العودة إلى منطق السياسة.. دليلك نحو «الاستبداد العقلاني»
قبل بضعة أعوام، وفي مناسبة كبيرة بعاصمة أوروبية، جمعتني مع ضيوف متنوعين طاولةٌ مع مسؤول سياسي كبير في دولة عربية.. وبعد أحاديث متعددة ومختلفة، طلب هذا المسؤول من الجالسين معه أن يقدموا له رؤاهم وتصوراتهم لما يجب أن تكون عليه الدولة التي يشارك في إدارتها والدول العربية الأخرى، وقال: دعونا الآن من الحديث عن الديمقراطية والانتخابات التي ينادي بها بعضكم، وليكن الحديث وفق الوضع القائم وكيفية تحسينه.. وبعد تردد، بدأ أحد الحضور بالحديث، وقال: رغم أن الحديث عن المشاركة السياسية والانتخابات يُعد من أهم معايير الإصلاح السياسي في أي بلد عربي ولا يُمكن تجاوزه، ومع ذلك فليكن الحديث وفق ما طلبت، وبدأ بطرح وجهة نظره، ثم شاركه البقية بآرائهم.. وفيما يأتي ملخص لبعض ما قيل في هذه الطاولة.. والمنقول لا يُمثل وجهة نظر الناقل بالضرورة:
(1)
يجب ألا تأخذك -كسلطة- غطرسة القوة، أعرف أنك قد تقمع وتسجن من يعارضك من دون أن يكون لذلك عواقب مباشرة، ولكن بميزان الربح والخسارة أنت هنا تخسر، لاحظ أنني هنا لا أتحدث من منطق حقوقي وديمقراطي، بل أتحدث عن مصلحتك ومصلحة البلد، أنت بهذا القمع تكسب عداوات قد تكون عميقة ودائمة، ليس من الأفراد المقموعين فقط، بل من عوائلهم ومحيطهم الاجتماعي أيضًا، فسجن العشرات قد يؤدي إلى استعداء الآلاف الذين يشعرون بأنهم تعرضوا لأذى نفسي وربما مادي مباشر، وسجن المئات قد يعني استعداء عشرات الآلاف.
وحتى لو رأيت الآن أن كل هؤلاء غير مؤثرين، وشعرت بأن استعداءهم لن ينتج عنه شيء، فربما يصبح بعضهم شخصيات مؤثرة في المستقبل، وأنت في غنى عن استعداءٍ كان يمكن تجنبه.. ربما أفهم تصرفك -ولا أبرره بالطبع- حين يكون المقموع مثلًا معارضًا شرسًا، قد يكون طرفًا في محاولة انقلاب أو قد يؤثر في الرأي العام المحلي ويؤلبه عليك، ووجدت أن من الصعب احتواءه أو تحييده أو حتى تخويفه. ولكن حين يكون القمع لفردٍ لمجرد أنه اعترض أو كتب نقدًا في وسائل التواصل الاجتماعي، فربما كنت بمجرد استدعاء الأمن له سيصمت عندها لسنوات.. منطق «الاستبداد العقلاني» -الذي أتحدث معك على أساسه- يقول إنك كسبت عداوات كثيرة من دون سبب وجيه، وكان يمكن تجنبها، بل وربما كان بالإمكان تحويل بعضهم إلى حلفاء.
وإذا كنت تستطيع التحكم بكلام من هم داخل حدود بلدك وصمتهم، فأنت لا تستطيع ذلك مع من هم في الخارج، فاستعداء فئات أو جماعات أو بلدان أو نخب مثقفة، أو حتى التضييق على مواطنين يقيمون خارج البلد، من دون سبب وجيه، ومن دون محاولات احتواء، سيفتح عليك «وجع دماغ» دائمًا أنت في غنى عنه.. أذكر تجربة جرت في السعودية اسمها «مهرجان الجنادرية»، حيث كانت تُقيم فعاليات ثقافية مهمة يحضرها كبار المثقفين والمفكرين العرب والأجانب، ومما كانت تفعله أحيانًا دعوتها لشخصيات ثقافية معروفة بموقفها غير الودي تجاه السعودية، وكان بعضهم ينتقدها باستمرار. لكن هذه الدعوات -التي استجاب لها بعض هؤلاء- غيرت مواقف بعضهم، وجعلت لغة البعض الآخر أهدأ وأكثر اعتدالًا.. ودولة قطر تفعل الأمر ذاته عبر مجموعة من المؤتمرات والمؤسسات والفعاليات.
وفي السعودية أيضًا، ثمّة تجربة مهمة للملك عبد العزيز في مرحلة تأسيس الدولة والتوسع الجغرافي. ففي تلك المرحلة، لم يكن في صراع مع «خصوم سياسيين»، بل مع «أعداء حرب» يتطلعون إلى قتله وهزيمته ووقف توسعه. لكنه كان بمجرد انتصاره على أعدائه يفعل أمرًا لافتًا، فلم يتعامل معهم بمنطق الانتقام والعنف والاستئصال، بل بسياسة الإكرام والاحتواء وإطفاء الضغائن وتجاوز الماضي ونزع روح العداء والخصومة وتحويلها إلى مودة وولاء.
فمع آل رشيد «حكام حائل»، وآل مهنا «حكام بريدة»، والأدارسة «حكام المخلاف السليماني»، وآل عايض «حكام عسير» -وسواهم من حكّام بقية المناطق والأقاليم-، كان بمجرد الانتصار عليهم يقوم بإكرامهم وإعطائهم مكانة في المجتمع، ومُصاهرة بعضهم بنفسه أو عبر أحد أبنائه، بل إن أبناء بعض هذه العوائل الحاكمة وأحفادها ما زالوا يتمتعون بجوازات سفر دبلوماسية خاصة ومُخصصات مالية شهرية، بهدف إشعارهم بمكانتهم بين الناس.
وحين دخل الملك عبد العزيز إلى الحجاز عام 1924، كان في مقدمة من واجهوه أعضاء «الحزب الوطني الحجازي» الذي أسسه بعض الأعيان ومسؤولون كبار في الحكومة الهاشمية، مثل: رئيس الحزب محمد الطويل، وأمين عام الحزب محمد طاهر الدباغ، وفؤاد الخطيب، وعبد الرؤوف الصبان، ومحمد صادق، وعبد الحميد الخطيب، ومحمد صالح نصيف، وقاسم زينل، وسليمان أمان، وسواهم.. ثم بعد السيطرة السعودية قرر كثيرٌ منهم اللجوء إلى الهاشميين في إمارة شرق الأردن والعراق، وبعضهم ذهب إلى الملك فؤاد في مصر، حيث تلقوا دعمًا سياسيًا للقيام بنشاطٍ مُعارض ضد الهيمنة السعودية على الحجاز، ودعموا الثورة العسكرية لحامد بن رفادة شيخ قبيلة بلي على الحكم الجديد.
لكن بعد سنوات قليلة، أصدر الملك عبد العزيز عفوًا عامًا عنهم، وعادوا جميعًا إلى الحجاز. ولم يكتفِ بضمان سلامتهم وعدم التعرض لهم، بل عيّن معظمهم في مواقع سياسية واستشارية وخدمية، وصاروا من رجالات الدولة الجديدة. فمحمد الطويل الذي كان وزيرًا للجمارك في عهد علي بن الحسين، عينه الملك عبد العزيز ناظرًا للجمارك في الأحساء. ومحمد طاهر الدباغ تم تعيينه مديرًا للمعارف [التعليم]. وفؤاد الخطيب الذي كان وزيرًا للخارجية في حكومة الحجاز الهاشمية -وكان قد هجا الملك عبد العزيز بقصيدة لاذعة- تم تعيينه سفيرًا للسعودية في أفغانستان. وعبد الرؤوف الصبان تم تعيينه عضوًا في مجلس الشورى الحجازي. ومحمد صادق تم تعيينه مديرًا لدائرة الإحصاء والنفوس. وعبد الحميد الخطيب تم تعيينه سفيرًا في باكستان. ومحمد صالح نصيف عين عضو في مجلس الشورى الحجازي، وأسس صحيفة صوت الحجاز، وتولى رئاسة تحريرها. وقاسم زينل الذي كان ممثلًا لمدينة جدة في مجلس «المبعوثان العثماني»، صار في العصر السعودي من رواد التعليم النظامي في البلاد، ومؤسسًا لمدرسة الفلاح في جدة ومكة. وسليمان أمان الذي كان رئيسًا لبلدية جدة في العهد الهاشمي، تم تعيينه رئيسًا للمحكمة التجارية في جدة.. وآخرون سواهم.
لذلك، ربما من أهم ملامح «الاستبداد العقلاني» أو لنقل العمل وفق «منطق السياسة» هو القدرة على الاحتواء، وتحويل الخصوم إلى مُحايدين أو تخفيف حدة موقفهم، وتحويل المُحايدين إلى أصدقاء. ونقيض ذلك من ملامح الاستبداد «غير العقلاني»، وهو تحويل المُحايدين والصامتين إلى خصوم، والأصدقاء إلى محايدين أو صامتين.. ولا تتوهم أنك لست بحاجة إلى أحد، فمهما كنت قويًا ومستقرًا، فاكتساب الحلفاء وتقليل الخصوم هو سلوك سياسي بامتياز، وصاحبه يربح دائمًا.
(2)
وكسُلطة، حاول أن تختار تحالفاتك الخارجية جيدًا، ودعك من المرتزقة الذين يفعلون لك كل ما تريده الآن، لكنهم لن يترددوا في بيعك إذا وجدوا أن مصلحتهم باتت في مكان آخر.. ولدينا في الخليج تجربتان لافتتان لدولتين وافرتي الموارد ومحدودتي السكان، إحداهما اعتمدت على اجتذاب الحلفاء: أكاديميين، صحافيين، كتّاب، مثقفين، سياسيين، نُخب مختلفة، عبر طريقة واحدة هي المال، فتحول معظم هؤلاء إلى ما يشبه المرتزقة الذين يعملون وفق التعليمات حتى أصبحوا من الرخويات -بلا عمود فقري- التي لديها استعداد للتكيّف مع ما يطلبه المُمول في المواقف والأفكار، حتى لو تقلّبت هذه المواقف من النقيض إلى النقيض في مدة وجيزة. ومشكلة هؤلاء أمران: أنهم عادة بلا قاعدة جماهيرية صلبة، وليس لهم حيثية حقيقية يمكن استثمارها، لذلك فهم محدودو التأثير. والآخر: أنه لا ضمانة لبقائهم معكم في حال توقف التمويل أو تعرضوا لإغراء أكبر من طرف آخر، فهم ليسوا من الحلفاء أصحاب الموقف الذين يمكن الاعتماد عليهم.
أما الدولة الثانية فقد اتّبعت تكتيكًا مختلفًا، وقررت أن تبني تحالفاتها مع شخصيات وتيارات لها قناعات صلبة وحيثيّة جماهيرية. لكن مشكلة معظم هؤلاء أنهم لن يقبلوا بالإملاءات المباشرة، ولديهم أيديولوجيا ومواقف غير قابلة للتقلبات، لذلك فالتحالف معهم ودعمهم لا يعني أنهم سيتفقون معك في كل مواقفك، وربما لن تكون معصومًا من نقد بعضهم أحيانًا. لكن المفيد أنهم في الأزمات يمكن التعويل عليهم وعلى جمهورهم الواسع، فبإمكانهم تكوين رأي عام عربي، والتأثير في قطاعات كبيرة من الجمهور.
فقررت هذه الدولة العمل في هذا المسار، بعد تقييمها بأن وجود 70 إلى 80% من المساحة المُتفق عليها مع هؤلاء يمثل قدرًا كافيًا للبناء عليه، ولا مشكلة في هامش من الاختلاف، حتى لو أدى ذلك إلى نقدهم لحليفتهم في بعض المواقف.. وربما بعد فترة، سيكتشف المراقب أنه حتى هذه النخب لديها قدر من «المرونة» التي تجعلها ناعمة اللغة في نقد أخطاء الحليف، وأحيانًا السكوت عنها، مقابل لغة لاذعة في نقد ذات الأخطاء إذا وقع فيها الخصم.. وفي اللحظة التي وقع فيها خلاف سياسي بين هاتين الدولتين، اتضح مدى جدوى استثمار كل طرف في حلفائه، وكيف أن الثانية استطاعت التأثير في الرأي العام العربي ونشر روايتها بشكلٍ أكبر بكثير من الأولى التي باتت محل كراهية عند قطاعات واسعة من الشعوب العربية.. وأنت تعرف أنه في السياسة من المهم أن يكون قرارك في اختيار الحلفاء قائمًا على تقدير المصلحة، لا على المحبة والكراهية.
لذلك، ووفق منطق السياسة أيضًا، يجدر عدم معاداة أي تيار بشكلٍ أيديولوجي وجذري، خاصة إذا كان ذا حضور جماهيري واسع، فليس في السياسة أيديولوجيا، وقد تحتاج إلى خصومك الحاليين -في لحظة قادمة- ليكونوا حلفاءً في ملفات وقضايا ودول.. وستكتشف أيضًا أن بعضًا من هذه التيارات والشخصيات هو قابل للاحتواء من دون أي خضوع لمعاييره الفكرية والأيديولوجية.
(3)
لا تُسلم قرارك السياسي للمنطق الأمني، أنت تعرف أن السياسة هي توازنات ومصالح ومساومات وتسويات، وتدوير للزوايا ومد للجسور وتحقيق للنتائج، بينما العقل الأمني يعتاش على المؤامرات وتضخيم الأخطار واتهام الآخرين، ويميل إلى العنف والتوحش والقمع. العقل الأمني يخسر دائمًا في السياسة، ويفقد الحلفاء، ويستعدي المُحايدين، ويُقصي القريبين، ولا يهتم لرأي الجمهور، ويُفضّل خوفهم وصمتهم. وهذا العقل بطبيعته وتكوينه مُستريب، مُتشكك، يتهم الكل، ولا يثق بأحد، ويؤمن بالقوة والقمع كوسيلة لتحقيق الاستقرار، ويختار طريق التخويف والإرعاب لا كسب قلوب الناس وولائهم. وهو ينتعش ويزهو ويشعر بدوره وأهميته أكثر كلما زاد القمع وكثرت الاعتقالات. ويستاء كلما أخذت السلطة قرارًا بالانفتاح والعفو والإفراج عن المُعتقلين.. النظام الأمني يكثر فيه سيئو الأخلاق والسلوك والطباع، والمُستعدون لارتكاب الموبقات متى أتيحت لهم الفرصة، وتصاريف القَدَر هي من حولتهم من مُجرمين وفاسدين مُحتملين إلى رجال أمن.
الفيلم المصري «هي فوضى» قدم تصورًا مهمًا لشكل التغول الأمني للأجهزة متى سمح لهم السياسي بذلك؛ حيث وصف كيف يُمكن أن تنتقل الغطرسة والتمادي الأمني من الأعلى إلى الأسفل لتصل حتى إلى الرُتب الأمنية الدنيا، فيصف الفيلم حياة أمين شرطة اسمه حاتم، وكيف تحول إلى «الحاكم بأمر الله» في الحي الذي يقيم فيه، ومارس كل أنواع البلطجة والفساد والاستغلال، لأنه وجد مساحة لفعل كل ذلك من دون رادع، حتى صار الناس في العالم العربي يُكررون -بسخريةٍ مُستوحاةٍ من الفيلم- جملة ذات دلالة وردت فيه، هي: «اللي ملوش خير في حاتم ملوش خير في مصر». فنحن هنا أمام مشهد «حلولي»، فالدولة لم تحل في جسد الحاكم فقط، بل حلّت في جسد حتى أصغر مخبر ورجل أمن، وصار حتى هؤلاء يرون أنهم هم الدولة وهم القانون.
وفي معظم دول العالم، من يضع الحدود للجهاز الأمني ويمنع طغيانه هو القرار السياسي، لأن سيادة المنطق الأمني يعني بالضرورة فشلًا سياسيًا، فمثلًا، لو كانت في بلدك مظاهرات احتجاجية، وخفت أن تخرج عن السيطرة، وكان بالإمكان تحجيمها أو إفشالها عبر اعتقال عشرين شخصًا على سبيل المثال، فمنطق «الاستبداد العقلاني» يقول لك اعتقل هؤلاء العشرين، بينما المنطق الأمني و«الاستبداد غير العقلاني» سيقول لك اعتقل 500 شخص واجعلهم عبرة للآخرين. لو استجبت للمنطق الأمني فأنت هنا تخسر، وستكبر كرة الثلج، وسيزيد الاحتقان، وربما اتجهت الأزمة إلى مناطق لا تتمناها. والذين يخوفونك ويضخمون من خطر الكل يدفعونك إلى الانعزال وخسارة المحيط وتزايد الخصوم وتصاعد التوتر.. أستاذ العلوم السياسية في جامعة هومبولت في برلين، داغ تانبرغ، يؤكد في كتابه «سياسة القمع في ظل الحكم السلطوي» أن القمع بطبيعته لا يُلجم المعارضة، بل هو الذي يصنعها ويوسعها.
والعقل الأمني ليس صفة لصيقة بالأنظمة غير الديمقراطية فقط، بل هو موجودٌ حتى في الديمقراطيات العريقة، انظر إلى حجم تجاوزات رجال الشرطة في تلك الدول، والتي لا يردع أفرادها سوى خوفهم من القانون، ومع وجود القانون الصارم تحصل دائمًا انتهاكات وتجاوزات ويُقتل أناس على أيديهم، ولو لم يكن هناك قانون رادع لرأيت الأعاجيب من ممارسات رجال الشرطة والأمن والعسكر. وهناك شهادات كثيرة عن توحش الأمن والعسكر -في غفلة من الرقابة- مثلما حصل في سجن أبو غريب في العراق وسجن باغرام في أفغانستان من قبل عسكريين أمريكيين ظنوا أنهم بعيدون عن عين الرقيب. أما ما يحصل في سجون الدول الاستبدادية فحدث ولا حرج.. ولو جالست يومًا كبار رجال الأمن في أي دولة استبدادية، فغالبًا ستسمع منهم -في لحظة تجلٍ- شكوى وتذمرًا من أن الإدارة السياسية في بلدهم تقيدهم وتمنعهم من اتخاذ كثيرٍ من الإجراءات تجاه «المتآمرين والخونة والعملاء»، وأنها ترفض أن تُطلق يدهم في التعامل مع هؤلاء.. التسليم للمنطق الأمني يعني خسارة سياسية مُحققة، واحتقان شعبي، وتراكم لثارات كان يمكن تجنبها.
(4)
وأخيرًا، لا تسمح للجان الإلكترونية أن تستخدم العنصرية والكذب والافتراء والطعن في الأعراض في تعاملها مع شخصيات ومؤسسات وتيارات. فبحسب التجربة، هذه اللجان مُبدعة في كسب العداوات وإثارة حفيظة جمهور واسع وتشويه سمعتك عنده. والناس تعرف أن هذه اللجان تعمل لحسابك، ومن الصعب إقناعها بأنك غير راضٍ عن استخدامها للبذاءات والفجور والشتائم والطعن في الأعراض واللغة العنصرية وتخوين المخالفين.
الكاتب الفنلندي، آري تورنين، استعرض في كتابه «تاريخ الغطرسة» عشرات القصص لزعماء وقادة سياسيين وعسكريين، وكيف أن اتصافهم بصفاتٍ منها: عدم الاستماع للآخرين، والثقة المفرطة بالنفس إلى درجة الاغترار والغطرسة، والمُكابرة وإنكار الوقائع، وعدم القدرة على التراجع في التوقيت الصحيح، من أهم الأسباب التي أورثتهم مجموعة من الكوارث والهزائم والخسارات.. في مُقابل الزعامات التي اتصفت بالتواضع، والإنصات، وقبول النقد، واستشارة الخبراء والمختصين، وكيف حققت تطورات سياسية واقتصادية وتنموية كبيرة في بلدانها.
وتذكر أنه حتى في كثيرٍ من الدول الشمولية ثمّة أصول للقمع، وقواعد للدكتاتورية، وتقاليد للاستبداد، وأعراف للمُمكن وغير الممكن، تجاوزها وخرقها سيؤدي إلى ارتباكٍ عارم وتوتر.. وأن الانفتاح السياسي نِتاج طبيعي للشعور بالرسوخ والثقة، بينما يُمثل القمع تجليًا ظاهرًا للقلق والتوجس.. وأن السلطة المستبدة الفاشلة اقتصاديًا وتنمويًا وسياسيًا تُمارس القمع المتزايد لتغطية كل هذا الفشل. لكن سيبدو مُستغربًا أن تفعل ذلك سلطة تحقق إنجازات وتقدمًا وتنميةً وتحديثًا يلمسه الناس ويراه الجمهور، فلا مُبرر حينئذٍ لحكمهم بالخوف والقمع، وأمامك بابٌ مُشرعٌ لكسب ولائهم.
آراء أخرى
ماذا يصنع الخوف في الإنسان؟
«تقوم الأنظمة القمعية في العالم على فكرة «الاستثمار في الخوف»»
الدولة القوية والمجتمع المُنقاد
«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»
عن وهم السلطوية والتنمية في الصين
«ما من علاقة عضوية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد