الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس: وعود البيتكوين (2-5)
استيقظ من نومي على رسالة نصية من صديق تحوي كلمة واحدة فقط: HODL. ابتسم وأنا أرسم في مخيلتي صورة ابتسامته وسعادته في هذه اللحظة. كانت الرسالة في ليلة 17 يناير 2020. يومها وصل سعر البيتكوين إلى ما يزيد عن 62 ألف دولار لأول مرة في تاريخه. كان صديقي يحتفل بأن استثماراته في البتكوين على مدار السنين قد منحته أخيرًا ثمارها.
أما الكلمة فهي اختصار لـ Hold on For Dear Life، أو تمسك بعملاتك الرقمية حتى آخر رمق في حياتك. كُن مؤمنًا بقيمتها، واعلم أن سعرها سيرتفع في المستقبل، ولا تسارع بالبيع، ولا تستجيب لإغراءات تحقيق المكاسب الصغيرة.
لكن الاستثمار وتعظيم الثروات لم يكن الهدف الأصلي للبيتكوين. ألم يكن من المفترض أن تكون بديلًا للنقود؟ ألم تكن هي أول خطوة نحو سقوط النظام المالي العالمي القائم كله؟ كيف أصبحت أداة مضاربة مفضلة للأثرياء؟
أصول اللامساواة
بعد أن أثبت المبرمج المجهول ساتوشي ناكاماتو إمكانية تحقيق حلم العملة المستقلة، ازداد الملتفون من حوله، يرغبون في المشاركة بهذه التجربة الشيقة. لم يكن للبيتكوين وقتها أي تطبيق حقيقي أو استخدام مفهوم. هي فقط دليل على أن عالمًا جديدًا تختفي فيه البنوك بات ممكنًا.
وحين ازداد حجم المشاركين في الشبكة من أعضاء حركة الكريبتو سايفر وتشعبوا، حان وقت اختبار إمكانية تداول البيتكوين بين بعضهم البعض. لتلبية هذا الاحتياج ظهرت أول «محفظة لبيتكوين»، والتي كانت تتكون من واجهة بسيطة بها وظائف محدودة مثل إرسال العملات واستقبالها. إلى هنا فالمحفظة أشبه بواجهة الحساب البنكي التقليدي: إرسال النقود، أو استقبالها.
لكن الخيار الأهم في هذه المحفظة هو إنتاج العملات، الذي يسمح للمشاركين في الشبكة أن ينتجوا النقود/ البيتكوين بأنفسهم. هذا الخيار يجعل المحفظة تعمل في الخلفية طوال الوقت لتعدين البتكوين، أي أنها تساهم في حفظ كل المعاملات التي تحدث بين محافظ البتكوين المختلفة، وتمنح المحفظة الأكثر كفاءة بعملات بيتكوين جديدة تشجيعًا لأصحابها على الاستمرار في تسخير أجهزتهم لخدمة الشبكة.
لنفترض أن هناك 100 جهاز مشارك في شبكة البتكوين. وأن المستخدم (أ) يريد أن يرسل للمستخدم (ب) 20 بيتكوينًا، وفي نفس الوقت فالمستخدم (ج) يريد إرسال خمسة بيتكوينات للمستخدم (د)، والمستخدم (هـ) يريد إرسال 70 بيتكوينًا للمستخدم (و). لنفترض أن من ضمن الأجهزة الـ100 المشاركة في الشبكة 40 جهازًا فقط يعملون على حفظ سجل التداولات وتحديثه، وهم «المعدنون».
ستتنافس هذه الأجهزة الـ40 في جمع العمليات المطلوب تنفيذها داخل كتلة (بلوك) جديد. كل منها يجري عمليات حسابية ورياضية معقدة للتأكد من أن كل محفظة تملك حقًا المبلغ المراد إرساله، ومراجعة سجل معاملات البتكوين منذ لحظة نشأته وحتى لحظة المعاملة، والتيقن من أن كل شيء سليم.
الجهاز الذي ينجح في حساب الهاش الجديد، سيرسله إلى كل الأجهزة الأخرى، وبذلك يعلن نجاحه في مهتمة، بإضافة بلوك للسجل. وفي داخل هذا البلوك أيضًا، يسجل مكافأته بحصوله على عملات بتكوين جديدة من مخزون الـ21 مليون عملة.
صمم ساتوشي كود البتكوين كي يكافئ المستخدمين الأوائل بسخاء، لتوفير سيولة كافية من العملة تسمح بالتداول، على أن تقل حجم المكافأة وتزداد صعوبة الحصول على عملات جديدة كلما زاد عدد الأجهزة المشاركة في الشبكة. وقتها، كان تعدين البتكوين لعدة ساعات عبر جهاز كمبيوتر شخصي عادي كاف لإنتاج آلاف العملات.
ماذا عن الكمبيوترات الأخرى التي حاولت تنفيذ المهمة ذاتها، ولكنها لم تنجح في تأديتها بسرعة؟ لن تفوز بشيء. جهودها وكهربائها مهدرة. هارد لاك، وحظ سعيد المرة القادمة.

كان ساتوشي يحاول بأسلوب المنافسة حل معضلة تقنية. التعاون بين المشاركين في الشبكة قد ينتج عنه اختلاف بين نسخ السجل المختلفة، بسبب تفاوت سرعة الأجهزة. الأجهزة الأبطأ قد تفشل في مجاراة تحديث السجل بسرعة، فيكون داخل الكمبيوتر السريع نسخة حديثة من السجل، وعلى الجهاز البطئ نسخة قديمة. هذا التأخر، حتى لو كان طفيفًا، يقضي على الفكرة من أساسها، إذ أن نجاح البلوكتشين يعتمد على أن تكون كل نسخه متطابقة طوال الوقت.
المنافسة تضمن أن تحديث السجل في يد الفائز وحده، مما يضمن نزاهة السجل ودقته، إذ يتلقى جميع الخاسرين البلوك الجديد في وقت واحد. آمن ساتوشي أن التنافس آلية عادلة لحفظ السجل، ففي شبكة لامركزية، لا يوجد جهة واحدة تحتكر التوثيق وحصد المكافأة المرتبطة به، بل كل جهاز مشارك في الشبكة له فرصة متساوية في الاضطلاع بهذا الدور.
لكن المنافسة لها مشكلاتها التي كان يسهل التنبؤ بها أيضًا. تساوي الفرص لا يعني تساوي القدرات. تسابق مهندسو الكمبيوتر في تصميم أجهزتهم المنزلية بأساليب أكثر كفاءة في حل المعادلات الرياضية، لتتضاعف فرصهم في حصد البيتكوين عن أقرانهم من المستخدمين العاديين غير المتخصصين.
لم يكن ساتوشي يتوقع هذا الأمر بالضرورة، لكنه لم يهتم به أيضًا. حين نما إلى علمه قدرة بعض المبرمجين والمهندسين على التعدين أسرع كثيرًا من غيرهم أبدى بعض القلق، لكنه لم يلتفت للأمر، وكتب في رسالة بالبريد الإلكتروني لأحدهم: «لا أود أن أبدو اشتراكيًا. أنا لست مهتمًا إن تراكمت الثروة (في يد أقلية)». وكانت عبارته نبوءة ذاتية التحقق.
بيتزا وهيروين
إلى هنا صار للبيتكوين مجتمعًا نشطًا من المستخدمين والمتحمسين الذين يملكون البيتكوين على أجهزتهم، يتداولونه في ما بينهم ويعدنون خلال هذه التداولات عملات جديدة، ولم يبق سوى أن يستخدموه على أرض الواقع.
دون عرض وطلب، يظل البيتكوين ملفًا أجوفًا لا يعبر سوى عن طاقة كمبيوتر مستهلكة في حل عدة حسابات رياضية لا قيمة لها.
عام 2010، تطوع أحد المتبنين الأوائل، وعرض أن يدفع 10 آلاف بيتكوين لكل من يرسل له بيتزا من «بابا جونز». استجاب البعض للفكرة بالفعل، وأمضى الرجل أسبوعًا في استقبال البيتزا ودفع ثمنها بالعملات. بمقارنة سعر البيتزا بالدولار وسعرها بالبيتكوين، تحدد سعر العملة بحوالي 244 بيتكوين للدولار الواحد.
بعدها بعام، أنشأ الباحث العلمي دارس الفيزياء روس أولبريخت موقع «طريق الحرير»، وهو سوق سوداء تقبل البيتكوين لتداول كل ما تجرمه الحكومات، مثل السلاح والمخدرات. لم يكن للسوق دورًا محوريًا في انتشار البيتكوين فقط، بل أيضًا في نشر عقيدته السياسية.
كان «طريق الحرير» يسمح ببيع الوثائق المزورة، مثل جوازات السفر ورخص القيادة، لكن كان يمنع تزوير تذاكر السينما أو عقود البيع والإيجار، فالنوع الأول من الوثائق به اعتداء محمود على سلطة الحكومة، أما النوع الثاني ففيه اعتداء مذموم على الملكية الخاصة.
أصبح البيتكوين حقيقة رغم أنف الحكومات. نقود يمكن صنعها في المنزل، وتستخدم للبيع والشراء. هو تجسيد لحلم اللامركزية الأناركي الذي يتحقق خطوة بخطوة، مع كل تداول جديد، ومع كل متجر يقبل الدفع بعملة المستقبل. ساتوشي اختفى عن الأنظار، وترك مشروعه في يد مجموعة من المبرمجين المؤمنين بفكرته، ليثبت باختفائه أن الفكرة قادرة على الحياة والاستمرار دون وجه يمثلها.

نهاية حلم اللامركزية
ما أن أصبح للبيتكوين استخدامًا حقيقيًا وسعرًا يتزايد، حتى تضاعف عدد مستخدميه، ولكن بدلًا من أن يؤدي هذا لانتشار مبادئه السياسية المعادية لمركزية البنوك، حدث العكس بالضبط.
حين يبدأ المستخدم الجديد في إعداد محفظة البيتكوين، يحصل على «مفتاح شخصي»، هو أشبه بكلمة السر، من المفترض أن يحتفظ به في مكان آمن، يبدو شكله مثل هذا:
E9873D79C6D87DC0FB6A5778633389F4453213303DA61F20BD67FC233AA33262
سريعًا جدًا، حدث ما كان متوقعًا. نسى عشرات المستخدمين الجدد مفاتيحهم الشخصية. في العالم التقليدي، حين ينسى المرء بطاقته الائتمانية التي يصدرها البنك، أو كلمة السر لحسابه على الإنترنت، يحل المشكلة في دقائق بضغطة زر على أيقونة «نسيت كلمة المرور» أو بمكالمة ثقيلة على القلب لأحد البنوك. أما في العالم اللامركزي، أنت وحدك، إن نسيت كلمة السر، فلا أمل في استعادتها، أو استعادة ما بداخل المحفظة من أموال.
لجأت الغالبية إلى الامتناع عن الاحتفاظ بالبيتكوين بأنفسهم، وإدارة محافظهم الشخصية، واتجهوا لتخزين عملاتهم وإنفاقها عبر منصات على الإنترنت تتولى إدارتها بدلًا منهم. قرصنة البلوكتشين بالفعل مستحيلة، لكن أغلب القادمين الجدد لم يستخدموها بأنفسهم هربًا من تعقيدها وصعوبة التعامل معها لغير المتخصصين، واعتمدوا على هذه المنصات المعتمدة على الإنترنت التقليدي الذي يستخدمه الجميع، بسهولته وسلاسته المعتادة. بعبارة أخرى، أعاد مستخدمو البيتكوين اختراع البنوك، وبأساليب بدائية.
جاءت الصفعة الأولى عام 2011 أى بعد أقل من عامين من بداية تداول البيتكوين، حين اختفت إحدى أوائل منصات تداوله «Mybitcoin» من على شبكة الإنترنت فجأة ودون تفسير، ليفقد المودعون آلاف العملات في لحظة واحدة. ظهر بعد أيام مؤسس المنصة، ليدعي أنه تعرض لاختراق، وفقد الكثير من العملات فلم يجد بدًا سوى إغلاق المنصة ثم شرب الخمور مع فريقه حتى الثمالة للتغلب على أثر الصدمة.
ولأن تقنية البيتكوين قد عجزت عن مواجهة مشكلة الخطأ والنسيان لدى المستخدمين التي تحلها البنوك، فقد ظهر على مدار السنوات الأولى لتداول العملة الرقمية العديد من المنصات الشبيهة. بعضها تعرض لعمليات قرصنة متقنة، وبعضها أنشأها نصابون جمعوا عددًا كافيًا من العملات ثم اختفوا للأبد.
أما المنصات الناجحة، فقد بدأت ثروات أصحابها، مثل ثروات أصحاب البنوك التقليدية، تزيد وتتراكم. هم لا يتأثرون بسعر العملة سواء انخفض أو ارتفع. هم في كل الأحوال فائزون، يحصلون رسوم التداول والإيداع والسحب والبيع والشراء. إضافة لكل ذلك، هم غير خاضعين لأي حكومة أو بنك مركزي يراقب أداءهم ويمنعهم من التلاعب والنصب.
بدأت البيتكوين أداة لمقاومة البنوك، فساهمت بدلًا من ذلك في ظهور عشرات المؤسسات المالية المركزية الأسوأ أداءً والأقل أمنًا.
عام الحسم
هذا لم يوقف تقنية البيتكوين عن الازدهار والانتشار. تدريجيًا، أصبحت العملة الجديدة حديث الساسة وصحفيو الاقتصاد وخبراء الصرف، ولم تعد مشروعًا صغيرًا يتبناه مجموعة صغيرة من الحالمين بتغيير العالم.
كان العام 2013 نقطة التحول الضخمة، فقد ارتفع سعر البيتكوين مؤقتًا، نتيجة للإقبال الكبير والمضاربات، من 11 دولارًا إلى ألف دولار. استثمر الأخوان وينكلفوس، اللذان ساهما في تأسيس فيسبوك مع مارك زوكربرغ، أرباحهما في شراء كمية ضخمة البيتكوين ليصبحا من أكبر حملتها في العالم، ليثيرا باستثمارهما شهية الكبار. اجتذبت العملة انتباه حيتان الاستثمار من المليارديرات والبنوك وصناديق رأس المال المغامر، وغيرهم من الباحثين عن الربح، غير المهتمين بالرسالة السياسية أو الغرض الأصلي للعملة.
نظم الكونجرس الأمريكي جلسة استماع عن تلك الموضة الجديدة لفهم ما وراءها. تحدث أمامهم رجال أعمال بربطات عنق عن الطريق نحو المستقبل، وإمكانية الحصول على تصاريح حكومية تمكنهم من التعاون مع البنوك وممارسة نشاطهم بحرية، والفوائد المنتظرة لهذه التقنية للحكومات والمجتمع. الأناركيون شاهدوا هذه الجلسات، مثل غيرهم، من وراء الشاشات، بعد أن تضاءل دورهم، لم يعودوا الصوت الأعلى داخل مجتمع البيتكوين وعادوا إلى مكانهم في ركن قصي غير مؤثر على الإنترنت.
جاءت الضربة القاضية لأحلام البيتكوين الوردية حين أنتجت شركة صينية جهاز يسمى «ASIC»، وهو مكعب مزود بمراوح تبريد قوية وآلات حسابية ضخمة، مرتفع الثمن، مصمم ومكرس حصرًا لتعدين البيتكوين بكفاءة مذهلة دون أي غرض آخر. بهذا، أصبحت فرص الأجهزة المنزلية العادية في التعدين معدومة. تسابق الأثرياء في إنشاء «مزارع» بيتكوين تحوي عشرات ومئات من تلك الأجهزة، المكرسة للتعدين 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع.
ضاعف هذا انقسام مجتمع البيتكوين إلى طبقتين، واحدة من المعدنين المحترفين، وأخرى من المستخدمين الأقل حظًا، الذين عليهم دفع دولارات حقيقية من أجل الحصول على بيتكوين، فأجهزتهم المنزلية البطيئة لم تعد ترقى للمهمة المطلوبة، ولا يستطيعون تحمل فاتورة الكهرباء الضخمة.
هكذا فقدت البيتكوين لامركزيتها. لم تعد تعتمد على شبكة من الكمبيوترات الموزعة بين المستخدمين يستحيل السيطرة عليها مثلما حلم صناع البلوكتشين الأوائل. المنافسة خلقت مراكز تعدين كبرى أماكنها معروفة ومحددة، ويمكن استهدافها وإغلاقها، مما يؤثر بدوره على سرعة الشبكة، وقد حدث ذلك مرارًا.
في ديسمبر 2021، انقطعت الكهرباء عن إحدى مقاطعات الصين التي تصادف أن تواجد فيها مراكز تعدين هامة للبيتكوين، ففقدت الشبكة ثلث طاقتها الحاسوبية في لحظة واحدة. وتكرر الأمر مطلع العام الحالي حين قطعت حكومة كازاخستان الإنترنت عن البلاد.
طالما حاول صغار المستخدمين والمؤمنين بالبيتكوين في تقديم اقتراحات لتحسين جودة الشبكة وتسريع عملياتها، لكن كبار المعدنين أوقفوا كل هذه المحاولات، فشبكة أسرع تعني أن أرباحهم أقل، ومنافستهم أسهل. اليوم، لا تستطيع بلوكتشين البيتكوين إدارة أكثر من 4.6 عملية تداول في الثانية الواحدة، مقارنة بشبكة الفيزا كارد التقليدية القديمة، التي تدير 24 ألف عملية تداول في الوقت نفسه.
فوق كل ذلك، فإن هذه الشبكة البطيئة تستنفذ طاقة تفوق دولا بأكملها. حين اعتمد ساتوشي على المنافسة آلية للتعدين، فقد حكم على الشبكة بأن تهدر المزيد من الطاقة كلما زاد حجم تداولها. اليوم، تعدين بيتكوين واحد جديد صار يتطلب ألفي كيلو وات من الكهرباء في الساعة، ما يساوي متوسط استهلاك البيت المصري في عام وثلاثة أشهر.

الجو حاليًا
مر 11 عامًا على إنشاء البتكوين، أول وأغلى وأهم عملة رقمية. بين متداولي العملات الرقمية، هناك مجموعة صغيرة يطلق عليها «المتطرفون/ Maximalists»، وهم ما زالوا يؤمنون قطعًا بأن البيتكوين ستستبدل مستقبلًا كل العملات الورقية والرقمية الأخرى، وستكون هي وسيط التداول الوحيد المقبول على الكوكب من مشرقه لمغربه. لا بوادر حقيقية لأن يصبح ذلك واقعًا في المستقبل القريب.
طبقا لدراسة حديثة، فهناك 114 مليون إنسان تقريبًا يمتلكون بتكوين، وتستحوذ طبقة الـ 0.01% من هؤلاء على 27% من مخزون العملة كله. أي أن مخزون العملة كله يتركز في يد حفنة صغيرة جدًا من المليارديرات والأثرياء. ليست مصادفة بالطبع أن بعض أسماء هؤلاء المعروفة هم أنفسهم أصحاب منصات التداول، مثل سام بانكمان، مؤسس منصة FTX، وتشانجبينج زاو، مؤسس منصة Binance، وبريان أرمسترونج، مؤسس منصة Coinbase.
الثوريون والحالمون استخدموا البيتكوين للتداول والشراء وإثبات وجهة نظرهم السياسية، وأولهم ذلك الأحمق الذي اشترى بيتزا بعشرة آلاف بيتكوين. هؤلاء كانوا الوقود الذي يحترق ليضمن بقاء البيتكوين متداولًا ومطلوبًا. أما المستثمرون والمضاربون فأدركوا أن ندرة العملة تعني أن هناك لحظة في المستقبل القريب سيتوقف فيها ظهور البيتكوين الجديد للأبد، وسيكون على الجميع تقاسم البيتكوين الموجود بالفعل. في تلك اللحظة المستقبلية، إن ظلت البيتكوين عملة مقبولة ومتداولة، سيزداد سعرها عشرات ومئات وربما آلاف المرات، مما يعني أن من يحتفظ بالبيتكوين اليوم، سيضاعف ثروته مرات عديدة بالمستقبل. مشتري البيتزا كان سيصبح مليارديرًا لو وضع أمام عينيه مصلحته فوق مبادئه.
هكذا انضم ملايين المنتمين للطبقة الوسطى إلى حلم الثراء السريع، يضعون مدخراتهم في قطعة بيتكوين، دون أي رغبة في استخدامها في البيع أو الشراء، آملين أن تتصاعد أعداد المتداولين، والمزيد من المضاربين حتى تحين اللحظة المناسبة للبيع.
هذا قد يحدث، أو يكتشف الجميع أنها وهم كبير، وأنهم مشاركون في أكبر عملية تسويق هرمي في التاريخ. في هذا السيناريو، لن تختلف البيتكوين عن ساعات «كيونت» الرديئة مرتفعة الثمن التي انتشر مندوبيها كالجراد في نفس فترة ظهور البيتكوين تقريبًا. لا أحد يشتريها لأنه يريدها حقًا أو يهتم بغرضها الأصلي لمعرفة الوقت.
التجارب المستمرة لاستخدام البيتكوين كعملة للتداول، كما حدث مؤخرًا في السلفادور وإفريقيا الوسطى، باءت بالفشل. لكن الجميع يشترونها أملًا في بيعها بسعر أكبر للمغفلين الذين سينضمون من بعدهم.
ما بعد البيتكوين
لكن، سواء بقي البيتكوين للأبد، أو انخفضت قيمته للصفر، فقد فتح بابًا واسعًا لمجال أكبر وأوسع.
أسفرت خلافات سياسية وتقنية عديدة داخل مجتمع البيتكوين عن ظهور عملات رقمية أخرى قائمة على سلاسل كتل أخرى، مثل «لايت كويت»، و«بيتكوين كاش»، وغيرها. الكود المؤسس للبيتكوين مفتوح المصدر، أي أن للجميع الحق في الإطلاع عليه وتعديله ونسخه إن شاء، مما أسفر عن صعود عملات متعددة ومختلفة، بدأت في التزايد تدريجيًا، يؤكد مؤسسوها أنها أكثر كفاءة من منافسيها. وازدادت معها المضاربات التي استضافتها منصات التداول المستفيدة من كل ذلك.
ومنذ الأيام الأولى للبيتكوين، حاول المبرمجون استخدام تقنيته في تقديم خدمات مالية متطورة، مثل استخدام البلوكتشين لتداول أسهم الشركات، أو العقارات، إلى غيرها من الأصول التجارية والمنتجات المالية المختلفة، أملًا في إلغاء الحاجة للبورصات ومكاتب الشهر العقاري، وغيرها من الخدمات الحكومية، وتحقيق الرؤية الأصلية لساتوشي وحلم أناركية الكربتو.
اصطدمت كل هذه الأحلام بالكود المحدود للبيتكوين، الذي عجز عن استيعاب كل هذه الأفكار. ظهرت الحاجة لتقنية أكثر تطورًا وتنافس الجميع لابتكار الحل المأمول، إلى أن ظهر للساحة مبرمج روسي صغير السن، بدا وكأنه خليفة ساتوشي المأمول.
ولهذا قصة أخرى.
آراء أخرى
الكربيتو من المهد إلى الميتافيرس: جنة المضاربين (4-5)
«التوكن، بغض النظر عن هدفه، يظل توكن. عملة رقمية رمزية»
«الكريبتو» من المهد إلى الميتافيرس: وعود الإثيريوم (3-5)
«انكشفت الحقيقة عن عدد ضخم من العملات والتوكنز، وأنها لم تكن سوى عمليات نصب»
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس (1-5)
«قبل أن تسود أحاديث المضاربة والربح، كانت العملات الرقمية فكرة يوتيوبية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد