدين العام، لا تملك أي سلطة القدرة على تخفيض معدلات الفائدة لتوفير السيولة اللازمة لإنفاذ رؤيتها السياسية التي وعدت بها الناخبين لتخفيض الضرائب على الشركات والأغنياء، وزيادة الإنفاق العسكري والأمني، وتقليص حجم الإنفاق على الحماية والخدمات الاجتماعية.

لذلك، ليس من المستغرب أبدًا أن يشعر ترامب بالضيق الشديد من استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» التامة عن سلطته، فالسياسة النقدية تمنح الحكومة قوة هائلة لدفع الاقتصاد للأمام عن طريق تمويل الدين والإنفاق الحكومي بطباعة أي كمية نقود إضافية، والتي تظل قابلة للتداول وتحظى بثقة المتعاملين في السوق لأنها مدعومة من الثقة في الدين الحكومي نفسه الذي طُبعت لتمويله، وكل هذا بضغطة زر أو جرة قلم على ورقة. التوسع النقدي سيساهم في تحقيق أهم أهداف الحكومة الاقتصادية لرفع معدل النمو الاقتصادي، وخفض البطالة، وتوفير التمويل لمشروعات التنمية والحماية الاجتماعية، ولن يكون ترامب الأول في إدراك هذا، فمنذ أكثر من ثلاثة قرون، ومع اللحظات الأولى لتطور النظام الاقتصادي الرأسمالي وأسواق المال، أدرك الحكام والملوك سريعًا هذه القوة السياسية الكامنة في القدرة على طبع أو إصدار «نقود» مقبولة بشكل واسع من المتعاملين في الأسواق كأداة لتسوية المعاملات التجارية. وهذا بكل بساطة لأن المتحكم في كمية السيولة المتوافرة، مالك المطبعة مجازيًا، لا حدود لقدرته على توفير أي كمية من التمويل اللازم لتسيير أعماله وأعمال الاقتصاد كله دون أي تكلفة تُذكر على الإطلاق.

وعلى أساس ذلك عكفت النظم القانونية على إعطاء الحكومة، ممثلة في مؤسسة البنك المركزي، احتكارًا تامًا لإنتاج النقود المقبولة كوسيلة دفع تتمتع قانونيًا بقوة إبراء الذمة ودفع الضرائب، وعليه أصبح تحديد السيولة النقدية المتاحة من العملة المحلية، أو السياسة النقدية، احتكارًا تامًا للحكومة، وأحد أهم ركيزتين لإدارة الاقتصاد بجانب السياسة المالية.

فما سبب إجماع الاقتصاديين والقانونيين، وحتى أسواق رأس المال، على فصل السياسة النقدية عن السلطة التنفيذية، وحرمانها من القدرة على تطويع هذه القوة «لخلق المال من العدم» لتحقيق أهدافها السياسية، عن طريق سن قوانين تشريعية وآليات تمنح استقلالية وحصانة لصانع السياسة النقدية (البنك المركزي) من ضغوط الحكومة التنفيذية؟ ولماذا يجب أن يقلقنا جميعًا التغول، أو حتى التلويح به، على استقلالية البنك الفيدرالي الأمريكي ورئيسه الحالي؟

الإجابة المختصرة: التضخم. التضخم أو معدل زيادة الأسعار هو تكلفة التوسع النقدي والمُبطلة لقدرته على التأثير على الاقتصاد الحقيقي. قوة التوسع النقدي في دفع عجلة الاقتصاد الحقيقي ربما تكون مغرية للحكومات، ولكنها خادعة وقصيرة المدى زمنيًا، فهي ربما تساعد على تمويل الحكومة وحتى على رفع معدل التشغيل والنمو على المدى القصير، لكن هذا له تكلفة تضخمية عالية على المديين المتوسط والطويل، إذ يخفّض من قيمة العملة بزيادة المعروض منها. ومع إدراك المتعاملين بالأسواق لزيادة المعروض من النقود وانخفاض قيمتها، يبدأون سريعًا في رفع الأسعار والأجور الحالية والمستقبلية لتتناسب مع مستويات التضخم المرتفعة سواء الحالية أو المتوقعة، لذلك فأي تأثير فعلي للتوسع النقدي قصير المفعول، ويزول دوره التنموي سريعًا، ولا يبقى إلا خطر دوامة من التضخم وانخفاض القيمة الحقيقية للنقود المُصدَرة من البنك المركزي. وعلى المدى الطويل هناك أدلة كثيرة على أن معدلات التضخم المرتفعة وما تؤدي إليه من زعزعة الاستقرار وانعدام الثقة في قدرة العملة على الحفاظ على قيمتها تخفض من معدل الاستثمار والنمو.

لذلك، أصبحت الفلسفة السائدة للسياسة النقدية الرشيدة، عند السواد الأعظم من الاقتصاديين والقانونين، إعطاء الأولوية دائمًا للحفاظ على مستوى الأسعار من التضخم، ولا يمكن أن يحدث هذا إلا بتحصين «المركزي» من أي ضغوط من الحكومة التنفيذية بإعطائه قوة الاستقلالية التامة. وبالتالي، فاستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» الأمريكي وهو المؤسسة المخولة بتحديد واتباع سياسة نقدية تهدف في المقام الأول والأخير إلى الحفاظ على قيمة الدولار الأمريكي، والمنصوص عليها في القانون، هي صمام الأمان لثقة المتعاملين في العملة نفسها، وفي قدرتها على أداء دورها كوسيلة للمدفوعات وحافظة لقيمة الثروات، وأيضًا في التزام البنك بأداء دوره الرئيسي في الحفاظ على القوة الشرائية للعملة الأمريكية على حساب أي أهداف اقتصادية أخرى كالبطالة أو معدل النمو على المدى القصير.

ورغم تأصيل الاستقلالية القانونية للبنوك المركزية في كل دول العالم، هناك تباين واضح بين الاستقلالية القانونية والاستقلالية الفعلية. فكثير من الحكومات تُمارس ضغوطًا عامة على البنوك المركزية وتنجح في الحصول على تنازلات في ما يتعلق بأسعار الفائدة ودرجة التوسع النقدي، دون الحاجة بالضرورة إلى تغيير الإطار القانوني، وبذلك تصبح الاستقلالية صورية أو شكلية فقط، بينما تهيمن متطلبات السياسة المالية على النقدية. ونرى الكثير من الأدلة على هذا النوع من الهيمنة في العديد من الدول النامية، ويُعتبر معدل تغيير محافظي البنوك المركزية مؤشرًا دقيقًا على الاستقلالية الفعلية، حيث إن تكرار عزل المحافظين أوتجنب التعيين يُشير إلى ضعف الاستقلالية فعليًا رغم النصوص القانونية.

وبالفعل، العالم لا يخلو من السياسات النقدية المُدارة بشكل يخدم أهدافًا أخرى للحكومة على حساب التركيز الصارم على محاربة التضخم، لكن الجديد والمقلق حقًا أن يأتي هذا التململ من استقلالية البنك والرغبة في التأثير على قراراته، من أكبر اقتصادات العالم والدولة المُصدرة للعملة التي تحتل مكانة جوهرية في الاقتصاد العالمي بصفتها حجر الزاوية للنظام المالي العالمي، والعملة الرئيسية والأكبر للاحتياطات النقدية حول العالم والتعاملات الدولية، وهي أيضًا معيار التقويم الرئيسي للأصول الرأسمالية في النظام الاقتصادي العالمي، منذ أن بدأ نظام بريتون وودز مع نهاية الحرب العالمية الثانية، منتصف القرن الماضي.

لذلك تُثير تهديدات الحكومة التنفيذية الأمريكية لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي قلقًا عميقًا في الأوساط الاقتصادية العالمية، لأنها تمثل تغيرًا جذريًا في فلسفة إدارة الدولار قد يعني تحول هيكلي في هندسة النظام المالي العالمي نفسه، وسيكون لها تبعات مستدامة على زعزعة ثقة المتعاملين، ليس فقط في قوة العملة، لكن في أداء الاقتصاد الأمريكي نفسه. هناك مخاوف من هروب رؤوس الأموال والاحتياطات الدولية من الدولار، ما يؤدي إلى تدهور كل من العملة وسوق السندات نتيجة ارتفاع توقعات التضخم وانخفاض الفوائد الحقيقية على الدولار، هذا بالإضافة إلى زيادة المخاطر وتراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد بسبب التآكل المؤسسي.

وقد بدأت المؤشرات تشير إلى هذا القلق في أسواق رأس المال، ففي الأشهر الثلاثة الماضية، تراجع سعر الدولار 6%، وهرولت الاحتياطيات للاحتماء بالذهب الذي ارتفع سعره 26%، وشهدت الأسواق المالية تقلبات حادة، حيث انخفضت عوائد السندات قصيرة الأمد (عامان) بنصف نقطة مئوية إلى 3.51%، بينما عوائد السندات طويلة الأمد (الثلاثينية) انخفضت بأقل من ربع نقطة مئوية إلى 4.77%. هذه الزيادة في الفارق بين عوائد قصيرة المدى وطويلة المدى (انحناء منحنى العائد عبر الزمن) تشير توقعات السوق بأن التدخل السياسي سيؤدي إلى خفض سريع في أسعار الفائدة قصيرة الأمد، لكنه سيزيد من مخاطر التضخم طويل الأمد.

يحتفظ الاحتياطي الفيدرالي حاليًا بأسعار الفائدة عند 4.25%-4.50%، بينما بلغ معدل التضخم 2.7%، في يونيو ويوليو 2025، مقارنة بـ2.4% في الشهر السابق، وما زال بعيدًا عن هدف 2%. وبعيدًا عن التحليلات التقنية والخلافات بين الاقتصاديين حتى داخل البنك نفسه، المرتبطة بتوقعات درجة التضخم المستقبلي، وتقدير تأثير ارتفاع التعريفة الجمركية على الأسعار، فإن أي تخفيض مبكر لأسعار الفائدة في هذه البيئة التضخمية قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط التضخمية. ليس هذا فقط، لكن الكل يدرك أيضًا أن فقدان مصداقية الاحتياطي الفيدرالي قد يجعل التضخم مشكلة أكثر استدامة، حيث إن البنك المركزي الذي يُنظر إليه على أنه يخفض أسعار الفائدة مبكرًا لتلبية المطالب السياسية، يثير مخاوف ويهز من مكانة العملة كحافظة للقيمة، وقد ينذر بتحول هيكلي في النظام المالي العالمي والمكانة المركزية التي تحظى بها عملة الاقتصاد الأمريكي.

وبالفعل، فإن بعض مظاهر التحول الهيكلي قد تكون ماثلة أمامنا الآن. أشار تقرير الوظائف لشهر أغسطس، المنشور منذ أيام إلى فقدان الاقتصاد الأمريكي وظائف أكثر مما أضاف، لأول مرة منذ انحسار أزمة الكوفيد في الربع الثاني من 2021، منذرًا بتباطؤ اقتصادي أو ربما دورة ركود وشيكة، في الوقت نفسه لم تتفاعل الأسواق كما تفعل تاريخيًا في الأزمات الاقتصادية. لم تهرول الأسواق بعيدًا عن الأصول الأكثر مخاطرة، كالأسهم أو حتى سندات الدول الناشئة، إلى العملة والسندات الأمريكية بصفتها الملاذ الآمن، وإنما إلى الاحتياطات الأكثر تقليدية كالذهب وبدرجة أقل العملات الرقمية كنوع من الذهب «الافتراضي». ففي الأسبوع الماضي، ومع شعور الأسواق بخطر الركود، انخفضت أسعار الأسهم والسلع الأولية كالنفط والنحاس، لكن أيضًا وعلى غير المعتاد، انخفضت قيمة الدولار وارتفعت بالمقابل قيم الذهب والبتكوين لأرقام قياسية.

كل هذا سيعجل حتمًا من التخفيض الكبير، بنصف في المئة على أرجح تقدير، في الفائدة المتوقع والمطلوب بشدة من الإدارة الأمريكية في اجتماع «الفيدرالي» القادم في سبتمبر، وحتى دون أي تَغيير في قيادة أو سياسة البنك. لكن على الحكومة الأمريكية أن تخشى مما تتمناه، فهذا الانخفاض في الفائدة يأتي مصاحبًا بشبح ركود اقتصادي لا يخلو من تبعات سياسية واجتماعية.

وحتى هذه اللحظة، ما زال الفيدرالي ورئيسه ملتزمين بسياسة الحفاظ على أسعار الفائدة الآن، وتخفيضها بوتيرة متريثة على مدار العام، وربطها  بنتائج تقرير التوظيف والنمو الاقتصادي وآثار ارتفاع التعرفة الجمركية على الأسعار. لكن بغض النظر عن الآراء حول سرعة تخفيض الفائدة أو مدى تأثر الأسعار بالجمارك، فإن الأسواق تدرك أن ما على المحك ليس مستوى الفائدة، لكن استقلالية البنك نفسه وقدرته على أداء دوره.

وبغض النظر عن الآلية المتبعة في الضغط على الفيدرالي للتساهل في سياساته النقدية، خاصة الآن بعد التعيين المؤقت لستيفن ميران من قبل ترامب لإكمال فترة ولاية أدريانا كوغلر التي استقالت من منصبها كمحافظة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فإن أي حياد عن هدف التضخم يهدد بتكرار تجربة السبعينيات، عندما أدت السياسات النقدية المتساهلة إلى تضخم جامح -مما يتطلب تشديدًا نقديًا أكثر قسوة لاحقًا لاستعادة المصداقية والسيطرة على الأسعار- وتباطؤ اقتصادي وأزمة في النظام المالي، أو الرضا بالتعايش مع مستويات تضخم عالية وغير مستقرة، مع تدهور مزمن ومتصل في قيمة العملة المحلية كما نرى في تجارب الكثير من الدول الناشئة والنامية.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).