الكربيتو من المهد إلى الميتافيرس: جنة المضاربين (4-5)
كوّن المضاربون ثرواتهم وسط فوضى الطرح الأولي للعملات الرقمية. المبتدئون اكتفوا بشراء التوكنز الرخيصة وبيعها بسعر أكبر. المحترفون لجأوا للأربيتراج والتلاعب بأسعار العملات عبر البورصات المختلفة. لكن كل ذلك لم يكن كافيًا.
التذبذب الشديد لأسعار العملات الرقمية فشل في تنفيذ غرضها الأصلي، في أن تكون بديلًا للنقود التقليدية صالحة للاستخدام في البيع والشراء. صارت أشبه بالأسهم عالية المخاطرة، قد ترفع من المضاربين إلى عنان سموات الثراء، أو تخسف بمدخراتهم الأرض، وبين النقيضين ثروات وأرباح محتملة لمَن يعرف مَن أين تُؤكل الكتف.
المضارب المحترف لا يريد الانتظار حتى لحظة جني الأرباح التي قد لا تأتي أبدًا. هو يريد الاستفادة من عملاته اليوم. فإن كان للبيتكوين أو الإيثر، أو غيرها من التوكنز قيمة ما، شبيهة بقيمة النقود، فما الذي يمنع من إيداعها في البنوك مقابل فائدة سنوية مثل الدولارات؟ وإن كانت حافظة للقيمة مثل الذهب، فما المانع من استخدامها ضمانًا للحصول على قرض؟ وإن كانت سلعًا متداولة للبيع والشراء والتداول، فما الذي يمنع شرائها بعقود آجلة، futures، أو بعقود الخيارات Options، مثلما يحدث مع الذهب الحقيقي، والقمح والذرة وخام البرنت؟
العائق الرئيسي هو عدم وجود عملة رقمية ذات قيمة ثابتة يمكن من خلالها تداول هذا كله. في البورصات التقليدية، حين يشتري المضارب عقدًا آجلًا لشراء خام البرنت، فهو بذلك يتعهد، أنه سيشتري ألف برميل بترول بسعر 150 دولارًا للبرميل الواحد بعد عام من الآن.
إن انخفض سعر البرميل وقت انتهاء العقد إلى 90 دولارًا فالمضارب يخسر إذ يشتري البرميل بأعلى من سعر السوق. لكن إن ارتفع البرميل وقت تنفيذ العقد إلى 200 دولار، فهذا يوم سعده إذ يشتري المضارب البراميل بسعر 150 دولارًا فقط، ويبيعها فورًا بسعر السوق، ويربح 50 دولارًا عن كل برميل.
هذه العملية كلها قائمة على الاعتقاد بأن سعر البترول سيتغير صعودًا وهبوطًا، في حين أن الدولار سيظل بقيمته ثابتة. أما العملات الرقمية فسعرها شديد التذبذب والتغير يوميًا، مما يجعل تنفيذ عمليات مضاربة أكثر تعقيدًا من البيع والشراء والأربيتراج مستحيلًا. ومن هذا الاحتياج ظهر في سوق الكريبتو أهم وأخطر ابتكاراتها على الإطلاق: العملات الرقمية مستقرة القيمة stablecoins.
في 2014، أصدرت شركة تيثر/ Tether في هونج كونج أول عملة رقمية مستقرة القيمة في منصات تداول الكربتو تحت مسمى USDT. مثلما يوحي اسمها، فهي عملية رقمية من إنتاج الشركة تساوي الدولار الأمريكي الواحد. لا أكثر ولا أقل. من أجل الحفاظ على قيمة هذه العملة، تعهدت الشركة بأن تحتفظ بضمان نقدي مساوٍ للعملات الرقمية التي تصدرها، فإن أصدرت عشرة ملايين USDT، ففي خزانتها عشرة ملايين تقليدية خضراء. انتشرت عملة الـUSDT، وأصبح بالإمكان أخيرًا استخدام بلوكتشين الإثيريام ومنصات التداول في إرسال واستقبال أمول واضحة القيمة، بعملات رقمية ثابتة، دون أن تتغير قيمتها بين عشية وضحاها.
هناك عيوب جوهرية في هذه الآلية، فالمتداولون عليهم الثقة في شركة تقليدية، تودع أموالها في بنوك خاضعة لسلطة الحكومة والبنك المركزي في بلدها. وعليهم أن يفترضوا أن أموال الشركة آمنة من التلاعب والمصادرة وغيرها. مرة أخرى تحاول العملات الرقمية حل أزماتها، فتجد نفسها تحت رحمة المنظومة التي نشأت لتحاربها.
الاحتياطي غير الفيدرالي
ازدادت الحاجة إلى مؤسسات مالية لامركزية غير خاضعة للعالم القديم كله، وفي 2017 نشأت واحدة من أهم الكيانات المالية في سوق الكريبتو Maker Dao. كما هو واضح من الاسم، فتصميم المؤسسة مستوحى من أول DAO، أو مؤسسة غير مركزية، أنشأها فيتاليك.
أرادت Maker أن تنشئ عملة رقمية مستقرة لامركزية، ولا تستند نهائيًا على الأموال التقليدية، بل تعتمد كلية على الكربتو، دون غطاء من دولارات البنك المركزي الأميركي. نجحت بالفعل في هدفها، وأنشأت عملة داي/ DAI، التي تساوي أيضًا دولارًا واحدًا.
على عكس توكن USDT الذي يستند في قيمته على دولارات حقيقية في خزانة الشركة ، فإن توكن الـDAI يعتمد في استقراره على عملات رقمية أخرى. أي أن المؤسسة تحتفظ في خزانتها بعملات رقمية مثل البيتكوين والإيثر وتوكنز أخرى متعددة، وتعتبر هذه السلة احتياطي مالي تستند إليه في إصدار الداي.
ولامتصاص الصدمات المتوقعة وتقلب أسعار العملات في هذا الاحتياطي، تحرص المؤسسة أن يكون هذا الاحتياطي دائمًا أكبر كثيرًا من عملات الداي المطروحة. إن صكت المؤسسة مليار توكنز داي، فهذا يعني أن الاحتياطي من البيتكوين والإيثر وغيرها قيمته 1.5 مليار دولار أو أكثر. بهذا الأسلوب، فإن الكثير من العملات غير المستقرة، يضمن القليل من العملات المستقرة.
هذا الاحتياطي من العملات الرقمية محفوظ في خزانة عبر عقد ذكي على بلوكتشين الإثيريام، متاح أمام الجميع أن يراه ويتأكد مما بداخله، على عكس خزانات البنوك المغلقة. بهذه الآلية، أصبحت Maker أول مؤسسة مالية لامركزية قائمة بالكامل على تقنيات العملات الرقمية، دون أي اعتماد على الاقتصاد القديم.
سعت Maker أن تكون جهة لامركزية للإقراض والاقتراض، أي أنه يمكن للمتداول أن يودع البيتكوين أو الإيثر، أو أي عملات رقمية أخرى مقبولة، ويحصل في مقابلها على قرض بالدولارات الحقيقية. وفي نهاية فترة القرض، يرد المبلغ والفائدة، ويسترجع عملات البيتكوين أو الإيثر مرة أخرى. الأمر أشبه بما يُسمى «القرض المضمون برهن» في البنوك، حين يحصل العميل على قرض بضمان بيته أو سيارته مثلًا. هنا، يحصل العملاء على قروض بضمان عملاتهم الرقمية.
أما عن أسلوب إدارة المؤسسة، فقد كررت أسلوب فيتاليك في منح المودعين والمقترضين توكن للحوكمة، يسمى MKR، وهو أشبه بصوت انتخابي يمكنهم من التصويت على قرارات المؤسسة وكيفية إدارتها، وبذلك يصبح مستخدمو المؤسسة هم أنفسهم مَن يديرون بنكهم دون إشراف من أحد.
صعود المنصات اللامركزية
بهذه الآليات، أصبحت Maker Dao إحدى أهم المؤسسات المالية للإقراض والاقتراض في سوق الكريبتو. يستخدم المتداول عملة البيتكوين أو الإيثر، فيودعها داخل خزانة Maker. عندها، سيحصل على نوعين من التوكن.
النوع الأول هو DAI، يمكنه أن يبيعه فورًا على أي منصة تداول مقابل دولارات حقيقية، ليشتري به عقارًا أو سيارة أو أي شيء آخر. وطبقًا لقواعد المؤسسة الحالية، فإن إيداع ما قيمته 100 ألف دولار من البيتكوين، متغير القيمة، يكفل لصاحبها حق اقتراض 50 ألف من عملات الداي، مستقر القيمة التي تساوي 50 ألف دولار.
بوجود Maker أُتيح لأي حائز للعملات الرقمية في العالم أن يحصل على قرض من الأموال التقليدية المُعترف بها من الحكومات، فورًا، وببضع نقرات على الماوس. هذا القرض لم يشرف عليه بنك مركزي، ولا أي بنك أصلًا، ونشأ من قلب سوق الكريبتو دون أن يمر بأي مؤسسة مالية تقليدية. لا يحتاج المقترض أن يجلب خطابًا من جهة العمل، أو يصور بطاقته الشخصية ثلاث مرات، أو حتى كشف هويته.
أما النوع الثاني فهو MKR، التوكن الذي يمكن حامله من اقتراح تعديل قرارات المؤسسة، أو التصويت على اقتراحات الآخرين، مثل العملات المقبولة للإيداع كضمان للقرض، ونسبة الرهن للقرض، ومدة القرض، ونسبة الفائدة، وغيرها.
طبقًا لهذه الخطة، فإن توكن الحوكمة يضمن لامركزية المؤسسة، فكلما زاد عدد المتعاملين مع المؤسسة، زاد عدد حملة التوكن المصوتين على قراراتها، فيعجز طرف واحد عن الاستئثار بالقرار. ومن ثم تختفي الحاجة لمجالس الإدارة التقليدية لإدارة البنوك.
وما أن أصبحت Maker مؤسسة ناجحة متجاوزة لأخطاء الماضي وجاذبة للمضاربين، حتى صعدت عشرات المنصات الأخرى ذات الأغراض والأنماط المختلفة. هناك مؤسسة Compound التي تسمح بإيداع العملات الرقمية غير المستقرة مقابل فائدة متغيرة من العملات ثابتة القيمة، ويحصل المودعون، إلى جانب الفائدة، على توكنز cCOmp التي تجعلهم شركاء في إدارتها.
وهناك مؤسسة Yield التي تسمح بإيداع العملات الرقمية والحصول على فائدة ثابتة، في آلية شبيهة شهادات الاستثمار في بنك مصر. وهناك مؤسسة dydx التي تتيح تداول العقود الآجلة والمؤقتة Futures and Option على مختلف أنواع العملات الرقمية، أي أنها تمكن المضارب من المراهنة على انخفاض سعر العملة والتكسب منه، وليس الارتفاع فقط، وقائمة المؤسسات تطول.
خلال أربع سنوات فقط، بنى سوق الكريبتو مؤسسات مالية تبدو كأنها شبيهة بالمؤسسات المالية والبورصات التقليدية، في مساحة متسعة صارت تعرف باسم «المالية غير المركزية/ Decentrailized Finance»، أو «DeFi» اختصارًا.
غير أن هذا التشابه هو على السطح فقط. هذه المنصات تتيح ممارسات ومضاربات لم ولن يسمح بها بنك مركزي في العالم.
أموال تنمو على الشجر
نقطة الضعف في هذه المنظومة هو أن التوكن، بغض النظر عن هدفه، يظل توكن. عملة رقمية رمزية، وما دامت عملة رقمية، فهي أيضًا قابلة للتداول.
لا شيء يجبر المودع، حين يضع عملاته الرقمية في مؤسسة مالية غير مركزية، على الاحتفاظ بالتوكن الذي يمنحه صوته الانتخابي. في منظومة المؤسسات المالية على الإثيريام الصوت الانتخابي لا يختلف عن سهم في شركة أو أي قيمة مالية أخرى. هو ليس مقدسًا أو شخصيًا، بل قابل للبيع والشراء وكافة أنواع المضاربة.
من ناحية، فذلك يقضي على مبدأ اللامركزية، فالأكثر ثراء داخل المؤسسة لديهم قدرة على شراء هذه الأصوات، ومن ثم الاستئثار بالقرار، حيث تتركز أغلب القوة الانتخابية في أيدي القلة المحتلين لقمة هرم الثروة، وهو ما حدث بالفعل في Maker وعدد كبير من المؤسسات الشبيهة. من ناحية أخرى، فإن عمليات بيع وشراء هذه الأصوات تخلق منظومة شديدة التعقيد من القروض المركبة الخطيرة.
فلنتخيل إذا هذا السيناريو:
- المضارب يشتري عملات إيثر بـ100 ألف دولار، ويودعها في Maker، فيحصل في المقابل على قرض من 50 ألف من عملات الداي، تساوي 50 ألف دولار، إضافة لتوكنز MKR التي تمنحه صوتًا انتخابيًا.
- المضارب يبيع توكنز MKR مقابل المزيد عملات الداي، فيحصل مثلًا على عشرة آلاف دولار إضافية، فيكون معه 60 ألف دولار.
- المضارب يودع المبلغ كله داخل مؤسسة Compound، فيحصل على فائدة شهرية 10% ومعها توكنز cCompound.
- المضارب يبيع توكنز cCompoun، مقابل عدة آلاف من الدولارات، فيودعها هي الأخرى ضمانًا في مؤسسة ثالثة للحصول على قرض جديد، ويستخدمه لسداد القرض القديم، أو الدخول في عمليات جديدة.. إلخ.
عمليات المضاربة المعقدة والقروض المركبة التي تسمح بها هذه المؤسسات تستحيل بالطبع في البنوك التقليدية، فهي على علاتها ومشكلاتها تضع حدًا أقصى لعدد القروض التي يمكن لفرد واحد الحصول عليها، وتقيّم قدرة المقترض على الوفاء بقرضه، وتحتفظ بسجل واضح لتاريخه الائتماني. لكن في مؤسسات الكربتو، لا قيود.
صورة معقدة
ما يزيد الصورة تعقيدًا هو أن فوضى إصدار التوكن القابلة للاستبدال التي بدأت مع موجة الطرح الأولى للعملات لم يتوقف، بل إن المؤسسات المالية غير المركزية وفرت سبلًا أكثر تعقيدًا لإضفاء مصداقية مزيفة على بعضها.
على سبيل المثال، لا الحصر، هناك مؤسسة Uniswap والتي تسمح لأي مضارب أن ينشئ سوقًا يقدم فيه توكنًا جديدًا حديث النشأة ويحدد سعره المبدئي أمام عملة موجودة ومقبولة بالفعل، كالإيثر، ثم يترك العرض والطلب يحدد سعرها صعودًا وهبوطًا.
يستطيع صاحب محل لبيع الفواكه، مثلًا، أن يطرح توكنًا، وليكن اسمها «فخفخينا» يمثل نسبة من أرباح محله. لا جهة تمنع صاحب المحل من طرح هذا التوكن، أو تشرف على تقدير سعره، أو تراجع حسابات المحل.
فليطرحه مثلا مقابل «1 إيثر»، وما أن يساهم المضاربون في رفع سعره، ويحصل صاحبنا على كم مناسب من الإيثر، يستطيع أن يستخدم الإيثر، الذي سيكون أكثر قبولًا من الفخفخينا، في منصة أخرى للحصول على قرض، وبهذا يتحول توكن الفخفخينا إلى دولارات حقيقية في طرفة عين.
أما مؤسسة Set، فتمكن المضاربين من إنشاء توكن مركب، يحوي داخله توكنز أخرى، في آلية أشبه بإنشاء مؤشر للبورصة داخله عدد من الأسهم المختلفة. يمكن للمضارب مثلًا أن يمزج الداي والإيثيريام والبيتكوين والسي كومب وربما الفخفخينا أيضًا، وينشئ منها توكنًا جديدًا يرمز لها جميعًا بنسب مختلفة، ويمكن للآخرين شراء هذا التوكن والمضاربة فيه.
ولمَ التوقف هنا؟ لا سلطة مركزية تمنع من تحويل أي شيء، وكل شيء، إلى توكن قابل للتداول. مؤسسة Levana، التي نشأت منذ عدة أشهر، تمكن المضاربين من أن يراهنوا، حرفيًا، على سقوط الأمطار في باريس، وتحويل هذا الرهان إلى توكن قابل للتداول.
تضاعفت الأموال المستثمرة داخل المنصات المالية غير المركزية على مدار العامين الماضيين، لتضم ما يزيد عن 200 مليار دولار، وهو رقم يزداد يوميًا. لا أحد يعرف بالضبط كم منها مبني على أصول حقيقية أو متخيلة، وكم منها أموال مستثمرة، أو مُعاد تدويرها في عشرات المنصات المختلفة.
الأكيد أنها كلها مبنية على اعتقاد واحد، أن العملات الرقمية المستقرة، ستظل مستقرة حقًا، وتقوم بدورها كصخرة ثابتة تسمح للجميع بتسعير عملاتهم التي تتغير قيمتها يومًا بعد يوم.
فماذا إن انهارت العملات الرقمية الثابتة، وفشلت في الحفاظ على قيمتها المساوية لدولار واحد؟
شتاء العملات الرقمية
خلال الأسابيع الماضية، عانى سوق العملات الرقمية من تبعات أول انهيار لعملة رقمية ثابتة، وهي UST. نشأت العملة في 2019، حين أنشأ دو كوان، وهو مستثمر من كوريا الجنوبية، بلوكتشين تُسمى تيرا Terra، هدفها إصدار عملات رقمية مستقرة مختلفة، بديلة للدولار واليوان الكوري، وغيرها من العملات الآسيوية.
تعهد كوان أن عملته أكثر ذكاء وعملية واستقرارًا من جميع العملات المستقرة أخرى، وقال ذات مرة على تويتر، إنه على يديه، سيكتب نهاية الـDAI. كانت فكرة كوان تعتمد على بناء عملة مستقرة دون احتياطي على الإطلاق، سواء كان من العملات التقليدية أو الرقمية، بل تعتمد في استقرارها على سلسلة معقدة من اللوغاريتمات وعمليات البيع والشراء التي تخفض قيمة العملة إن زادت عن دولار واحد، أو ترفعها لو قلت عن دولار واحد.
هاجم الكثير من الاقتصاديين والخبراء فكرة كوان، وحذروه من أنه يبني عملة على اللاشيء، ومصيرها اللاشيء.
تنبأ كثيرون بإمكانية تحالف عدد من كبار المضاربين لتدمير العملة، من خلال تنفيذ عمليات مضاربة بمليارات الدولارات في وقت واحد، بحيث ينخفض سعرها قليلًا عن الدولار، ولو لساعات معدودة، مما سينتج عنه بالضرورة انخفاض قيمة عشرات العملات الأخرى.
هؤلاء المضاربون سيستفيدون وقتها من هذا الانهيار، بآلية البيع على المكشوف short seeling، وهي وسيلة مضاربة تسمح للمضارب بالربح إن انخفضت قيمة عملة معينة بدلًا من ارتفاعها.
سخر كوان من منتقديه، وطالما رد عليهم بعجرفة شديدة: لا أضيع وقتي بالرد على الفقراء من أمثالكم.
لكن، إن كان كوان مغرورًا، فما الذي دفع مئات الآلاف من المستثمرين في السير ورائه؟ الطمع الأحمق كالعادة.
من أجل الترويج لبلوكتشين تيرا، نشأت عدد من المؤسسات المالية اللامركزية التي كانت تعطي مزايا غير مسبوقة. إحدى هذه المؤسسات، آنكور Anchor، كانت تمنح المودعين بعملات تيرا فائدة سنوية قدرها 20%. تخيل أن تودع 100 ألف دولار مثلًا بهذه العملة السحرية، فتحصل في آخر العام على 20 ألف دولار من الربح الصافي دون أدنى مجهود.
انتشرت الفيديوهات التي تحث الناس على إيداع كل مدخرات حياتهم في عملة UST والاستثمار في منصات الإقراض والاقتراض، وغيرها من المؤسسات المالية على تيرا. حتى جاء اليوم الموعود الذي تحققت فيه النبوءة، أوائل مايو 2022.
البعض يقول إنها هجمة منسقة. في لحظة بعينها، سحب عدد من «الحيتان» مئات الملايين من إيداعاتهم على بلوكتشين تيرا في وقت واحد. انخفضت قيمة العملة من دولار إلى 90 سنتًا بسرعة شديدة، عجزت معها اللوغاريتمات من ممارسة دورها في المضاربة الآلية وإعادتها لقيمتها الأصلية. كان هذا كفيلًا بإثارة الفزع، ليشرع الجميع في البيع وسحب أموالهم، ويبدأ سباق نحو القاع، أوصل قيمة العملة للصفر.
من العدم صعدت، وإلى العدم زالت. في أسبوع واحد، فقد الآلاف كل ما يملكون. انخفضت قيمة كل العملات الرقمية، ومع الانخفاض، انكشفت مؤسسات مالية أخرى متأثرة بالانهيار الكبير في أسعار كل العملات الرقمية، وعلى رأسها البيتكوين.
في أسابيع قليلة، أغلقت Ceslius الإسرائيلية أبوابها وأشهرت إفلاسها، وخسر المودعون أكثر من أربعة مليارات دولار، ولحقتها منصة Voyager لتداول العملات، كما أفلس صندوق التحوط Three Arrows السنغافوري، والذي كان يُدير أصولًا رقمية تقدر قيمتها بعشرة مليارات دولار، وما زال الشتاء مستمرًا لحظة كتابة السطور.
تجدر هنا الإشارة أن شركة Tether، صاحبة أول عملة مستقرة، وأكثرها انتشارًا على الإطلاق، متهمة بالنصب والاحتيال، إذ تبين يقينًا أنها لا تحتفظ بغطاء مالي حقيقي يكفي كل العملات التي طرحتها، وأن كثير من دولاراتها الرقمية التي تدعي أن لها مقابل محفوظة في خزائنها، هي أيضًا مصنوعة من العدم.
لفترة قصيرة بعد انهيار UST، تأثرت أيضًا عملة USDT، وانخفضت قيمتها لـ90 سنتًا بدلًا من دولار، لكن الشركة نجحت في إقناع السوق بأن احتياطاتها النقدية مستقرة، فعادت لقيمتها ثانية. ربما حتى الانهيار القادم.
طبقات الوهم
لنأخذ خطوة للوراء الآن، وننظر من فوق على هذه البنية المعقدة. هناك عملات رقمية متقلبة، تضمن عملات رقمية ثابتة. هناك إقراض بالعملات الرقمية الثابتة، مضمونة بالعملات الرقمية المتقلبة. هناك عملات ثابتة لها احتياطات من الأموال التقليدية، لكن ربما كانت وهمية. هناك عملات ثابتة باحتياطات من الكريبتو، وأخرى بلا احتياطات أصلًا. هناك توكنز تعبر عن حصة في خزائن الإقراض بالعملات المتقلبة. هذه التوكنر نفسها هي عملات رقمية أيضًا يمكن بيعها وتداولها. التوكنز ترمز لسلع حقيقية أو ربما لا. قد تشير لعملات رقمية أخرى، أو ربما لا. وقد تكون لها قيمة، ربما لا.
هل فهمتم شيئًا؟ الغالبية لا تفهم، ولا تعرف أدنى معلومات عن التقنية أو الاستخدامات أو الأغراض التي نشأت بسببها هذه العملة أو تلك، لكنهم مستمرون في المضاربة على كل حال. كل هذا التشابك المعقد ليس عليه رقابة أو جهة تنقذ المنظومة متى انهارت، وقد حدث ذلك مرتين بالفعل. لا يحتاج المرء أن يتنبأ بأن الانهيار الثالث ليس بعيدًا إما نتيجة لانهيار عملة رقمية ثابتة أخرى، أو نتيجة لتراكم الأدوات المالية المبنية على ديون، مستندة بدورها على ديون وأموال مقترضة، دون حساب أو حد للمخاطرة.
رغم كل ذلك، فإن تواجد الرقابة أو عدم تواجدها ليست الفارق الرئيسي بين بورصة العملات الرقمية والبورصات التقليدية. تظل الأخيرة، حتى في أسوأ حالاتها، وافتقارها للعدالة وامتلائها بالتلاعب، مبنية على نشاط اقتصادي واقعي ملموس ينتج قيمة لا خلاف عليها. هذه الأسهم والسندات وعقود البيع الآجل وغيرها، معبرة عن شركات تستخرج البترول وأخري تصنع الحديد، وثالثة تدير الفنادق، ورابعة تتخصص في التكنولوجيا. هناك بنوك ومزارع ومصانع ودور سينما ملاهي ترفيهية وسفن فضاء.
أما بورصة الكريبتو، فمبنية على لا شيء. هي رأسمالية مالية بلا رأس مال. هي مضاربة نقية وصرفة، متجردة من أي هدف سوى الربح من خلالها وعبرها. هي شاشة تعرض حركة الأسعار وتحليلات الشموع اليابانية، دون أن يكون وراءها بشر أو حجر. هي مكتفية بذاتها ومنعكسة على نفسها. هي سوق نشط لأن المتداولين يستثمرون فيها نقودهم، وهم يستثمرونها نقودهم لأنها سوق نشط. هي بنيان هائل مصفوف من قطع الجينجا، إن تخلخلت إحدى قطعه الرئيسية، انهار كله.
الاقتصاد التقليدي الأمس، أنشأته الصناعة وطورته البورصة. اقتصاد الكريبتو، بدأ بالبورصة، وها هو يبحث عن واقع يستند عليه. شيء ما يبرر وجوده. «حقيقة» تمنحه المعنى.
أهلًا بكم في الميتافيرس.
رسم يوضح أهم اللاعبين في المجال المتسع للمؤسسات المالية غير المركزية على بلوكشين الإيثيريام

الحلقات السابقة من السلسلة:
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس: حلم ما قبل اللامبورجيني (1-5)
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس: وعود البيتكوين (2-5)
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس: وعود الإثيريوم (3-5)
آراء أخرى
«الكريبتو» من المهد إلى الميتافيرس: وعود الإثيريوم (3-5)
«انكشفت الحقيقة عن عدد ضخم من العملات والتوكنز، وأنها لم تكن سوى عمليات نصب»
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس (1-5)
«قبل أن تسود أحاديث المضاربة والربح، كانت العملات الرقمية فكرة يوتيوبية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد