العنصرية الصهيونية في ذاكرة العالم
في العاشر من نوفمبر عام 1975، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3379 باعتبار «الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، وطالب القرار جميع دول العالم بمقاومة هذه الأيديولوجية الصهيونية بوصفها تشكل خطرًا على السلم والأمن الدوليين.
القرار صدر بأغلبية 72 صوتًا مقابل 35 وامتناع 32 دولة عن التصويت، وقد شكّل منذ صدوره أكبر هزيمة دبلوماسية وأخلاقية لإسرائيل منذ تأسيسها بقرار من الجمعية العامة ذاتها عام 1948، كما هو معروف، وكان في الوقت نفسه أحد الانتصارات الدبلوماسية الكبرى لحركة التحرير الوطني الفلسطينية، ذات العلاقة الوثيقة في ذلك الوقت بأغلب دول عدم الانحياز ودول العالم الثالث.
أما إلغاء هذا القرار عام 1991 فكان استجابة أمريكية -مع موافقة فلسطينية عربية- لشرط إسرائيلي للموافقة على حضور مؤتمر مدريد (الشهير بعد ذلك) للسلام في الشرق الأوسط.
لكن الولايات المتحدة الأمريكية، بوصفها الحاضنة الدبلوماسية لإسرائيل، لم تكن تستطيع تمرير قرار الإلغاء ذاك إلا بالموافقة الضمنية من الدول العربية. كما سبق القول، فقد امتنع بعضها عن التصويت، وذلك لترك القرار يمر، مع إبداء عدم ممانعة في الاتصالات الجانبية مع دول العالم الثالث، لكي تصوت لصالح قرار الإلغاء، وإن كانت بعض الدول العربية صوتت بـ«لا»، لكن كل ذلك كان عملية توزيع أدوار، بحيث لا تتحول الأصوات العربية كلها فجأة من النقيض إلى النقيض، وفي الوقت نفسه تبدي ما يكفي من حسن النية والتعاون مع جهود واشنطن لعقد مؤتمر دولي للسلام في المنطقة.
لقد مر الآن أكثر من 30 عامًا على إبطال قرار اعتبار الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية والتمييز، ولكن السلام الذي من أجله وافقت الدول العربية على ذلك الإبطال لم يتحقق، بل تراجعت احتمالاته إلى حدها الأدنى، منذ توقفت «عملية أوسلو» إثر اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إسحق رابين، عام 1995، والذي شارك الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، في إطلاقها.
إذن، فقد زال المبرر الذي من أجله تنازل الفلسطينيون والعرب عن دمغ الأيديولوجية الصهيونية التي تأسست عليها إسرائيل بالعنصرية، وبالطبع نحن نعرف أنه لم يعد ممكنًا إيقاظ الإدراك العالمي للطبيعة العنصرية لهذه الأيديولوجية الاستعمارية وللسياسات الإسرائيلية بقرار جديد من ذلك النوع، لا في الجمعية العامة، ولا في غيرها من المحافل الدولية الرسمية، لأسباب كثيرة، منها انهيار أو تآكل الأنماط القديمة من التكتلات الدولية، وفي المقدمة منها تآكل التضامن العربي حول القضية الفلسطينية، وضد إسرائيل، وإشهار ورقة التطبيع مع إسرائيل بوصفها آخر ما في الجعبة من أجل السلام على أساس حل الدولتين، وذلك إذا تغاضينا عن العلاقات الأمنية لعدد كبير من الدول العربية المُطبّعة وغير المُطبّعة مع الدولة العبرية. لكن الزخم الراهن في الرأي العام العالمي ضد الحرب الإسرائيلية المجنونة على غزة يتيح فرصة ينبغي ألا تضيع لإحياء ذلك الربط العضوي الذي لا ينفصم بين الصهيونية والعنصرية.
كذلك، توفر الدعوى المرفوعة من جنوب إفريقيا ضد عمليات الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة أرضية خصبة لمثل هذه الجهود، مرة بمضمون الدعوى والمداولات حولها، ومرة ثانية لأنها من جنوب إفريقيا التي هي أهم تجسيد معاصر للمعاناة من العنصرية والانتصار عليها، فكيف يتحقق ذلك فيما الحكومات العربية لا ترغب أولا تستطيع، والسلطة الفلسطينية في أضعف لحظاتها؟!
إنه المجتمع المدني الفلسطيني، والمجتمع المدني العربي في كل مكان، وكذلك الجاليات العربية في مهاجرها في أنحاء العالم، بالتعاون مع المجتمعات المدنية في مختلف الدول الأجنبية.
فمن المؤكد أن العديد من مراكز الأبحاث الفلسطينية والعربية، وكذلك جامعة الدول العربية لديها مخزون ضخم من توثيق الأسس النظرية للطبيعة العنصرية الاستعمارية للأيديولوجية الصهيونية، وللممارسات العنصرية العملية للحركة الصهيونية ومنظماتها في فلسطين، ثم إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في ما بعد، وكل المطلوب هو إطلاع الرأي العام العالمي والمحلي على هذه الوثائق والبراهين، كمنهج مطرد، وأسلوب حياة، وطريقة دائمة وسلمية في النضال.
ومع أنه قد لا يكون من السهل إيجاد المنصات واسعة الانتشار والتأثير في الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية ،إلا أن المنصات البديلة متوافرة، كشبكات التواصل الاجتماعي، ومنظمات حقوق الإنسان والجامعات، والنقابات، ومراكز الأبحاث والدراسات، والتواصل الشخصي.. إلخ.
وقد يكون من أهم وأسرع الخطوات تأثيرًا ولفتًا لأنظار العالم، توثيق الأدوار الشخصية للساسة والمسؤولين والقادة العسكريين الإسرائيليين في بث أو تنفيذ جرائم الكراهية العنصرية والإبادة الجماعية والترحيل القسري، وقد رأينا وسمعنا منها الكثير منذ السابع من أكتوبر الماضي، وحتى اليوم والغد، على أن يكون ذلك مقدمة للذهاب بهذه الأدلة والوثائق إلى المحاكم في الدول التي تسمح قوانينها بذلك، فإذا تعذرت هذه الخطوة، فعلى المثقفين العرب في الداخل والخارج، بالتعاون مع المثقفين غير العرب وغير المنحازين للصهيونية، المبادرة إلى تشكيل محكمة ضمير أهلية عالمية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، على غرار المحكمة التي بادر إلى تأسيسها الفيلسوف البريطاني الراحل، برتراند راسل، في ستينيات القرن الماضي لمحاكمة مجرمي الحرب الأمريكيين في فيتنام.
علي أية حال، فإن وسائل مخاطبة الرأي العام والفئات المثقفة والمستنيرة المعادية للعنصرية في العالم كثيرة، ولا تقتصر بالطبع على ما ذكرنا من أمثلة، ولكن المهم عدم تفويت فرصة استعداد العالم الآن لسماع الحقائق عن جرائم وعنصرية الصهيونية الثابتة أصلًا بقرار من الجمعية العامة، حتى وإن كان أُلغي بتأثير غواية الأمل في استجابة إسرائيل لمقتضيات السلام العادل، وكذلك استعداد الشعوب للدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ورد مظلمتهم أمام هذه الأيديولوجية سيئة السمعة.
آراء أخرى
في الداخل الإسرائيلي.. لا صوت يعلو فوق صوت المعركة
«قراءة للداخل الإسرائيلي»
فرص إسرائيل «المستحيلة» في مواجهة إيران عسكريًا
«حقائق الأمور وتوازنات القوى على الأرض تجعل من الخيار العسكري «شبه مستحيل»»
نحو «المؤتمر الفلسطيني العالمي»
«كنت أفضل لو أن الراحل إدوارد سعيد كان قد تبنى مثل هذا المشروع في حياته»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد