تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ماذا يصنع الخوف في الإنسان؟

نواف القديمي
13 دقيقة قراءة
ماذا يصنع الخوف في الإنسان؟

هل حصل مرة أن كُنتَ في بلدٍ يبعد عن بلدك آلاف الكيلومترات، في جلسة وحديث مع أصدقاء أو معارف، وحين أراد أحدهم أن يقول عبارة فيها نقدٌ لحكومة بلده، قام بخفض صوته وصار كأنه يهمس؟

فماذا يصنعُ الخوف في الناس؟

في كتابه الخوف السائل، يعتبر زيجمونت باومان أن الخوف هو الاسم الذي نُسمي به حالة «اللايقين» التي نعيشها، وجهلنا بالخطر القادم، وما يجب أن نفعله لمنعه. ويرى أن الحداثة الغربية أرادت أن تأخذ البشرية إلى زمنٍ خالٍ من الخوف؛ حيث وعدت باستئصال الخوف من العالم في أبرز مناحيه وأسبابه، وهو الخوف من الكوارث الطبيعية، ومن الأمراض، ومن العدوان البشري، سواء الذي يحصل عبر الحروب الخارجية أو الاستبداد السياسي أو الفوضى المحلية. فكانت النتيجة أنها فشلت في كل ذلك، فلا تزال الكوارث الطبيعية تضرب العالم دون أي قدرة على التنبؤ بحدوثها، فضلًا عن التعامل معها. وعلى الرغم من تقدم الطب وإمكانيات العلاج لم تتوقف الأمراض الفتّاكة عن التطور، بالإضافة إلى ظهور أمراض وجوائح جديدة، وارتفاع تكاليف العلاج، وهيمنة النزعة التجارية، وتحول المشافي إلى شركات استثمارية، وحِرمان قطاعات واسعة من الشعوب من خدمات التأمين الطبي. والعدوان البشري صار أكثر فتكًا بعد التطور الهائل في إنتاج السلاح وأدوات القتل عن بُعد والقنابل الذكية وطائرات الدرونز والحروب الاستباقية والصراعات على الموارد، وأيضًا في تقنيات المراقبة والتجسس والسيطرة والتحكم بالبشر.

ويرى باومان أن العالم يعاني «مُتلازمة تيتانيك» حيث الرعب الدائم من الخطر غير المتوقع. فالعالم المُتحضر الذي يعيش الرفاهية ويهتم بالفنون والأزياء والمُتعة، ويُمعِن في تكريس الطبقية والتفاوت، يُمكن أن يصطدم في لحظة ما بالفاعل الصامت وغير المتوقع «الجبل الجليدي في الفيلم، ويمكن أن يكون في الواقع كوارث طبيعية أو أوبئة أو حروب أو أعمال إرهابية»، فيلهث الجميع بفردانية مخيفة وراء الخلاص الشخصي، ويغرق الكل على أنغام الموسيقى الكلاسيكية. ثم يُضيف أن الخوف دائمٌ في كل مكان، وأن الزمن الذي نعيشه هو زمن الخوف مرة أخرى وفُقدان الأمان. وأن الحضارة واهنة، ولا يفصل بينها وبين الجحيم سوى صدمة واحدة.

وفي ظل هيمنة الدولة الحديثة/الإله، تقوم الأنظمة القمعية في العالم على فكرة «الاستثمار في الخوف»، الخوف منها، والخوف مما سيحصل للبلد في حال تعرض النظام للنقد أو الاحتجاج والمواجهة. وأن سلوكها القمعي ما هو إلا «ضرورة» لتجنّب ما هو أسوأ: المؤامرة، والفوضى، والطابور الخامس. وأنه يجب اعتبار انخفاض سقف الحُريات أو انعدامها مجرد «أضرار جانبية» يمكن تحمّلها مُقابل تحقيق الأمن والاستقرار. فيعيش الإنسان البسيط أحيانًا في حالة ازدواجٍ ممزوجٍ باضطراب، فهو يكره النظام ويخشى زواله! المفارقة أن «الدولة» التي قامت على مبدأ «حماية الإنسان من الخوف» -عبر مُقايضة الحرية بالأمن كما يُنظِّر هوبز- أصبحت في عالمنا المُعاصر هي المصدر الأهم والأكبر للخوف. وتحولت المُقايضة من «الأمن دون حُرية بدل الخوف» إلى «الخوف من الدولة بدل الخوف من الفوضى وانعدام الأمن وانقطاع الرزق وخراب الديار».

وإذا كانت سياسة الأحزاب في الدول الديمقراطية تعتمد أيضًا خِطاب تخويف الناس من: الحروب والإرهاب واللاجئين وشبح الفقر والبطالة والعجز والمرض. فإن الأنظمة القمعية تستخدم ذات الخِطاب، ولكنها قبل ذلك تضع في «المتن الأهم»؛ في دستور علاقتها بالمواطنين، «تخويف الناس منها».

الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت، بعد بحثٍ مستفيض في مفاهيم العنف والشر، توصلت في كتابها «في العنف» إلى أن السُلطة والعنف فِعلان مُتضادان في الأنظمة الشمولية، فكلما ترسَّخت السُلطة تضاءلت الحاجة إلى العنف، بينما تتصاعد الحاجة إلى العنف حين تكون السُلطة مُهددة، وأن العنف البشري الذي يتجلى في أشكال وممارسات لا نهائية نابعٌ في جوهره من إحساسٍ عميقٍ بالخوف. وذكرت كيف أن الثقة -في السُلطة- ترتكز على مُسَلَّمة فلسفية بسيطة، ولكنها شديدة الخطورة، لكونها تُسهم في إزالة الخوف المشروع لدى الناس واستثارة الأمل، وهي أن الشر ليس سوى شكل من «الخير السلبي»، وأنه يُمكن للخير أن يَنتُج من الشر؛ بمعنى أن الشر ليس سوى التجلي المؤقت لخيرٍ لا يزال مُختبئًا.

وفي المقابل، وصفت أرندت في كتابها «تفاهة الشر» كيف أن الحداثة صبغت كثيرًا من أفعال الإجرام والتوحش والقمع والتعذيب والقتل بكونها مُمارسات لا تخرج عن إطار «إتقان العمل» في البيروقراطيات الحديثة، دون أن تنطوي بالضرورة على «موقف سلبي» أو «كراهية» تجاه الطرف المقموع. وأن الفاعلين مجرد تروس صغيرة تقوم بعملها الوظيفي النمطي «منزوع المشاعر» وسط توربينات سياسية ضخمة. وهو ما تحدث عنه أيضًا أستاذ علم النفس في جامعة ييل، ستانلي ميلغرام، في كتابه «كيف تُصنَع الطاعة.. وجهة نظر علمية عن التسلط»، الصادر عام 1973، حيث قال: «جوهر الطاعة في حقيقته أن يرى الشخص نفسه كأداة لتنفيذ رغبات شخصٍ آخر، وبالتالي لا يعد نفسه مسؤولًا عن أفعاله»، مضيفًا: «لقد ثبت بشكلٍ موثوق أنه في الفترة من 1933 إلى 1945 قُتل ملايين الأبرياء بشكلٍ منهجي بناءً على الأوامر، وتم إنتاج حصص يومية من الجثث بكفاءة تصنيع الأجهزة نفسها. قد تكون هذه السياسات اللا إنسانية قد نشأت في عقل شخصٍ واحد، ولكن كان من الممكن تنفيذها على نطاق واسع، فقط إذا أُطيعت الأوامر من قِبل الكثير من الناس». ثم نقل رصدًا وتأملًا في التاريخ: «عندما تُفكر في التاريخ الطويل والكئيب للجنس البشري، ستجد أن الجرائم الوحشية التي ارتُكِبت باسم الطاعة، أكثر من الجرائم التي ارتُكبت في أي وقتٍ مضى باسم التمرد».

في الفيلم المصري «البريء» استطاع الكاتب وحيد حامد والمخرج عاطف الطيب أن يُمثّلا هذا الازدواج المُربِك بمشاهد ذكية عبر شخصية العقيد، توفيق شركس «محمود عبد العزيز»، الذي يُدير أحد مراكز الاعتقال، ويتعامل بوحشية مُخيفة مع المعتقلين السياسيين، ثم يخرج بمشاهد أخرى مع طفلته الصغيرة وهو بمُنتهى اللطف؛ حيث يشاركها اختيار هدية عيد الميلاد التي يرفض أن تكون لعبة «عسكر وحرامية» فيختار لها آلة موسيقية رقيقة هي الجيتار.. وفي الفيلم الأمريكي «The Boy in the Striped Pyjamas» قصة شبيهة تمثل ازدواج سلوك الضابط الألماني بين عائلته التي يحرص معها على الالتزام بالتقاليد والإتيكيت والأخلاق الاجتماعية، في الوقت نفسه الذي يُشرف فيه على أحد أفران الغاز النازية، التي يتم حرق اليهود فيها. وقد وصف لي ناشط في «حركة كفاية»: في مصر، مشهدًا شبيهًا؛ حين كان مُحتجزًا في مقر جهاز أمن الدولة في شارع جابر بن حيان عقِب مظاهرة للحركة في عام 2004، وكان في العنبر شيخٌ مُعلق بالسقف من قدميه ويتعرض للتعذيب لزعم ارتباطه بقضية تخص «حزب التحرير»، وعندما حان وقت الصلاة، أمر الضابط بفك قيود الشيخ، وقرّب له الماء للوضوء، ثم أمره بأن يُصلي بهم. وبالفعل صلى الشيخ بالضابط والعساكر صلاة المغرب، وتلا آياتٍ من القرآن بصوتٍ جميل ممزوجٍ بأوجاعه وآلامه، ثم بعد انتهاء الصلاة، أمر الضابط بإعادة تعليقه، ومواصلة تعذيبه!

ميخائيل باختين، الفيلسوف الروسي، الذي عاش في أكثر العهود قمعا؛ عهد ستالين، وكتب عن الاتصال الوثيق بين هيمنة الدولة و«ذعر المقهورين وخوفهم»، أكد أن «العنف والقهر والزيف» هو اللحظة التكوينية للسُلطة في الأنظمة الشمولية والدكتاتورية. فيما كتب تزفيتان تودوروف، الفيلسوف البلغاري، الذي كتب عن النازية وعن مُعسكرات الاعتقال، أيضًا عن السِمات التكوينية للدولة الشمولية، وأنها تقوم على إنهاء الحدود الفاصلة بين العام والخاص لدى الناس، وأنها تُريد أن تستبدل «جهنم المُتخيلة» في الحياة الآخرة التي استخدمتها الأديان لترهيب المؤمنين من أجل الطاعة، ليحل محلها جهنم دنيوية ملموسة يراها الناس رأي العين، ويعلمون علم اليقين أنها تنتظر كل من يضل عن الطريق المُستقيم «الذي تُقرره السُلطة».

في الدول السُلطوية، يشعر الإنسان بأن القمع والاعتقال وما يرتبط به عادةً من قسوة وشتائم، وربما عُنف جسدي مرتبط بـ«السعي للإهانة»، وهو ما يُسمّى في علم النفس «الجُرح النرجسي»، فهو سلوك يستهدف المس بكرامة الإنسان وكبريائه واحترامه، وقد يصل إلى «التشهير» الذي يُمكن اعتباره «إعدامًا معنويًا» خارج إطار القانون. ويتجاوز القمع في كثيرٍ من الأحيان تأثيره الفردي، ويصل إلى الدوائر المُحيطة، كالعائلة وربما الأصدقاء والمعارف، التي قد تُعاني امتداد تأثير ذلك إليها، فربما تعرض القريبون منه لعُزلة اجتماعية ونبذ اقتصادي من مُحيطهم خشية تورطهم في «تهمة التعاطف». وقد يصل الأمر إلى «شعور بالعار» سيظل يلازم هذا الشخص وعائلته. المؤرخة الألمانية، أوتا فريفرت، ذكرت في كتابها «سياسة الإذلال: مجالات القوة والعجز»، كيف أن كثيرًا من الناس يختارون الصمت تجنبًا للإهانة. وأن الخوف لديهم يتجاوز الذات، ويمتد إلى الخشية من حجم الخسائر النفسية والمادية على المحيط العائلي.

تجارب هذه العزلة وهذا النبذ لا تنتهي عند الدوائر المحيطة بمن يتعرضون لانتهاكات أمنيّة في عالمنا العربي، كما أن أخبار من يتم سجنهم لكونهم يقومون بمساعدة مادية لعوائل المعتقلين تتكرر كل فترة. وليس آخرها ما قاله الناشط السياسي المصري، شريف الروبي، الذي لم يجد بعد خروجه من المُعتقل مكانًا للعمل، فكل المؤسسات الخاصة ترفض توظيفه خشيةً المضايقة الأمنية، فشعر أنه مسجونٌ في مُجتمعٍ خائفٍ يتعامل معه بنفور وإقصاء. المُفارقة المؤلمة أن هذه الشكوى العلنية من النبذ الوظيفي والرغبة في العودة إلى الحياة العمليّة والاندماج في المجتمع، قوبلت باعتقال الروبي مجددًا.

وقد تتطور العزلة في المجتمع ليعيش الناس حياتهم اليومية الصاخبة والمُزدحمة، ولكن وسط عُزلة عن السياسة، وذلك باعتبارها منطقة خطرة يجب الابتعاد عنها. ولا يعدم الإنسان القدرة على توليد مجموعة من الحيل النفسية لتبرير هذا الفعل. ومن جانبها تقوم الدولة بتقديم الخدمات والمشروعات، وترعى الثقافة والأدب والفلسفة والفن، بشرط أن يكون كل ذلك منزوع السياسة. وهو ما قد يوصل إلى ما سمّاه ممدوح عدوان «ورطة الإنسان الأعزل». وتُسهم وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في تعميق هذا الشعور، فأنت تُتابع من تعرفهم ومن يهتمون بمثل اهتمامك، وتُعزز خوارزمياتها مزيدًا من هذه العُزلة، فهي تُحيطك بفُقاعة من آلاف المُشابهين، فتشعر بهم ومعهم وكأنكم تُمثلون كل العالم. وبالعودة إلى حنة أرندت، في كتابها «أسس التوتاليتارية»، هذه المرة كتبت: «ما جعل الناس مهيئين للخضوع للسيطرة الشمولية في عالم غير شمولي، هو الحقيقة التي مفادها أن العزلة، التي كانت يومًا ما تجربة يُعانيها المرء عادة في ظروف هامشية استثنائية، أصبحت تجربة يومية لجماهير غفيرة ومتزايدة كل يوم في هذا القرن».

وإذا كان فيلسوف الليبرالية، جون ستيوارت مل، قال: «ومهما يكن الإنسان نبيلًا وشُجاعًا وشريفًا، فإنه لا يستطيع مواصلة تفكيره العقلاني في مناخٍ من الاضطهاد». وكتب محررو مجلة «هدجهوغ ريفيو» في تقديمهم لعدد خاص عن «الخوف» إن «الخوف إذ يُحيط بالإنسان فإنه يُسيطر عليه ويبتلعه، وهو يؤدي إلى صعوبة التفكير باتزان حول أي شيء آخر إلا في مصدر الخوف وتبعاته المُحتملة. وأن الفوبو [الرعب ومنها الفوبيا] في العصور القديمة كانت كلمة تعني إجبار الآخر على الهروب. فعندما يكون شخصٌ ما خائفًا، فإن دافع الهرب يكون تلقائيًا فطريًا فيه قبل أن يعود إلى حالته العقلية المُستقرة. وأن الجميع في السياسة يستخدمون الخوف والتخويف من أجل كسب الدعم والتأييد». أما كوري روبن، أستاذ الفلسفة في جامعة ييل، فقد ذكر في دراسته حول «تاريخ التفكير السياسي حول الخوف» أن الفلاسفة والسياسيين على مدار القرنين الأخيرين، بداية من هنري سيدجويك وصولًا إلى مدرسة فرانكفورت، وبدايةً من فرانكلين روزفلت وصولًا إلى قائدة المُعارضة البورمية، أونغ سان سوتشي، قد أكدوا أن الخوف يمنع الإنسان من التفكير المنطقي والعقلاني، وأن الخوف السياسي «شعورٌ بدائي» يحجب مُقتضيات العقل المنطقي، وأنه رد فعل «لا إرادي» يستبد بالإنسان إلى حدٍ كبير يصعب معه التحكم به، ويحرمه من قدرته على أن يكون فاعلًا عقلانيًا مُستقلًا. وأن الطبقة الحاكمة تستغل دومًا مشاعر الخوف والرعب والقلق للمحافظة على سُلطتها، وتقوم بترسيخ ذلك في «الذهنية الجماعية» من أجل الهيمنة التي يُطلق عليها «الوجه الثالث للسُلطة».

«وأيُ حياةٍ هذه التي لا يطمئن فيها الإنسان إلى أحد»، جملة كثيفة صاغها وليد سيف على لسان «المُعتمد بن عباد»، في مسلسل «ملوك الطوائف»، بعد أن خانه أقرب الناس إليه. وفي رواية «الخائفون»، كتبت ديمة ونّوس، ابنة المسرحي السوري المعروف سعد الله ونّوس، بأسلوبٍ روائي لصيقٍ بالتحليل النفسي، كيف يتطور الخوف عند الناس حتى يصلوا إلى مرحلة «الخوف من الخوف»، وروت ضمن مُشاهدات ميدانية مُرعبة كيف تحوّل الخوف إلى عنف وتوحش حتى عند البُسطاء العاديين الذين يعيشون أوضاعًا اقتصادية تعيسة. وكيف شعرت بالذعر حين وجدت حتى أقرب الناس إليها كابنة عمتها، التي كانت تتبادل معها الاهتمام بالكتب والأدب والمسرح، ثم كتبت لها «إنها لا تتمنى لوالدتها -المُختلفة طائفيًا- الموت فقط، بل تتمنى أن يتم اغتصابها أمام والدتها حتى تعيش بعذابٍ دائم». وابن عمها الرسام والعازف، الذي قال لها إنه «قتل تسعة أشخاص، ولا مانع لديه في أن يجعلها العاشرة»، كل ذلك لأنها تمردت على موقف معظم أبناء طائفتها، ورفضت قتل الناس، وانحازت إلى قيم العدل والحرية.

المخزون الأكبر لـ«رأس مال الخوف» يرتبط بشكلٍ وثيق بغياب القواعد والإجراءات، وعدم امتلاك القدرة على التوقع، فتُصبح أسوأ المخاوف أمرًا محُتملًا دائمًا. وهو ما وصفه أستاذ علم النفس في جامعة السوربون، جان لابلاش، بـ«القلق»، حيث ذكر أن الفرق بين الخوف والقلق هو أن القلق «خوفٌ دون موضوع»، فأنت تخاف مما لا تدري، وتخاف وأنت لم تصنع شيئًا يستحق الخوف. ويزداد هذا الشعور حين ترى مستويات من عنف السلطة تجاه أفعال قد تكون بسيطة وعفوية، كحديثٍ مع أصدقاء في مقهى، أو كتابة سطور في تويتر أو فيسبوك، أو حتى مراسلة عبر واتساب، فيُعتقل على إثرها هذا الشخص، ويُحكم عليه بالسجن لسنين طويلة وربما لعقود. وقد يتطور الأمر عند البعض إلى الشعور بارتيابٍ مرضي، يُطلق عليه في علم النفس «البارانويا»، وهي حالة من تفاقم الريبة والشك الممزوج بخيالات وأوهام، وفُقدان الثقة في كل الناس. ويُمكن أن تلحظ حالات تعاني هذا الشعور وسط مُعتقلين سياسيين سابقين، أو عند ناشطين خرجوا من أوطانهم وصاروا في دول آمنة، ومع ذلك يشعرون دومًا بأن أجهزة الأمن في بلدانهم تطاردهم وتسعى لاغتيالهم، وأن مخابرات دول أخرى متواطئة وتستهدفهم أيضًا.

في كتابه «الإنسان المهدور» تحدث مصطفى حجازي أنه في ظل الترويع، الذي تُمارسه السُلطة، يتعلم الإنسان أن يرتدع ذاتيًا ويضبط سلوكه حين يجد أن سلوكه أو تصرفه أو حتى تفكيره أصبح ذا كُلفة قد تكون كارثية إن هو تجرأ وأقدم، وقد يصل الأمر إلى ردع النوايا والأفكار. وتعميم الردع الذاتي ليس تجاه سُلطة الحاكم وشخصه فقط، بل حتى تجاه رموزه ورجالاته ومشروعاته، بحيث يكتسب «المجال الحيوي» كُله صِبغة التهديد. وقد عبرت يونج تشانج عن هذا النزوع في روايتها «بجعات بريِّة» حين قالت: «كنتُ قد تمرستُ بعادة 'النقد الذاتي'، وكنتُ ألوم نفسي تلقائيًا على أي نوازع تتعارض مع توجهات ماو، كانت مثل هذه المشاعر في الحقيقة تُخيفني، وكنتُ أحاول كبتها والتحلي بطريقة التفكير 'السليمة'، وعِشتُ في حالة من الاتهام الدائم».

في هذا المناخ الاضطهادي، ومع مرور الوقت، يُصاب المجتمع بتشوهات عميقة في الأخلاق والسلوك وأنماط التفكير، ويزداد الشك بين الناس وفقدان الثقة وغياب الاطمئنان، وتتصاعد نزعات لوم الآخرين، والعُدوانية الاجتماعية تجاه تصرفات قد تبدو بسيطة ولا تستحق كل هذا المخزون من الغضب والعنف، وهي في وجهٍ منها تفريغٌ لشحنات الكبت السياسي في المُحيط الاجتماعي. فتشعر وكأن الناس في حالة تعبئة نفسية دائمة. في هذا المناخ يسود النفاق والانتهازية، ونزعات الأنانية، والسعي للخلاص الفردي عند البعض، فيما يزداد تبخيس الذات، والشعور بانعدام القدرة على التأثير، وربما بالازدراء والدونية والتحقير عند آخرين، ويخشى الأحرار من التعبير عن آرائهم. وقد وصف الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد» هذا المجتمع بقوله: «الاستبداد يضطر الناس إلى إباحة الكذب والتحايل والنفاق والخِداع والتذلل ومُراغمة الحس وإماتة النفس».

يسعى الإنسان المُعاصر دومًا لخلق «مسافة أمان» تفصلهُ عن خطوط الخوف والمجهول. ففي حياته الاجتماعية قد يلجأ إلى إجراء «التأمين»، سواء الطبي أو على الحياة أو السيارة أو المنزل. وفكرة التأمين تقوم في أساسها على مبدأ «نزع الخوف» واكتساب الشعور المُضاد له «الاطمئنان» تجاه أخطارٍ مجهولة ومُحتملة، فأنت تدفع لكي تأمن وتطمئن. أما في السياسة، ففي دولٍ قد يكون الصمت فيها فعلًا كافيًا للاطمئنان، وفي أخرى يغدو الصمتُ لصيقًا بالريبة والشك، فلا مناص من الولاء المُعلن والتأييد المُتكرر، وهو ما يؤدي إلى شيوع أخلاق الطاعة في المجتمعات، التي قد تتراكم مع مرور الزمن، حتى تصل إلى ما سماه مصطفى حجازي «التماهي بالمُتسلط»، وهي مرحلةٌ ينعدم فيها الضمير الفردي، ويُصبح تقدير الصواب والخطأ مرهونًا فقط برأي السُلطة وموقفها وتقديرها.

«فخرج منها خائفًا يترقب» هكذا كان الوصف القرآني البليغ لهروب موسى عليه السلام من بطش فرعون وسطوته، وهو ذات ما يرجوه اليوم آلاف الشباب الذين يعيشون في ظل أنظمة سُلطوية لا يعرفون فيها إن كان القمع يُصبِّحهم أو يمسّيهم، فلا يرجون سوى الأمن والاطمئنان، والحياة البسيطة دون خوف، والنوم العميق بلا كوابيس الفزع من اقتحامٍ مُحتمل، وحرية الكلام والتعبير دون رُعب التبعات.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
محمد سعد عبد الحفيظ

الاصطفاف ومسلسل «التخوين»

«إن شعور الجميع بأنهم شركاء في هذا الوطن هو السبيل المُثْلَى لتحقيق الاصطفاف»

اقرأ →
رأي
ندى شاهين

مصر بين قوة الدولة ودولة القوة

«هل يفترض أن تكون الدولة في خدمة المواطن أم أن المواطن هو الذي يجب أن يكرس نفسه لخدمة الدولة؟»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).