الكربتو من المهد إلى المتيافيرس: صروح الخيال (5 – 5)
أصل إلى ختام جولتي في معرض العملات الرقمية بـ«إكسبو دبي العملات الرقمية». يستوقفني أحد باعة الـ«NFT». يقول إن الصورة التي يعرضها للبيع ليست مجرد عمل فني. ما أن أشتريها، سأحصل على حق حضور حفلات خاصة في يخت فاخر يطوف الخليج، وتخفيضات في عدد من محلات الملابس والطعام، وحق التواصل الحصري مع «مجتمع» من ملاك الرسوم الشبيهة.
يكمل البائع: إضافة لذلك، فمصممو الرسومات سيطرحون مستقبلًا رسومات جديدة، وستحظى أنت بنسبة من أرباحهم. وحين تزداد مبيعات الرسوم الجديدة، سترتفع أسعار القديمة، ويمكنك عندها الاختيار بين الاحتفاظ بالعمل الفني/العضوية، أو بيعها وحصد الأرباح.
هذه هي الموضة الأحدث والأكثر شعبية في سوق الكربتو، والتي يزداد الهوس بها كلما أعلنت شركة ما عن دخولها مجال العالم الافتراضي المسمى بالميتافيرس. فما العلاقة بين الفن والبلوكتشين والميتافريس، وكيف اختلط كل ذلك ببعضه البعض؟
السباعي الملون
مثلما ترمز التوكنز القابلة للاستبدال إلى شيء ما له نسخ عديدة (عملة رقمية، ودولار، وسهم في شركة، ونسبة من صندوق استثمار.. إلخ)، فإن التوكنز غير القابلة للاستبدال/ Non Fungible tokens تشير إلى شيء فريد لا توجد منه نسخ: حذاء ارتداه محمد صلاح وهو يسدد هدفًا حاسمًا، تذكرة عليها رقم مقعد محدد في الصف الأمامي لحفل عمرو دياب، شقة بعينها في عقار بالشيخ زايد، نسخة موقعة من رواية، لوحة فنية لبيكاسو.. إلخ.
كانت هناك محاولات عديدة، لم يكلل لها النجاح، لابتكار مثل هذه التقنية في الأيام الأولى للبيتكوين، والحماسة لاستبدال كل الجهات المركزية بالبلوكتشين. فإن كانت العملات الرقمية القابلة للاستبدال FT كفيلة باستبدال البنوك وصناديق الاستثمار وأسهم البورصة، فإن العملات غير القابلة للاستبدال NFT هي بديل للشهر العقاري والسجل المدني وغيرها من مؤسسات الدول.
لكن، مثل أغلب تطبيقات هذه التقنية، كان كبار المستثمرين أسبق وأسرع في تبنيها من العوام. عام 2014 طرحت صالة مزادات سوثبي، أحد أشهر جاليريهات الفنون والمقتنيات النادرة في العالم، عملًا فنيًا رقميًا لفنان أميركي يُدعى كيفين ماكوي. يتكون العمل المسمى «Quantum» من صورة رقمية متحركة لشكل هندسي من سبعة أضلاع متغير الألوان.
العمل يقطن على بلوكتشين تسمى «Namecoin»، وهي واحدة من عدد من المفترقات/ Forks التي تفرعت من البيتكوين. قال نقاد سوثبي إن العمل ربما يرمز لنشأة الكون، أو إبداع لحظة الخلق من العدم، وهو موضوع مناسب حقًا لاستخدام التقنية الجديدة للمرة الأولى في عالم الفن.
في الثمانينيات من القرن الماضي، كان ديفيد هوكني وآندي وارهول يستكشفان أشكالًا جديدة كليًا من التعبير الفني باستخدام أحدث التقنيات وقتها، آلة الفاكس، وبرنامج الرسام على الكمبيوتر المنزلي. صارت أعمالهما كلاسيكيات تباع بالملايين، وجزءًا قيمًا من تاريخ الفن والتكنولوجيا معا. فلا عجب أن «كوانتم» اجتذبت مشتر مجهولًا، دفع مقابلها 1.4 مليون دولار، لتلتفت الأنظار أن هناك أرباحًا كبيرة تنتظر من يجنيها في السوق الجديد.

مجتمعات الـNFT
على مدار عامي 2015 و2016، نشأت حركة فنية من رحم مجتمع الكربتو تسمى «البيب النادر/ Rare Peep»، نسبة إلى الميم المعروف، الضفدع بيب أخضر اللون.
يصعب حقًا تعريف هدف الحركة أو مكوناتها الفنية، فليس لها مانيفستو محدد الأهداف أو فنانين معروفين ذوي مدرسة محددة، بل نشأت بأسلوب عضوي، لتمزج داخلها عناصر عديدة من ثقافة الإنترنت.
هي من ناحية معبرة عن ثقافة الميم القائمة على تنافس المستخدمين في الخروج بآلاف التنويعات المبتكرة لشكل واحد. ومن جهة أخرى هي تعبير عن ثقافة مجتمع البوكيمون، وغيرها من ألعاب الكروت، حيث يعبر كل كارت عن شخصية خيالية لها قدرات معينة، ويتنافس اللاعبون في الحصول على كروت الشخصيات النادرة، وقد يدفعون فيها آلاف الدولارات. من ناحية ثالثة هي تعبر عن ثقافة جيل نشأ على ألعاب الكمبيوتر في العوالم المفتوحة، مثل «Pubg» وغيرها، حيث يهوى اللاعبون شراء أزياء مميزة لشخصياتهم الافتراضية وأسلحة وقدرات تضمن لهم التفوق على أقرانهم.
مرة أخرى، حصدت دار مزادات سوثبي ثمار الحركة الفنية الجديدة، حين عرضت في 2017 على بلوكتشين الإثيريام مجموعة فنية تسمى كربتو بانك/ Crypto Punk، مكونة من عشرة آلاف وجه مستوحاة من جماليات السايبر بانك، وهو نوع من الخيال العلمي الذي ألهم كتابًا ومخرجين. يتنافس الهواة في جمع الوجوه ومبادلتها والتباهي بامتلاك أفضل الرسمات وأكثرها تميزًا. وصل سعر أحد هذه الوجوه إلى 11.7 مليون دولار.
وفي 2021، ظهرت مجموعة أخرى تسمى «القردة الملولة/ Bored Apes»، تتكون من عشرة آلاف وجه قرد مختلف، وتسابق الجميع مجددًا على شرائها. تستوحي مجموعة «القردة» اسمها من مصطلح Aping، وهو لفظ شائع بين مضاربي العملات الرقمية، ويشير إلى شراء العملات والرهان عليها دون دراسة أو تفكير، مثل القرود التي تضرب بعشوائية على الكيبورد. امتلاك أحد هذه الرموز أصبح وسيلة في الأساس لاستعراض الثروة في عالم الكريبتو مثله مثل اللامبورجيني، حيث تسابق فنانون ومستثمرون على شراء الرموز النادرة، وعرضها على حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، وطبعها على ملابسهم.
فضلًا عن ذلك، فقد صارت أداة استثمار ومضاربة ثمينة، ووسيلة تحوط للأثرياء في حفظ أموالهم بأصول إلكترونية أملوا ألا تتأثر بتقلبات الأسواق التقليدية مثل الذهب والبورصة والنفط، مثلها مثل الأعمال الفنية التقليدية. بل أن بعض البنوك والمنصات المالية العاملة في مجال الكربتو أصبحت تقبل بعض الـNFT كضمان ورهن لمنح أصحابها قروض بملايين الدولارات.
مارس من العام الحالي، استحوذت الشركة المصممة للقردة الملولة على الشركة المصممة للكريبتو بانك، ليظهر كيان ضخم يسمى «يوجا لابس/ Yuga Labs» يقدر قيمته بأكثر من أربعة مليارات دولار. إلى جانب هذا الكيان العملاق، هناك مئات الشركات الصغرى التي تتكون كل يوم، وتطرح مشروعات شبيهة، خاصة في المدن الصديقة للعملات الرقمية مثل سنغافورة ودبي. هذه المشروعات تشكل ظاهرة فنية فريدة من نوعها، فهي تمزج الفن بالتسويق بالاستثمار بعضوية النوادي الخاصة في وعاء واحد.
تعتمد كل شركة منهم على مندوبي مبيعات يسعون لجذب الزبائن، مثل ذلك الرجل الذي يحاول إقناعي بالشراء في المعرض. يقينًا قليل من هذه الشركات سيعيش لخمس سنوات قادمة، في حين سينهار أغلبها ويطويه النسيان، مثل غيرها من كيانات العملات الرقمية التي صاحبت الفقاعة الأولى.
لكن أحد أهم الوعود التي تعطيها هذه الشركات، هي أن هذه الرسومات ثنائية الأبعاد عجيبة الشكل، ستتحول في المستقبل القريب إلى أفاتارت متحركة ثلاثية الأبعاد داخل العوالم الافتراضية: الميتافريس.

بعض نماذج مجموعة كربتو بانكس
عقارات افتراضية
فكرة بناء عالم مواز ثلاثي الأبعاد ليست جديدة. تناولتها آلاف الروايات وأفلام الخيال العلمي، وسعت شركات ألعاب الفيديو لتحويلها واقعًا، ولعل أبرز هذه المحاولات كانت لعبة «Second Life» الشهيرة، التي طورتها شركة أمريكية في 2003.
ما يجعل الاهتمام بهذه الفكرة مختلفًا الآن عن السنوات الماضية، هو تزاوج فكرة بناء العالم الافتراضي مع تقنية البلوكتشين والعملات الرقمية القابلة وغير القابلة للاستبدال. في هذا العالم المنتظر، لا يصبح اللاعب مستخدمًا فقط، بل منتجًا أيضًا. يمكن لكل لاعب أن يصمم شكل أفاتار جديد، أو حذاء مميز، أو حقيبة شكلها مبتكر، ويحفظ ملكيته لهذه التصميمات في شكل NFT ويبيعها لمن يرغب. يمكن أن يشتري قطعة أرض في هذا العالم الخيالي، تطل على بحر أو حديقة رقمية، ويبيعها بعد سنوات بمبلغ أكبر، مثلما يحدث في العقارات الحقيقية. يمكن أن يصمم حفلًا افتراضيًا يستضيف فيه فرق شهيرة ويبيع تذاكرها. يمكن أن يبني بيتًا يملك عقده بـNFT، ويزين حوائطه الافتراضية بلوحات فنية افتراضية لكل منها NFT.
تداول كل هذا بالطبع يتم بالعملات الرقمية، وبتقنية البلوكتشين. من هنا، سمح تزاوج الألعاب الإلكترونية بالبلوكتشين وحلم بناء واقع افتراضي إلى تصور عالم تكون للعملات الرقمية فيه قيمة وأهمية واستخدام واضح ومرئي، بعد أن فشلت حتى الآن في أن يكون لها تواجد ضخم في المعاملات اليومية للعالم الملموس.
حتى الآن، يوجد عالمان افتراضيان نشطان في مجال الميتافريس، قائمان على سلسلة كتل الإثيريام. الأول والأكبر هو ساندبوكس، الذي أطلقته شركة أنميكو براند، ومقرها سنغافورة، ويضم حاليًا أكثر من مليوني مستخدم. ولهذا العالم عملة افتراضية تسمى «SAND»، مقبولة داخل كل البورصات الكبرى للعملات الرقمية، ويمكن استبداله بعملات أخرى أو بدولارات حقيقية بسهولة.
اجتذب عالم ساندبوكس الافتراضي استثمارات ضخمة من كيانات شهيرة، فداخله مقرات افتراضية لشركات مثل نايكي وأديداس، تبيع من خلالها ملابس وأحذية افتراضية، ومؤخرًا اشترت سلطة دبي للأصول الافتراضية قطعة أرض داخل ساندبوكس وبنت عليها مقرها الحكومي الموازي. العام الماضي، اشترى أحد المستثمرين يختًا افتراضيًا في عالم سنادبوكس، مقابل 650 ألف دولار.
الميتافيرس الثاني هو دسنترالاند، والذي طورته مؤسسة أرجنتينية غير هادفة للربح، والذي يضم أكثر من 800 ألف مستخدم، وله عملته الخاصة أيضا المسماة «Mana».
إلى جانب العالمين، هناك مئات الشركات الصغرى التي تسعى لبناء عوالم للألعاب والترفيه في ميتافيرسات مختلفة ومتوازية، وتسعى يوميًا للترويج لتوكنز مختلفة. كلما كان سعر التوكن رخيصًا، وفريق التطوير الخاص باللعبة أو العالم واعدًا، سعى المضاربون للشراء ودخول هذا الميتفايرس مبكرًا، أملا في أن ترتفع سعر عملته عاليًا حين ينضم اللاعبون الجدد.
ومؤخرًا، أطلقت Youga Labs ميتافرس جديدًا اسمه «الجانب الآخر/ Otherside»، وكالعادة شهد إطلاقه سباقًا محمومًا على شراء أكثر الأراضي الافتراضية تميزًا.

إنترنت الغد
نحن الآن على أعتاب نسخة جديدة من الإنترنت تسمى Web 3. كان الإنترنت في نسخته الأولى حلمًا يوتوبيًا، ودليلًا على أن الحكومات قادرة على فعل الخير، فقد نشأ كفكرة تعاون على تطويرها علماء لم يكن هدفهم الربح، وساعدت الولايات المتحدة في تقديمه للعالم، وإنشاء البنية التحتية القادرة على استضافته، والسماح للجميع بالاستفادة منه كمرفق عام، مثله مثل الماء والكهرباء. في هذه النسخة تكون الإنترنت من صفحات بدائية متفرقة وشخصية في الأغلب، دون مراكز تجذب مئات الملايين من المستخدمين أو كيانات كبرى لها ثقلها.
في النسخة الثانية، التي نعيشها اليوم، استمتع الناس بحرية غير مسبوقة في التعبير عن أنفسهم بالصورة والفيديو والتدوين، والتواصل عبر شبكات اجتماعية سهلة الاستخدام لاكتشاف علاقات جديدة وبناء مجتمعات حول اهتمامات مختلفة، من المسرح والسينما، لجمع الطوابع والتحف القديمة، لتنظيم الإضرابات والتظاهرات لإسقاط حكوماتهم.
لم يستمر الوضع كثيرًا، وأصبح الإنترنت في أغلبه ملكية خاصة لشركات عملاقة، مثل جوجل، وميتا، وآبل، وبايت دانس. تنظر لنا لا كبشر بل «مستخدمين»، ندفع ثمن كل نقرة ولقطة وصورة وكلمة بحث بالتنازل عن بياناتنا وتاريخنا ومعلوماتنا وشبكة علاقاتنا. كل ذلك يتم تسجيله وجمعه وتحليله وتحويله عبر لوغاريتمات معقدة إلى أرباح للمسوقين والمعلنين وسماسرة الأصوات الانتخابية. التواصل نفسه أصبح مسممًا، ومرتعًا للذباب الإلكتروني وحملات نشر الشائعات والمعلومات المزيفة.
أما إنترنت النسخة الثالثة فهو المبني على البلوكتشين، وهدفه إنشاء الميتافيرس، ونقوده هي العملات الرقمية. هو يتشكل أمامنا الآن، ولا أحد يعرف منتهاه. قد يظل تصورًا لا يتحقق أبدًا. قد نرى مثلًا عوالم افتراضية وميتافيرسات متعددة، ولكنها مركزية مملوكة لشركات وغير قائمة على البلوكتشين. وقد نرى نسخًا جديدة من العملات الرقمية التي تصدرها بنوك مركزية، فتنزوي معها العملات الرقمية المستقرة، وتزيد الحكومات سيطرتها على اقتصادات الكريبتو. وقد ينبع من كل هذه الفوضى إنترنت جديد لم يتبلور في خيال أحد بعد.
في كل الأحوال المنافسة تدور الآن في بناء هذا الميتافيرس الذي لا يمكن تمييزه عن الواقع من حيث جودة الجرافكيس وسلاسة الحركة. عالم نذوب فيه كلية حين نضع على أعيننا نظارة الواقع الافتراضي، ولا نكتفي فيه باللعب، بل قد نمارس حياتنا كلها فيه، مثل العالم التقليدي.
وفي السباق لبناء الميتافيرس الأكبر والأضخم والأعم، هناك آلاف اللاعبين الصغار، يظهرون ويختفون كل عام، لكن هناك مجموعة من الكبار سيكون لهم مكانهم بالتأكيد. شركة أدوبي/ Adope تسعى للاستثمار في البنى التحتية لاستضافة عوالم الميتافيرس، أما «نيفيدا/ Nivida» فمهتمة بابتكار الأجيال القادمة من تقنيات الجرافيكس التي تتسع لأحلام وطموحات هذه العوالم.
شركة ربولكس/ Roblox الأمريكية تمتلك منصة ضخمة لألعاب الكمبيوتر الموجهة للأطفال الأصغر من 17 عامًا. فيها يتعلمون للمرة الأولى مبادئ الألعاب في عوالم مفتوحة، وكيفية شراء الأزياء والأسلحة والقدرات الخاصة، وتبادل هذه السلع في سوق رأسمالي والمضاربة على قيمتها. بدأت المنصة مؤخرًا في تطوير ألعاب على البلوكتشين، وسط أنباء عن نيتها لطرح عملة رقمية خاصة. هناك 146 مليون مستخدم نشط شهريًا لألعاب روبلوكس، مما يضمن لها جمهورًا هائلًا إن شرعت في بناء ميتافيرس خاص.
بقى الثلاثة الكبار. «ألفابت»، مالكة جوجل، لم تعلن خططًا واضحة، لكنها استحوذت على العديد من الشركات الناشئة التي تعمل في مجال تطوير ألعاب الواقع الافتراضي والجرافيكس المتطور والصوت ثلاثي الأبعاد، وتزيد من استثماراتها في التقنيات المتعلقة بالميتافيرس باستمرار. فيسبوك قد حولت اسمها رسميًا إلى ميتا، لتلعن أن بناء الميتافيرس هو هدف الشركة الأوحد والأكبر. ومايكروسوفت، التي استحوذت مؤخرًا على شركة الألعاب الشهيرة أكتيفجن/ Activision مقابل 69 مليار دولار، في خطوة قال المحللون إنها تشير لنيتهم في إنشاء ميتافيرس.
وفي تصريح نادر من نوعه، انتقد البنك الدولي الصفقة، متسائلًا عن عقلانية إنفاق مبلغ مذهل كهذا على شركة ألعاب كمبيوتر، في وقت تزداد فيه مستويات الفقر والجوع في العالم من جراء «كوفيد-19».


العهد الآتي
نقرأ منذ عشر سنوات عن الاستخدامات اللانهائية لتقنية سلسلة الكتل في كل المجالات، من الصحة والتعليم للشحن وسلاسل التوريد، للتوظيف والتصنيع.. إلخ. واقعيًا، هناك أكثر من ألف سلسلة كتل نشطة حول العالم، غالبيتها العظمى مكرسة للعملات الرقمية، والخدمات المالية غير المركزية، وألعاب الكمبيوتر، والأعمال الفنية بتقنية الـNFT. لم تنجح البلوكتشين بعد في إثبات قدرتها على إحداث تغيير جذري بأي مجال آخر حتى الآن.
وفي مجال النظم المالية غير المركزية، كتب المتفائلون عن عصر جديد يحظى فيه الفقراء والمهمشين بخدمات بنكية تنتشلهم من العوذ، وتنجيهم من سيطرة حكومات دولهم الفاشلة. ما رأيناه واقعيًا هو طغيان الرأسمالية المالية غير المقيدة، التي أنشأت جيلًا كاملًا من المضاربين الحالمين بالثراء بين عشية وضحاها، واقتصاد مصمم لخلق الثروات من استخراج القيمة وليس صنعها، ومن الاستفادة من فروق الأسعار، أكثر من الابتكار والبناء.
تسللت الروح نفسها إلى مجال الفن. مؤخرًا، استحوذت شركة استثمارية على أحد رسومات الجرافيتي الخاصة بالفنان الشهير بانكسي مقابل 12.9 مليون دولار، ثم قسمت الرسمة إلى 10 آلاف قطعة، لكل منها رمز غير قابل للاستبدال NFT، تباع كل واحدة منها بـ1500 دولار، لترفع بذلك قيمة اللوحة إلى 150 مليون دولار بضغطة زر واحدة. كل رمز هو بدوره قابل للطرح والتداول والمضاربة في منصات الكربتو. وهكذا يستخدم المستثمرون تقنية الـNFT في تحويل القطع الفنية إلى بضائع جملة يمكن تقطيعها وبيعها بالتجزئة، أو طرح آلاف التنويعات لرسومات رديئة لقردة وصقور ومسوخ بأسعار لا يقدر عليها سوى القلة.
على الهامش من كل ذلك، هناك فنانون حالمون يعتقدون أن التقنية الجديدة طوق نجاة لهم من سيطرة الجاليريهات ودور النشر الكبرى واحتكارات استوديوهات السينما والموسيقى، وأنها قد تخلق لهم سبيلًا للاستقلال المادي وأرباح مستدامة. يحتاج المرء إلى كثير من التفاؤل أو السذاجة، أو مزيج بينهما، كي ينظر إلى سوق يسيطر عليه كريتسيز وسوثبي، ويتسابق على دخوله ألفابت وميتا فيظن أن المستقبل سيختلف كثيرًا عن الحاضر. مصير أحلام البدايات مع تقنية الـNFT، سيلحق بمصير أحلام البدايات التي صاحبت ظهور البيتكوين.
الإنترنت الذي يحلم به مبشرو الكريبتو ليس مفتوحًا وساذجًا مثل النسخة الأولى، ولا مجانيًا متاحًا للجميع، على علاته، مثل نسخته الثانية. الإنترنت بنسخته الثالثة دائم الاحتياج إلى ندرة مزيفة من أجل خلق «قيمة» تبرر ارتفاع الأسعار وتحقيق الأرباح واستمرار التداول. لا يوجد ما يمنع نظريًا من طرح 100 ألف «قرد ملول» أو حتى مليون بدلًا من 10 آلاف فقط. والأراضي والعقارات وغيرها من مقتنيات الـNFT في الميتافيرس ليست نادرة حقًا، فهي لا تحتاج إلى طوب وزلط وأسمنت وعمالة ومهندسين. المصممون والمطورون مدفوعون دفعًا لمحاكاة ندرة الواقع، بدلًا من تحريرنا منها، فيصممون بحارًا افتراضية وشواطئ وهمية تبرر ارتفاع سعر الشقق ثلاثية الأبعاد التي تطل عليها مقارنة بسواها، حتى يستمر سباق الواقع في عوالم الخيال أيضًا.
ولأن كبار مطوري عوالم الميتافيرس والإنترنت بنسخته الثالثة هم مزيج من شركات رأس المال المغامر وشركات ألعاب الكمبيوتر، فيمكن التنبؤ بأن إنترنت الغد أكثر تشظيًا وأصعب في التواصل من إنترنت اليوم. طالما شهد تاريخ ألعاب الكمبيوتر حروبًا اقتصادية شرسة، حيث تحرص كل شركة أن تطور نظمها وألعابها الخاصة، وتجبر اللاعبين على شراء أجهزة محددة للاستمتاع بها دونًا عمن سواها.
شهدنا في الماضي معركة نينتندو وسيجا، ونشهد اليوم مواجهة إكس بوكس التي تملكها مايكروسوف، وبلايستيشن التي تملكها سوني. قد نرى معارك جديدة في المستقبل القريب، حين تمنع فيسبوك مثلًا استخدام نظارتها Oculus للدخول على أي بلوكتشين أخرى غير التي تمتلكها هي.
ولأن الإنترنت بنسخته الثالثة، أيا ماكانت، وما يحمله من عوالم الميتافيرس يتطلب بنية إنترنت تحتية فائقة السرعة، تسع الرسومات الحاسوبية عالية الجودة، وبنية قانونية تسمح بعمل هذه الشركات مع الأفراد والكيانات المختلفة، فضلًا عن بنوك تقبل التعامل بالعملات الرقمية للدخول إلى هذه العوالم. هناك هوة تتكون وتزداد اتساعًا يومًا بعد يوم. هوة بين دول منفتحة على الكريبتو، وتعلم أهميته في الواقع الجديد، وتسعى لدراسته وتقنينه وحماية شعوبها من مخاطره المحتملة، وبين أخرى، تكتفي بإصدار فتاوى تحريم تداول العملات الرقمية، ومطاردة أصحاب مزرعة التعدين الصغيرة المختبئة في أحياء شعبية.
أما بعد
هذا هو المستقبل ولو كره الكارهون وأنا منهم. لا أجيد المضاربة، ولا أحلم بلامبورجيني، لكني انضممت لأصدقائي من مالكي العملات الرقمية. أمتلك الآن مدخرات صغيرة من عملات مختارة وبعض التوكنز المرتبطة بمشروعات أرى لها مستقبلًا. أسعى لزيادة هذه الاستثمارات بشكل منتظم، وأودع بعضها في منصات مالية لامركزية أرى أن عملياتها ليست شديدة الجنون.
صرت على تواصل مع عدد من مجتمعات الـNFT التي توفر لأعضائها مزايا حصرية، وما زلت أدرس جدوى الانضمام إليها. أراقب عن كثب بعض الشركات الناشئة النشطة في مجال الميتافيرس، التي أتوقع أن تحجز مكانها وسط الكبار مستقبلًا.
لماذا؟ لأني لا أملك تغيير قواعد اللعبة، لكني أملك اللعب. ولأن الحياة قبيحة ومقيتة وليست عادلة. ولأني لا أريد أن أجلس بين أحفادي، إن رزقت بهم ذات يوم، وأقسم لهم أني رفضت شراء العملات الرقمية حين كانت بدولارات قليلة، وأروي قصصًا مثيرة للشفقة شبيهة بالتي رواها لنا أجدادنا عن الفرص الضائعة في شقق التجمع وأراضي 6 أكتوبر وعضويات نادي الصيد.
فإن كنت على خطأ، وانهارت تقنية البلوكتشين والعملات الرقيمة، وفشلت الفكرة تمامًا واندثرت، أو نجحت وحملت لنا ما يعد به رواده من خير وحرية واستقلالية مادية، فهنيئا لنا جميعًا.
وإن كنت على صواب، واستيقظنا على واقع أكثر قسوة وفظاظة، فهنيئا لي.



الحلقات السابقة من السلسلة:
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس: حلم ما قبل اللامبورجيني (1-5)
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس: وعود البيتكوين (2-5)
آراء أخرى
الكربيتو من المهد إلى الميتافيرس: جنة المضاربين (4-5)
«التوكن، بغض النظر عن هدفه، يظل توكن. عملة رقمية رمزية»
«الكريبتو» من المهد إلى الميتافيرس: وعود الإثيريوم (3-5)
«انكشفت الحقيقة عن عدد ضخم من العملات والتوكنز، وأنها لم تكن سوى عمليات نصب»
الكريبتو من المهد إلى الميتافيرس (1-5)
«قبل أن تسود أحاديث المضاربة والربح، كانت العملات الرقمية فكرة يوتيوبية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد