تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

عن وهم السلطوية والتنمية في الصين

محمود هدهود
7 دقيقة قراءة
عن وهم السلطوية والتنمية في الصين
الرئيس الصيني تشي جينبينج تصوير: رويترز

تم انتخاب تشي جينبينج، كما هو متوقع منذ تعديل الدستور الصيني في 2018، رئيسًا للصين وسكرتيرًا عامًا للحزب الشيوعي لدورة ثالثة. سيطرة تشي على الدولة والحزب في الصين فرصة جيدة للدعايا السلطوية التي لن تسأل: لماذا نجح تشي، كأول رئيس صيني وزعيم سياسي للصين -وهما ليسا مترادفين بالمناسبة، فالصين لها نظام خاص في تراتبية وتوزيع المناصب- في فرض هيمنته على الدولة والحزب بهذا الشكل منذ حقبة المؤسس ماو تسيتونج (1949-1976)، والمُصلح دينج شياوبينج (1978-1992)، بل ستنشغل هذه الدعايا بضرب المثل بالتجربة الصينية التي ترادفت فيها السلطوية مع التنمية الاقتصادية.

معرفتنا عن الصين محدودة جدًا. أولًا بالنظرة الاستشراقية التي تنتقص الآسيوي وغير الأبيض عمومًا، وهي نظرة يقع فيها السلطويون في العالم الثالث عندما يتبنون خطاب تحرر وطني وخصوصية مزيف يقول إن المعايير الغربية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تناسبنا. وثانيا هي محدودة بجهلنا بالصين التي لم تتصل بالعالم الحديث إلا متأخرة وأدت مساحتها الهائلة بجانب الفوضى السياسية ثم النظام السياسي المغلق الذي لا يسمح بتسرب معلومات دقيقة عنه إلى تعميق هذا الجهل.

الصين بلد مترامي الأطراف، يصعب جدًا إخضاعه لإدارة مركزية، وقد كان هذا هو الوضع منذ عصر الإمبراطورية، أو في القرن الأخير منه على الأقل، فالولاء السياسي للإمبراطور لم يترجم في خضوع إداري للحكومة المركزية، وظلت الصين، وهي بلد فلاحي بالأساس، أقرب إلى إقطاعيات مترامية تُحكم من قبل العوائل والزعماء المحليين. حتى عندما قامت الثورة الجمهورية سنة 1911، لم تلبث سوى سنوات قبل أن تنحل إلى حالة من التمزق والحرب الأهلية بين أمراء حرب.

عندما نجح الشيوعيون في حسم السلطة لصالحهم سنة 1949، كان الطاقم القيادي للحزب يدرك أن الصين لا يمكن أن تُحكم بنفس المنطق المركزي الذي حكم به الحزب الشيوعي الاتحاد السوفيتي. لذلك لم يتبنَّ الحزب الشيوعي الصيني ديكتاتورية البروليتاريا، وإنما طرح ماو تسيتونج، زعيم الحزب وفيلسوفه الأول بلا منازع، فكرة «الديمقراطية الجديدة» التي تتلخص في التمثيل المتدرج للشعب، من مستوى القرية والحي عبر مؤتمر يشاركون فيه مباشرة وينتخبون ممثلين لهم إلى المستوى الذي يلي، وصولًا إلى القيادة المركزية للحزب. ربما نسمع كثيرًا اليوم عن دعوات الديمقراطية المباشرة والتشاركية في ظل شعور الناخب الغربي بالاغتراب عن مؤسسات الديمقراطية الليبرالية، وصعود الشعبوية كحالة رفض للنخبة السياسية برمتها. لكن في هذا الوقت، كانت هذه أطروحة جديدة بالفعل. لم يكن ماو تسيتونج يبحث عن غطاء ديمقراطي لحكم شخصي مطلق، ولم يكن يملك أن يبني حكمًا شخصيًا مطلقًا أصلًا وقتها. كان يدرك أن مكانته التنظيمية والرمزية في الحزب لا تعني إمكانية استبعاد كوادر يملك كل منها مناطق نفوذ وأتباع داخل الحزب. 

وعندما فشلت خطة ماو تسيتونج الاقتصادية المعروفة بـ«القفزة الكبرى للأمام» بين عامي 1958 و1959، قرر ماو نفسه أن يأخذ خطوة إلى الخلف ويترك منصب رئيس الدولة لنائبه ليو شاو كي. وعلى مدى السنوات التالية، وجد ماو تسيتونج نفسه مهمشًا، ووجد جهاز دولة يتم بناؤه موازيًا للحزب، ووجد ليو شاوكي ومعه دينج شياوبينج، يتحركون في خططهم الاقتصادية بمعزل عن رؤية ماو. 

عندما حاول ماو أن يوقف ذلك، كان يدرك أن الحزب أعقد من أن يمكن لشخص واحد أن يسيطر عليه. احتاج أن يلجأ إلى تعبئة الشعب نفسه، والشباب بالتحديد، ضد الحزب. كانت الثورة الثقافية، من الناحية السياسية، انقلابًا قاده ماو لإخضاع الحزب نفسه والدولة بعد أن وجدهما ينفلتان من بين يديه. ومن الناحية الأيديولوجية، كانت الثورة الثقافية محاولة لإنقاذ الاشتراكية الصينية من أن تتحول إلى دولة بيروقراطية على غرار الاتحاد السوفيتي. كما احتاج ماو تسيتونج أن يؤمّن نفوذًا في الجيش عبر تحالف وثيق مع لين بياو، ثالث أكبر جنرال في جيش التحرير الصيني، قبل أن ينفجر هذا التحالف لأسباب غامضة.

الحزب الشيوعي الصيني باختصار يحتوي علـي شبكات محسوبية متنوعة: جهوية، وسياسية، واقتصادية، وكل هذه الشبكات تدعم شخصيات محددة في القيادة المركزية للحزب على أساس من تبادل المصالح والدعم بين مراكز القوى في القيادة المركزية وكل مجموعة من تلك المجموعة. سيطر دينج شياوبينج، مثلًا، على الحزب والدولة منذ عام 1978 إلى 1992 -رغم تقاعده رسميًا في 1989- لكن عبر توازنات دقيقة مع قيادات الحزب كبار السن، أو من عُرفوا بالثمانية الكبار، وكان شين يون، أحد هؤلاء الكبار، يتمتع بنفوذ واسع في الإدارة الاقتصادية يعادل نفوذ دينج شياوبينج نفسه. دينج شياوبينج نفسه، لم يكن سكرتير الحزب ولا رئيس الصين، بل كان قائد اللجنة العسكرية المركزية، وهو منصب يضمن له نفوذًا واسعًا لكنه ليس المنصب الأول نظريًا. كان على رأس الحزب في المقابل، هيو ياوبانج، وعلى رأس الحكومة، تشاو جيانج، وكلاهما مثلا جناحا مطالبًا بالإصلاح السياسي من داخل الحزب نفسه.

نحن هنا لسنا أمام نظام سلطوي كلاسيكي قائم على حكم فرد واحد يقبع على رأس مؤسسات بيروقراطية وعسكرية تخضع لسلطته المطلقة، وإنما نظام توازنات، ليست بالتأكيد كالتوازنات الدستورية القائمة على الفصل بين السلطات. تتوزع السلطات في هذا النظام على عدة محاور، أفقي جغرافي، بين الشبكات المحلية في الولايات المختلفة، ورأسي مؤسسي، بين دوائر الحزب، بجانب أبعاد أخرى اقتصادية ومؤسسية وسياسية مختلفة. تحتاج كل خطوة في هذا النظام إلى الإنصات لشبكات متنوعة ومتغلغلة مؤسسيًا وشعبيًا ومناطقيًا، وإلا كانت تلك الخطوة مخاطرة من قبل القائد السياسي أو القيادة المركزية يمكن أن تطيح به في مؤتمر الحزب القادم.

مؤتمرات الحزب الشيوعي الصيني بالمناسبة ليست مؤتمرات صورية. صحيح أن الزعيم السياسي الأقوى يرتب مع محاسيبه السياسيين كيفية إدارتها، لكن يبقى بالإمكان دومًا أن تنتهي بترتيبات مختلفة. في الأخير، لم يتمكن خليفتا دينج شياوبينج، زيمين جيانج، وهيو جينتاو، من أن يبقيا في رئاسة الدولة أكثر من ولايتين متتاليتين، كأننا في دولة ديمقراطية تقوم على تداول السلطة. وإذا كانت التعددية الحزبية غير متحققة بشكل فعال، فهناك تعددية داخل الحزب نفسه بين أجنحته. الحزب الشيوعي الصيني كذلك ليس الحزب السوفيتي: المغضوب عليهم في الحزب الشيوعي الصيني لا يقتلون غالبًا في التطهير، يذهبون وتظل فرصهم قائمة في العودة لاحقًا، وهذا ما حصل مع دينج شياوبينج ورفاقه أنفسهم الذين ظلوا أعضاء في الحزب رغم تجريدهم من مناصبهم وتعرضهم للاعتقال خلال «الثورة الثقافية».

لم تحدث الإصلاحات الاقتصادية والتنمية بمعزل عن كل هذه السياسة والجدل والتوازنات، وإنما في عمقها وعلى أساسها، وكانت على مدى الثمانينيات إصلاحات محدودة، وتقوم بالأساس على تحفيز المشاريع الحكومية الإنتاجية ومديريها، مع الحفاظ على شبكات المحسوبية السياسية نفسها. وتحول مديرو هذه الشركات والمشاريع إلى قادة مستقبليين للحزب. 

لا يمكن أن نشاهد مسلسل التجربة الصينية من منتصفه ونقول هذه هي الحكاية، فهي ليست حكاية مبتذلة للزعيم الملهم والدولة القوية والشعب الخاضع لأحلام تكنوقراط يحكمونه.

يمثل تشي جينبينج بالفعل انقلابًا على كل هذه الحكاية. التكنولوجيا أداة خطيرة في يد تشي جينبينج يستخدمها بالفعل لتحويل الصين إلى دولة مركزية ومطلقة الهيمنة على المجتمع لأول مرة في تاريخها الحديث. الإيجور هم ضحايا هذا الطموح كما هو واضح، وبجانبهم التبت، فرغم ضم تلك المناطق بشكل حاسم عام 1949، ظلت تلك المناطق تتمتع باستقلالية عملية عن المركز تراعي خصوصياتها الثقافية، العرقية التركية والإسلام في حالة الإيجور في إقليم شينج يانج أو تركستان الشرقية كما يطلقون عليها، وحالة البوذيين في التبت. لكن مع صعود تشي جينبينج ومحاولته بناء دولة مركزية تخضع لسلطته المطلقة، صار من الضروري تذويب تلك الأقليات في القومية الصينية الحديثة التي تتجسد في الدولة وإخضاعهم ثقافيًا وليس فقط سياسيًا عبر عملية «تصيين» قسري.

 منذ صعوده عام 2012، وجد تشي جينبينج في الفساد المستشري في الحزب فرصة سياسية مناسبة لتصفية كثير من الشبكات. واصل مسيرة هيو جينتاو، الذي حكم بين 2002 و2012، في التخلص من عصابة شنغاي، أصحاب الميل الأشد ناحية الرأسمالية ورجال الأعمال، التي صعدت أثناء حكم زيمين بين 1992 و2002، ثم بدأ بالفعل في التخلص من مجموعة هيو جينتاو نفسه، القادمين من اتحاد الشباب الشيوعي (توانباي)، كما ظهر في المؤتمر العشرين قبل أشهر، عندما أُخرج هيو جينتاو من المؤتمر، ولم تُجدد عضوية زملائه القادمين من التوانباي، لي كيكيانج ووانج يانج، في المكتب السياسي للحزب. نجاح الإصلاحات كان قد قضى من قبل على فرص الماويين في العودة إلى مقاعد متقدمة في الحزب. 

عواقب ما يفعله تشي جينبينج لم تتضح بعد، وربما يجد جديد قريبًا. محللون غربيون مثلًا يرون أن ما يفعله تشي سيقود إلى تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني، أي أن بمعنى ما، السلطوية ستوقف التنمية.

ما من علاقة عضوية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية، أي أن بالإمكان أن نجد أحدهما دون الآخر، التنمية ممكنة أحيانًا دون ديمقراطية، والديمقراطية قد لا تقود أحيانا إلى تنمية. والتجربة التاريخية تقول بوضوح أن كثيرًا من الأنظمة السلطوية بدأت عمليات تحديث ناجحة في العديد من البلدان، وقد تطورت نظرية «الدولة التنموية» مثلًا في دراسات الاقتصاد السياسي منذ وقت طويل لوصف حالات النجاح الآسيوية في تحقيق التنمية الاقتصادية في ظل أنظمة سلطوية وعسكرية. لكن إذا أردنا أن نتخذ التجربة الصينية دليلًا على أي فرضية، فستكون فرضية أن السلطوية التي بإمكانها أن تقود التنمية ليست هي تلك السلطوية التي لا ترتبط بأي تحالفات اجتماعية تتفاعل مع مصالحها وتجسد التنمية التي تحلم بها الدولة. 

هذا ما مال إليه سامر سليمان مثلًا عندما اقترح أن قوة الدولة التي تمكنها من قيادة التنمية تتوقف على مدى قوة التحالف الاجتماعي الذي تستند إليه السلطة في تلك الدولة. يمكننا أن نقول هنا بمعنى ما، إن الديمقراطية شرط للتنمية، ولكن ليس الديمقراطية الليبرالية بالضرورة، وإنما شكل من الحوار والتفاهم بين الدولة وبين فئات اجتماعية لها مصلحة في تحقيق تنمية فعلية.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
نواف القديمي

الدولة القوية والمجتمع المُنقاد

«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).