تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

«انتش واجري» هكذا  يُصنع التريند داخل الطبقة

مي عامر
12 دقيقة قراءة
«انتش واجري» هكذا  يُصنع التريند داخل الطبقة

قبل أسابيع، وقف هيثم أحمد المُلقب بـ«ويجز الغلابة» على إحدى أسطح العمارات مع صديقه حسام، وغنى أغنيته «انتش واجري» على لحن أغنية مايكل جاكسون «Smooth Criminal». في نهاية الأغنية، قال «حسام أخويا هو اللى معايا وطلعني». بمشاهدة المقطع، لم تبد لي المسألة أكثر من موقف مُضحِك أُذيع على صفحة حسام بمنصة تيكتوك. لم يدّعِ هيثم أنه مطرب أو شاعر يجيد فنًا ما، فقط يريد أن يطلع على الشاشة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يقدم فيها هيثم فقرة كوميدية لآخرين، فوفقًا لمقابلة أجراها بعد انتشار المقطع، فإنه عادةً ما يقدم فقراته الكوميدية لأصدقائه في حارة اليهود بعد انتهاء الشغل لكسر حالة الملل. ولكن هذه المرة قدم هيثم فقرته على تيكتوك، واحدة من المنصات الأكثر شعبية والأوسع استخدامًا في مصر، فتناقل كثيرون المقطع وأصبح حديث منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.

خلال أيام، حصد المقطع آلاف المشاهدات التي يصعب حصرها. وعلى فيسبوك تحديدًا، احتوت الكثير من الشروحات المصاحبة للمشاركات على استهجان من المقطع، وتنمر على شكل هيثم ورقصه واللغة التي رددها حسب ما سمعه من إنجليزية مايكل جاكسون. لم يقف الاستهجان عند الشروحات، بل أذاع بعض صُنّاع المحتوى المقطع وسخروا منه. وعلى ناحية أخرى، استخدم بعض الفنانين صوت هيثم الوارد في المقطع وأدوا رقصات عليه.

حالة الجدل التي أثارها مقطع هيثم جعلتني أتساءل حول أسباب انتشار هذا المقطع بتلك الكثافة والسرعة؟ والطريقة التي تؤثر بها طُرق عمل مواقع التواصل الاجتماعي على مفهومنا للنجاح؟ فهل مجرد الانتشار يعني «النجاح»؟ لماذا لم يُعتَبر المقطع مقطعًا كوميديًا وحسب مثلما أراد له صاحبه؟ ولماذا يُعاد تدويره، وإنتاجه بصور مختلفة؟ ماذا يعني اختلاف تفاعل الناس مع نفس المقطع بين منصة وأخرى؟

خارج منصات التواصل الاجتماعي تنتج الشركات، معتمدةً على العاملين بها، خدمةً أو منتجًا، ويعتبر مدى انتشار سلعة أو خدمة ما والإقبال على استهلاكها أحد أهم مؤشرات نجاحها. وعلى منصات التواصل الاجتماعي، فإلى جانب الدور الذي تلعبه في عرض منتجات وخدمات الشركات، فإنها تُقدِم أيضًا منتجها الخاص: المحتوى والذي تعتمد جزئيًا في إنتاجه على المستخدمين/المستهلكين أنفسهم. تطرح بعض منصات التواصل الاجتماعي نفسها كمنصات نشر وعرض، وتفتح المساحة لمستخدميها لخلق محتوى من خلال مشاركة آرائهم المكتوبة أو مقاطعهم المصورة أو إذاعة أجزاء من حياتهم مباشرةً من خلال خدمة الـ«live». ومنذ لحظة خلق حساب على المنصة والاطلاع على المحتوى المنشور عليها، نبدأ في استهلاكه. فتفاعلاتنا على هذه المنصات والتي تبدأ بالمرور على المنشور والتوقف عنده، وتمتد لتشمل الضغط على زر الإعجاب أو المشاركة أو كتابة تعليق، هي جميعًا ما يعكس تفاعلنا مع ما نستهلكه من محتوى.

بالرغم من اختلاف تكنولوجيا التصميم ونقاط الارتكاز التي ينطلق منها المصممون، هناك هدف مشترك بين كل منصات التواصل الاجتماعي، وهو أن تبقى على المنصة لأطول وقتٍ ممكن، حتى يتسنى لها عرض المزيد من الإعلانات. ولتحقيق هذا الهدف، تصمم كل منصة الخوارزمية الخاصة بها. لا تفصح شركات منصات التواصل الاجتماعي عن طرق عمل خوارزمياتها بشكل مُفصل، ولكن ذلك لا ينفي إتاحة بعض المعلومات حول طريقة عملها سواء على المنصات نفسها، أو من خلال تسريبات وتحقيقات حاولت توضيح بعض من معالم الطرق التي تؤثر بها الخوارزميات على سلوك مستخدمي المنصة من خلال تفاعلهم مع المحتوى المنشور عليها. تقرأ الخوارزمية كل المُدخلات التي يعطيها المستخدم لها سواء تلك المرتبطة بإعدادات الجهاز الذي يستخدمه، وموقعه الجغرافي وأيضًا المُدخلات التي تنتج عن استهلاكه للمحتوى والتفاعل معه. ثم تعطي الخوارزمية أوزانًا متفاوتة للمدخلات التي تتلقاها، على حسب أهمية عنصر التقييم بالنسبة لتصميم الخوارزمية الذي يختلف من منصة لأخرى. ووفقًا لبعض التحليلات، فإن الفارق الكبير الذي أحدثه دخول تيكتوك لسوق التواصل الاجتماعي هو أن خوارزمياته تُمركز المستخدم وتفضيلاته، مما جعله منافسًا شرسًا لمنصات التواصل الاجتماعي الأقدم. حيثُ أن خوارزميات فيسبوك، وهو أحد أوائل منصات التواصل الاجتماعي، تأخذ في الاعتبار عوامل أخرى مرتبطة، ليس فقط بالمستخدم نفسه وسلوكه على المنصة، ولكن أيضًا بأصدقاء المستخدم وأقرانه.

ومثلما تختلف الخوارزمية من منصة لأخرى، فإن خوارزمية المنصة الواحدة تتطور عبر الزمن وتُحدَّث طريقة عملها لتحقيق هدفها الأكبر: أن يقضي المستخدمون وقتًا أطول على المنصة. مثلًا، أدخل فيسبوك التفاعل غير المقتصر على زر «أعجبني» وأتاح خمسة «إيموجيز» أخرى للتعبير عن نطاق أوسع من المشاعر التي قد يثيرها منشور ما في نفس مستهلك المحتوى وهي: الحب، والضحك، والمفاجأة، والحزن، والغضب. ثم أضاف بعدها الإيموجي السادس الخاص بالرعاية/الاهتمام. في 2017، أعطى التصميم وزنًا أكبر بخمس مرات لهذه التفاعلات، بالمقارنة مع الضغط على زر أعجبني. بكلماتٍ أخرى، لو الضغط على زر أعجبني يعطي المنشور درجة، فالضغط على «الضحك» أو «الغضب» سيعطي المنشور خمس درجات. وبذلك أصبحت احتمالات ظهور المنشورات التي تثير مشاعر أقوى لدى مستهلكي المحتوى أعلى، بدون التفرقة بين الحب والغضب، فالمهم أن المنشور قد أثار شعور المستهلك بما يكفي للقيام بخطوة إضافية غير لمس الشاشة للتعبير عن الإعجاب. ما أثبتته الأبحاث أن هذا التغيير قد جعل فيسبوك مكانًا أكثر غضبًا واستقطابًا. وبُني على هذه الأبحاث مقترحات بتغيير أوزان بعض الـ«إيموجيز»، ولكن استمرت هذه الأوزان لبضعة سنوات. وفي 2018، خُفِض وزن «الغضب» في تصميم الخوارزميات ليصبح أربعة أضعاف زر الإعجاب. وأخيرًا، في سبتمبر 2020، قرر فيسبوك تغيير الوزن النسبي للستة «إيموجيز» المُتاحة، وحينها فقط أصبح الغضب مساوٍ لصفر، والضحك والمفاجأة والحزن تساوي واحد، والحب والرعاية؛ اثنين.

ما سبق كان مجرد مثالًا لأوزان تفاعلاتنا على منصات التواصل الاجتماعي، والطريقة التي يُعطي بها التصميم ثقلًا أكبر للعنصر الذي يراه يخدم الهدف الأكبر للمنصة. كل ما تجمعه الخوارزميات من بيانات حول تفاعلاتنا تحوله لمؤشرات كمية وأوزان نسبية، وتتمكن بذلك من تصميم «فيد» إذا كان على فيسبوك أو صفحة «فور يو» إذا كان على تيكتوك لكل مستخدم على حدة. خلق ذلك واقعًا تغيّر فيه فعل الفرجة حيثُ أصبح أكثر ميلًا لأن يكون فعلًا فرديًا. ولكن فردية فعل الفرجة لا تعكس ما يحدث داخل الشاشة. صحيح أن حسابك خاص بك وحدك، لكن الخوارزميات تعمل بنظام ترشيح المنشورات الأقرب لـ«تفضيلاتك»، وبالتالي «تفضيلاتك» متوقعة وتشبه وتتقاطع مع شريحة عريضة من الناس. فالتريند يحمل معنىً جماعيًا، حيثُ أنه غير مقتصر على تفاعل مستخدم واحد، بل حصاد مجموع تفاعلات المستخدمين، التي بدورها تغذي وتتغذى على خوارزميات المنصة.

وجودنا على منصات التواصل الاجتماعي يحتل موقعين أساسيين: المستهلك الذي يشاهد ويتصفح، والمنتج الذي يساهم في إنتاج المحتوى الموجود على المنصة. ويتحرك المستخدمون بين هذين الموقعين من خلال تفاعلاتهم مع محتوى ما يستهلكونه أو ما يعيدون تدويره من خلال إنتاجهم الخاص. هذان النمطان غير منفصلين عن بعضهما بشكل قاطع. فمستخدم المنصة قد يكون الاثنان معًا في نفس الوقت. وذلك لأن المنصات تُتيح أدوات بسيطة وتقنيات سهلة الاستخدام، كما أن التواجد عليها لا يتوقف سوى على امتلاك تليفون حديث قادر على التصوير والاتصال بعالم الانترنت. هذا الوجود الجديد نسبيًا، وحركتنا فيه بين النمطين من خلال التفاعل مع المحتوى، قد يكون عاملًا مساهمًا في تغيير مفاهيمنا للاستهلاك والتفاعل والإنتاج نظرًا لتغيّرها بفعل طُرق عمل مواقع التواصل الاجتماعي وأوجه الوجود المختلفة التي أتاحت لعدد أكبر من الأشخاص احتلالها.

مثلًا، يُعطينا عدد مشاهدات فيديو ما لمحةً عن استهلاكه، أو ربما الأدق عن قابليته للاستهلاك. فبالرغم من أن معدل استكمال الفيديو هو أحد القياسات الهامة لـ«نجاح» الفيديو على المنصة، وله وزن هام في خوارزميات المنصة، فإنه قياس لا يظهر إلا لمَن له القدرة على الإطلاع على تحليلات «أناليتيكس» الحساب الذي قد نُشِر الفيديو من خلاله. وبالتالي هو لا يظهر لنا نحن، مستخدمي المنصة ومستهلكي المحتوى، أما ما يظهر لنا هو عدد المشاهدات التي حققها الفيديو. ولذلك، فإن حساب مشاهدات الفيديو قد يؤثر في فهمنا لاستهلاك المحتوى، وبالتحديد في توافر عنصر القصدية من أجل المشاهدة. فمثلًا، تُحسَب المشاهدة على تيكتوك بمجرد تشغيل الفيديو، بينما تُحسب المشاهدات على فيسبوك وانستجرام بعد مرور ثلاث ثواني من تشغيل الفيديو، وتُشغل الفيديوهات على المنصات الثلاث تلقائيًا بمجرد ظهورها على الشاشة. يختلف ذلك عن مشاهدتنا لفيلم أو مسلسل حتى لو كان على نتفلكس. فمن أجل المشاهدة سيكون على المتفرج القيام بفعل واحد مقصود على الأقل، وهو الضغط على الزر من أجل تشغيل الفيلم. ومن خلال قيامنا بهذا الفعل المقصود الذي يعبّر عن رغبتنا في مشاهدة هذا الفيلم أو ذاك، تظهر مؤشرات انتشاره ومدى الإقبال عليه. ولكن مؤشر المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي الأكثر استخدامًا لا يعكس قصدية المشاهدة/الاستهلاك. فالخوارزميات تقوم بمهمة الترشيح، وبعد ذلك مجرد المرور على المنشور قد يصب في «أرقام» مشاهداته وبالتبعية في احتمالات انتشاره وتحوله لـ«تريند»

تفاعلاتنا على منصات التواصل الاجتماعي تستلزم قدرًا من القصدية في القيام بالفعل، فالضغط على زر الإعجاب أو كتابة تعليق أو مشاركة منشور كلها أفعال يقوم بها المستخدم عن عمد. ولكن المشكلة هنا أن الأداة التي نستخدمها للتفاعل مع المحتوى قد لا تعبّر بالضرورة عما نقصده فعليًا باستخدامها، أو عن المعنى الذي  كان من المفترض لها التعبير عنه. فمثلًا، إلى جانب مشكلة إيموجي الغضب المعروضة سابقًا، فإنه وفقًا لأبحاث أُجريت داخل فيسبوك على استخدام إيموجي الضحك للتفاعل مع المحتوى، فلقد وُجِد أنه كان يُستَخدَم للتعبير عن نطاق واسع من التفاعلات من ضمنها بالطبع ما كان يجعل المستخدمين يضحكون لأنه كوميديًا ولكن كان إيموجي الضحك مُعبرًا أيضًا عما يُثير سخرية المستخدمين، ولذلك كان يُستَخدَم للتفاعل مع المعلومات الخاطئة و«المحتوى السام». بالطبع، الضحك من باب الدعابة يختلف في معناه عن الضحك من باب السخرية، فالسخرية تستلزم قدرًا من الاستهزاء مما نسخر منه. الفكرة هنا هي كيف قد يضيع المعنى الذي نقصده حقًا من خلال استخدام نفس أداة التعبير عن معنيين مختلفين عن بعضهما؟ بالطبع هناك أدوات للتعبير على وسائل التواصل الاجتماعي تُتيح لمستهلكي المحتوى أن يعبّروا عما يقصدونه بحق، مثل التعليقات والشروحات المصاحبة للمشاركة، ولكن إلى أي مدى قد يعطي تصميم الخوارزمية ثقلًا للمعنى الذي نقصده في حساباته الكمية وليس فقط لأداة التعبير عنه وأرقامها؟

الوسيط الذي يستخدمه صانع المحتوى قد يساهم أيضًا في انتشاره عبر المنصات المختلفة. فالصور والمنشورات الطويلة، على سبيل المثال، ليست وسائط عابرة للمنصات، على عكس الفيديو. بدأ مقطع هيثم رحلته من منصة تيكتوك التي حققت شعبية كبيرة في مصر بين أوساط متعددة، على الرغم من كونها منصة حديثة نسبيًا إذا قورنت بفيسبوك أو تويتر. ربما كان سبب هذا النجاح هو اعتمادها على المقاطع القصيرة سهلة الفرجة وسهلة الإنتاج، عظّم ذلك من حجم مستخدمي هذه المنصة سواء كانوا جمهورًا يستهلك المحتوى أو صُنّاع ينتجونه أو الاثنين معًا، وفتح المجال لتداول محتوى متنوع اعتمد على الخفة والكثافة في إنتاجه. دخول تيكتوك سوق التواصل الاجتماعي، وقدرته على جذب عدد كبير من المستخدمين، كان عنصرًا مساهمًا في إضافة بعض «الفيتشرز» الجديدة على فيسبوك وانستجرام مثل الـ«ريلز»، كما كان عنصرًا مساهمًا في إعطاء وزنًا أكبر للمنشورات التي تحتوي على الفيديوهات المصنوعة من قِبَل المستخدمين في «فيد» المنصتين. 

باختيار الفيديو كوسيط، ينشر بعض مستخدمي المنصة من موقعهم كصُنّاع مواقفًا عادية مجتزأة من يومياتهم في المنزل أو الشارع أو العمل أو أماكن الترفيه. وهناك آخرون ينشرون مقاطع لعرض مهاراتهم ومواهبهم. في الحالتين، لا ينقل الفيديو الموقف أو الموهبة فقط، وإنما يكشف لنا أكثر مما ينتوي صانع المحتوى الكشف عنه: شكل الشارع ومستوى الزحام، وطبيعة الموقف ومستوى اللغة، وشكل أثاث المنزل ولون الدهانات، كل هذه العناصر التي تظهر في الفيديو تجعلنا كمشاهدين/مستهلكين نقترب من الصانع أكثر مما يقصد. هنا يكون الفيديو مرآةً للسياق، فعلى عكس الأفلام والمسلسلات التي تنقل واقعًا مصنوعًا وفقًا لرؤية الكاتب والمخرج والمصور، ينقل لنا هذا النوع من الفيديوهات الوضع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي لصانع المحتوى نفسه. 

وبذلك تتضمن عملية استهلاك الفيديو مساحة تفاعل المستهلكين معه، ومع كل العناصر التي يرونها فيه والتي تُثير بداخلهم ردود أفعال معينة، ليست سلبية بالضرورة. هذا التفاعل يُمرر من خلال التعبير عن كل ما أثارته عناصر الفيديو باستخدام الأدوات التي تتيحها منصات التواصل الاجتماعي للتعبير. ويحدث التفاعل أيضًا من خلال مساحات الإنتاج التي يعتمد صانعو المحتوى فيها على إعادة تدوير المحتوى الذي يتفاعلون معه. ومثلما ينقل الفيديو لمستهلكه التفاصيل التي تشكل سياق صانع المحتوى، فإنه يهبط -في نفس الوقت- على المستهلك وهو في بيئته الطبيعية؛ فيخلق مساحة من التعارف بين أشخاص لم يكن لهم أن يطلعوا على ظروف بعضهم بهذا الجلاء إلا من خلال المنصة واستخدام هذا الوسيط تحديدًا. يستقبل المستهلك الفيديو وهو في مكانه، ويضفي عليه معنىً جديدًا بتفاعله، ليس مع المنتج نفسه، ولكن مع كل ما يُعبّر عنه. يعكس هذا التفاعل وجهة نظر مستهلك الفيديو في الحياة، فيُعبر عما قد يُشعره بالتهديد، أو ما قد يستوقفه أو يعجبه أو يضحكه أو يُثير سخريته. وبذلك قد ينتشر الفيديو من خلال إعادة تدويره في إطار جديد يُعبّر عن المستهلك، وليس وفقًا لما أراد له صانعه أن يكون.

هذا بالضبط ما حدث مع هيثم، الذي حين صوّر مقطعه لم يقصد أن ينقل لنا تفاصيل المكان ولكن بمشاهدة الفيديو يمكننا أن نعرف أنه صُور في منطقة فقيرة تتراص فيها المباني التي لا تفصل بينها مساحات واسعة، وعلى سطح عمارة قام صاحبها «بتبليطه» باستخدام بواقي السيراميك، ربما لأنها الأوفر حتى لو لم تكن الأجمل. هذه التفاصيل أمدّتنا بصورة مجملة عن حياة هيثم وتصورات مبدئية عن السياق الذي يحيا فيه مما كان مؤثرًا في تشكيل الاتجاهات والمشاعر نحوه. وهنا صارت مظاهر فقره جزءًا مما يستهلكه ويتفاعل معه الجمهور المتنوع، ويعيد تدويره على منصات مختلفة مضيفًا إليه معاني تعبّر عن المواقع المختلفة التي تحتلها مكونات هذا الجمهور. فعلى سبيل المثال، لم يكن السيراميك موضوع فيديو هيثم، إلا أنه كان موضوع اهتمام أحد المعلقين الذي عبّر عن ضيقه من «كوكتيل السيراميك اللي على الأرض»

لم يستدعِ هيثم فقره بشكل مقصود في المقطع الذي قدمه، ولكن هذا هو ما استدعاه بعض المتفاعلين مع منشوره. وهو نفسه ما استدعته الميديا التقليدية عندما حاورت هيثم. ففي مقابلته مع «القاهرة 24»، وصف المذيع ما قدمه هيثم بـ«الإسفاف»، ولكنه عكف على طرح أسئلة تؤطر فقر هيثم كمدعاة للشفقة والعطف، باعتبار أن فقره قد يغفر له «إسفافه». ولم يتوانَ أيضًا عن نصحه بتقديم محتوى مفيد يساعد الأشخاص على «بر الوالدين» و«تبطيل المخدرات». في مقابلة أخرى مع «تليفزيون الشمس» في برنامج «spot»، وبعدما قاطع هيثم وهو يغني أغنيته قبل التفوه بـ«انتش واجري» لأنها «لا تليق بالمصريين»، تعامل المذيع أحمد رضوان مع ما يمثله هيثم باعتباره مدعاة لـ«التهذيب والإصلاح». فبعد إشادته بأن هيثم لا يقوم بـ«أفعال مخالفة»، حيثُ أنه «لا بيتشبه بالنساء ولا بيطلع حاطط فلتر عليه روج»، نصحه بتغيير «الكلمتين اللي ورا بعض دول». ولكن ما الذي أتى بـ«التشبه بالنساء» فيما قدمه هيثم؟ هل يخشى المذيع أن يتمادى هيثم و«يطلع بفلتر عليه روج» إذا لم يُهذَّب على «انتش واجري»؟ تعامل البعض مع انتشار هيثم باعتباره مدعاة «للاستنفار والفزع»، حينما انتشرت بعض الأخبار حول نية فودافون شراء المقطع واستخدامه في خدمة الكول تون، صيغت أسباب فزعهم في «ضعف الأغنية» و«افتقار هيثم لمقومات المطرب ولا حتى المؤدي»، متسائلين عن «أزمة القدوة» التي تتأثر بها الأجيال القادمة حين يكون هيثم فنانًا ويٌكافئ بالشهرة دون مجهود ولا دراسة ولا موهبة.

ما حدث مع هيثم ليس فريدًا من نوعه، بل إنه حدث من قبل وسيستمر في الحدوث. يعبّر ذلك عن أحد أوجه امتداد وجودنا بين الواقع المادي والواقع الإلكتروني. يذهب الجمهور، بمكوناته المختلفة، لمنصات التواصل الاجتماعي وتتحرك هذه المكونات من خلال تفاعلاتها مع المحتوى ما بين موقعين مختلفين: الإنتاج والاستهلاك. وفي الحركة بين هذين الموقعين نفقد في بعض الأحيان أجزاءً من قصديتنا، سواء فيما نستهلكه أو فيما ننتجه. نُمَكَّن من الاستهلاك على نطاق واسع، ليس في مقابل أموالنا بالضرورة، بل في مقابل وقتنا وبياناتنا. ونجد بين أيدينا أدوات للتعبير والإنتاج لم يكن لنا التَمَكُّن منها إلا من خلال وجود هذه المنصات. ولكن في نفس الوقت تصميم هذه الأدوات لا يهدف بالضرورة لتمكيننا، بل إنه يتحرك وفقًا لمصلحة المنصة. وفي خدمة مصلحة المنصة، يُصنَع التريند داخل الطبقة، فالتريند لا يعبر بالضرورة عن الاحتفاء بمحتواه، بل إنه يُصنَع من خلال إعادة تأطير محتواه، المنشور بقصد أو غير قصد، في إطار مُعبر عن مخاوف جزء ممَن يصنعون التريند أنفسهم. 

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).