«الكريبتو» من المهد إلى الميتافيرس: وعود الإثيريوم (3-5)
يناير 2014، اعتلى المبرمج الروسي فيتاليك بيوترين منصة مؤتمر البيتكوين لأمريكا الشمالية. كان المؤتمر منعقدًا في ولاية فلوريدا، في وقت عجت المدن الكبرى حول العالم بعشرات المؤتمرات الشبيهة، للتشبيك بين المهتمين بالتقنية الجديدة، واستعراض ثرواتهم المليونية التي حصدوها من تبني البيتكوين في أوائل أيامه.
كان بيوترين وقتها شابًا في الواحدة والعشرين من عمره، مبرمج عبقري، وقارئ نهم لأعمال لودفيج فون ميزس، وغيرهم من فلاسفة المدرسة النمساوية للاقتصاد، التي تعد الأب الروحي للفوضوية الرأسمالية.
والده، دميتري بيوترين، عانى الأمرين بطفولته في الشيشان، ثم في شبابه بموسكو، حيث شهد بعينه فساد المنظومة السوفيتية، قبل أن يهرب إلى كندا. صرح بيوترين الأب في حوار لصحيفة أمريكية: «كنا نعجز أحيانًا أن نجد حتى فرشاة الأسنان.. النظم الاشتراكية تفرز منظومات شديدة المركزية، فتختار الحكومة لك كل شيء».
وفي هذا المؤتمر، كان بيوترين يقدم ابتكاره الساعي للتخلص من كل الأنظمة المركزية للأبد: الإثيريوم.
ما هو الإثيريوم؟
الإثيريوم هي منصة رأسمالية لامركزية مفتوحة، تتواجد على بلوكتشين خاصة بها. هي محاولة لاستخدام البلوكتشين لتسخير الكمبيوترات المشاركة فيه لإنشاء كمبيوتر عالمي ضخم واحد لا يمكن إغلاقه أبدًا، ولا يمكن التلاعب في محتوياته.
يمكن لكل من شاء أن يدخل مدينة الإثيريوم دون استئذان ويستخدم بنيتها التحتية ليصنع ما يرغب قلبه: عقد بين رجل وزوجته، اتفاق مبدئي لشراء عقار، برنامج لتحرير النصوص، بورصة، شبكة تواصل اجتماعي، شركة لبيع السيراميك، جاليري للإتجار بالأعمال الفنية، كازينو للقمار، جمعية خيرية للدفاع عن حقوق الدلافين، أو حتى عملات رقمية أخرى، أي شيء وكل شيء.
هذه البنية التحتية لها ثلاثة مكونات رئيسية: آلة افتراضية، أو الأساس الذي تقوم عليه المنصة، ولغة برمجة خاصة لتسهيل التعامل معها، وعملة للتداول داخلها لتسهيل تنفيذ هذه المعاملات. لغة البرمجة، المسماة Solidity، تُسهّل كتابة وتنفيذ ما يسمى بالعقود الذكية Smart Contract. هذه العقود تعتمد على الكود لإلغاء الحاجة للجهات المركزية والوسطاء والموظفين المطلوبين لإجراء عمليات روتينية.
فلننظر مثلًا إلى منصة Kickstarter للتمويل الجماعي، التي يعتمد عليها الفنانون والمبتكرون لجمع التبرعات. تعمل هذه المنصة كضامن مالي وسيط، إذ تجمع الأموال من المتبرعين، وتحتفظ بها حتى وصولها إلى مبلغ محدد في تاريخ معروف، فإن نجح المبتكر في الوصول لهدفه، أفرجت المنصة عن أمواله بعد اقتطاع نسبتها وإن فشل، تعيد التبرعات لأصحابها.
على الإثيريوم، العقد الذكي يستطيع تنفيذ كل ذلك، إذ أن الكود داخل العقد سيخلق خزانة إلكترونية تستقبل العملات الرقمية من المتبرعين، وترسلها للمبتكر حال وصولها للمبلغ المطلوب، أو تعيدها لأصحابها إن لم ينجح في الوصول لهدفه في الموعد المحدد. ولأن العقد لامركزي، مسجل على البلوكتشين، ففور إطلاقه، لا يحق لطرف واحد تعديله. الخزانة ستنفذ ما هي مبرمجة عليه، ولا إمكانية لأي طرف أن يقنعها بعكس ذلك. ولا حاجة لوسيط بين المودعين والمبتكر يقتطع لنفسه نسبة مقابل خدماته.
وعلى هذه المنصة، هناك عملة رقمية للتداول تسمى الإيثر Ether، شبيهة إلى حد كبير بالبيتكوين. ولكن، على عكسها، لم يبدأ الأمر بمؤسس مجهول ومتطوعين محدودين. نشأ الإثيريوم بفكرة في عقل صاحبها، ثم اجتذب من حوله مبرمجين ومطورين ومتخصصي تسويق ومحاسبين لتطوير الفكرة وتحويلها إلى واقع.
على عكس البيتكوين أيضًا، الذي ظهر بتعدين العملات بين عدد من أجهزة الكمبيوتر، فإن بيوترين أنشأ مئات الآلاف من عملات الإيثر من العدم، في ما يسمى «عملات ما قبل التعدين»، ووزعها في مكافآت وأجور للعاملين من حوله، قبل طرحها للبيع للجمهور وتمكينهم من تعدينها بالطرق التقليدية.
في نهاية استعراضه للاحتمالات اللانهائية لاستخدامات الإثيريوم، قال بيوترين: «يمكنكم حتى استخدامها لبناء سكاي نت». يقصد بهذا الشبكة الخيالية من الكمبيوترات الذكية التي ظهرت في الفيلم الشهير المدمر Terminator، والتي انتهى بها الحال بالثورة على البشر، والتخطيط لإبادتهم بالقنابل النووية.
كانت هذه بالطبع مزحة أثارت ضحك الحضور، الذين استقبلوا بيوترين بالتصفيق الحار، وحاصروه بأسئلة كثيرة عن التقنية الثورية. لكنها مزحة تكشف روح الإثيريوم المتمردة على كل القواعد. في عالم بيوترين المثالي، لا حكومة أو سلطة تراقبك أو تمنعك من بناء أي شيء.
وإن كانت البيتكوين تجربة مبدئية لتطبيق مبادئ فلسفة فوضوية الكريبتو على أرض الواقع، ، فالإثيريوم هي الاختبار الحقيقي.
بداية عصر التوكنز
ما أن بدأ طرح الإيثر في منصات التداول، حتى شرع بيوترين وشركاؤه في بناء أول تطبيق يجسد روح الإثيريوم اللامركزية. شركة بلا مدير ولا مجلس إدارة. منظمة مستقلة لامركزية Decentralized Autonomus Organization، أو اختصارًا DAO.
الهدف من الشركة أن تصير صندوق استثمار بلا قيادة مركزية. يمكن للجميع أن يودعوا فيه أموالهم بعملة الإيثر، ويطرحون أفكارًا ومشروعات للاستثمار، ويصوتوا عليها بالإيجاب أو بالرفض. الاستثمار في العالم التقليدي يحتاج إلى فتح ملف في البورصة، أو إيداع الأموال بصندوق استثمار أو تحوط قد يقبل مشاركتك، أو يرفضها. وإن قبلها، فلهم الحق في استثمارها بشروطهم، ودون تدخل منك.
أما صندوق بيوترين، فهو تجسيد طموح للديمقراطية المالية التي يحلم بها المؤمنون بالكريبتو. الباب مفتوح للكل، دون أوراق أو حتى الحاجة للكشف عن أسمائهم الحقيقية. القرارات جماعية، وأي شخص يحق له إيداع أمواله، ومشاركة الآخرين في تقرير الوسيلة المثلى لاستثمارها.
ومن أجل تنظيم العمل داخل الصندوق، وتحديد كيفية التصويت، استخدم بيوترين أداة ستغير العالم الرقمي للأبد: العملات الرقمية الرمزية، أو التوكنز.
تسمح منصة الإثيريوم بإنشاء ما يسمى بالرموز القابلة للاستبدال Fungible Tokens، التي طالما حلم بها رواد البيتكوين دون القدرة على تحويلها لواقع. هذه الرموز، كما يوحي اسمها، يمكن أن ترمز التوكنز إلى أي شيء بالعالم الحقيقي أو الافتراضي لتسهيل تداوله على البلوكتشين؛ نسبة في عقار، أو سهم في شركة، أو أي شيء آخر قابل للاستبدال.
البيتكوين عملة رقمية. الإيثر عملة رقمية. لكنهما يحتاجان إلى تعدين، أي طاقة حاسوبية وكهربائية لإنتاجها. أما التوكنز فهي عملات رمزية. هي ترمز لقيمة، لكنها ليست قيمة في حد ذاتها. هي لا تحتاج إلى تعدين، ولا تنشأ نتيجة لاستهلاك الكهرباء والطاقة الحاسوبية. هي تنشأ بقرار من أصحابها وبكود من عدة أسطر.
وحين أنشأ بيوترين صندوق الـDAO، استخدم التوكنز بشكل شبيه بالأسهم في العالم التقليدي. حين يودع المستثمرون أموالهم في الصندوق، يحصلون على عدد من التوكنز تمثل نسبتهم فيه. كلما زاد حجم أموال المستثمر، حصل على مزيد من التوكنز. حاملو التوكنز هم من يحق لهم التصويت على جميع قرارات الصندوق، مثل رفع حجم الأموال المودعة به، أو الموافقة أو رفض الاستثمار بمشروع جديد، وكلما زاد عدد التوكنز التي يملكها مستثمر، زاد ثقل صوته وقدرته على توجيه دفة القرار.
فتحت الـDAO فجرًا اقتصاديًا جديًا، وبدت وكأنها الأمل الذي طالما حلم به الكريبتوسايفر. مؤسسة لامركزية، تخضع لإدارة إدارة لامركزية، فوق بنية تحتية لامركزية.
مفترق الطرق
سرعان ما وصل حجم الأموال المودعة في محفظة العقد الذكي لـDAO، إلى ما يصل لـ55 مليون دولار تقريبًا.
لكن، قبل أن تسمح الفرصة لبيوترين ورفاقه بالاحتفال، اكتشف أحد القراصنة ثغرة في العقد الذكي المؤسس للصندوق، مكنته من سرقة أموال من محفظة الـDAO، ونقلها إلى محفظته. عجز المبرمجون عن إصلاح الثغرة، فاستمرت السرقات يومًا بعد يوم، وتناقصت الأموال داخل الخزانة لحظة بعد لحظة أمام أعين الجميع. نقطة قوة العقد الذكي صارت هي نفسها نقطة ضعفه. فور إطلاق العقد الذكي على البلوكتشين لا يحق لطرف واحد تعديله، مما يعني أيضًا أنه إن كان به خلل أو ضعف أو ثغرة، فإصلاحه مستحيل.
بعد محاولات ونقاشات، لم يجد بيوترين حلًا إلا اللجوء إلى حل تقني يسمى المفترق الحاد أو الـHard Fork. ومثل كل ما يتعلق بالعملات الرقمية، هو قرار أيديولوجي أيضًا.
المفترق الحاد يعني هجر المستخدمين لسلسلة كتل بعينها، وإنشاء سلسلة كتل جديدة كلية تبدأ من نقطة قديمة في السلسلة الأولى. في هذا السيناريو، يقرر الجميع ألا يستخدموا سلسلة كتل الإثيريوم، وأن ينضموا لسلسلة جديدة تبدأ من نقطة ما قبل بداية السرقة. هذه السلسلة الجديدة لن تعترف بالبلوكات الأخيرة التي وثقت نقل العملات الرقمية من محفظة الـDAO، إلى محافظ اللصوص، أي أنها تعيد الساعة للوراء.
لتنفيذ الخطة طرح فيتاليك نسخة جديدة من برنامج الإثيريوم. من يريد الانضمام للسلسلة الجديدة، عليه تنزيل هذا التحديث، وأن ينضم لسلسلة الكتل جديدة، تاركًا السلسلة القديمة مهجورة، فتصير أموال اللصوص بلا فائدة، هي والعدم سواء. الموافقون على تنزيل التحديث الجديد، سيحصلون على عملات إيثر توازي ما كانوا يملكونه في السلسلة القديمة قبل السرقة، وكأن شيئًا لم يكن.
اعترض البعض على اقتراح بيوترين، ورأوا فيه خطورة أكبر من خطورة اللصوص والقراصنة. ألا يصطدم ذلك بالهدف الأصلي من إنشاء الإثيريوم؟ ألا يعد هذا إقرارًا بحتمية ظهور سلطة مركزية وقت الكوارث، تنفذ أوامرها بحسم من أجل المصلحة العامة؟ ألا يعني هذا أن بعض المركزية لها فوائدها رغم كل شيء؟
في عالم لا يوجد فيه بنك مركزي يفصل بين العملة المقبولة والعملة المزيفة، فالقرار في أيدي الجماعة. وفي حين أن الأغلبية وافقوا على اقتراح بيوترين، ورأوا فيه إجراءً مؤقتًا، ظلت أقلية صغيرة رافضة لإنشاء سلسلة جديدة، وترى في تصرف بيوترين ضربة قاسمة لنزاهة تقنية البلوكتشين.
تمسكت هذه الأقلية بالسلسلة القديمة ورفضوا هجرها، وأسموها Ethereum Classic، تمييزًا لها عن سلسلة بيوترين. وما زال الاثنان متواجدان حتى اللحظة.


حمى العملات الرقمية
لم يؤدِ انقسام السلاسل إلى نهاية فكرة البلوكتشين أو إثبات فشل اللامركزية. العكس صحيح، زاد إقبال المستخدمين وتضاعف. سلسلة كتل الإثيريوم جذبت مئات الآلاف من المستخدمين المتعطشين لهذه الفوضى غير المقيدة، وكانت التوكنز هي أهم التقنيات التي جذبتهم.
سرعان ما ظهر مصطلح جديد: الطرح الأولى للعملات ICO، وهي عملية شبيهة بالاكتتاب العام للشركات التقليدية في البورصة IPO. الفارق أن الشركات التقليدية تدخل في عمليات بيروقراطية وقانونية معقدة للتأكد من صحة أوراقها، وسلامة حساباتها، وهوية القائمين عليها، وقانونية نشاطها، قبل السماح لها بطرح أسهمها.
أما داخل عالم الإثيريوم، فلا رقيب. يمكن لأي مستثمر أن يدعي أنه صاحب شركة، ويعلن أنه سطرح أسهم هذه الشركة في شكل توكنز متداولة على الإثيريوم، بدلًا من طرحها في بورصة نيويورك. لن يجد ما يمنعه أو يتأكد من هويته، أو يسعى لمعرفة إن كانت شركته موجودة حقًا أم وهمية.
بين عامي 2016 و2017 ظهرت آلاف العملات الرقمية الجديدة بأسلوب التوكنز لمشاريع تجارية مختلفة. بعض التوكنز كانت تستهدف فئة بعينها، مثل Copytrack التي كانت تُروج لمصوري الفوتوغرافيا، وبعضها كان يستهدف سوقًا بعينه مثل Rentberry المخصصة لتداول العقارات. لكن أغلبها لا يمكن معرفة أي معلومات موثوقة عنه.
الحقيقة أن أغلب المتداولين أيضًا لم يكونوا مهتمين حقًا إن كانت التوكنز وسيلة لتمويل شركة أو كيان تجاري حقيقي وناجح، بل نظروا للأمر كأداة مضاربة قصيرة الأجل. فلنشتري بعض العملات الرخيصة بسنتات أو دولارات قليلة، لعل أحدها ينجح، ويتضاعف ثمنه مرات عديدة، ويسلك مسار البتكوين، ويبتسم الحظ.
إلى جانب الإثيريوم، تعلم المنافسون الدرس من فيتاليك. الدرس الأول، يمكن لأي مبرمج أن يُنشئ عملة رقمية جديدة ويمنح لنفسه ولرفاقه عملات قبل طرحها للجمهور، مما يضمن ثراءهم بين عشية وضحاها إن نجحت العملة. بيوترين قد صار مليارديرًا، ورفاقه من حملة عملات الإيثر قبل التعدين حصدوا ثروات هائلة، فلماذا لا نسير على خطاهم؟
الدرس الثاني، يمكن لأي مجموعة أن تستخدم تقنية المفترق الحاد Hard Fork، وتنشئ سلسلة كتل خاصة بها وتستقل بعملتها الرقمية الخاصة، فالأمر ليس بهذه الصعوبة. البتكوين والإثيريوم، الاثنان قائمان على كود مفتوح المصدر، يمكن للجميع الاطلاع عليه وتقليده. هذا القرار بإتاحة الكود كان هدفه الأصلي تنشيط المنافسة، فمؤسسي العملتين آمنوا بأن قدرة الآخرين على منافستهم ستضمن في النهاية ظهور كود أفضل وأكثر دقة، وأن صراع سلاسل الكتل المختلفة على جذب المستخدمين، سيعني في النهاية أن البقاء للأصلح.
لكن، بدلًا من أن ينتج التنافس عملة رقمية مثالية، أصبح مدخلًا لتشظٍ لا نهائي، وظهرت العديد من سلاسل كتل المنافسة للإثيريوم، فضلًا عن توكنز جديدة داخل الإثيريوم دون هدف واضح سوى خلق فرص جديدة للمضاربة.
بل إن فرصة الربح هنا لا تأتي من المشروعات الاستثمارية الحقيقة، التي تحتاج لسنوات من أجل أن تنمو وتكبر وتحقق عائدًا منطقيًا، بل من العملات غير المستقرة، التي ينجح مؤسسوها في الترويج لها بسرعة بين عموم المضاربين على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى يرتفع سعرها 50 مرة في أيام قليلة، قبل أن تنهار.
وفي عالم يمكن لأي مجموعة، بل لأي فرد، أن يدشن فيه عملته الخاصة، كيف يمكن إذًا تداول كل هذه العملات المختلفة، وشرائها وتخزينها وإدارة محافظها؟ كيف يمكن للمرء أن يتعامل مع كل هذه التوكنز وكل سلاسل الكتل الجديدة في آن واحد؟ كيف يمكن معرفة أسعار كل عملة لحظة تداولها ومراقبة أسعار الصرف وشراء واحدة مكان أخرى؟
يبدو أن هناك حاجة لمؤسسات تدير كل ذلك.
صعود المنصات
هكذا ساهم الإثيريوم، مثل البيتكوين، في ظهور وتضاعف عدد المؤسسات المالية المركزية بدلًا من القضاء عليها. منصات العملات الرقمية أصبحت تلعب دورًا مزدوجًا كبنوك وبورصات في آن واحد، كما توسعت في نشاطها، وسمحت للمودعين بالمضاربة في عملاتهم بالبيع الآجل، والشراء على الهامش.
هذه المنصات تفرض على المستخدمين رسومًا مثل البنوك التقليدية، وتمنعهم من سحب أموالهم وقت الأزمات مثل البنوك التقليدية، وتحتفظ في كثير من الأحيان بأسمائهم وعناوينهم وأرقام هواتفهم وبطاقاتهم الائتمانية مثل البنوك التقليدية، لكن أغلبها غير خاضع لبنك مركزي يشرف عليه ويعاقبه إن أخطأ، ولا فروع في كل مكان يستطيع المستخدمون أن يتجهوا إليها ليتشاجروا مع موظفي خدمة العملاء.
الأسوأ كان ظهور عشرات البورصات والمنصات الوهمية. تزيف ملايين المعاملات والتداولات غير الحقيقية، بين محافظ للعملات الرقمية يتحكمون هم فيها، بغرض رفع سعر عملات بعينها، وإيهام الجمهور أن الإقبال عليها كبير، حتى تصل للسعر المرغوب، فيبيعون التوكنز التي يملكونها في لحظة واحدة، لينخفض سعرها إلى الصفر، ثم يختفون للأبد.

انتشار المنصات البعيدة تمامًا عن أي رقابة حكومية فتح الباب لجيش جرار من مضاربي الأربيتراج arbitrage. يقصد بالأربيتراج الاستفادة من اختلاف ثمن سلعة أو سهم في سوقين مختلفين. فلنفترض أن هناك شركة مطروحة في بورصتي نيويورك ولندن، وكان سهم الشركة نفسها 100 دولار في لندن، و100.3 في نيويورك. هذه السنتات الثلاثة يمكن تحويلها إلى أرباح ضخمة، إن استطاع صندوق استثمار مثلًا أن يشتري ملايين الأسهم في لندن، ويبيعه في نيويورك، وأن يكرر هذه العملية مرارًا مع كل فارق في سهم جديد.
أما في بورصات الكريبتو، فعمليات الأربيتراج ليست حكرًا على عدد قليل من صناديق الاستثمار الكبرى التي تمتلك تقنيات مالية معقدة، بل هي جزء أصيل من اللعبة. بورصات الكريبتو كثيرة ومتعددة، والعملات تزداد عددًا يومًا بعد يوم، والأربيتراج متاح في يد الجميع، بل هناك شركات متخصصة فقط في إعداد وتصميم برامج التداول السريع والمعقد وبيعها للمستخدمين العاديين، لعلهم ينجحون في بورصة الكريبتو فيما لا يستطيعون النجاح فيه بالبورصات العادية.
القادرون على التلاعب بكل ذلك، وتنظيم أنفسهم بخفض سعر عملة هنا أو رفعها هناك، وخداع المتداولين والتلاعب بمشاعرهم، كانوا أكبر الفائزين.

الفقاعة الأولى
منذ تلك الفترة، تنقل الصحف أخبارًا عن أن القيمة السوقية للعملات الرقمية قد وصلت تريليون دولار أو أكثر، وأن سوقها قد زاد عددًا من المليارات أو خسرها. كل هذه الأرقام تقديرية في أفضل الأحوال مزيفة في أسوأها. يستحيل في هذا السوق الفوضوي التفرقة بين الدولارات الحقيقية والمختلقة والمنطوحة والمتردية والمفترضة والمحبوسة في عملات لا يتوافر بها أي سيولة.
أي مبرمج يستطيع أن ينشئ عملة من عشرة مليارات توكن، إن نجح في إقناع عدد من من أصدقائه بشراء بعض التوكنات مقابل دولار واحد للتوكن، فها هو قد خلق عملة يبلغ حجمها السوقي، نظريًا، عشرة مليارات دولار، وإن كانت فعليًا لا تساوي شيئًا على الإطلاق.
ومثل كل فقاعة، كان عدد الخاسرين أكبر من الرابحين بكثير.
انكشفت الحقيقة عن عدد ضخم من العملات والتوكنز، وأنها لم تكن سوى عمليات نصب. عملة Fame التي روج لها دي جي خالد، انهارت وخسر مستثمروها 32 مليون دولار. مبلغ ضئيل مقارنة بعملة Pincoin الفيتنامية، التي خسر مستثمروها 600 مليون دولار. أما عملة OneCoin، فربما كانت أم السرقات كلها، إذ اختفى مؤسسوها تمامًا بعد أن جمعوا أربعة مليارات دولار من حول العالم. والقائمة تطول.
انتبهت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل جوجل وفيسبوك ولنكد إن، إلى أن الطرح الأولي للعملات هو ساحة مفتوحة للنصابين ومروجي التسويق الهرمي، فمنعوا الإعلان عن أي عملات جديدة. واكتملت العاصفة حين تعرضت واحدة من أكبر منصات التداول في كوريا الجنوبية إلى قرصنة أفقدتها ما يزيد على نصف مليار دولار. انهار سعر البتكوين، أبو العملات الرقمية كلها، من حوالي 19 ألف و700 دولار إلى 500 دولار فقط. وشهد عالم الكريبتو انفجار فقاعته الأولى.
هذا كله لم يكن كفيلًا بكتابة نهاية العملات الرقمية، بل إنها كانت بدايتها الحقيقية. الحرية المذهلة التي تمنحها الإثيريوم لخلق القيمة من العدم، وتنظيم كيانات تجارية لامركزية بين أناس لم يقابلوا بعضهم قط، وتمويل شركات ومشاريع دون الحاجة للمرور عبر تعقيدات الحكومة، تظل أفكارًا لها قوتها وحيثيتها.
مبشرو الكريبتو ومنظروه رأوا في كل ذلك تحقيقًا لحلم السوق الحر الذي يتنافس فيه الجميع بحرية وعلى قدم المساواة دون عائق أو قيد، وتمكينًا لعوام الناس من الوصول إلى أدوات استثمارية معقدة كانت بالأمس حكرًا على الصفوة.
وما أن انفجرت الفقاعة، وهدأ الغبار، بدأ السوق في إعادة تنظيم نفسه. وكانت الموجة الثانية من مضاربات الكريبتو أكبر وأكثر ابتكارًا من خيالات الجميع.
الحلقتان السابقتان من السلسلة:
آراء أخرى
الكربيتو من المهد إلى الميتافيرس: جنة المضاربين (4-5)
«التوكن، بغض النظر عن هدفه، يظل توكن. عملة رقمية رمزية»
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس (1-5)
«قبل أن تسود أحاديث المضاربة والربح، كانت العملات الرقمية فكرة يوتيوبية»
«انتش واجري» هكذا يُصنع التريند داخل الطبقة
«التريند لا يعبر بالضرورة عن الاحتفاء بمحتواه، بل إنه يُصنَع من خلال إعادة تأطير محتواه»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد